الفصل 20 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل العشرون 20 - بقلم روز امين

المشاهدات
17
كلمة
4,521
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

"يا قمر ليلي المنير، يا من أزلت عتمتي، وبطلتها تبدلت حياتي. لو ترضي عني وتغفري، لأصبحت لك شمسًا، وغمرتك بظلي وحناني، ودفنتك بين ثنايا روحي، وبأعماق وجداني. شوقي إليك تخطى الحنين، ووصل لحد الجنون، بل والهيام، فرحماك أميرتي يا من ملكتي الروح وتملكتي، رحماك". فؤاد علام زين الدين بقلمي "روز أمين"

تركها بصحبة ذاك الإمعة بعدما اطمأن أن أنثاه قادرة على ردعه، وعدم السماح لتخطيه الحدود. وصل إلى الاستعلامات ليسأل الموظفة المسؤولة قائلًا برصانة: -لو سمحتي، محتاج أقابل دكتور أحمد الأباصيري. تطلعت إلى هيأته الجذابة لتسأله بصوت أنثوي بعدما أعجبتها طلته: -فيه ميعاد يا أفندم؟! أجابها بغرور لا يليق إلا به: -بلغيه إن سعادة المستشار "فؤاد علام" موجود وطالب يقابله ضروري.

ابتسمت له برقة قبل أن ترفع سماعة الهاتف الأرضي وتطلب مكتب أحمد، الذي طالبها بمرافقة أحد الموظفين معه لاصطحابه لمكتبه على الفور. أغلقت وأشارت لأحد زملائها باتخاذ مكانها لحين الذهاب معه شخصيًا بعد أن أثارتها شخصيته. أشارت له ليتبعها قائلة: -اتفضل معايا يا أفندم، الدكتور مستني حضرتك. جاورها الخطى لتقول وهي تحاول لفت نظره: -هو حضرتك مستشار في إيه؟ -إشمعنا؟ ... نطقها قاصدًا إحراجها ليسترسل بعدما وجدها تنظر له بذهول غير

مستوعبة حديثه الغير لائق: -ركزي في شغلك أحسن. سبته بسريرتها ولو بيدها الأمر لقامت بتوبيخه. وصلا لمكتب أحمد واختفى بداخله لتنطق بصوت مسموع لأذنيها: -واحد بارد وسخيف. بالداخل وقف أحمد ليستقبل فؤاد الذي جلس ليقول باقتضاب: -هدخل في الموضوع على طول علشان ما اضيعش كتير من وقتك. نطق الآخر برصانة واحترام: -وقتي كله تحت أمرك يا سيادة المستشار. بعينين ممتنتين نطق: -متشكر للطفك يا دكتور. واسترسل بإيجاز:

-أنا جاي أكلمك بخصوص والد الأستاذة إيثار، عاوز أعرف حالته بالظبط، ولو ليها علاج بره مصر أنا هتكفل بنقله وعلاجه في أي مستشفى حضرتك هتحددها، وميهمكش التكاليف، مهما كانت التكلفة أنا هتحملها بالكامل. أخذ نفسًا عميقًا ليجيبه متأثرًا: -للأسف يا سيادة المستشار، حالة عمي غانم متأخرة جدًا، وحتى العلاج الكيماوي مش هينفع معاه، لأننا هنكون بنعذبه على الفاضي، نقدر نقول إنه بيقضي آخر أيامه. واسترسل بعملية:

-الدكتور اللي متابع حالته قال إن في خلال أيام هيدخل في غيبوبة، وللأسف. قال كلمته الأخيرة بكثير من الأسى ليسأله فؤاد متأثرًا: -يعني مفيش أمل ولو حتى ضعيف يا دكتور؟ هزة بسيطة من رأسه مع علامات الأسى التي ظهرت بعينيه كانت كفيلة بالإجابة ليتنهد الآخر بقلب حزين لأجل حبيبته. نطق بعدما وعى على حاله: -بعد إذنك أنا عاوز أدفع حساب المستشفى. -الحساب مدفوع يا سيادة المستشار... نطقها ليتابع بزيف كي لا يقلل من شأنها أمامه وغيره:

-إيثار أصرت تدفع الحساب وأنا عملت لها تخفيض كويس، فـ متقلقش. تنفس عاليًا باستسلام لينهض ناصبًا ظهره وأمسك زر البدلة ليغلقه وهو يقول: -متشكر لسعة صدرك يا دكتور، وآسف إني أخذت من وقتك وبدون ميعاد. -ولا يهمك يا أفندم، جنابك تشرف في أي وقت... نطقها ليتطلع عليه الآخر بامتنان وهو يقول برجاء: -لو لا قدر الله حصل أي حاجة للحاج غانم يا ريت تبلغني. أومئ له بإيجاب ليشكره الآخر قبل المغادرة. **********

ليلًا، كانت بغرفة والدها مع شقيقيها وجدي وأيهم. اقتربت من والدها لتميل عليه واضعة قبلة حنون وهي تتطلع بمقلتيه لتبث الأمل بداخله: -الله أكبر عليك يا حاج غانم، وشك منور النهاردة. ابتسم ليجيبها بنبرة متفائلة: -الحمد لله يا بنتي، أنا فعلًا حاسس نفسي أحسن من ساعة ما جيت هنا.

لم يكن ينطق إلا بما يشعر به، فقد اعتمد الأطباء على المسكنات القوية كي يخففوا من حدة الألم المصاحب لذاك المرض المميت، لذا فقد شعر بالتحسن بعدما خدرت جميع آلامه لتسكن وتستكين. كانت على دراية بكل هذا فقد اطلعها الطبيب المعالج على البرنامج، وبرغم تمزق قلبها على ما أصاب ذاك الحنون إلا أنها شعرت ببعض الطمأنينة عند علمها بعدم شعور والدها بالألم ليفارق الحياة بصمت دون آلام، فيكفيه ما عاناه طيلة حياته تارة من الفقر وتارة أخرى من زوجته، ابتلاءه من رب العالمين في الدنيا لتكفير ذنوبه.

ابتسامة تخبئ خلفها الكثير من الشعور بالمرارة خرجت لتقول وهي تمرر أناملها الرقيقة فوق وجنته الذابلة: -إن شاء الله هتخف وهترجع أحسن من الأول كمان. ابتسم وجدي ليكمل على حديثها بدعابة بعدما رأى ابتسامة والده والأمل يملأ مقلتيه: -يلا بقى شد حيلك يا عم غانم علشان نجوزك واحدة ترجع لك شبابك تاني. ضحك بشدة حتى ظهرت أسنانه لينطق أيهم بمشاكسة لشقيقه: -لو أمك سمعتك رجلك مش هتخطى خطوة واحدة جوة البيت تاني.

كانت تتابع دعابات شقيقيها وضحكات والدها بقلب يعتصر ألمًا. تعلم أنها الضحكات الأخيرة بحياة والدها، كما تعلم أن أيامه بالحياة أصبحت معدودة. تود لو بإمكانها المكوث معه والتمدد بجواره كي تنكمش وتغفى بأحضانه. تود استنشاق أكبر قدر من رائحته العطرة بالنسبة لها لتحتفظ بها داخل رئتيها كي تسترجع استنشاقها بعد الرحيل.

يا له من شعور مرير، بل الأبشع على الإطلاق بحياة الفتاة. كلنا منذ أن نأتي للحياة نرى بأعيننا الأب في الصورة القوية المثالية، فهو بالنسبة للفتاة مثال للبطل الخارق والصورة الكاملة، فارس الأحلام كما يجب أن يكون، لذا جميعنا نتمنى زوجًا شبيهًا أبانا قرة أعيننا. فيا لها من طامة كبرى عندما نرى ذاك الجبل الشامخ وهو ينهار أمام أعيننا بمنتهى القسوة.

شعر بها ليتعجب لدموعها الساكنة مقلتيها، فهو إلى الآن لم يدرِ بحقيقة مرضه، وكان هذا ما جال بخاطرها وأخطرت به الأطباء وأشقائها الثلاث ووالدتها كي يرحل والدها بسلام دون هلعه من ذاك الخبر المفجع، وقد وافقها الجميع واستحسنوا فكرتها. سألها مستغربًا حالتها: -مالك يا بنتي، فيه حاجة مزعلاكي؟ فاقت على سؤاله لتجيبه سريعًا قبل أن يتطرق بمخيلته ويبحث عن سبب حزنها: -سلامتك يا حبيبي. لتستطرد بزيف كي تزيل الشك:

-بالعكس أنا مبسوطة جدًا بلمتنا وضحكنا، بس كان نفسي نتلم ونضحك في ظروف أحسن من كده. باغتها وجدي عندما رأى هبوط دمعاتها وخشي أن يتسلل الارتياب إلى صدر والدهم: -وهي مالها بس الظروف يا إيثار، ما احنا زي الفل أهو، وأبوك عنده شوية مضاعفات ونقص فيتامينات والدكاترة هيظبطوا له الدنيا وهيبقى زي الفل، ويرجع بيته ينوره من جديد.

قال كلماته الأخيرة وهو يميل على يد والده ليضع قبلة حنون نال بها استحسان ذاك الطيب لتبتسم وهي تنظر لأبيها بنظرات تفيض حنانًا. تنفس غانم ليقول لها بعقلانية: -قومي روحي مع أيهم علشان ترتاحي، ومتجيش بكرة بالنهار، روحي شغلك ومتوقفيش حياتك، أنا بقيت كويس خلاص. ردت برفض تام: -لا طبعًا مش هرجع شغلي غير لما أطمن عليك. تنفس ليجيبها بصوت واهن: -أنا بقيت كويس وأيهم إخواتك معايا طول الوقت، وإنت روحي شغلك وابقي تعالي بعد ما تخلصي.

-بابا عنده حق يا إيثار... نطقها أيهم ليسترسل موضحًا: -كلنا بنتابع أشغالنا وبنبدل مع بعض، مفيش حد حياته واقفة غيرك. -متشغلوش بالكم بيا، الباشمهندس أيمن مقدر ظروفي كويس... نطقتها بهدوء ليعترض والدها قائلًا: -المثل بيقول: إذا كان حبيبك عسل، الراجل كويس معاك فبلاش تستغلي طيبته ليزهق منك.

ابتسمت له ووافقته الرأي. بعد قليل كانت تقف بوسط مطبخ مسكنها تقوم بتجهيز طعام العشاء لها وشقيقها. ولجت عزة وهي تفرك عينيها من أثر النوم حيث كانت تغط في سبات عميق بجوار الصغير قبل أن تستمع لجلبة آتية من المطبخ لتجد إيثار تقف أمام موقد النار لتقوم بتسخين الطعام. نطقت بصوت متحشرج من أثر نعاسها: -إنت جيتي يا بنتي. استدارت لتتطلع عليها لتقول مشفقة على حالتها: -إيه اللي صحاك؟ -سمعت صوتك قولت أكيد بتجهزي أكل...

قالتها بهدوء لتسترسل وهي تحثها على التحرك استعدادًا للوقوف بمحلها: -اقعدي وأنا هسخن الأكل، فيه حد من إخواتك جه معاك؟ انسحبت لتجلس فوق المقعد لتشبك يديها ببعضهما قبل أن تضعهما على سطح الطاولة وهي تقول بصوت واهن: -أيهم معايا، دخل ياخد شاور في الحمام اللي في أوضتي. قطع حديثهما صدوح صوت هاتفها الجوال الموضوع على الرخامة المجاورة للموقد، لتمد عزة يدها تلتقطه كي تعطيها إياها. وأثناء تطلعها عليه لمحت نقش اسم المستشار فؤاد

علام لتسألها بجبين مقطب: -إنت فكيتي له البلوك إمتى ده كمان؟ أخرجت تنهيدة حارة لتنطق بإبانة: -جه زار بابا النهاردة وطلب مني أفكه علشان يطمن عليه. -وإنت طبعًا ما صدقتي... قالتها بابتسامة خبيثة لتقابلها الأخرى برمقة حارقة وصوت حاد: -عزة، الموضوع ده مفيهوش هزار. قالت بتبرير: -ومين قال لك إني بهزر، الراجل عرف غلطه وندم وداير وراكي وهيتجنن علشان تصالحيه، متسوقيش إنت فيها قوي كده. بملامح وجه تحمل الكثير من الهموم تحدثت:

-عزة، أنا فيا اللي مكفيني، عاوزة آكل لقمة وأدخل أنام علشان أقدر أكمل. -طب مش هتردي على الجدع وتريحي قلبه... قالتها بعدما صدح صوت الهاتف مرة أخرى لتتنهد الأخرى بضيق وهي تتبادل النظرات بين الهاتف وعزة التي قالت بتشجيع: -روحي البلكونة ردي عليه على ما الأكل يسخن. أخذت نفسًا عميقًا لتنسحب إلى الشرفة وتجيب قبل أن ينقطع الاتصال: -ألو. -أخيرًا... نطقها ذاك الجالس خلف مكتب والده المتواجد بالطابق الأرضي لتجيبه

بصوت يحمل بعض الأسف: -آسفة، كنت بجهز العشا لأيهم أخويا. بنبرة حنون أبلغها: -يا حبيبي إنت تعملي كل اللي يحلالك في أي وقت، وأنا مستعد أستناك العمر كله. أغمضت عينيها بعدما سئمت واستحقرت حالتها وانتفاضة قلبها تأثرًا بحديثه المعسول، لتلوم حالها وتسبها. أخذت نفسًا عميقًا لتتمالك من حالها قبل أن تنطق بنبرة جاهدت لإخراجها حازمة:

-أرجوك يا سيادة المستشار، مش معنى إني فكيت البلوك إني هسمح لنفسي قبل منك أسمع كلامك المعسول ده مرة تانية. -بس ده مش كلام معسول زي ما بتقولي يا إيثار... قالها معترضًا ليتابع بما زلزل جدار قلبها: -ده صوت قلبي ومشاعري اللي بتترجم وغصب عني بتطلع على هيئة كلمات. تنفس لينطق بصوت يكاد أن يصرخ بكل ما فيه ليخبر العالم أجمع بعشقه لتلك العنيدة الشرسة: -ليه مش قادرة تقتنعي إني دوبت في غرامك وانتهى الأمر؟ -أرجوك... نطقتها بنبرة

متوسلة لتتابع مسترسلة: -لا الوقت ولا الظروف تسمح لي بإني أتناقش معاك في مواضيع زي دي. -خلاص يا حبيبي، اهدي... نطقها بحنو ليحثها على الهدوء لكنه وعلى العكس قد أثار حنقها لتهتف بنبرة حادة عندما جال بخاطرها أنه سيعيد ما حدث ويقوم بتكراره: -يا ريت تبطل كلمة حبيبي، ده لو حابب نرجع نتكلم تاني بس كـ أصدقاء. -موافق يا حبيبي... نطقها قاصدًا استفزازها لتصيح بحدة وزمجرة: -فؤاد! -عيونه...

قالها بكثير من الهيام لتبتلع لعابها بصوت عالي وصل إليه عبر السماعة ليكظم ضحكاته ويسترسل بنبرة جاهد لتخرج جادة: -خلاص يا إيثار، أوعدك مش هقول لك أي كلام يضايقك تاني، بس ده لفترة معينة. ليستطرد بتصميم: -لحد ما ألاقي فرصة نتكلم فيها من القلب ونخرج كل اللي جوانا. تنهيدة حارة شقت صدرها وهي تخرج لتقول بصوت يملؤه الإحباط:

-الفرصة جت لك لحد عندك وبإيديك ضيعتها، وللأسف يا سيادة المستشار، أنا بدي للي قدامي فرصة واحدة يثبت لي فيها حسن نيته، وبعدها بقفل الملف وللأبد. نطقت كلماتها بذات مغزى لتسترسل بإيضاح بصوت صارم مقصود:

-تجاربي علمتني إن مفيش حاجة اسمها فرصة تانية، الفرصة التانية غباء وإهدار للوقت، وصدقني كله في الآخر بيودي على طريق واحد، وهو الفشل، بس المرة التانية بتكون القاضية، لأن الفشل بيكون أعمق وبيدمر في طريقه أي أمل ويسيبنا بنفوس متدمرة.

كان يستمع لها بقلب يتمزق لأجل ما تشعر به بفضله. ود لو بإمكانه لاخترق الزمن وطار إليها ليقف أمامها ويسحبها لداخل أحضانه ليربط على ظهرها بمنتهى الحنان ويغمرها باهتمامه كي ينسيها تجربتها المريرة معه ومع غيره. تنهد ليقول بعدما قرر تخطي الحديث: -بابا عامل إيه؟ هزت رأسها لتتخلص من تلك الطاقة السلبية التي تملكت منها لتقول بنبرة هادئة إلى حد ما:

-الحمد لله، الدكاترة كثفوا له جرعة المسكن علشان ميحسش بالألم، لأن للأسف، المرض انتشر بصورة بشعة في كل الجسم، وبابا بنيان جسمه ضعيف مش هيقدر يتحمل. نطقت كلماتها الأخيرة بألم لتشهق بعدما انتهت لتبدأ وصلة دموعها التي انسابت رغما عنها بعدما فقدت الصبر. نطق بقلب يعتصر ألمًا عليها: -إهدي من فضلك، لازم تكوني قوية علشانه، مينفعش يلمح في عيونك نظرة ضعف واحدة، لازم تكوني مصدر قوته. بصوت يئن ألمًا أجابته:

-غصب عني يا فؤاد، مش قادرة أشوفه بالضعف ده، عقلي رافض يستوعب نوع المرض، مش قادرة أتخيل إن كلها شهور ويمكن أسابيع ومشوفش بابا قدامي تاني. تنهد بألم وبرغم عشقه لنطقها لحروف اسمه التي تنطقه عندما تكون في حالة من اللاوعي إلا أنه لم يتذوق حلاوته لمرارة حديثها المؤلم. أجابها بكلمات عن الإيمان بالله ليحثها على التسلح بها: -ده قدره يا حبيبي... نطقها مغيبًا ليتابع بصوت متأثر:

-وإنت ست مؤمنة ولازم ترضي وتصبري على البلاء وتحتسبي الأجر عند الله. ادعي له يا إيثار، ادعي له كتير... قالها بصوت مريح مما جعل داخلها يستكين. نطقت بصوت ممتن: -متشكرة يا سيادة المستشار، متشكرة بجد. تنفس عاليًا لينطق: -أنا معاك دايمًا، في أي وقت تحتاجيني فيه هتلاقيني، حتى من غير ما تندهي لي، أنا معاك ودايمًا هكون حواليك.

ما هذا الشعور العجيب الذي شمل روحها بمجرد نطقه بتلك الكلمات ليغمرها بواحة من السلام النفسي لم يسبق وعاشته من ذي قبل. تنفست بارتياح لم تتذوقه منذ الكثير قبل أن يباغتها صوت شقيقها الذي صدح من خلفها وهو يستعجلها: -يلا علشان نتعشى يا إيثار. التفتت بجسدها لتنظر للواقف خلفها وتحدثت: -حاضر يا أيهم، ثواني وجاية. انسحب للداخل وقبل أن تنطق قاطعها باحترام: -روحي اتعشي وخدي لك شاور سخن وحاولي تهدي نفسك وتنامي. أومأت

دون حديث ليسترسل بانسحاب: -هكلمك بكرة علشان اطمن على بابا وعليك، تصبحي على خير. -وإنت من أهله...

نطقتها لتغلق الهاتف وتنطلق عند أخيها ليلقي هو برأسه يستند بها على خلفية المقعد الضخم ويسرح بمخيلته بعينين منغلقتين. تذكر انتفاضة قلبه عند رؤياها اليوم. لقد كان يشتاقها بجنون نظرًا لابتعاده عنها بعدما حرمته طلتها حتى صوتها الحنون حرمته الاستماع لنبراته. ابتسم تلقائيًا لتذكره عينيها ليباغته دخول والدته التي تحدثت لينتبه ويخرج من شروده التي تيقنت منه بعدما رأت ابتسامته الواسعة: -أخلي سعاد تعمل لك قهوة يا فؤاد؟

فتح عينيه وعدل من وضعية جلوسه سريعًا احترامًا لشخص غالته ليجيبها بنبرة صوت مستكين: -لا يا حبيبتي متشكر. أقبلت حتى اقتربت من المكتب ثم جلست بالمقعد المقابل لتقول بابتسامة مداعبة إياه: -مش ناوي تحكي لي وتقولي مين هي؟ قطب جبينه ليسألها بريبة ظنًا منه أنها استمعت على حديثه مع من ملكت فؤاده: -تقصدي مين بكلامك؟ ابتسمت لتجيبه بمشاكسة: -أقصد اللي غيرت حياتك وخلتك تسهر الليالي بعد ما كنت بتنام من الساعة تسعة.

رفع حاجبه لتتابع: -واللي بسببها محسيتش بدخولي من شوية مع إني خبطت أكثر من مرة، بس الباشا كان مغمض عيونه وسرحان فيها. انطلقت منه ضحكة عالية لتتعمق عصمت بتعبيرات وجهه كي تستشف صدق حديثها من عدمه لكنها فشلت فهذا الداهي يستطيع بكل مكر تخبئة ما بداخله والسيطرة على مشاعره بحيث يصعب على الآخرين قراءة ما يدور بخلده. توقف عن إطلاقه القهقهات ليقول بإنكار:

-ده إيه الخيال الواسع اللي عند حضرتك ده يا دكتورة، فجأة خلتيني حبيت لا والأستاذة غيرت طباعي كمان. تعمق بعينيها ليسترسل بمشاكسة: -إنت تعرفي عن فؤاد علام كده بردوا؟! تطلعت إليه بعينين مستفهمتين ليتابع موضحًا بغرور يعلم من داخله أنه واهٍ: -متخلقتش لسه اللي تدخل على حياة فؤاد علام وتغيرها.

نطق كلماته وهو على يقين من عدم صحتها فقد خلقت واقتحمت داخله وبدلت ثوابته بل وغيرت حياته بالكامل لكنه مازال يكابر على الأقل أمام الآخرين. حتمًا سيخبرها لكن بعد أن يضمن موافقتها على الزواج منه وحينها سيعلنها زوجة له أمام الجميع. -مفيش فايدة فيك يا فؤاد يا علام، عمرك ما هتبطل غرور... نطقتها نكاية به ليقهقه قائلًا بمشاكسة: -تربيتك يا دكتورة. رمقته باستنكار ليسترسل مصححًا وصفها:

-وبعدين ليه تسميه غرور، ليه منقولش ثقة بالنفس. قالت بإبانة: -شتان ما بين الثقة بالنفس والغرور يا جناب المستشار، خيط رفيع بيفصل بينهم، يا ريت تاخد بالك منه. ابتسم بهدوء ليجيبها بنبرة جادة بعيدًا عن مزاحهم: -متقلقيش يا دكتورة، أنا تربية جناب المستشار "علام زين الدين" ودكتورة "عصمت الدويري". تنفست بهدوء لتقول بعينين متأملة: -ربنا يصلح حالك يا فؤاد ويرزقك ببنت الحلال اللي تسعدك وتعوضك خير عن كل اللي حصل لك قبلها.

-يا رب يا ماما... نطقها بتمني جعل داخلها ينتفض فرحًا، فتلك هي المرة الأولى التي لا ينزعج من ذكر الموضوع بل والأدهى هو تأمينه خلف دعائها. اشتدت سعادتها وتيقنت صدق حدسها لكنها كظمت شعورها بداخلها كي لا تثير حنقه ويرجع ذلك لفهمها لشخصية صغيرها العنيد، فأكثر ما يثير غضبه هو خوض الأشخاص بما يخصه والتجول بخصوصياته. ********** داخل أحد المطاعم الخاصة بتقديم الطعام

يجلس دكتور أحمد مقابلًا زوجته الجميلة سالي يتناولان الطعام وهما يتحدثان، وأثناء حديثيهما سألته عن حالة والد إيثار وما إن حدث بها تطورات أم أن الحالة تنتكس، ليجيبها شارحًا الوضع لتقول متأثرة بملامح وجه ارتسم عليها الأسى: -يا حرام، تلاقي إيثار زعلانة جدًا على باباها. أجابها مؤكدًا: -أكيد يا حبيبتي، الراجل حالته صعبة جدًا والمشكلة إن باباها هو الشخص الوحيد الحنين عليها من وسط عيلتها كلها.

حزنت لأجلها لينطق بعجالة وهو يمضغ الطعام وكأنه تذكر للتو: -نسيت أقول لك، تخيلي مين جالي المستشفى النهاردة وسأل على باباها؟ قطبت جبينها للحظة لتهتف متذكرة حديث والدة زوجها: -إوعى تقولي فؤاد علام. ضيق بين عينيه متعجبًا ليسألها باستغراب: -عرفتي إزاي؟ ليستطرد ما حدث متعجبًا: -ده أنا نفسي مش مستوعب إنه يجي لي ويسألني على حالته، لا ويطلب مني أرشح له دولة متقدمة في علاج المرض ده علشان يسفره يتعالج هناك على حسابه الشخصي.

بملامح وجه مذهلة قالت بعدم استيعاب: -للدرجة دي، ده على كده كلام طنط نيللي طلع صح. مضغ ما في فمه سريعًا وابتلعه ليسألها مستفهمًا: -كلام إيه ده اللي قالته ماما؟! أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تجيبه متعجبة: -اسمع يا سيدي آخر نكتة. لتسترسل متهكمة وهي تهز رأسها بطريقة مسرحية: -قال إيه فؤاد علام زين الدين، بوظيفته ومنصب بابه واسم عيلته الكبير اللي يخض أي حد يسمعه. لتتابع بتقليل من شأن الأخرى متبعة ذاك التفكير الطبقي

الذي عفى عليه الزمن: -بيحب إيثار مديرة مكتب باباك. اتسعت عينيه للحظة حتى استوعب الفكرة لا للتقليل من شأن إيثار لكن لغرابة الفكرة ذاتها لينطق بنبرة متعجبة: -معقولة، طب وإيثار، هي كمان بتحبه ولا القصة من طرف واحد؟ جحظت عينيها لتقول بعنصرية: -إنت هتجنني يا أحمد، هي المشكلة في إن إيثار تبادله الحب ولا في الفرق الطبقي الرهيب اللي بينهم. واسترسلت بتعالي:

-تفتكر واحد زي علام زين الدين ومراته هيوافقوا إن ابنهم يتجوز مديرة مكتب! -وليه يرفضوا؟ البنت محترمة جدًا ومثقفة ومفيش حاجة تعيبها... قالها بلامبالاة لتسأله بعقلانية وحسب تفكير تلك الطبقة بل والكثير من شعوبنا العربية: -النسب مش شخصين ارتاحوا لبعض يا دكتور، النسب عبارة عن عيلتين لازم يكونوا متطابقين فكريًا وماديًا وثقافيًا، تفتكر عيلة إيثار البسيطة ممكن تندمج فكريًا وثقافيًا مع عيلة الزين لو دار بينهم حديث؟

أجابها بتبسيط للأمور وهو يتابع تناول طعامه: -محدش بيفكر بالطريقة المعقدة دي الوقت يا قلبي، العالم اتطور والناس تفكيرها اتغير ومبقوش بيعقدوا الدنيا زي زمان، الناس بتاخد الأمور ببساطة. -بيتهيأ لك يا حبيبي، وبكرة هفكرك لو فؤاد علام اتجنن وفكر يرتبط فعلًا بإيثار... قالتها بتحدي لتسترسل وهي تهز رأسها بابتسامة ساخرة: -ده إذا ما كانش بيتسلى بيها. لم ينل حديثها استحسانه لينطق بنبرة صارمة:

-إيثار مش من النوع ده وإنت عارفة كده كويس يا سالي، يا ريت تقفلي الكلام في الموضوع ده لأني محبتش أسلوبك وطريقة كلامك عنها. واسترسل باستهجان: -بصراحة صدمتني طريقة تفكيرك الرجعية. هزت رأسها بذهول من مهاجمة زوجها لتقول باستغراب: -إنتوا ليه كلكم فاكرين إني بهاجم إيثار أو بقلل من احترامها، أنا بتكلم من وجهة نظر المجتمع اللي حضرتك وطنط نيللي مغيبين عن تفكيره. -سالي...

نطقها بحزم مع نظراته التحذيرية لتفضل الصمت وتتابع تناول الطعام بعدما تيقنت وصول زوجها للحد الذي يجعلها ترتاب. ********** بعد مرور أربعة أيام

كانت بمكتبها تتابع عملها بتركيز شديد ومهنية لتنهي ما عليها سريعًا كي تذهب إلى والدها لتطمئن عليه. أما أيمن فبرغم اعتراضه على تركها لوالدها إلا أن حضورها لمقر الشركة يشعره بالأمان والطمأنينة على كفاءة سير العمل حيث بات لا يأمن ولا يطمئن إلا من خلال التعامل معها. وأثناء مزاولتها للعمل والاندماج به وصل اتصال هاتفي من أحمد أبلغ به والده أن غانم قد ساءت حالته كثيرًا وتم نقله لغرفة الإفاقة وطلب حضور ابنته على الفور. طلب

أحمد من والده إبلاغ إيثار وإحضارها للمشفى. أبلغها أيمن ليرتعب داخلها هلعًا على أبيها. طلب أيمن من السائق الخاص به إيصالها للمشفى وبالفعل بغضون النصف ساعة كانت تهرول داخل رواق المشفى بقلب منتفض وسيقان مرتعشة. وصلت إلى غرفة الإفاقة وجدت والدتها وشقيقيها عزيز وأيهم يتطلعون من خلال الحائط الزجاجي على ذاك الماكث بالداخل فوق التخت الخاص. تطلعت عليه لتشهق بصوت يدمي القلوب وهي تنظر عليه وعلى صدره الموصل بكثير من الأجهزة

والخراطيم وجهاز التنفس الاصطناعي الموضوع على فمه وأنفه. خرج أحمد من الغرفة ليسرع الجميع

إليه ليسأله عزيز بارتياب: -أبويا ماله يا دكتور، ده كان كويس إمبارح. بوجه حزين أجابهم: -كل ده متوقع وأنا بلغتكم بيه قبل كده، للأسف الحالة بتتدهور بوتيرة أسرع مما توقعنا. سألته بصوت يرتجف وحروفًا متقطعة ترجع لشدة هلعها: -يعني إيه يا دكتور؟! رفع منكبيه لأعلى ليجيبها بأسى: -يعني تجهزوا حالكم لأسوأ الاحتمالات، ممكن منوصلش لمرحلة الغيبوبة. لطمت منيرة وجنتيها وسالت دموعها ليتابع أحمد موجهًا حديثه لـ إيثار:

-ادخلي له يا إيثار لأنه طلبك. -وأنا... نطقتها منيرة بحدة ليجيبها أحمد بنبرة حازمة: -مش الوقت يا أفندم، المريض تعبان وهو اللي طالب يشوف بنته ومصر على طلبه، لولا كده مكنتش هسمح بدخولها لأن الحالة حرجة. حول بصره إلى الممرضة ليتابع قاصدًا إيثار: -خديها للتعقيم وجهزيها علشان تدخل عند المريض.

انسحبت لمكتبه وبعد قليل ولجت لغرفة الإفاقة بعدما ارتدت اللباس الخاص بالتعقيم. تحركت بساقين مرتعشتين حتى وصلت إلى مكوثه. أمسكت كفه ومالت لتطبع عليه قبلة فشعر بوجودها وفتح عينيه ليجدها. بصعوبة رفع كفه ليزيل به جهاز التنفس الاصطناعي لتباغته بحديثها الرافض: -سيبه يا حبيبي علشان تقدر تتنفس كويس. بصوت متقطع نطق وهو يأخذ نفسه بصعوبة بالغة: -خلاص يا بنتي، الفراق وجب، وقبل ما أمشي والروح تطلع عند اللي خالقها، لازم أطمن عليك.

ارتفع صوت بكائها لتشهق بقوة ودموعها تنساب على وجنتيها كشلالات متدفقة ليتابع بوهن شديد يوحي لوصول النهاية: -إوعي تنسي اللي قولت لك عليه، بخصوص حجة البيت والأرض، دول أمانك إنت ويوسف، إوعى قلبك يحن وتديهم العقود، هيضحوا بيكي علشان راحتهم يا بنتي، خليهم أمانك وسندك بعدي، وإوعى تأمني لأي حد منهم. خرجت كلماتها بشهقات متألمة وهي تقول بقلب ينزف دمًا: -متتعبش نفسك بالكلام، إنت هتصحى وهتبقى كويس صدقني، ومحدش هيحميني غيرك.

ابتسامة مستسلمة خرجت من جانب فمه ليخبرها بما أدمى قلبها: -أنا سمعت الممرضات امبارح وهما بيركبوا لي المحلول وكانوا فاكريني نايم، عرفت إن عندي المرض الخبيث وإني بموت خلاص. ليسترسل بيقين نابع من إيمانه: -أنا راضي بنصيبي الحمد لله، بس مش خايف غير عليك يا بنتي، هسيبك أمانة لربنا يحميك ويحفظك من شر نصر وولاده وأمك واخواتك، وهدعي ربنا يرزقك بأولاد الحلال اللي يقفوا معاك. تنفست لتجيبه بصوت خافت في محاولة

منها لبث الطمأنينة بقلبه: -مش عوزاك تحمل همي، أنا قوية وقدهم، واللي خلاني أقدر أعيش وأكمل كل السنين دي، هيخليني أكمل بأمر ربنا. أمسك كفها ليقول بعينين آسفتين: -سامحيني يا بنتي، سامحيني وإبقي افتكريني في دعواتك. نطق كلماته الأخيرة ليسعل بشدة ويبدأ الجهاز المرتبط بنبضات القلب في إخراج صوت عالٍ كإنذار لتصرخ بكامل صوتها وهي تعيد جهاز التنفس لمكانه لتقول: -اتنفس يا بابا، حاول تتنفس.

كان يتطلع إليها بنظرات مرتعبة هلعة وهو يتنفس بصعوبة. أسرعت لتهرول باتجاه الباب لتستدعي الأطباء لتتفاجأ بدخولهم بعدما استدعاهم عزيز الذي كان يراقبهما من خلف الحائط الزجاجي. هتفت وهي تجذب ذراع أحمد: -بابا، بابا، مش قادر يتنفس، إلحقه يا دكتور. جذبها من ذراعها واتجه بها نحو الباب وهو يقول: -اخرجي علشان نشوف شغلنا. صرخت وهي تقول برفض: -مش هسيب بابا، مش هخرج قبل ما أطمن عليه.

أشار لإحدى الممرضات لتجذبها للخارج وهي تصرخ لتخرج وتنضم لوالدتها وشقيقيها لمشاهدة والدها الذي انتزعوا عنه ذاك الثوب الأزرق ليظهر صدره وبدأوا بوضع جهاز الصدمات الكهربائية فوق القلب في محاولة منهم لإنعاشه. كرروا تلك التجربة عدة مرات باءت جميعهم بالفشل الذريع لينظر الطبيب إلى أحمد يهز رأسه بمعنى لا فائدة وإخباره بأن الحالة قد فقدت حياتها. أغمض أحمد عينيه بأسى وبدأ طاقم التمريض نزع الأجهزة عن المريض وتغطية وجهه بالمفرش الأبيض.

صرخة مدوية زلزلت جميع أرجاء المشفى خرجت من أعماق صدرها حين تيقنت فقدانها لوالدها الحنون. بتلك اللحظة شعرت بهدم جدران حياتها بالكامل. شعور بالخوف تمكن من قلبها وسيطرت الانتفاضة على كامل جسدها. هرولت للغرفة تحاول اقتحامها والدخول لغاليها ليمنعها الجميع لكن دون فائدة. فقد وصلت بالفعل إليه وأزالت ذاك المفرش اللعين ليظهر وجه أبيها وعلامات الصلاح وحسن الخاتمة تظهر فوق ملامحه الهادئة. ظهر وكأنه يبتسم مرحبًا برحيله من الدنيا إلى الحقيقة المؤكدة بعالمنا وهي "الموت".

باتت تقبل كل إنش بوجهه وهي تقول وكأنه يسمعها: -متسبنيش يا بابا، إوعى تسيبني يا حبيبي. واسترسلت وكأنها تستعطفه بعينيها: -ما إنت عارف إني مليش غيرك، يرضيك تسيبني أواجه الدنيا لوحدي. -بااااااابااااا... نطقتها بصراخ بعدما تيقنت موته لتصرخ منيرة وتعدد بكلمات مؤلمة. أخرج الأطباء الجميع ليستعدوا لنقل الجثمان للغسل وتجهيزه لمثواه الأخير.

وصل أيمن وزوجته بعدما أخبرهما نجليهما لتأدية واجب العزاء وبعد قليل أتاها اتصال هاتفي من فؤاد بعد أن علم بالخبر عن طريق أحمد كما أوصاه من قبل. كانت تجلس بجوار نيللي وعزة التي حضرت بصحبة الصغير بعد أن هاتفها عزيز وطلب إحضاره كي يكون بجوار والدته ويخفف عنها وطأة الخبر المشؤم. وقفت مبتعدة لتجيب عليه بعدما كرر الاتصال أكثر من مرة وما أن فتح الخط حتى هتفت وكأنها تشتكيه مر زمانها: -بابا مات يا فؤاد، مات وسابني لوحدي خلاص.

وكأن كلماتها نيرانًا نزلت على جسده لتشعله بالكامل وما شعر بحاله إلا وهو يقول بصوت يتألم لأجلها: -الله يرحمه يا إيثار، ادعي له بالرحمة يا بابا. واسترسل وهو يتابع قيادته للسيارة: -مش عاوزك تخافي، أنا في الطريق نص ساعة بالظبط وهكون عندك.

استمعت لكلماته لينتفض جسدها رعبًا وهي تتلفت حولها. فالمشفى بلمح البصر امتلأ بأقربائهم وعمرو وشقيقاه طلعت وحسين الذين حضروا فور إبلاغهم عن طريق عزيز وحسب تعليمات نصر. لذا صاحت بصوت يتمزق ألمًا لشدة حزنها على والدها: -بلاش لو سمحت يا فؤاد، إخواتي لو شافوك هيسألوني عليك وكمان عمرو وأهله هنا. اشتعال جسده بنار الغيرة فور استماعه لاسم زوجها الأول ليهتف بصرامة:

-أنا جاي يا إيثار، لو موقفتش جنبك في يوم زي ده يبقى لزمتي إيه في الدنيا؟! نطقت بصوت راجي: -أرجوك يا فؤاد، علشان خاطري بلاش، صدقني وجودك هيفتح عليا أبواب جهنم وأنا مش ناقصني مشاكل معاهم. بصعوبة استطاعت إقناعه بالعزوف عن الحضور ليغلق بعدما طلب منها مهاتفته طيلة الوقت كي يطمئن عليها. تم تجهيز الجثمان واستخرجوا جميع الأوراق اللازمة ليقف الجميع استعدادًا للرحيل لتقف منيرة بوجه عزة التي تحمل الصغير لتهتف وهي تجذب الصبي

من أحضانها لتنطق بصوت حاد: -هاتي الولد وارجعي إنت على الشقة. نطقت بترجي: -خليني أجي معاكم أحضر الدفنة. -قولت لك خليك علشان تحرسي الشقة... نطقتها بحزم لتنسحب السيدة بدموعها بعد أن ودعت إيثار التي أخبرتها أن لا داعي للسفر وبأنها ستعود بعد مراسم الدفن مباشرة.

بعد حوالي الساعة السادسة مساءً، كانت تجلس أرضًا بجوار قبر أبيها بعدما تم دخوله لمثواه الأخير، حاملة لكتاب الله العزيز "القرآن الكريم" تتلو بصوت مسموع بعض السور. بعد ذهاب الجميع صدقت وأغلقت المصحف الشريف ثم وقفت لتقوم بتوديعه بدموعها الغزيرة التي لم تنقطع لحظة منذ ما حدث. نظرت للقبر بعينين مذهولتين، كيف لها أن تتقبل رحيل غاليها؟ بأي عقل سترحل وتتركه تحت التراب؟

يا الله، كيف سمحت لهم بأن يضعوا والدها الحنون داخل ذاك القبر الصغير؟ كيف سيتحمل صغر حجمه وضيقه؟ كيف سيتحمل عدم تجهيزه ليتناسب معه؟

ألف كيف وكيف اقتحمت مخيلتها وكادت أن تذهب بعقلها لذا هزت رأسها سريعًا لتنفض تلك الأفكار الشاذة التي حشرها الشيطان بعقلها كي يجعلها تسخط على أمر الله ومشيئته. استغفرت ربها ووضعت كفيها فوق التراب الذي يضم جثمان والدها الغالي وضمت حفنة منه إلى صدرها تحت نظرات عمرو المتألمة. تحرك حتى جاورها الوقوف ليقول متأثرًا بقلب يتمزق لأجلها: -كفاية يا إيثار، كفاية هتموتي نفسك.

لم تعر لحديثه أدنى اهتمام وتطلعت حولها تبحث عن صغيرها فلم تجده. هتفت بعينين زائغتين وكأنها أصيبت بحالة من الهلع: -يوسف، فين يوسف؟ هرول ليجاورها التحرك وهو يقول: -اهدي يا حبيبتي، يوسف أنا بعته عند جدته إجلال علشان ميسمعش الصراخ بتاع الستات. تطلعت إليه بتيهة، حملت حالها ذنب تركها للصغير وانشغالها عنه بسبب حزنها على والدها. وبنفس الوقت لم تستطع اللوم عليه فتصرفه كان حكيمًا وعاقلًا لأبعد حد لذا فلم تصب غضبها عليه كـ.

كل مرة بل نطقت بانكسار وخفوت يرجع لحزنها الشديد: -ابعت حد يجيبه علشان راجعين القاهرة. باغتها صوت منيرة الباكي: -قاهرة إيه اللي رجعاها؟! لتسترسل بنبرة جادة وعينين ذابلتين من شدة بكائهما: -أنتِ عاوزة تفضحينا في البلد يا بنتي، الناس يقولوا علينا إيه؟ دفنت أبوها ومشيت من غير ما تاخد عزاه. لتستطرد بأعين باكية ليهتز قلبها ألمًا عليها: -أبوكِ رخيص عليكِ يا إيثار؟ هي دي غلاوته وده مقامه عندك؟

أغمضت عينيها بألم وتيهة ليقف عزيز بجوارها محتضنًا إياها لينطق وهو يربت على ظهرها: -اقعدي في أوضتك أنتِ وابنك الثلاث أيام بتوع العزا وبعدها ابقي ارجعي بيتك. أومأت بموافقة ليعود الجميع إلى المنزل استعدادًا لنصب سرادق العزاء الخاص بالرجال واستقبال النساء اللواتي ستقدمن لتقديم العزاء.

عادت لمنزل والدها لتجد عزيز قد جهز لها غرفتها القديمة كي تمكث بها هي والصغير خلال فترة إقامتهما. هاتفت عزة وأخبرتها بتطورات الأمور وأيضًا فؤاد، حيث وجدت على هاتفها عدة مكالمات فائتة منه. أخبرته أنها بخير وبأنها ستعود فور انتهاء مراسم العزاء التي ستستمر لمدة ثلاثة أيام.

مرت الثلاثة أيام بصعوبة عليها، لأول مرة تلج لمنزل أبيها لتجده خاليًا منه. عندما حل مساء اليوم الثالث وبعد انتهاء العزاء وذهاب جميع النساء، ولجت لغرفتها لترتدي ثوبها التي حضرت به وجهزت صغيرها وحملت حقيبة يدها لتخرج من الغرفة لتتفاجأ بعزيز يقف بوجهها وهو يقول بصوت حاد: -على فين العزم يا بنت أبويا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...