هل سبق وتذوقت طعم السكر المر من ذي قبل؟! دعني لا أخفيك سرًا وأخبرك عن خيبتي لا قصتي. نعم خيبتي، فلعل أكثر الأمور إيلامًا على الإطلاق أن تضع ثقتك الكاملة بأحدهم، لتكتشف لاحقًا أنه لم يكن سوى خائن، ولم تكن أنت سوى غافل. عندها ستشعر وكأن عالمك ينهار تحت قدميك، وبأن حياتك التي طالما رأيتها رائعة، لم تكن أكثر من أكذوبة. "فؤاد علام زين الدين" بقلمي "روز أمين" عاد بذاكرته لما قبل عامين من وقتنا الحالي.
في تمام الساعة السابعة صباحًا، داخل الجناح الخاص بفؤاد علام وزوجته نجلاء، خرج من الحمام الملحق بغرفة النوم يلف خصره بمنشفة كبيرة، وقطرات الماء تتساقط من شعر رأسه لتسيل فوق صدره العاري. اتجه صوب غرفة تبديل الملابس، وبعد عدة دقائق كان قد انتهى من ارتداء جميع ثيابه، ليتحرك نحو غرفة النوم قاصدًا مرآة الزينة، حيث وقف يتطلع على حاله ليضع ربطة عنقه حول ياقة القميص دون عقدها. تناول ساعة يده وارتداها، ثم صفف شعره بعناية فائقة. وما أن تناول زجاجة عطره الفرنسي استعدادًا لنثر عطره حتى تبسم عندما رأى تلك الجميلة المتسطحة فوق الفراش تتمطى
بتكاسل وهي تقول بصوت ناعم: -صباح الخير يا حبيبي. -صباح النور... نطقها بابتسامة وهو يتأمل بعينيه تلك الشقراء وجمالها الساحر وهي تنفض عنها الغطاء كاشفة عن ثوب نومها الرقيق وجسدها الأنثوي لتنزل متحركة صوبه، حتى وقفت خلفه وأحاطت خصره بذراعيها لتميل برأسها تسندها على كتفه وهي تتطلع على انعكاس صورتهما معًا لتتنهد بإغراء. استدار بوجهه تجاهها قليلًا ليضع قبلة رقيقة بجانب شفتيها، استقبلتها بسعادة وتشديد من ذراعيها
حول خصره وهي تقول بدلال: -حبيبي زي القمر. ابتسم بخفوت ليجيبها بثبات بعدما عاد ببصره للأمام يتطلع لانعكاس صورته وهو يعقد ربطة عنقه بتمرس: -فيه راجل برضه يتقال له زي القمر؟! تدللت أكثر وهي تقول: -أيوه حبيبي زي القمر، وده مجنني ومخليني دايمًا قلقانة لتيجي واحدة وتخطفك مني. ضحك برجولة واستدار بجسده بعدما انتهى من نثر عطره ليحتويها بذراعيه وهو يقول: -بيتهيء لي إنك واثقة فيا وعارفة كويس إني راجل محترم وإن الستات مش سكتي.
صمت ليغمز بعينيه متابعًا: -ثم أنا إيه اللي هيخليني أبص بره وأنا متجوز برنسيس؟ هذا ما كانت تنتظر سماعه منه لترتفع قامتها للأعلى وهي تلف ذراعيها حول عنقه وتجيبه بكبرياء وتعالي: -مهو علشان السبب ده بالذات أنا قلقانة. رفع حاجبه الأيسر لعدم فهمه لجملتها لتسترسل هي بإبانة:
-فيه نوع من الستات بتحب تحط عينها على الرجالة المتجوزين من برنسيسات زيي كده، وتحاول توقعه علشان تثبت لنفسها تفوقها وإنها ست بجد، وكل ما الست كانت أجمل وأرقى كان التحدي والرهان على جوزها أكبر، بالبلدي كده الصيدة لازم تبقى صعبة علشان تحس إنها عملت إنجاز. ضحك بسخرية وهو يهز رأسه بعدم استيعاب قائلًا: -بس النوعية اللي بتتكلمي عنها دي مش ستات يا حبيبتي، دول بنات شوارع وعيب يتقال عليهم ستات. صمت قليلًا ثم قطب ما بين
عينيه ليقول بنبرة مستغربة: -ثم أنت إيه عرفك بالحوارات دي أساسًا؟! ابتعدت عنه لتستدير موالية ظهرها وهي تقول بلامبالاة: -قعدات شلة ستات النادي بتجيب لك الجديد من الأخبار لحد عندك. ابتسم ساخرًا وهو يرد عليها متهكمًا: -قصدك شلة النميمة.
ضحكت ليتحرك هو نحو الطاولة يلتقط حقيبته المليئة بأوراقه الخاصة بعمله، فهو معتاد على جلب أوراق القضايا الهامة معه ليدرسها جيدًا بعقل حكيم وذهن صافي بعيدًا عن ضوضاء العمل. اقتربت عليه تحرك أصابع يدها فوق صدره وهي تعبث بأزرار قميصه بدلال: -بقول لك إيه يا فؤاد، كنت محتاجة منك مبلغ أشتري بيه شوية حاجات نقصاني. قطب جبينه ليطالعها متعجبًا: -أنا مش لسه محول لك مصروفك الشهري على الكريدت من يومين؟!
ابتعدت لتقول بلامبالاة وهي تدور حول نفسها وتنظر للأسفل: -صرفته يا فؤاد، وبعدين هي العشرين ألف جنيه اللي بتحولها لي كل شهر دي فلوس؟! -العشرين ألف جنيه اللي مش عاجبينك دول فيه شباب بيفتحوا بيهم مشاريع وبيبدأوا مسيرة حياتهم... نطقها باستياء لتقول بكبرياء وهي ترفع عنقها للأعلى: -أنا مرات فؤاد علام ابن الملياردير علام زين الدين، ولازم مصروف إيدي يتناسب مع وضع وحجم ثروتكم. أجابها بملامح وجه ثابتة ترجع لصعوبة تأثره ودرجة
ثباته الانفعالي العالية: -لو كلنا مشينا بالمنطق بتاعك ده كنا فلسنا من سنين. ليستطرد بإبانة:
-بابا وعمي ورثوا الشركة والمصنعين والأراضي من جدي الله يرحمه، وبما إن بابا اتجه لدخوله في عالم النيابة فكان مضطر يسلم كل حاجة لعمي عبدالله، والحق يقال، عمي كان أهل ثقة وبدل الشركة بقت ثلاثة والمصنعين بقوا سلسلة مصانع أولاد الزين، وبابا طول السنين دي بياخد أرباح مهولة وبدل ما يركنهم في البنوك استغلهم وشغلهم في مشاريع تانية بتديرها ناس أهل خبرة وثقة، ومع ذلك عشنا زي أي حد. رمقها بنظرة لائمة ليستطرد:
-لو ماما فكرت بعقليتك كان زمانا عايشين على مرتباتنا من النيابة ويدوب مكفيانا أكل. نكست رأسها للأسفل لترتسم علامات الحزن والخذلان فوق ملامحها. أخذ نفسًا عميقًا ليزفره بهدوء كي يحافظ على ثباته الانفعالي وتوجه إليها ليرفع ذقنها مجبرًا إياها على النظر لعينيه، وهم متحدثًا بنبرة هادئة:
-إوعي تفكري إني بحاول أتحكم فيك أو إني قاصد أحرمك من حاجة إنت عاوزاها، بس إنت بجد زودتيها يا نجلا، مصاريفك بتعلى كل شهر عن اللي قبله، وده غلط، لازم يبقى لك سقف للمصاريف وتجبري نفسك على الالتزام بيها، لازم نروض نفسنا ونأدبها يا حبيبتي علشان ما تفجرش.
-كل حاجة سعرها ارتفع الضعف يا فؤاد، ولو مش مصدقني إسأل، أنا مرات المستشار فؤاد علام ولبسي وإكسسواراتي لازم تكون متجددة دايمًا، كل أصحابي ما بيكرروش الفستان ولا الإكسسوار مرتين... نطقت كلماتها بحدة ووجه عابس ليرد عليها مستاءً: -هو بعيدًا عن إنه تبذير وحرام وإن ربنا هيحاسبهم على كده، بس منين بيجيبوا فلوس لكل ده؟! أجابته بتفاخر: -كلهم متجوزين رجال أعمال، وعلى فكرة، محدش فيهم عنده الثروة اللي عندك إنت وبباك.
نطقت كلماتها لتمط شفتيها مع عبوس وجهها وتحركت منسحبة لتجلس على طرف الفراش منكسة الرأس لتشعره بالذنب. بالفعل تحرك إليها بعدما حزن لأجلها وتحدث: -عايزة كام؟ رفعت رأسها لتطالعه بنظرات منكسرة افتعلتها للتأثير عليه حيث قالت بصوت حزين: -خلاص يا فؤاد مش عايزة حاجة، أنا هروض نفسي زي ما أنت قولت لي. يعلم من داخله بأنها تتدلل كي تستجدي تعاطفه ليهتف قائلًا بتملل:
-إخلصي يا نجلا وقولي عايزة كام، ورايا شغل ومش فاضي أنا لدلع الستات ده. ابتلعت لعابها لتنطق بصوت خافت وعينين مترقبة: -عايزة زيهم. -عشرين ألف جنيه! ليه يا نجلا؟ نطقها بذهول، لتنهض من مكانها وتستقر بوقوفها أمامه وهي تقول بشفتين ممطوطة للأمام: -هو أنا ليه حاسة إنك مش واثق فيا يا فؤاد؟ ملّس بكف يده على وجنتها الناعمة وهو يقول لمراضاتها بعدما لمح امتعاض ملامحها:
-مش قصة ثقة يا حبيبتي، أنا لو مش واثق فيكِ وفي تصرفاتك مية في المية ما كنتش ربطت اسمي باسمك من الأساس. طالعته بعتاب ليسترسل بإبانة لوجهة نظره: -أنا ما بحبش التبذير علشان ربنا ما يزيلش مننا النعم. زفرت باستسلام ليقول مبتسمًا: -خلاص ما تزعليش، هاحولهم لك على الكريديت بكرة. اتسعت عينيها لتلتمع بوميض اللهفة واقتربت تطبع قُبلة فوق وجنته قبل أن تنطق متلهفة: -عايزاهم النهاردة.
قطب جبينه يطالعها مستغربًا لهفتها لتنطق سريعًا وهي تعبث من جديد بأزرار قميصه بإثارة: -أصل عيد ميلاد نوفا صاحبتي بعد يومين، واتفقت أنا وهي وباقي صاحباتي ننزل النهاردة نجيب فساتين البارتي مع بعض. تنهد بقلة حيلة واتجه للخارج حاملًا حقيبته بعدما وعدها بتحويل المبلغ اليوم وكالعادة غمرته بأحضانها المتلهفة، انتظرت عدة دقائق بعدما تأكدت عبر الشرفة المطلة على الحديقة من خروجه بسيارته من حديقة القصر لتمسك هاتفها سريعًا
وهي تتحدث بنبرة حذرة: -أيوة يا ملك، أنا اتصرفت خلاص في الفلوس، أكدي لي الحجز ونتقابل هناك الساعة اتنين الظهر. استمعت لتأكيد الطرف الآخر لحديثها لتأخذ نفسًا عميقًا يعبر عن راحتها وتحركت لترتمي فوق الفراش لتعود لغفوتها من جديد بعدما تمت خطتها بالنجاح. ****** في تمام الساعة الحادية عشر، كانت تنزل الدرج بأناقتها المعتادة ورأسها الشامخ لتقابلها والدة زوجها وهي تصعد الدرج بنفس اللحظة لتقول الأخرى بابتسامة زائفة:
-إزّي حضرتك يا طنط. -أهلًا يا نجلا... نطقتها بصوت جاد ووقار يرجع لعدم استلطاف تلك النجلا لتستكمل وهي تشملها باستغراب: -لابسة ومتشيكة ورايحة فين كده على الصبح؟ نطقت بابتسامة صفراء: -هقابل صاحباتي في النادي نفطر وبعدها هنعمل شوبينج علشان أشتري شوية حاجات نقصاني. رمقتها بنظرات شاملة لتنطق بضيق ظهر فوق ملامحها العابسة: -نفسي تفرحيني في مرة وتقولي لي إنك رايحة تشتري لبس للبيبي.
شعرت بغضب عارم يجتاح كيانها من تلك السيدة الغليظة التي أصبحت لها بالمرصاد بعدما انتهت السنة الخامسة منذ زواجها دون إنجابها الحفيد للعائلة، قبل ذلك كانت كثيرة اللطف بحديثها لكنها مؤخرًا تحولت، جاهدت بالحفاظ على هدوء ملامحها وثباتها الانفعالي بدلًا من أن تحطم رأس تلك الحمقاء لتقول وما زالت محتفظة ببسمتها المصطنعة: -أكيد هيحصل في يوم من الأيام يا طنط، ما تستعجليش. عدلت من وضع نظارتها الطبية لتقول وهي ترمقها باستغراب:
-لكم خمس سنين متجوزين، عايزاكِ أستنى إيه أكثر من كده علشان أشوف حفيد لابني الوحيد. مطت شفتيها لتهز كتفيها وهي تقول بلامبالاة: -وأنا مالي بالموضوع ده يا طنط، حضرتك بنفسك جيتي معايا للدكتور بدل المرة اتنين، وهو بنفسه أكد لك إن لا أنا ولا فؤاد عندنا أي مشاكل في موضوع الخلفة، وإن تحاليلنا كويسة جدًا وطبيعية. لتستطرد وهي تذكرها: -وإن الموضوع كله مجرد وقت وهيحصل. ضيقت عصمت بين حاجبيها لتسألها بفضول: -وشك أصفر ليه كده؟
ارتبكت بوقفتها لتجيبها بتهرب: -إجهاد من عدم كفايتي للنوم. ونكست رأسها تسترسل بزيف: -وكمان عندي مغص. فهمت عصمت ما تشير إليه لتزفر قائلة بطريقة حادة وهي تصعد الدرج متخطية وقوفها: -يا ريت ترجعي بدري قبل ما جوزك ييجي من الشغل. -حاضر يا طنط، باي... نطقتها بضيق لتقلب عينيها بضيق قبل أن تزفر بقوة وتمضي بطريقها للخارج. ****** عودة للحاضر بمنزل نصر البنهاوي
جاهد محاولًا فتح عينيه بصعوبة بعدما استمع لصدوح صوت جرس الباب يصاحبه بعض الطرقات العالية على الباب الخارجي للشقة، شعر بتحريك جسد صغيره ليفتح عينيه سريعًا وهو يقول: -نام يا حبيبي.
نظر له الصغير ليغلق عينيه مجددًا بعدما أهداهُ ابتسامة كانت كفيلة بأن تجعل قلبه يرفرف وتخفف من وطأة آلامه التي باتت مصاحبة له بعد انفصاله عن مالكة الفؤاد، لثم وجنته بحنو ليتحرك صوب الباب سريعًا بعد صدح الرنين من جديد، فتح الباب ليجد أمامه سُمية وهي ترمقُه بنظرات نارية لو خرجت لدمرت كل ما يقابلها ولحولته لرماد في الحال، خرج صوته متحشرجًا وهو يطالعها بغضب:
-فيه إيه على الصبح، حاطة إيدك على الجرس ونازلة دوس زي ما أكون مديون لكِ وجاية تطالبيني. هتفت ليخرج صوتها كفحيح أفعى دهس أحدهم على ذيلها: -لا وإنتَ الصادق، جاية أدور على جوزي اللي واخد ابن ضرتي وقافل عليه شقتها وقاعد يسترجع الماضي الحزين. لتستطرد بنبرة ساخطة لعينين تنطقان حقدًا: -وناسي إن ليه واحدة ست وعنده بنت محتاجة هي كمان لرعايته زي ابن الهانم اللي بيتعامل معاملة خمس نجوم إذا كان منك ولا من جده وجدته.
-وطي صوتك وإنتِ بتتكلمي... نطقها بصوت صارم ليسترسل لإرعابها: -ولا عايزة ستهم تسمعك وتبقى ليلتك مش معدية. نظرت إليه لتتراجع نبراتها من حادة لذليلة وهي تغير استراتيجياتها لكسب تعاطفه كالمعتاد برغم أنه لم يتأثر به مؤخرًا إلا أنها ما زالت ماضية بطريقتها التقليدية: -إنتَ بتعمل فيا كده ليه يا عمرو، بتعاقبني على إيه، على إني حبيتك وما شفتش في الدنيا راجل غيرك؟! أغمض عينيه يتأفف بوقفته ليقول بنبرة متمللة:
-هو إحنا مش هنخلص من الأسطوانة المشروخة دي بقى، يا بنتي ارحمي نفسك ده أنا تعبت لك. كاد أن يكمل ليبتلع ما بجوفه من حديث بعدما استمع لصوت صغيره يناديه حيث خرج من الغرفة باحثًا عنه: -بابي. اشتعل قلبها بنار الغل عندما رأت لهفته على الصبي حيث التفت وأسرع متلهفًا بخطى واسعة ليقابله وهو يقول بصوت حنون ليطمئنه: -أنا هنا يا حبيبي. حمله بعناية بينما تحدث الصبي ببراءة: -أنا عايز آخد شاور.
هم بالحديث لتباغته وهي تبسط يديها باتجاه الصغير استعدادًا لحمله لتقول بابتسامة مصطنعة علها تكسب بتصرفها هذا ود عمرو: -تعالى يا يوسف أنا هحميك. تأوهت على أثر دفعها من قِبل عمرو حيث دفعها للخلف محتضنًا صغيره ليبعدها عنه وكأنها عدوى يخشى على صغيره من لمستها وصاح هو يقول بنبرة حادة لملامح وجه صارمة: -اوعي تحاولي تلمسي ابني أو تتقربي منه. ليرمقها بسخط هاتفًا بقوة أصابت جسدها بالارتجاف: -إنتِ فاهمة.
طالعته بعينين جاهدت لتترقرق بهما غيمات الدموع ليهتف هو غير عابئ بحالتها: -اقفلي الباب وراكِ وإنتِ خارجة. مثلت نزول دموعها لتستدير مهرولة للخارج لتصفق الباب خلفها وتتحول ملامحها لحاقدة متوعدة لإيثار وطفلها المدلل الذي وبرغم ابتعاده إلا أنه اختطف سعادتها وحياة ابنتها التي كانت من المنتظر أن تحياها لولا وجود هذا الحفيد المقرب لقلوب العائلة.
أخذ عمرو الصبي وولج به إلى الحمام وبدأ بغمر جسده جيدًا داخل الماء وبغسله بالصابون الخاص بالاستحمام، دلل صغيره وعاش معه المشاعر التي يفتقدها بابتعاده عنه، أخرجه من المغطس ليلف جسده بالمنشفة الكبيرة حاملًا إياه ليتجه نحو غرفة النوم الخاصة بإيثار، ساعده بارتداء ثيابه وصفف له شعره ليبتسم الصغير برضا وهو يقول: -ممكن بقى ننزل نفطر علشان بعدها أكلم مامي؟
تحمحم ليقول بنبرة متلهفة وهو يتناول هاتف نجله الذي يجلبه معه بكل زيارة لمهاتفة والدته من خلاله كي تطمئن عليه: -طب إيه رأيك نكلمها الأول وبعدين ننزل نفطر مع بعض في الجنينة أنا وإنتَ وجدو وتيتا. هز يوسف رأسه بموافقة ليضغط عمرو رقمها سريعًا ليأتيه الرد وكأنها كانت تنتظر: -أيوة يا حبيبي.
علت دقات قلبه وتحولت كدقات طبول حرب، ولم يشعر إلا بروحه التي سرحت بملكوت صوتها الناعم وهي تنطق بـ "حبيبي"، كم مضى من السنوات دون استماعه لتلك الكلمة التي كانت بيوم غذاءً لروحه واليوم أصبحت الترياق ويا ليته يستطيع الحصول عليه، تحمحم قبل أن ينطق بصوت يفيض بالاشتياق: -إزيك يا إيثار. اشتعلت روحها وكأن نارًا قد سرت بجميع أوردتها ليتحول صوتها من ناعم لحاقد وهي تصيح بنبرة حادة: -إديني ابني. -حاضر، طمنيني بس عليكِ الأول...
قالها بصوت خانع لتهتف غاضبة بحدة وصرامة: -قلت لك إدي التليفون ليوسف. زفرت عزة التي تقابلها الجلوس حول طاولة الطعام حيث كانتا تتناولان فطورهما واستغفرت ربها بينما ناول عمرو الهاتف للصغير دون أن ينبس ببنت شفة تجنبًا لإغضابها أكثر ليهتف الصغير مهللًا: -وحشتيني يا مامي. تلهف قلبها عند استماعها لنبرات فلذة قلبها الغالي لتهتف بحبور: -وإنتِ كمان وحشتني قوي يا قلب وعقل وروح مامي.
انتهى الصغير من محادثة والدته وعزة التي أغرقته بسيل من الكلمات المدللة ليسعد قلبه، حمل الصغير وتوجه للأسفل ليجد جميع العائلة جالسون بانتظار الصغير حول الطاولة ولم يجرأ فرد بلمس الطعام بأمر من نصر مما جعل طلعت يستشيط غضبًا من أفعال والده المبالغ بها في دلال الصغير وإعطائه أهمية عظمى، تهلل وجه نصر وتحدث مرحبًا وهو يفتح ذراعيه على مصراعيهما لاستقبال حفيده خفيف الظل والحضور: -يا صباح الفل يا يوسف باشا.
تبسم الصغير مبتهجًا ليرتمي بأحضان جده الحانية ليغمره الآخر بقبلاته الحارة والصادقة تحت احتراق قلب سُمية التي لوت فاها وإنارت وجه مروة التي شملتها بنظرات شامتة مما زاد اشتعال روح الأخرى حيث رمقتها بنظرة نارية لو خرجت لحولتها لجثة متفحمة في الحال، وضع نصر الصغير فوق ساقيه وأشار للجميع قائلًا بمداعبة لوجنة الصغير: -الوقت بس تقدروا تاكلوا بعد ما حضرة الظابط يوسف وصل.
تعالت ضحكات الصغير لينشرح قلب عمرو وإجلال ويستشيط لها الآخرون حتى الأطفال وهم يرون هذا الدخيل الذي يتمتع بدلال جديهما وله منهما جميع الصلاحيات المحرمة عليهم. جلس عمرو وبدأ نصر بإطعام الصغير بنفسه بكل ما لذ وطاب ليتحدث مدالًا إياه: -خلص أكلك علشان نطلع الجنينة وأخليك تمسك السكينة وتذبح بيها الخروف ونشويه على السيخ سوا. جحظت أعين الصغير ليتحدث بارتياب وعفوية:
-لا يا جدو مش هينفع أعمل كده، أنا أخاف وكمان مامي منعاني أمسك السكينة لأنها بتأذي. هتفت إجلال التي ما أن استمعت لاسم غريمتها حتى فقدت ثباتها لتقول بصوت حاقد: -والله ما حد هيتلف أملك ويطلعك خيخة غير المعدولة أمك. نظر لها ولم يفهم ما تتفوه به ليطالعها عمرو بنظرات ملامة منعتها من تكملة حديثها السام وهي تهز رأسها باستسلام. تحدثت ابنة طلعت الكبيرة بتفاخر: -خليني أذبحه أنا يا جدي. هتفت إجلال متهكمة:
-ما بقاش إلا البنات كمان اللي هتذبح يا بنت طلعت. هتف طلعت غاضبًا: -ومالهم البنات يا أُمَّا، ده أنا مربي بناتي الثلاثة أجدع من أي راجل. أجابته ساخرة: -مش بالتربية يا عين أُمك، في الآخر اسمهم بنات وآخرهم هيتجوزوا ويخلفوا ولاد يشيلوا اسم راجل تاني. زفرت ياسمين واستشاط داخلها من تلك الحية الرقطاء التي تبخ سمها بوجوه الجميع ولم يسلم من شر لسانها حتى أقرب الناس لديها، ليجيبها طلعت بنبرة تحمل الكثير من السخط:
-إن كان على الواد هاجيبه يا أُمَّا، اللي يجيب البنت يجيب الواد. وحول بصره لتلك الجالسة بآخر الطاولة تجاور زوجتي شقيقاه حسب أوامر إجلال ليهتف آمرًا بقوة: -من بكرة تروحي لدكتورة الزفت اللي إنتِ متبعاها وتشوفي الحبل اتأخر ليه المرة دي. واستطرد بتهديد صريح لقلب مشتعل: -وإلا وعزة وجلال الله لأكون متجوز عليكِ اللي تجيب لي الواد.
لعنت بسريرتها إجلال وإيثار وطفلها اللعين الذي يحول زوجها لناقم عليها وعلى حاله كلما حضر لزيارتهم، رمقت إجلال هؤلاء النسوة وسبت بسريرتها تلك الإيثار التي لعبت بعقل نجلها ليتوسط لهن بأن يحضرن الطعام معهم وبالآخر رضخت مجبرة تحت إصرار مدلل قلبها.
بعد مرور حوالي الساعتين، ذبح نصر الشاه بمساعدة أنجاله الثلاث وتحت نظرات الصغير لتأخذ النساء اللحم لتسويته وينسحب كل لوجهته بينما جلس نصر وإجلال بصحبة الصغير بالحديقة الواسعة الخاصة بالمنزل لإشباع لهفتهما عليه، كان يستقل تلك السيارة التي جلبها له عمرو بذكرى يوم ميلاده وتجاوره شقيقته من أبيه فقلب الصغير يميل لها رغم معاملة سُمية ونظراتها العدائية له، كانت عينا إجلال تطالعه بحرص وتفاخر لتزفر بقوة وهي تتحدث بنبرة غاضبة:
-هتفضل سايب الواد لبنت منيرة كده كتير يا نصر، يوسف لازم يرجع بيت أبوه ويعيش في عزنا. أغمض عينيه ليقول باستسلام: -سيبيني لحد ما الانتخابات تخلص وبعدين أروق لها. اتسعت عينيها لتقدح بشرارات الغضب وهي تهتف من بين أسنانها بفحيح كأفعى تتجهز ببخ سمها بعيني فريستها: -إنتَ عايزني أستنى ست شهور بحالهم يا نصر، ده إنتَ ناوي تجلطني على كده؟ تنفس بعمق كي يستطيع مجابهة تلك المتجبرة ليقول بإبانة وتعقل لكسبها:
-يا إجلال إفهمي، البنت مستقوية بناس كبار حواليها، وأنا مش عايز شوشرة قبل بداية الانتخابات، محدش عارف الناس دي بتفكر إزاي وممكن أذاهم يوصل لحد فين. واستطرد مستشهدًا: -وأظن إنتِ بنفسك شوفتي موضوع عمرو حبكوه إزاي علشان المحضر يتحول للنيابة قبل ما آخد خبر بيه. شددت على قبضة يدها حتى ابيضت لتقول من بين أسنانها: -آه يا ناري لو تطولها إيديا، لأربيها من جديد على إيد ستهم. هزت رأسها وهتفت بحقد:
-المركز كله رجالة وستات محدش فيهم قدر يعمل معايا اللي بنت منيرة عملته، نفسي أبرد ناري من ناحيتها يا نصر، نفسي أذلها وأكسرها قدام الناس كلها. وضع كوب القهوة فوق الطاولة ليلتف بجسده ناحيتها مربتًا على كفها الموضوع فوق ساقيها وهو يقول متوعدًا: -اصبري على ما أخلص من موال الانتخابات وأرتاح، وعد عليا هاجيبها لك متكتفة وأرميها لك تحت رجليكِ، وساعتها اعملي فيها ما بدا لك. تنفست بعمق لتنطق بغل ظهر جليًا بنظراتها:
-هأصبر يا نصر مع إن الصبر مش طبعي ولا سكتي، بس هأصبر على أمل أنول مرادي في الآخر. -بعيد عن انتقامك منها البنت لازم ترجع لعمرو يا إجلال... نطقها بصوت خافت ليسترسل بخيبة أمل كست ملامحه:
-ابنك ما اتصلحش حاله وبقى راجل غير لما اتجوزها، ومن يوم ما دخلت بينهم الشيطانة اللي اسمها سُمية والبنت اتطلقت، وابنك رجع أسخم من الأول، الواد تحسيه بقى تايه، دماغه مش مظبوطة، رجع للشرب والنسوان الزبالة من تاني، بعد ما ربنا هداه وبعد عن السكة دي وقرفها على إيدين بنت غانم. زفرت بقوة ونكست رأسها بانكسار دلالة على صحة حديثه وعدم راحتها بما وصل له نجلها المدلل من خيبة وإخفاق. ******
داخل المطبخ الخاص بمنزل نصر، هتفت سُمية الواقفة أمام موقد الغاز تتابع التقليب بالملعقة بأحد الأواني الموضوعة على النار: -الغيرة هتموتني يا ياسمين، كل ما الواد ييجي يتلكك بيه وياخده ويجري على شقة المحروقة اللي اسمها إيثار وما يخرجش منها غير لما الواد يمشي. هتفت الأخرى بنبرة حادة: -ما إنتِ اللي خايبة، قلت لك هاتي لك حتة عيل كُلي عقله بيه وهو ينسى ابن إيثار. احتدت ملامحها لتهتف غاضبة:
-وهو بإيدي إياك، ده أنا ممكن أعد لك الكام مرة اللي قرب لي فيهم من يوم ما كتب عليا، ومعظمهم تم وهو مش في وعيه، مع إني عملت له البِدع. لتستطرد بعينين حزينتين: -فالح يقضيها سرمحة مع النسوان الشمال بره وييجي لحدي وكأنه شاف عقربة قدامه. انتفضت على أثر صوت تلك التي ولجت إلى المطبخ دون أن تشعرا بها وهي تتحدث شامتة: -يمكن علشان بتفكريه بخيبته الثقيلة وبالغالي اللي خسره قصاد الرخيص. التفت سريعًا لتهتف بصياح ووجه مشتعل ينذر
بنشوب حرب على الأبواب: -ابعدي عني الساعة دي يا مروة أحسن لك، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدام عيني، ما تخلينيش أفش غلي فيكِ. ضحكة خليعة أطلقتها مروة لتستشيط الأخرى ليخرج صوت نسرين يوقف كلتاهما وهي تنهرهما: -ما تخرسي وتخلي ليلتك تعدي إنتِ وهي، البيت مولع لوحده ما تزودوهاش. رمقت مروة بازدراء لتسترسل ناهرة لتلك التي تعشق التصنت عليهما: -وإنتِ يا ست مروة، مش هتبطلي العادة الزفت اللي فيكِ دي.
اتجهت نحو الطاولة وجذبت المقعد لتجلس وتحدثت ببرود قاتل بعدما شرعت بتقطيع خضراوات السلطة: -والله محدش قال لكم تقعدوا تنموا في المطبخ وحسكم يجيب آخر البيت، عايزين تتكلموا في أسرار يبقى في شققكم مش هنا. زفرت ياسمين وعادت لطهي الطعام من جديد مفضلة الصمت أمام كلتا الغبيتين التي ابتليت بهما ببيت الأشباح هذا. ****** ليلًا
تجلس على مقعد مجاور للفراش بحجرتها المظلمة حيث أغلقت الضوء لتحاول تهدئة حالها من التوتر الذي اجتاح كيانها فور مكالمة عزيز التي أشعلت بها روحها بالكامل وجعلتها تدخل بنوبة من الهلع كلما تذكرت تهديداته الصريحة بأخذ صغيرها من بين أحضانها، تشعر بعجز شديد وبأن يديها مكبلة، وبلحظة انتفضت لتقف متجهة نحو الكومود لتلتقط هاتفها بعدما اهتدت لفكرة ستضع بها حدًا لهذا العزيز، بحثت بالأرقام المسجلة إلى أن اهتدت لرقم والدها لتضغط زر الاتصال منتظرة الإجابة
ليأتيها صوت أبيها المتلهف: -إيثار، إزيك يا بنتي. تنفست بهدوء في محاولة لتهدئة حالها كي لا تنقل لوالدها توترها الهائل: -إزيك إنتَ يا بابا. -أنا الحمد لله، المهم إنتِ طمنيني عليكِ... نطقها برضا ليخرج صوتها متألمًا شاكيًا لأبيها حيث قالت بنبرة خرجت غاضبة رغم محاولاتها: -أنا بقى مش بخير ولا كويسة. ارتعب قلبه ليسألها متلهفًا: -ليه يا بنتي، فيكِ إيه؟ هتفت بصوت شديد الغضب:
-عزيز اتصل بيا النهاردة الصبح وبيهددني يا بابا، أخويا اللي المفروض إنه سندي بيهددني لو ما رجعتش البلد بعد يومين هيرفع عليا قضية ضم حضانة. وبدأت بقص ما بدر من شقيقها تحت غضب وحزن قلب غانم الذي ما عاد فيه التحمل أكثر لما يراه من ظلم كبير يقع على ابنته المنكسرة، هاج ليخرج صوته هادرًا: -هي حصلت يهددك علشان خاطر مصلحته. -إسمعني كويس يا بابا، أنا اتحملت من عزيز وماما اللي ما يتحملوش بشر... نطقتها بهدوء لتعلو
نبرة صوتها قائلة بتهديد: -بس لحد يوسف ومحدش يلومني على اللي هاعمله. -لو وصلت إني أفتري عليه وأقدم فيه بلاغ إنه اتهجم عليا وضربني هاعمل كده، وعندي بدل الشاهد عشرة وبدل الإيد اللي هتتمد وتساعدني مية... قالتها بصوت شديد الحدة يرجع لوصولها لحالة من الانهيار النفسي وكأن جدارها الواهي قد هُدم وخارت قواها وتحطمت تحت شعورها الدائم أنها تسبح ضد التيار، تنهد غانم لينكس رأسه وشعورًا بالخزي من ضعفه يعتريه ليخرج صوتُه ملامًا
وهو يقول: -هاتحبسي أخوكِ يا إيثار، وقدرتي تطلعيها من بوقك. ابتسامة مريرة خرجت من جانب ثغرها تخبرها عن مرارة ما تشعر به، تنفست لتجيب والدها بنبرة متهكمة: -وحضرتك عايزني أقف متكتفة وأسيبهم ياخدوا ابني ويسلموه لإجلال تربيه، ده مش بعيد يدوه لسُمية الخاينة تربيه علشان أموت بحسرتي. لتسترسل بألم طعن والدها بمنتصف قلبه: -وساعتها أكيد ماما وعزيز هيرتاحوا، ويمكن يوزعوا نذر لله إنه خلصهم من الشؤم اللي موقف حياتهم وخاربها.
اجتاحه شعور هائل بالأسى يرجع لحزنه الأليم وهو يرى أنجاله يتقاتلون وبدلًا من أن يصطفوا ويمثلوا قوة أمام الظلم يتفرقون كلٌ بطريق عكس الآخر لتدمير أنفسهم بأنفسهم لينطق بصوت مغلوب: -استهدي بالله يا بنتي واعتبري موضوع عزيز مُنتهي. سألته بتشكيك: -مُنتهي إزاي يا بابا، يعني حضرتك هتقدر تمنعه من إنه يرفع القضية؟ حزن داخله لينطق بانكسار: -للدرجة دي شايفة أبوكِ راجل ضعيف وقليل يا إيثار؟
نزلت كلماته المستكينة على قلبها شطرته لنصفين لتعنف حالها وهي تنطق سريعًا: -لا عشت ولا كنت لو ده اللي أقصده، أنا قصدي إن عزيز الغضب مخليه مش شايف قدامه ومش هيسمع لحد. -وأنا قلت لك اعتبري الموضوع منتهي وقفلي عليه... نطقها بصوت غاضب لتنطق متأسفة بخجل: -حقك عليا يا بابا، أرجوك ما تزعلش مني. أجابها بصوت رجل مهزوم: -أنا مش زعلان منك يا بنتي، أنا زعلان من نفسي. واستطرد بأسف بصوت ذليل نزل على قلبها وكأنه نصل
سكين حاد شطره دون رحمة: -كان نفسي أكون لك الأب القوي اللي يقف في ظهرك ويحميكِ، بس العين بصيرة والإيد قصيرة، أبوكِ راجل غلبان والزمن جار عليه والفقر هده. ما شعرت إلا بدموعها الأبية تنهمر فوق وجنتيها كسيل جارف يطيح بكل ما يقابله، خرج صوتها ضعيفًا متأثرًا وهي تقول في محاولة للتخفيف من وطأة ما يشعر به من تخاذل:
-إنتَ في عيوني أحسن أب في الدنيا، كفاية مساندتك ليا في موضوع طلاقي، ولولا وقوفك جنبي قصاد نصر ما كنتش قدرت آخد ابني وأخرج بيه بره البلد. واستطردت بشهقة خرجت لتشق بها صدر غانم: -ربنا يخليك ليا يا بابا. ابتسامة حانية خرجت من ثغره وهو يقول بنبرة حنون: -وحشتِ أبوكِ يا إيثار. -على عيني بعادي عنك يا حبيبي، ما إنتَ عارف أنا ما بانزلش البلد ليه... نطقتها بضعف وأسف ليجيبها بصوت بشوش:
-أنا اللي هاجي لكِ، هاجيب لك يوسف بكرة وأجي أقعد معاكِ يومين بحالهم. اتسعت عينيها لشدة حبورها لتهتف بتهلل ولهفة: -بجد هتيجي يا بابا؟ حلق قلبه فرحًا لسماعه لتلك النبرة السعيدة التي غمرت صوت صغيرته ليؤكد لها قائلًا: -إن شاء الله هاجي لكِ، شوفي عايزاني أجيب لك معايا إيه وأنا عيني لكِ. -تسلم عيونك يا بابا، مش عايزة أي حاجة غير إني أشوفك وده كفاية...
أنهت مكالمتها الهاتفية بحال مختلف كليًا عن بدايتها، فكم كانت أحلامها بسيطة، يكفيها ولو كلمة، شعورًا، غمرة ليجعلاها كطير حُر يطلق جناحيه القويتين محلقًا بسماء الله الواسعة دون قيد. استندت برأسها للخلف لتغمض عينيها وهي تزفر براحة وتدعو الله بسريرتها بأن يساندها وينصرها على كل من ظلمها ويستمر بظلمها وأن يحمي لها يوسف، ثمرتها حلوة المذاق التي جنتها من زيجتها المشؤومة لتكون عوضها عن سنوات العجاف التي قضتهم بمنزل الأشباح.
****** ظهر اليوم التالي
انتهت من العمل على ملف مهم كانت تعمل عليه لتستمع إلى صوت هاتفها الجوال لتجيب على الفور بعملية، أخبرها المتصل أنه كاتب النيابة وأنها غفلت وتركت بطاقتها الشخصية أثناء تنازلها عن محضر التعدي ليتناسى هو ويقوم بوضعها داخل الأوراق الخاصة بالمحضر واليوم فقط عُثر عليها أثناء بحثه للملف، اشتدت سعادتها للعثور عليها بعدما كانت قد فقدت الأمل وسعت بالفعل على استخراج بدل فاقد بعدما قدمت بلاغًا بفقدانها، أخبرته أنها ستأتي إلى
النيابة بعد ساعتين من الآن لاستلامها، دخلت إلى أيمن وطلبت منه الإذن وتوجهت سريعًا قبل انتهاء مواعيد العمل الرسمية بالمبنى كي تعود لمنزلها لتستعد لاستقبال أبيها الغالي، توجهت إلى مكتب النائب العام المقصود لتجد الكاتب بانتظارها أمام باب المكتب فسلمها إياها وشكرته هي وتحركت صوب الخروج، وأثناء سيرها بالممر فوجئت بخروج "شرشبيل" كما أطلقت عليه يخرج من باب مكتبه حاملًا حقيبته الخاصة بعمله، تلاقت الأعين لتقول بابتسامة هادئة
بعدما
شعرت براحة بقلبها لشخصه: -إزيك يا سيادة المستشار. رمقها بجمود متجاهلًا ابتسامتها لتتجمد الابتسامة على محياها وهو يرد باقتضاب وملامح عابسة ترجع لرؤيته لوجه فايزة لتنزع صباحه ويومه بالكامل وتُعيد تجديد أحزانه: -أهلًا وسهلًا.
ابتلعت لعابها خجلًا وشعرت كما لو أن أحدًا سكب دلوًا من الماء البارد فوق رأسها، طالعت ذاك المغرور الذي تحرك صوب المصعد الكهربائي دون الالتفات لها وكأن لا وجود لها من الأساس، تحركت بقلب مشتعل وجاورته الوقوف انتظارًا لوصول المصعد لينضم إليهما "شريف" النائب العام التي قدمت إفادتها لديه في قضية عمرو، تحدث إلى فؤاد وهو يحيه برأسه باحترام: -فؤاد باشا. قابل الآخر تحيته بمثلها بابتسامة خافتة، ليحول شريف بصره إليها
وهو يسألها بعدما تذكرها: -أخدتِ بطاقتك؟ وصل المصعد ليلج ثلاثتهم لداخله لتلتفت إليه وهي تقول بصوت خافت: -آه يا أفندم أخدتها... نطقتها باقتضاب ليكمل الآخر معتذرًا: -معلش ما اكتشفناهاش غير النهاردة، الكاتب نسي وحطها في ملف القضية، ولما فتحنا الملفات النهاردة علشان نراجعها قبل ما تروح للأرشيف لقيناها. طالعته بابتسامة بشوش بعدما حدثها كثيرًا من اللطف والاحترام لتقول بإبانة:
-حصل خير يا أفندم، وكفاية إنه اتصل بيا في الوقت المناسب. لتسترسل بابتسامة هادئة: -أنا كنت خلاص فقدت الأمل إني ألاقيها وقدمت بلاغ بضياعها، وكنت رايحة بكرة أخرج بدل فاقد. كان يستمع لحديثهما بقلب غير مستكين، يشعر بضيق لا يعلم سببًا له وهو يراها تنظر لذاك الشريف وهو يحادثها بملاطفة وترد عليه بملامح وجه بشوشة لم يرها عليها من قبل. وما جعله يشعر بسوء كبير هو حديثها عندما توقف المصعد وهي تقول بابتسامة صافية سرقت لُبه:
-ميرسي لذوق حضرتك يا سيادة المستشار. مال الآخر لها برأسه بترحَاب، ليُفتح باب المصعد بتلك اللحظة وتنطلق هي للأمام بخطوات واسعة وقبل أن تصل لباب سيارتها استمعت لصوته من خلفها وهو ينطق باسمها لتتوقف زافرة قبل أن تستدير بجسدها لتقف بمقابلته حيث تحمحم وهو يتحدث بنبرة متلبكة بعض الشيء: -أنا... ضيقت عينيها باستغراب لحالته ليسترسل بنبرة بها تعالٍ وهو يستصعب خروج كلمة أسف: -يعني... بخصوص معاملتي لكِ جوه. واستطرد سريعًا:
-كنت سرحان وما أخدتش بالي من ابتسامتك. -ابتسامتي؟! نطقتها بجبين مقطب لتسترسل متهكمة وهي تتنكر لابتسامتها وكأنها وصمة عار وجب محيها: -هو يظهر إن حضرتك فعلًا كنت سرحان، عن إذنك. نطقت كلماتها الأخيرة بملامح متجهمة واستدارت تستقل سيارتها لتنطلق سريعًا دون عناء النظر إليه، مما جعله ينظر على أثرها بذهول غير مستوعب ما حدث وهجومها الضاري عليه، لكنه لام حاله وعذرها على تلك المعاملة التي لم تكن سوى رد فعل. ******
عاد لمنزله بحالة مزاجية سيئة يرجع سببها لما حدث بينه وبين تلك الشرسة التي شغلت حيزًا ليس بالقليل من تفكيره، تناول وجبة غدائه بصحبة عائلته ليصعد بعدها متجهًا لداخل الحمام حيث ملأ حوض الاستحمام بالماء الدافئ وسائل الصابون المنعش ليتجرد من جميع ثيابه ونزل غامرًا جسده بالكامل تحت الماء، أغمض عينيه ليتذكر ما آل به لتلك الحالة المزاجية من الجمود والكره لجميع بنات حواء. انتباه "عودة لما مضى"
خرجت "نجلا" واستقلت سيارتها لتصل لإحدى ماكينات الصرف المتواجدة أمام البنوك لتحصل على المبلغ فقد حوله لها زوجها واتجهت إلى صديقتها "ملك" لتنطلقا بسيارتها إلى منطقة شعبية، تطلعت حولها باشمئزاز ظهر على ملامحها لتنطق بازدراء: -ملقتيش مكان أنضف من ده؟ أجابتها الأخرى بجدية حتى تهدأ: -هو ده المكان الوحيد اللي هتقدري تعملي فيه العملية ومحدش هيحس بيكِ. انكمشت ملامح وجهها بجزع وهي تقول بصوت خافت:
-أيوه يا ملك بس المكان شكله يخوف قوي. رفعت كتفيها لتقول بلامبالاة: -ولا يخوف ولا حاجة، أنتِ بس اللي عينك متعودة على الأماكن الهاي كلاس. واستطردت وهي تراقب الشوارع الضيقة بتمعن كي لا يتوهَا بالعنوان: -زي ما قولت لك، أنا جيت هنا مع سميرة البهنسي من شهرين تقريبًا. -طب هي العملية بتوجع وليها آثار بعد كده؟ سألتها بارتياب لتسترسل متوجسة: -يعني فؤاد ممكن ياخد باله؟ أجابتها الأخرى عن تجربة:
-خالص، أنا بعد الندل جمال ما قالي إنه مش مسؤول عن البيبي ولو منزلتيهوش هيقطع الورقتين العرفي اللي ما بينا ويسيبني أواجه المشكلة لوحدي. واستطردت بإبانة: -فكرت بعقلي وقتها ولقيت إني كده ممكن أخسر كل حاجة، جمال وفلوسه ومنصبه الكبير، إيه المشكلة لما أكون متجوزاه في السر بس عايشة في عزه وغرقانة في فلوسه، وبصراحة جمال كريم جدًا معايا ومش مخلي نفسي في حاجة. واستطردت والأخرى تتابع القيادة:
-سألت وقتها وقدرت أوصل للدكتور ده عن طريق سميرة وهي اللي جابتني ليه. -وبعدين؟ نطقتها نجلا لتعطشها لمعرفة تكملة القصة لتقول الأخرى: -جيت يا ستي وعملتها وروحت بعد ساعتين بيت ماما، وعاوزة أقول لك ماما ولا حست إن فيه أي حاجة متغيرة فيا. هزت رأسها لتشق ابتسامة ساخرة ثغرها وهي تقول: -هو أنتِ مش ناوية تعقلي وتسيبك من اللي اسمه جمال ده وترجعي لطليقك؟ واستطردت بضحكة متهكمة:
-الراجل يا حرام هيتجنن وترجعي له، ده ماسابش ولا واحدة من صاحباتك غير وطلب منها تتوسط بينكم. -بتهرجي صح؟ يا بنتي أنا مصدقت خلصت منه ومن فقره. قطعت حديثها وهي تشير لها على المدخل: -ادخلي في الشارع الجاي ده واقفي قدام أول عمارة على اليمين.
صفت السيارة جانبًا وصعدتا الدرج قاصدتين إحدى العيادات غير المرخصة والتي تجرد طبيبها من شرف المهنة ليشتهر بإجرائه لعمليات الإجهاض المحرمة دينيًا والمجرمة قانونيًا، بعد قليل كانت ترتدي ثوبًا خاصًا بالعمليات وتقف بجانب صديقتها بغرفة عمليات متواضعة حتى بأدواتها، ارتعب جسدها حين وقعت عينيها على السرير الخاص بالعمليات والأدوات الخاصة بالجراحة لتمسك كف صديقتها وهي تقول بشفاه مرتجفة:
-أنا خايفة قوي يا ملك، حاسة إني ممكن يجرى لي حاجة. ابتلعت الأخرى ريقها حين لمحت شحوب وجه نجلا لتقول علها تتراجع: -أنتِ مش مضطرة تنزلي البيبي يا نجلا، تعالي نخرج من هنا وروحي فرحي جوزك وأهله بخبر حملك. واستطردت بجشع: -أهل جوزك بيحلموا بالحفيد، تخيلي الهدايا والعز اللي هيغرقوكي فيه لو عرفوا إنك هتجيبي لهم ولي العهد اللي هيورث الثروة دي كلها، فكري يا نجلا. هزت رأسها لتقول برفض تام:
-الموضوع بالنسبة لي محسوم، مش قبل خمس سنين لما أفكر إني أخلف، أنا لسة مكملتش ستة وعشرين سنة، إيه اللي يخليني أدفن شبابي وأخسر رشاقتي بحمل وخلفة ورضاعة. -أنتِ حرة، أنا حبيت أنصحك باللي أنا شايفاه صح من وجهة نظري، أنا عن نفسي لو مكانك هجري حالًا على جوزي وأبشره. ولج الطبيب ليقول بعملية: -جاهزة يا مدام؟ أخذت نفسًا عميقًا استعدادًا لما ستقبل عليه لتجيبه بصوت ما زال مرتجفًا لشدة رعبها: -جاهزة.
أشار لصديقتها بالخروج وأقبل عليها طبيب التخدير ليحقنها بالمخدر لتغيب عن الوعي ويبدأ الطبيب بإجراء عملية الإجهاض لتلك التي تجردت من آدميتها وخنقت شعور الأمومة لديها بإقبالها على قتل جنينها قبل أن تنفخ به الروح، خانت أمانة زوجها لديها وكسرت كل العهود بمحو حلمه وحلم عائلته بقدوم حفيد يكن لهم الفرحة المنتظرة والوريث لعرش "آل الزين". بعد مرور ساعتين
كانت تستقل المقعد الأمامي للسيارة بينما تولت صديقتها القيادة، كانت مستلقية واضعة رأسها للخلف ويبدو على ملامحها الإعياء الشديد، تأوهت بخفوت لتنظر لها صديقتها وهي تقول: -شكلك تعبان جدًا، لو روحتي بمنظرك ده مش بعيد حماتك تلاحظ الموضوع وتكشفك، أنا رأيي تيجي تقعدي في شقتي ساعتين ثلاثة لحد ما تتحسني. أومأت برأسها لتسألها بصوت خافت: -جبتي لي البرشام اللي قولت لك عليه؟ أجابتها بينما تتابع القيادة:
-آه وحطيت لك العلبة في شنطتك، الصيدلي قال لي إن ده أقوى برشام مانع للحمل. لتستطرد بتنبيه: -بس أهم حاجة تاخديه بانتظام، لأن النوع اللي كنتي بتاخديه شغال كويس جدًا معايا، لكن عدم انتظامك فيه هو اللي عمل اللخبطة دي والحمل حصل. واستطردت مقترحة: -اضبطي المنبه على ساعة معينة في اليوم وخديه فيها علشان ماتنسيش. تحدثت بنبرة استسلامية: -أكيد هأخلي بالي بعد اللي حصل لي النهاردة.
نطقتها نجلا بإعياء شديد، ذهبت لمسكن صديقتها لتغفو لمدة ساعتين حتى شعرت بتحسن ثم عادت لمنزلها ومن حسن حظها كان المنزل خاليًا إلا من العاملات، حيث ذهبت عصمت وفريال لزيارة إحدى قريباتهما المريضة وعلام يغفو بغرفته أما فؤاد فكان بتحقيق خارج النيابة لذا لم يعد إلا بتمام التاسعة مساءً. ولج لجناحه ليجده غارقًا بظلام دامس، ضغط زر الإضاءة ليتفاجأ بتلك الغافية ليقطب جبينه متعجبًا، تحرك إليها ومال عليها هامسًا: -نجلا.
لم يجد منها إجابة فكرر بصوته لتفتح عينيها ببطء شديد وهي تجيبه بهمهمة توحي لعدم استعادتها لوعيها الكامل: -إممممم. سألها بحنان: -إيه اللي منيمك بدري يا حبيبتي، أنتِ تعبانة؟ ارتبكت لتهب جالسة وهي تنفي بقوة: -أنا كويسة. -طب إهدي.
قالها حين لمح ارتيابها ليقف منتصب الظهر ويبدأ بخلع حلته وأخذ ثيابًا بيتية من خزانة الملابس ليتجه للحمام اغتسل سريعًا وخرج ليجدها غارقة بنومها من جديد، أشفق على حالها ونزل إلى الأسفل تناول عشائه بصحبة عائلته لينسحب صاعدًا للأعلى مجددًا لينضم لزوجته بالفراش محتضنًا إياها من الخلف بعدما شعر بحاجته لها فقد أثارته بثوب نومها الناعم، همس بجانب أذنها بصوت مثير: -نجلا، اصحي يا روحي. فتحت عينيها لتنهض بفزع أثار
فضوله ليسألها بارتياب: -فيه إيه؟ هو أنا كل ما أقرب منك هتتفزعي؟! ابتلعت لعابها لتجيبه بصوت جاهدت ليخرج متزنًا: -معلش يا حبيبي كنت شايفة كابوس. قطب جبينه ثم اقترب من فمها ليلثمها برقة تابعها بلمسة ناعمة خلف عنقها لتبتعد حين وصلها مقصده وهي تقول محمحمة: -مش هينفع يا حبيبي. ضيق بين عينيه يستشف مقصدها لتتحمحم مسترسلة بتوتر ظهر جليًا بصوتها: -أصلي. قالتها وهي تنزل بصرها للخلف مدعية الخجل لينتبه سريعًا
بفطانته ويسألها باستغراب: -بس ده مش ميعادها؟ -آه ما أنا عارفة، بس تقريبًا حصل لخبطة في الهرمونات. نطقتها بكثير من التوتر لتسترسل بإزاحة بصرها عنه متهربة: -هبقى أروح للدكتور وأشوف السبب. اقترب منها يضع قبلة حنون فوق وجنتها قبل أن يهمس بنبرة حنون: -وده اللي مخليكي متوترة بالشكل ده؟ هزت رأسها بعينين خجلتين ليبتسم لها ثم ربط على وجنتها بتعطف وهو يسألها باهتمام: -أخلي حد من الشغالين يطلع لك حاجة سخنة؟
-لا يا فؤاد، مش قادرة أشرب أي حاجة. قالتها بملامح وجه منكمشة ليربت عليها قائلًا بنبرة رحيمة: -طب نامي يا حبيبتي. تمددت ودثرها هو بالغطاء وقام بوضع قبلة بجبينها قائلًا بأسى: -أنا آسف يا حبيبتي إني قلقتك. -مش هتنام؟ قالتها حينما رأته يقف مبتعدًا ليجيب بنبرة متزنة: -عندي قضية مهمة هأدرس الملف بتاعها تحت في المكتب وبعدين هأبقى أنام. -تصبحي على خير. قالها وهو يحمل حقيبته الجلدية لتوقفه قائلة بصوت معتذر:
-أنا آسفة يا حبيبي. استدار ليحدثها بنبرة متفهمة: -آسفة على إيه بس، الموضوع مش بإيدك. قالها وشملها بابتسامة حنون قبل أن يخرج من الغرفة لتضع تلك المرتعبة كفها بموضع قلبها مع أخذها نفسًا عميقًا وزفره بقوة لتهدئ قليلًا بعدما مرت كذبتها على خير. مرت الأسابيع وتحسنت حالتها كثيرًا، عاد فؤاد من العمل ونزلا تناولا معًا الغداء بصحبة العائلة ليصعدا في المساء، ولجا من الباب لتلتصق به محتضنة إياه بقوة، نظر لها وقام بتقبيلها
بنهم ثم ابتعد وهو يقول: -هأدخل الحمام وأجي لك حالًا.
تبسمت بموافقة، تطلعت عليه وما أن أغلق باب الحمام خلفه حتى هرولت إلى خزانة ملابسها ورفعت طيات ملابسها البيتية بيدها التي تحمل الهاتف لتضعه وتسحب علبة الدواء لتأخذ قرصًا من الشريط وتبتلعه سريعًا وتعيد العلبة بمكانها قبل أن يخرج زوجها، أغلقت باب الخزانة لتتفاجأ بزوجها يخرج من الحمام، ابتسمت له واتجهت صوب الكومود لتتناول كأس الماء وترتشف البعض منه، ولجت هي الأخرى إلى الحمام لتتجهز بعدما أخذت ثوبًا خاصًا بالنوم بينما وقف
هو يصفف شعر رأسه ويضع عطره، استمع صوتًا خافتًا لهاتف ليتلفت من حوله يبحث عن مصدر الصوت إلى أن اهتدى للخزانة ففتحها ليقترب الصوت المكتوم، بحث ليعثر عليه تحت طيات ملابسها الشخصية وأثناء سحبه للهاتف وقعت على الأرض علبة ليتبعثر محتواها وإذ بها أشرطة تحتوي على أقراص دوائية كانت قد دثرتها هنا لطمأنتها أن لا أحد يستطيع الوصول لهذا الجزء لغلقها له بمفتاح خاص لاحتوائه على مجوهراتها وأشيائها الثمينة ولكنها غفلت عن غلقه
لتوترها، قطب جبينه وهو ينظر للأسفل ليميل بطوله ملتقطًا العلبة ليدقق النظر بالكلمات المدونة عليها لتجحظ عيناه بذهول سرعان ما تحول لاشتعال وهو يرى تلك الحبوب المانعة للحمل والذي تعرف عليها فور رؤيته للشريط، فهو رآه من قبل بحكم وظيفته ويعرفه جيدًا.
خرجت من الحمام مرتدية ثوبًا مثيرًا يكشف فتحة صدرها وفخذيها لتتحرك إليه بدلال متحدثة بابتسامة وهي تشير بكفيها بتفاخر على حالها: -أنا جاهزة، إيه رأيك؟ وقفت أمام ذاك المتصلب الجسد ليخرج يده من خلف ظهره ويسألها وكل ذرة بجسده تنتفض بقوة من شدة اشتعالها: -إيه ده؟
انتفض جسدها فور رؤيتها بشريط الدواء وظهر الرعب بعينيها ليتأكد من شكوكه وقبل أن تنطق بكلمة كانت تصرخ شاعرة بألم شديد عندما هوت يده على وجنتها لتلطمها بقسوة ليترنح جسدها على أثرها وتطرح أرضًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!