«ليت كل أشياءنا الجميلة تبقى بدايات» روز أمين
داخل أحد المراكز التجارية الضخمة، وبالتحديد داخل الحلبة الخاصة بلعبة السيارات الاصطدامية، تقف عزة خارج الحلبة وهي تقوم بالتصفيق وتشجيع يوسف الجالس بجوار إيثار ممسكًا بطارة السيارة بينما تساعده هي بقيادتها لحمايته من الاصطدام. تطلعت عزة بعينين متلألئتين بالدموع وهي ترى ضحكاتها العالية التي تصدح بالمكان وهي تداعب صغيرها. كانت تبذل كل ما في وسعها تعويضًا لذاك الملاك كي لا تشعره بغياب الأب والعائلة، لذا فكانت تحتويه
وتمنحه أقصى درجات الحنان والعطف لكي لا يشعر ولو قليلًا بمرارة ما قاسته بمشوار طفولتها المعذبة حيث ذاقت من خلال قساوة والدتها الأمرين. هي من حُرمت من حنان والدتها، هي التي لم تتذوق لضمة أحضان الأم طعمًا، لذا فقد كانت دائمة الحرص على تعويض حالها بغمرة أحضان ذاك الصغير لتجد من خلالها الملاذ وتكسر قاعدة "فاقد الشيء لا يعطيه".
تنهدت عزة حين تذكرت ليلة شتوية عاصفة ممطرة خيم عليها الظلام لانقطاع التيار الكهربائي، حيث جلستا ببهو المنزل تحتضنهما الأريكة القطيفية المريحة بعد أن صنعت عزة كوبين من مشروب الشيكولاتة الساخنة لتحتسيهما سويًا. تطلعت لصغيرها الغافي فوق صدرها لتتنهد براحة وهي تجذب الغطاء الوثير لتغمر جسده الصغير وتُدفئه للحماية من صقيع يناير القارص. وضعت قُبلة حنون فوق جبينه وباتت تتلمس شعر رأسه الحريري بلمسات تقطر حنو قبل أن تتنهد
وتبدأ بسرد قصتها على مسامع تلك الحنون التي وجدت بأحضانها كل ما انتزعته منها تلك القاسية التي تربت على يديها. كانت تخبرها بدموع عينيها ما قاسته، لم تكن طفولتها كأي فتاة، تذكرت حينما كانت بالسابعة من عمرها عندما أتاها والدها بدمية كهدية تحفيزية بعد نجاحها بالصف الثاني الابتدائي لتحتضنها وتشعر معها بالسعادة التي لم تكتمل حين اقتحمت منيرة جلوسها وهي تلهو بدميتها لتنتزعها بدون رحمة وتقوم بتمزيقها وتحويلها لأشلاء وهي
تخبرها بكل حنق أنها أصبحت فتاة كبيرة ولا ينبغي التصرف كالصغيرات، لتجذبها بقوة من رسغها لتلقي بها بحجرة المطبخ وتأمرها بغسل الأواني لتتعلم المهارات المنزلية التي ستعود عليها بالنفع بدلًا من تبديد وقتها بتلك المهاترات. مر بذهنها دموعها الغزيرة التي انهمرت وهي تسرد آلامها النفسية التي خرجت بها من طفولتها ولازمتها إلى الآن.
تنهدت عزة بأسى لتبتسم بسعادة وهي تراها تمرح وتلهو مع صغيرها وكأنها تشاركه طفولته تعويضًا لها عما مضى. انتهى الوقت المحدد للعبة لتتوقف السيارات ويبدأ الجميع بالترجل لإعطاء الأطفال المنتظرين أدوارهم. حملت صغيرها وخرجت لتستقبلهما عزة بملامح متهللة وهي تفتح ذراعيها على مصراعيهما لتلتقط الصغير لأحضانها. تحركوا إلى المطعم ليتناولوا طعام غدائهم بسعادة ومذاق شهي، لتتحدث عزة إلى الصغير وهي تجفف له فمه بالمحرمة الورقية:
-كده يا چو بهدلت نفسك كاتشب، عمالة أقولك خليني أأكلك. تذمر الصغير لتقول إيثار بنبرة حنون وهي تتحسس شعر رأسه بحنو: -سيبيه براحته يا عزة. لتبتسم لذاك الملاك الذي حول بصره يتطلع عليها بابتسامة شكر لتسترسل بعينين تقطر حنانًا: -كل براحتك واعمل كل اللي إنتَ عاوزه يا قلبي. ضحك لها الصغير لتسترسل سريعًا بعدما لمحت اعتراض تلك الحازمة: -الكلام ده ينطبق على النهاردة وبس يا چو، مش عاوزين نكسر قواعد عزة.
-أيوا كده اظبطي الكلام بدل ما تبوظي لي حتة الواد اللي تعبت في تربيته وتخليني أقلب عليكِ... نطقتها بمشاكسة لتضحك الأخرى وهي تقول بملاطفة: -وأنا لا قد قلبتك ولا لوية بوزك يا ست عزة. هتف الصغير بوجه متهلل وهو يشير إلى ثيابه التي يرتديها: -مامي، أنا عاوز ألبس الطقم ده وأنا رايح بكرة عند بابي. وقفت غصة مرة بحلقها وبلحظة تبدلت ملامحها من مستكينة هادئة لغاضبة مستاءة. زفرت عزة لتسألها بحدة:
-إنتِ هتخليه يروح بكرة عند أبوه بجد؟ أجابتها متأثرة: -غصب عني يا عزة، مش عاوزة أدخل الولد في مشاكلنا علشان نفسيته ماتتأثرش، ما إنتِ عارفة هو متعلق بيهم قد إيه. واسترسلت بإبانة: -نصر البنهاوي اتصل بالمحامي النهاردة وطلب منه يستأذني ياخده بكرة علشان باباه عاوز يشوفه. سألتها بحذر وهي تنظر للصغير: -هو رجع من السفر؟ علمت أنها تقصد بخروجه من سرايا النيابة لتقول:
-محامي أيمن بيه قال لي إنه رجع إمبارح بعد ما خلصوا الأربع أيام. لتسترسل بحذر وهي تراقب صغيرها المنشغل بتناوله للطعام: -أبوه جاب له أكبر محامي في البلد، أخد شهر مع إيقاف التنفيذ وغرامة ألف جنيه في المحضرين. لوت عزة فاهها لتقول وقد ارتسم عدم الرضا والاستياء على ملامحها: -بعد كل اللي نيله ده ياخد شهر وكمان ميتحبسوش؟! زفرت إيثار لتسترسل الأخرى بنبرة يائسة: -عليه العوض ومنه العوض. نظرت للأمام لتتحدث بقوة وصلابة:
-مش مهم المدة قد ما مهم إنهم عرفوا إني مش هسكت بعد كده، وإن عندي اللي يساعدني واللي نصر بجبروته مقدرش على تخطيتهم. -مامي أنا عاوز آيس كريم شيكولا... ابتسمت لتجيبه: -كمل البيتزا بتاعتك وبعدها نروح ناكل الآيس كريم. عبس وجه الصغير وابتعد مهرولًا عن مقعده ليدق الأرض بقدميه معلنًا عن اعتراضه ليخرج صوته بضجر وهو يعقد حاجبيه بضيق: -بس أنا شبعت وعاوز آيس كريم. كادت أن تنهره أوقفتها عزة التي هبت واقفة لتجاور ذاك العنيد قائلة:
-أنا خلصت أكل، كملي إنتِ أكلك وأنا هروح أجيب له. زفرت باستسلام لتنطق بنظرات لائمة: -إفضلي إنتِ كده دلعي فيه لما هتخليه يتنمرد علينا وبعد كده مش هيسمع لواحدة فينا كلام.
ابتلعت ما تبقى بجوفها من حديث بعدما شاهدت تصفيق الصغير بحماس تحت سعادة كلتاهما لتنسحب عزة بعدما حملته بينما تابعت هي تناول طعامها. استمعت لرنين هاتفها الموضوع جانبًا فوق الطاولة لتضيق عينيها بعدما وجدت الرقم مخفي لتتذكر ذاك المغرور. أمسكت محرمة سريعًا لتنظيف يدها ثم التقطت الهاتف وهي تجيب باستحسان بنبرة جادة: -مواعيدك مظبوطة بالدقيقة يا سيادة المستشار. وصلها صوته المتعالي وهو يقول بزهو:
-فؤاد علام كل حاجة في حياته مظبوطة مش بس مواعيده. شعرت بالضجر من غروره البالغ فأخذت تحرك عينيها يمينًا ويسارًا بملل، لم تبغض شيئًا بحياتها أكثر من الغرور وأهله، فدائمًا يذكرها بتلك "إجلال" سيدة الغرور الأولى بالعالم بالنسبة لها، لتزفر بنفاذ صبر وهي تسأله بصوت صارم متجاهلة جملته التي تقطر تباهيًا: -أنا حجزت لحضرتك الميعاد، الساعة واحدة يناسب حضرتك؟ لمس ضجرها بنبرة صوتها الجادة ليبتسم بتسلٍ وهو يتخيل
ملامح وجهها الصارمة ليقول: -ميعاد مناسب جدًا. واسترد بمشاكسة أصبحت تلازمه كلما جمعه حديثًا مع تلك الأنثى المتمردة والتي من الواضح أن كبريائها قد جذبه إليها وكلما نفض تفكيره بها ليبتعد خطوة يجد القدر يقربه أكثر ويضعها بطريقه ليلتقيا من جديد: -يا ترى غيرتوا البُن المغشوش بتاعكم ولا أجيب معايا البُن بتاعي؟
أخذت تقلب عينيها بضجر تلعن غرور هذا الرجل بسريرتها. لقد كان مستفزًا لدرجة جعلتها تريد غلق الهاتف لتنهي تلك المحادثة السخيفة لكنها تحاملت على حالها لتنطق بحنق وصل له من خلال نبرتها: -تقدر تجيب البن بتاع حضرتك معاك، لأننا مبنغيرش ثوابتنا علشان نرضي أي حد. -بس أنا مش أي حد يا أستاذة، وتقدري تسألي مديرك... خرجت كلماته بحدة بعض الشيء لتشعر ببعض من الانتصار وبأنها قد استطاعت استفزاز ذاك المغرور لتبتسم وهي تقول بمراوغة
كي لا تثير حفيظته أكثر: -مش محتاجة أسأل حد يا سيادة المستشار، اسم جنابك يكفي. ضم شفتاه المكتنزة لتخرج ابتسامة جانبية ساخرة بعدما علم مكرها ليقول لاستدعاء ضجرها من جديد: -كويس إن الشخص يبقى على علم بقيمة ومركز اللي قدامه تجنبًا للمشاكل اللي ممكن يوقع نفسه فيها. أقبلت عزة حاملة أكواب مثلجات الشيكولاتة ليقترب الصغير ويقف بجانب والدته ليهتف بعدما رأى تعابير وجهها السائمة وهي تقلب عينيها ضجرًا: -مامي، إنتِ بتكلمي شرشبيل؟
صدمتها كلمات صغيرها التي اخترقت أذن فؤاد لقرب مسافة ذاك المشاكس من الهاتف مما جعله يقطب جبينه متعجبًا لتنطق هي بكلمات متقطعة لشدة تلبكها: -اسكت يا چو علشان معايا تليفون شغل. -شغل إزاي، أنا سمعت صوت شرشبيل وهو بيقول لك إنه هيتصل بيكِ الساعة ثمانية... قال كلماته التي جعلت وجهها شاحبًا كما الأموات ليستطرد وهو يشير بأصبع السبابة على ساعة الحائط المعلقة بالمكان: -والساعة أهي ثمانية. رمقته بنظرة نارية لتسرع إليه عزة وتجذبه
من رسغه قائلة بتعنيف: -تعالى يا لمض وسيب ماما تتكلم، تعالى يا جلاب المصايب. -أنا آسفة يا أفندم... قالتها بصوت معتذر ليهم بالحديث ليوقفه صوت ذاك الصغير ويضم بين عينيه لإصراره العجيب حيث هدر بصوت مرتفع قائلًا بتأكيد: -سيبيني يا زوزو علشان أحمي مامي من شرشبيل، أنا متأكد إنه هو، أنا سمعت صوته من فون مامي وهو بيقول لها هتصل بيكِ الساعة ثمانية تكوني شوفتي المواعيد. -ابنك باين عليه لذيذ قوي...
نطقها باستحسان لتقف مبتعدة عن طاولتهم قبل أن تصاب بذبحة صدرية من تصميم ذاك الأخرق على كلماته. بصعوبة أخرجت صوتها متلبكًا مما جعل فؤاد يشكك بالأمر: -متشكرة يا أفندم وآسفة لو كان أزعجك بلمضته. -بالعكس، باين عليه فطن ومتحدث لبق، تقريبًا وارث صفاته منك... رفعت حاجبيها متعجبة حديثه المثني عليها ليباغته صوتها الناعم وهي تسأله بدلال لا تعلم كيف انفلت منها: -أعتبر ده مدح من جناب المستشار؟! -وتستحقيه وبجدارة...
نطقها بثقة جعلت الابتسامة تشق طريقها لشفتاها التي انفرجت على مصراعيهما ليخرج صوتها هادئًا معلنًا عن بلوغها لدرجة ليست بالقليلة من الطمأنينة في حضرته: -ميرسي. تبسم بتعالٍ بعدما أيقن ببداية انجذابها له وهذا ما جعله يشعر بالتفاخر، لتنهي هي المحادثة للعودة لمجالسة صغيرها وبداخلها طمأنينة لا تعلم من أين مصدرها. صباحًا
كان ينزل من فوق الدرج بكامل أناقته استعدادًا للذهاب لعمله، ابتسم على صغيرة شقيقته التي تجلس ببهو القصر تشاهد أفلام الكرتون الخاصة بالأطفال عبر شاشة العرض الكبيرة. اقترب عليها ليميل بطوله الفارع طابعًا قُبلة حنون فوق وجنتها: -حبيبة قلب خالو عاملة إيه؟ تبسمت الصغيرة لتقول وهي تركز بعينيها على الشاشة: -كويسة. خرجت فريال من المطبخ حاملة صحنًا به بعضًا من الشطائر وبيدها الأخرى كأسًا من الحليب الطازج لتضعهما أمام صغيرتها
وهي تقول مرحبة بشقيقها: -صباح الخير يا فؤاد. أجابها مرددًا: -صباح النور يا حبيبتي. تحدثت: -بابا وماما مستنيينك على الفطار في الجنينة. قطب جبينه ليسألها متعجبًا: -هي بيسان بتفطر لوحدها ليه؟! زفرت لتجيبه مستسلمة: -بتتفرج على الكرتون بتاعها يا سيدي. ابتسم ليقول بعدما تذكر أن اليوم هو الأحد يوم عطلتها المدرسية: -بقى بدل ما تستغلي يوم إجازتك الوحيد في إنك تفطري مع جدو وبابي تقضيه قدام التلفزيون؟! ابتسمت له وهي تقضم قطعة
من الشطيرة لتجيبه شقيقته: -ريح نفسك مش هترد عليك، يلا بينا علشان نفطر. خطى بساقيه بطريقه للخارج ليتوقف بجبين مقطب حين استمع لصياح ابنة شقيقته وهي تهتف بصوت مرعب: -شرشبيل! لتسترسل بتنبيه: -حاسب يا سنفور شرشبيل وراك. التفت إليها متذكرًا طفل إيثار وهو يكرر ذاك الاسم عدة مرات بالأمس ليقبل على الصغيرة متسائلًا عن أصل ذاك الاسم: -مين شرشبيل ده يا بيسان؟ -ده يا خالو...
نطقتها وهي تشير بأصبعها لتلك الشخصية الكرتونية، دقق النظر ليجد رجلًا ذو صلعة ويمتلك أنفًا طويل يوحي لمدى شره لتسترسل الفتاة: -ده شرشبيل الشرير اللي بيحارب السنافر. قطب جبينه وبدأ بربط الخيوط وترتيب الكلمات ليهز رأسه مبتسمًا وهو يحك ذقنه بأصابع يده بتسلٍ. أخرجته من شروده شقيقته التي صاحت باسمه لتستعجله. ظهرًا
بمحافظة كفر الشيخ وبالتحديد بمنزل نصر البنهاوي، يجلس فوق فراشه ممسكًا بين أصابعه إحدى لفائف التبغ يدخنها بشراهة مما عبأ الغرفة بسحابات الدخان الكثيفة. ولجت سمية للداخل لتتحرك صوبه وتجاوره الجلوس: -وبعدين معاك يا حبيبي، هتفضل حابس نفسك كتير كده في الأوضة؟ هتف بنبرة حادة بوجهه الذي مازال متصبغًا بالاحمرار نتيجة ما تلقاه من ضربات عنيفة على أيادي الخارجين عن القانون أكثر من مرة داخل الحجز:
-قلت لك سيبني واطلعي برة يا سمية. ليستطرد بصوت هادر رامقًا إياها باشمئزاز: -إنتِ إيه، مابتفهميش؟! احتدت ملامحها بالغضب الحاد وهي تهتف قائلة بسخط: -هو خدوهم بالصوت ليغلبوكم، ولا علشان أنا بنت أصول وبحاول أقف جنبك في المصيبة اللي وقعتك فيها بنت الكلـ. دي يبقى ده جزائي؟! ما أن قامت بسب مالكة لِبه حتى ألقى بلفافة تبغه بالمطفأة لينقض عليها كثورٍ هائج لا يرى أمامه، أمسكها من أحد ذراعيها وقام بليها خلفها وصرخ بها هادرًا:
-لسانك الو…. ده لو سمعته مرة تانية بيجيب سيرة إيثار بخير ولا شر هقطعه لك، إنتِ فاهمة؟ قال الأخيرة بتحذير، وبدأ بالضغط على لي ذراعها بقوة حتى كاد أن يكسر لتجحظ عينيها وهي تشعر بألم يكاد يفتك بروحها لتحاول المقاومة والإفلات من قبضته الفولاذية وهي تقول بتذلل: -سيب إيدي يا عمرو، إيدي هتتكسر. هتف ليخرسها: -خليها تتكسر علشان ما تنسيش تحذيري. حررت ذراعها من قبضته لتنهض سريعًا وتستدير لتطالعه هاتفة بصرامة وهي تنظر له بعينين
حادتين ممتلئتين بالشر: -كل ده علشان قلت كلمة على الهانم من حرقة قلبي من البهدلة اللي شفتها اليومين اللي فاتوا على إيديها؟! لترمقه بنظراتٍ ازدرائية قائلة: -مش كفاية إني اتخرست وما فتحتش معاك موضوع مرواحك لبيتها في أنصاص الليالي؟! -ده شيء ما يخصكيش. نطقها بحدة لتهتف بصراخٍ وجنون: -كلك على بعضك تخصني يا عمرو، أنا مراتك. هب واقفًا ليقترب من وقوفها ثم دنا منها ليهمس بفحيحٍ من بين أسنانه:
-وهي قريب قوي هترجع هنا علشان تنور بيتها من جديد، وهتبقى ستك وست الكل. -مش هيحصل يا عمرو، على جثتي بنت منيرة تخطي بيتي برجلها. قالتها بنظراتٍ تتطاير شررًا ليهتف بابتسامة ساخرة: -بيتك! ما بلاش الكلام الكبير ده علشان لو وصلت لكده يبقى هدخلها على جثتك بجد بعد ما أطلع روحك على إيدي. هنشوف، هنشوف يا عمرو.
نطقت كلماتها واندفعت للخارج كحمم بركانية أوشكت على الانفجار. تنهد بضيق ليعود لفراشه ملقيًا بجسده المنهك فوقه ليستند بظهره للخلف ونظر أمامه في نقطة اللاشيء ليعود بذاكرته للماضي وهو يلعن حاله على الانجذاب لتلك الشيطانة التي ولجت لحياته فأفسدتها وانتزعت حبيبته وصغيره الغالي من بين أحضانه لتلقي بروحه بين غيابة الجب، ومنذ ذاك الحين وروحه حبيسة ماضيه الجميل. انتباااااه! عودة لما حدث بالماضي.
ارتدت ثيابها كاملة لتخرج بخطواتها من منزلها بطريقها للطريق الخارجي وإذ بها تفاجئ بسمية حيث كانت تنتظرها أمام باب منزلها. شملتها باستغراب حيث كانت ترتدي بنطالًا من الجينز ضيقًا للغاية تعتليه كنزة مفصلة على جسدها لتبرز معالمه ومفاتنها، أما وجهها فحدث ولا حرج، فقد كان ملطخًا بعدة ألوان من الزينة، من يراها يعتقدها ذاهبة لحضور زفاف ليلي وليس لطلب العلم. هتفت بتملل: كل ده بتلبسي؟ ناموسيتك كحلي؟ يلا اتأخرنا.
قالت كلماتها على عجالة لتجذب رسغ تلك المذهلة وتسحبها خلفها لتقول إيثار باستفهام: أنت واقفة هنا من بدري؟ أنا ليا أكثر من ساعة إلا ربع مستنياكِ. سألتها متعجبة: طب وليه مدخلتيش؟ هتفت على عجالة وهي تسرع بخطواتها كأنها تسابق الزمن: بطلي رغي وسرعي خطوتك شوية، الراجل زمانه مستنينا من بدري، ليزهق ويمشي.
تعجبت لأمر صديقتها وغرابة أفعالها وفضلت الصمت حتى وصلا لبداية الكوبري لتجد ذاك العاشق يتطلع بعينيه الزائغة باحثًا بين البشر عمن ملكت فؤاده وتربعت بعرش قلبه. ارتجف قلبه وبدأت دقاته تعلو وتنتفض عند رؤياها التي باتت تشبع روحه وتبلغها السكينة. لمحته من بعيد لتبتسم تلقائيًا لنظراته الهائمة التي يشملها بها. لقد وصل لحد الهيام وبات غرامها يتملك لُب فؤاده. كانت تشعر بالرضى وهي تتحرك صوب موقف السيارات بينما يحترق داخل تلك التي تجاورها بعدما رأت نظرات ذاك الثري لصديقتها التي تصفها دائمًا بالبلهاء، فكيف لبلهاء كتلك سرقة عقل شاب فاحش الثراء والوسامة كعمرو بينما هي التي تحاول جاهدة لم تعثر على الأقل منه بكثيرٍ إلى الآن.
هتفت بصوت خرج حاد رُغمًا عنها: تعالي نسلم عليه ونقف جنبه على ما أي ميكروباص ييجي. لتسترسل بتذمر: مش كان جاب عربيته علشان ناخد راحتنا أكثر، أنا مش فاهمة إيه الهبل اللي هو فيه ده. التفت لجانبها تطالعها بذهول وهي تقول باستياء: إيه اللي أنت بتقوليه ده يا سمية، إزاي تفكري إني ممكن أركب معاه عربيته؟ مش هيبقى خطيبك. قالتها باستخفاف لتهتف الأخرى مستنكرة:
أولًا هو لسه مبقاش خطيبي، وحتى لو بقى أنا لا يمكن أركب معاه عربية لوحدنا. خليكي بتفكيرك أبو طربوش ده لحد ما يزهق منك ويروح يدور على واحدة فاكة وفرفوشة. نطقتها بازدراء لتزفر الأخرى بضيق وتفضل الصمت. وقفت بعيدًا عن ذاك الذي يتابعها بعينيه متلهفًا لنظرة من عينيها التي أبعدتهما عنه وهي تنظر أمامها بخجل، بينما انطلقت الأخرى لتقتحم وقوفه وهي تمد يدها لمصافحته قائلة بكل جرأة: أزيك يا أستاذ عمرو.
تطلع إليها باستغراب لتقول بعينين متلهفتين تحت ذهول إيثار التي تتابعها من بعد: أنا سمية صاحبة إيثار. تعجبت لأمره كيف ينظر لها بهذا الاستغراب ألم يراها وهي تجاورها؟ بحقيقة الأمر هو لم يراها فكل الكون يصبح شفافًا بحضرة أسرت لبه. بسط لها كفه ليصافحها متحدثًا ونظراته مثبتة على إيثار مما أثار حنق الأخرى: أهلًا وسهلًا. هتفت للفت الانتباه: على فكرة إيثار كلمتني عنك كتير، أصل أنا صاحبتها الوحيدة وهي مبتخبيش عني أي حاجة.
عند ذكرها لتلك النقطة لم يستطع الصمود فالتف سريعًا لها ليسألها متلهفًا: بجد إيثار كلمتك عني؟! احترق قلبها بنار الحقد لما تراه من لهفة وعشق بعيني ذاك الثري لتلك الحقيرة لترسم ابتسامة مصطنعة وهي تجيبه بصوت ناعم ونظرات جريئة تعجب لها عمرو: طبعًا كلمتني، أصل أنت متعرفش أنا أبقى إيه بالنسبة لإيثار، دي ماتعرفش تخطي خطوة واحدة من غيري، أصلها على نياتها ومعندهاش خبرة في أي حاجة.
كلمات ملتوية نطقتها بنظرات جريئة لتجذبه إليها في محاولة منها لاستقطابه داخل براثنها. ابتسم داخله بسخرية على تلك البلهاء وهي تتبع أسلوب الإيقاع بالفريسة. رمقها بازدراء فمثلها كأخريات كُثر ممن يرتمين تحت قدميه لنول رضاه والاستفادة بمال أبيه الذي لا حصر له. تجاهلها وعاد بنظره لملاكه ليجدها ترمقهما بضيق ليبتسم داخله بعدما رأى غيرتها الواضحة ليتجدد الأمل بقلبه. توقفت سيارة فأسرع هو ليبتعد الجميع مفسحين له الطريق مع تعجبهم لذاك الثري الذي ترك سيارته الخاصة ليشارك الفقراء وسيلة تنقلهم. اختار المقعد الأخير بالسيارة ليحيل بنظره إلى تلك الغريبة لتستقل المقعد المجاور للنافذة لكنها سرعان ما جذبت يد إيثار لتقحمها
بمقدمة السيارة قائلة: خلي إيثار تدخل الأول، أصلها بتحب القاعدة جنب الشباك. قطب جبينه ونظر للأخرى التي رفعت كتفيها باستسلام لتستقل مقعدها لتجاورها الأخرى ويليهم هو بالأخير. انطلقت السيارة فنظر هو لها متلاشيًا تلك المتطفلة ليقول مبتسمًا بصوت حنون: إزيك يا إيثار؟ ابتسمت لترد بخجل جعل من وجنتيها كثمرات التفاح في موسم حصادها: الحمد لله. سألها متلهفًا: فكرتي في الموضوع اللي فاتحتك فيه؟ همت بفتح فمها لتقاطعها
سمية قائلة بعدم حياء: هي المواضيع دي بتتاخد على الدوغري كده يا عمرو؟ ضيق بين عينيه متعجبًا اقتحامها الحديث والسماح لحالها بقول اسمه بدون ألقاب لتسترسل بعينيها وحاجبيها وكتفيها كفتيات الليل: إحنا نروح الوقت نقعد في كافيتريا ونتكلم مع بعض وبعدها نخرج في أي مكان مفتوح، علشان إيثار تعرف تاخد قرار بعدها. رمقتها بحدة لتهتف باعتراض حاد: إيه الكلام اللي أنت بتقوليه ده يا سمية؟ واستطردت وهي تهز رأسها بنفي:
أنا مش هخرج في أي حتة، وبعدين أنا عندي محاضرات مهمة ولازم أحضرها. وجه حديثه بحسم إلى إيثار بعدما فهم نظرات تلك اللعوب وعلم أنها تبغض حبيبته وتريد انتزاعه منها: أنت وعدتيني الأسبوع اللي فات إنك هتفكري وهتردي عليا النهاردة يا إيثار. ليستطرد بعينين متأملتين تنطق بالغرام: وأنا عاوز رأيك الوقت.
ابتلعت لعابها وهي ترى هيئته العاشقة. مشاعر متعددة هاجمتها، ارتياب على شعور بالراحة مصحوب بالخوف من القادم لكنها بالنهاية تشعر بالطمأنينة كلما نظرت بعينيه. سحبت بصرها تتطلع لصديقتها التي هزت رأسها وعينيها تحذرها وتأمرها بالرفض التام. تنهدت براحة لتعود ببصرها إليه من جديد تحت دقات قلبه المتسارعة وكأنها تنتظر حكمًا سيغير مجرى الحياة إما بالتنعم داخل أحضانها الدافئة أو الموت البطيء في ابتعادها. ابتسمت خجلًا
لتقول بصوت ناعم: أنا موافقة. شهقة عالية خرجت منه وكأنه كان يكظم أنفاسه انتظارًا لردها ليهتف متناسيًا تلك التي تتوسط جلوسهما وهي تحتك بجسده بلا حياء أو خجل متأملة إثارته عله ينتبه لوجودها ويتم تبديلها بصديقتها البلهاء: وأنا هعيشك معايا أسعد أيام حياتك، مش هخلي الدموع تعرف طريق لعنيك، هحطك جوه عنيا وأقفل عليكِ برموشي علشان نسمة الهوا ماتجرحكيش.
تطلعت إليه بعينين سارحتين بحديثه المعسول، فتلك المرة الأولى التي تسمح لأحدهم بالتقرب منها. شعرت بتحرر مشاعرها التي كبحتها أعوامًا ككبت حياتها. ابتسمت لتسحب عنه بصرها وتنظر لكفيها وهي تفركهما ببعضيهما من شدة خجلها وتوترها بينما سمية على وشك بالإصابة بسكتة دماغية من شدة حقدها مما حدث للتو. قطع شروده طرقات خفيفة فوق الباب ليهتف بنبرة حادة عبرت عن مدى الغضب الكامن بداخله: انتبااااه! عودة للحاضر.
مش قولت لك مش عاوز أشوف خلقتك النهاردة؟ فتح الباب لتطل منه والدته وهي تقول بابتسامة: فيه حد عاوز يشوفك. هتف بحدة ومازال ينفث لفافة التبغ بشراهة: مش عاوزة أشوف حد، خدي الباب في إيدك وأنت نازلة. حتى لو كان يوسف حبيبك؟ نطقتها بملاطفة ليظهر الصغير من خلفها وهو يقول بابتسامته الصافية: وحشتني يا بابي.
وكأن بصوته وهيئته الملائكية ترياقًا لحياة تلك البائس. تبدل حاله بلحظة لينظر للصغير بسعادة وهو يسرع إليه متلهفًا ليقوم بحمله وإدخاله داخل أحضانه مشددًا بضمته بقوة وكأن بأحضانه سحرًا فقد تبدل حزنه لسعادة بالغة. أبعد وجهه ليهتف وهو يلثم وجنتيه وكل إنش يقابله بوجهه باشتياق جارف: وأنت وحشتني قوي يا حبيبي. أبعد الصغير وجهه ليضع كفه الرقيق فوق عين أبيه المنتفخة ليقول مستفسرًا: إيه اللي في عينك ده يا بابي؟
تبدلت ملامح عمرو لحزينة لتهتف إجلال التي تنظر لنجلها بقلب متألم: دي حادثة يا يوسف، بابا عمل حادثة بالعربية. يا حبيبي يا بابي. نطقها الصغير وهو يلثم عين أبيه المنتفخة ليدخله عمرو بأحضانه. بعد مدة كان يجلسه فوق ساقيه وتجاورهما إجلال فوق الفراش. يطعمه كل ما لذ وطاب حيث أمرت إجلال الخادمة بإحضار الطعام وبعض الحلوى والفاكهة التي يحبذها الصغير. هتف الصغير بصياح طفولي:
عارف يا بابي، مامي أخدتني الملاهي إمبارح أنا وعزة وأكلنا بيتزا وأيس كريم، ودخلت سباق العربيات ولعبت في بحر الكور كمان، كان يوم حلو قوي. لوت إجلال فاها لتهتف بغل ظهر بين صوتها: ليها نفس تخرج وتاكل بنت منيرة بعد اللي عملته. لتسترسل وهي تمسك خصلة من شعرها بين أصابعها لتقول بوعيد: بس وحياة ده ولا يكون على ستهم، إن ما خليتها تيجي زاحفة تحت رجلي وتطلب مني الرحمة والسماح ليها ولأهلها.
قطب الصغير جبينه لعدم فهمه لما تفوهت به جدته ليهتف عمرو من بين أسنانه بحدة: وبعدين معاكِ يا أما، إيه اللي بتقوليه ده؟ ليسألها الصغير ببرائة: هو أنت بتتكلمي عن مين يا تيتا؟ زفرت بضيق لتربت على ظهر حفيدها الغالي وهي تقول بصوت حنون يرجع لمكانته العالية بقلبها:
دي واحدة قليلة أصل متعرفهاش يا حبيبي. المهم، كل وخلي بابا يخلص أكله كله علشان هخلي جدك يوديك الملاهي اللي في المركز، وهخليه يشتري لك كل الألعاب واللبس اللي نفسك فيهم. وهخدهم معايا يا تيتا ولا هيفضلوا هنا زي كل ألعابي؟ نطقها الصغير بأسى ليخترق الألم قلب عمرو على صغيره، لتقول هي بجبروت: هيفضلوا هنا في أوضتك علشان لما ترجع وتعيش هنا على طول هيبقوا بتوعك طول الوقت. بس أنا عاوز أخد ألعابي معايا علشان ألعب بيهم هناك.
نطقها بعينين حزينتين لتهتف بتحريض للصغير: خلاص، زن على ماما وخليها تجيبك وترجعوا تعيشوا هنا من جديد وكل ده هيبقى تحت إيدك طول الوقت، ومش بس كده، ده أنا هاخدك كل يوم وأنزل أشتري لك ألعاب ولبس جديد. مال برأسه وبصوت راجي همس الصغير بعينين متوسلتين يلين لهما الحجر: طب خليني أخد العربية الكبيرة اللي بابي جابها لي المرة اللي فاتت، عاوز مامي وعزة يشوفوني وأنا بسوقها.
وكأن تلك القاسية لم تُخلق بقلب كباقي البشر، فقد انتزعت الرحمة من قلبها لتقوم باستغلال ذاك البريء للضغط على إيثار وإجبارها للرضوخ والقبول بعودتها لنجلها عن طريق ملاكها الصغير، فهي من أجبرت نصر والجميع على عدم إرسال مال ليحيا الصغير حياة الأثرياء كأبيه، واكتفت بإرسال المبلغ الزهيد التي حددته المحكمة والذي لا يكفي حتى لشراء ما يحتاجه الصغير من خبز يسد جوعه، كل هذا كي يزيد من الضغط عليها واستسلامها لكنها أبت فهي تقطع من قوتها لتأمن حياة كريمة للصغير من مأكل وملبس إلى مصاريف دراسته بالمدرسة الخاصة التي ألحقته بها لتأمين مستقبل دراسي أفضل.
هتفت بقوة وصرامة: قولت لك مش هينفع يا يوسف، الحل عند ماما، خليها ترجع تعيش هنا وأنا هعيشك عيشة الملوك. عبس وجه الصغير ونكس رأسه للأسفل، أما عمرو فلم يعد لديه القدرة على التحمل لإذلال صغيره بتلك القسوة. أي عقل يستوعب هذا وأي قلب يتحمل؟
أنزل صغيره من فوق ساقيه ليهرول للخارج هاربًا من نظرات طفله القاتلة لتزفر إجلال وتلحق به بعدما طلبت من الصغير إكمال طعامه وعدم الخروج. خرجت لتجده يجوب بهو مسكنه الخاص مع سمية ذهابًا وإيابًا ويبدو على ملامحه الغضب الحاد. اقتربت منه ليصيح بغضب عارم: قولي لي لحد إمتى هقدر أستحمل أشوف ابني وهو بيتذل بالطريقة دي قدام عنيا وأنا ساكت؟ لحد ما يحصل المراد. نطقتها ببرود ولا مبالاة ليهتف بوجه مكفهر: هو ابني مبيصعبش عليكِ؟!
السؤال ده يتسأل لأمه مش ليا أنا. نطقتها برأس شامخ لتسترسل بقوة: لو كانت بتحبه بجد كانت رجعته لعز أبوه وجده، لكن دي واحدة قادرة عاوزة تعيش على كيفها من غير حاكم. واستطردت وهي ترمقه باشمئزاز: كان يوم أسود لما وافقتك على جنانك وخطبت لك واحدة قليلة الأصل، وآدي النتيجة. قالتها بنظرات لائمة ليهتف بقوة: إيثار عمرها ما كانت قليلة الأصل، دي كانت أحلى حاجة حصلت لي، مدوقتش السعادة والراحة غير في حضنها. ليسترسل بألم ظهر بعينيه:
ومن يوم فراقها الدنيا كلها فارقتني. هتفت لائمة: أنت بتكلمني زي ما أكون أنا السبب في إن البرنسيسة سابتك ومشيت، ماهو كله بسبب صاحبة عمرها الزبالة التانية اللي روحت بليتنا بيها. لتستطرد بازدراء: حظك زفت في الجوازتين، قال وأنا اللي كنت راسمة أجوزك بنت وزير ولا حتى بنت عضو في مجلس الشعب زي أبوك. لم يتحمل حديثها ليهتف بصوت أشبه بصارخ: ارحميني بقى من كلامك اللي ليكي سنين بتسمعيه لحد ما حفظته. ليسترسل بنبرة ساخطة:
يا ريت تسبيني أنا وابني لوحدنا وتنزلي تشوفي مملكتك. زفرت بضيق لما توصل له نجلها لتنسحب بهدوء إلى الأسفل كي لا تضغط عليه أكثر. دقت الساعة لتعلن عن الواحدة ظهرًا. كانت تعمل بمكتبها مرتدية نظارتها الطبية وبدلتها العملية ليقطع اندماجها صوت "هانيا" السكرتيرة وهي تقول: سيادة المستشار فؤاد علام برة وطالب يقابل أيمن بيه. وقفت لتتحرك أمامها لاستقباله قائلة بنبرة عملية: أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار. اكتفى بهزة من رأسه لتشير
هي للداخل بنبرة جادة: الباشمهندس أيمن في انتظار حضرتك. أسرع بخطاه ليقترب منها قبل أن تفتح الباب ويقول بعدما مال بطوله عليها ليقترب من أذنها: ابقي قولي ليوسف إن شرشبيل الشرير باعت له السلام. تسمرت بوقفتها لتستدير تطالعه بأعين متسعة لتقول بارتباك ظهر بعينيها وصوتها المهزوز: شرشبيل مين؟ أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟ مرر لسانه فوق شفته السفلى بتسلٍ لينطق بعينين متفحصتين لخاصتها مستمتعًا بارتجافة جسدها التي باغتتها:
شرشبيل، اللي كان ميعاده معاكِ الساعة ثمانية إمبارح، واللي واقف قدامك حاليًا. ابتلعت لعابها ليسترسل بمشاكسة: بس تصدقي طلع فيه شبه مني، حتى شعره شبه شعري. نطق الأخيرة وهو يمرر كف يده على شعره ليغمز لها بإحدى عينيه وهو يبتسم بتسلٍ. تسمرت بوقفتها وشحب وجهها وكأن الدماء انسحبت منه ليخرجها من حالتها وهو يشير لها إلى الباب: أيمن بيه في انتظاري. هزت رأسها لتستوعب ما حدث وأقحمت به حالها لتسحب بصرها سريعًا تتقدمه وهي
تفتح الباب لتقول بمهنية: سعادة المستشار وصل يا أفندم. دخليه بسرعة يا إيثار. قالها وهو يتحرك ليستقبله بنفسه كنوع من التقدير لشخصه ليسترسل وهو يبسط ذراعه للمصافحة: أهلًا وسهلًا يا سيادة المستشار، في ميعادك بالظبط. أهلًا بيك يا أيمن بيه. نطقها ليقول بعملية: أنا عارف إن وقتك بحساب، علشان كده يا ريت نقعد علشان نتكلم في المفيد. نظرت لأيمن لتقول بصوت مازال متأثرًا بما حدث: هبعت لحضرتك البوفيه حالًا، بعد إذنكم.
تحركت ليوقفها صوته حين قال أمرًا: يا ريت تطلبي لنا قهوة إحنا التلاتة وتيجي لأني محتاج لك معايا يا أستاذة. ارتبكت بوقفتها لتشير بيدها على حالها باستغراب: محتاج لي أنا؟! أومأ بعينيه وهو يضع كفي يديه بجيب بنطاله مع ابتسامة مستفزة أرعبتها وظنت أنه سيشتكيها لرئيسها. بعد مرور حوالي نصف ساعة كانت تنظر إليه بانبهار. فقد تغيرت نظرتها كليًا خلال تلك الدقائق واكتشفت مدى إنسانية ذاك المستشار. تحدثت بنبرة ظهر بها الإعجاب:
أنا حقيقي مبهورة بتفكير حضرتك الإنساني يا سيادة المستشار. رفع أحد حاجبيه يطالعها لتسترسل متحاشية غروره: لو كل واحد في إيده فرصة يتطوع بيها ويعمل مبادرة يحقن بيها دماء ناس كتير كان حالنا إتغير للأفضل. هز رأسه شاكرًا ليقول أيمن مثنيًا على تصرفه النبيل: أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي يا سيادة المستشار، سمعت كتير عن نبل أخلاقك وإخلاصك في عملك بس مكنتش متخيل إنك إنسان للدرجة الكبيرة دي. ليستطرد بعينين شاكرة:
أنت مش متخيل الحمل اللي شيلته من على قلبي، أنا مكنتش بنام بسبب الموضوع ده. أردف بنبرة جادة: أنا معملتش غير واجبي تجاه المسؤولية اللي أنا متحملها يا أيمن بيه، وإن شاء الله كلها يومين والموضوع هيكون منتهي. تهللت أسارير أيمن ليهتف بحماس: لو الموضوع ده تم على خير هعمل حفلة ضخمة وسعادتك هتكون ضيف الشرف فيها، وهعلن فيها للصحافة عن التصالح اللي تم بيني وبين صلاح عبدالعزيز، وكمان هنتفق على صفقة بينا توثق العلاقة أكثر.
تمام، حلو قوي كده. كلمات مقتضبة نطقها ليهب واقفًا فاردًا ظهره ليقول وهو يغلق زرار حلته برتابة: أستأذن أنا علشان تشوف شغلك. متشكر جدًا يا جناب المستشار. قالها بعينين تفيض شكرًا لتتحرك ويتبع خطواتها. توقفت ببداية مكتب هانيا لتقول بعملية وهي تودعه: شرفت يا أفندم. متنسيش اللي قولت لك عليه. ضيقت عينيها تطالعه باستفهام ليردد بابتسامة مستفزة: تبلغي يوسف سلام شرشبيل الشرير.
قالها واستدار متحركًا بالممر لتخرج ابتسامة ساحرة توقفت على الفور لتجحظ عينيها وهي تستمع لحديثه وكأنه يراها: حلوة ابتسامتك على فكرة. نطقها مواليًا ظهره لها لتبتلع لعابها وظلت تتابعه حتى اختفى عن عينيها لتتنهد وتنسحب عائدة لمكتب أيمن.
بباطن الجبل ليلًا وقد تخطت الساعة الحادية عشر ليلًا، يقف عزيز وشقيقه وجدي بصحبة طلعت يباشرون حفر العمال وهم يستمرون بالتنقيب بباطن الأرض بحثًا عن الآثار حسبما أخبرهم الساحر المرافق لنصر البنهاوي بكل أعمال التنقيب السابقة. هتف عزيز بحدة مخاطبًا الرجال: ما تشد حيلك يا أخويا منك ليه، أسبوعين بتفحتوا في حتة أرض ومش عارفين تجيبوا آخرها، لو على شغلكم الرايق ده مش هنوصل بعد شهر. هتف أحد الرجال متذمرًا:
ما تهدى علينا شوية يا عزيز، ما إحنا شغالين فحت على آخرنا أهو. طالعه وجدي بعتاب ليقول بنبرة رحيمة: بالراحة على الرجالة يا عزيز، دي ناس شقيانة طول النهار في شغلها وبتيجي تكمل بالليل هنا عشان تقدر تأكل عيالها. خليك على جنب بقلبك الحنين ده يا وجدي وسيب عزيز يشوف شغله، ده صنف نمرود ما يجيش إلا بالعين الحمرا.
نطقها طلعت مشيدًا بطبع عزيز القاسي ليشعر عزيز بالافتخار بذاته مما زاده جبروت ليهتف بصوت أعلى لائمًا الرجال. باغته صوت نصر القوي الذي أتى من خلفهما حين قال باقتضاب: عزيز. التفت للخلف لتنفرج أساريره وقبل أن يهلل بتملق كعادته قاطعه صوت نصر الصارم حين قال بملامح وجه مكفهرة:
خد أخوك وروح واعتبر الاتفاق اللي بينا ملغي لحد ما ترن عليا وتقولي إن أختك في بيتك والمأذون والشهود جاهزين، غير كده ملكش عندي شغل لا أنت ولا أي حد من طرفك.
كان يتحدث بغل يملأ قلبه لتلك الفتاة التي أظهرته بصورة صاغرة أمام زوجته المتجبرة وأنجاله وأمام عائلة غانم. وبعد تفكير عميق دام لأيام لم يجد أمامه سوى أن يلغي باتفاقه مع الشابان اللذان لم يستوعبا ويصدقا حاليهما حينما أخبرهما قبل الثلاثة أسابيع أنه يريدهما بالعمل معه في التنقيب والبحث عن الآثار وسيعطي كلًا منهما خمسون ألفًا من الجنيهات المصرية مما أدخل الرجلان في حالة من الذهول والفرحة العارمة ويرجع هذا لعدم حصولهما على
مبلغ كهذا بطيلة حياتهما. كل هذا كان مخططًا من إجلال التي اقترحت عليه بالقيام بهذا العرض كي تجعل الشابان بقبضة يديهما والضغط بالمال ليبذلا أقصى جهدهما في الضغط على شقيقتهما للرضوخ لأمر العودة من جديد كزوجة لنجلها المدلل الذي سرى عشق تلك الفتاة بشرايينه ولم يستطع التخلص من غرامها وأيضًا لعودة حفيدها الغالي لحضن عائلته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!