الفصل 1 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
74
كلمة
7,251
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك

وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من جديد وأقدم لكم حازم بيه الوزان! حلوة المفاجأة دي؟ برقت الأعين وتوقفت الأنفاس بمنتصف الصدور وتجمد الجميع بذهول، فعَمّ صمتٌ مُريع المكان لم يقطعه سوى ذلك الصوت المُرتجِف الآتي من خلفهم. "حااازم!!!

كانت مفاجأة من العيار الثقيل حتى كاد كلًا منهما يظن أنه يتوهم، إلى أن أتاهم صوت أمينة المرتجف والتي لم تصدق ذلك الرجل حين أرسل سيارة دفع رباعي لتأتي بها كي ترى بعينيها حقيقة كونه على قيد الحياة. "ماما.. أنتِ جيتي هنا إزاي؟

كان هذا صوت سالم الذي كان أول من استفاق من صدمته إثر رؤيته لوالدته التي لم تكن عينيها ترى سوى ذلك الذي شيّعته ذات يوم بدماء عينيها، لتجده أمامها ملقى أرضًا تكبّل يديه أصفاد الذل، منحني الظهر، فأخذت تجر خطوات سلحفية تجاهه وداخلها نزاعات مريرة وصراعات قوية. هل تفرح برؤيته وبأن المعجزات التي لم تجرؤ على تمنيها يومًا قد حدثت بالفعل؟ أم تحزن على فيضانات الدمع والوجع التي ذرفتها حزنًا عليه؟

أم لتلك الكوارث التي تسبب بها لهم وكلفتهم الكثير لتنظيف آثارها؟ "هو أنا مقلتلكش؟ مش أنا كل الكلاب دول مكنش عندي ثقة في ولا واحد فيهم." هكذا تحدث ناجي وهو يشير للجميع، ثم أردف بلهجة ساخرة مطعمة بالشماتة: "فقلت في عقلي بالي يا واد يا ناجي خلي الكارت الرابح بتاعك للآخر، وأهو منها تعمل عمل إنساني وتلم شمل العيلة المتبعترة دي...

اخترقت كلمات ناجي الساخرة عقل سالم الذي كانت عيناه تتفرق بين والدته وشقيقه المنكث الرأس بخزي يوحي بأن ثوبه ليس نظيفًا وأن له يد فيما يحدث معهم. "وطبعًا الجمعة الحلوة دي متنفعش من غير ماما أمينة.. ست الستات.. الغالية مرات الغالي.. قولت لازم أكون أول واحد يقولك الخبر السعيد." "مس... مستحيل.."

همس خافت انبثق من بين شفتيها مع أنفاسٍ مُتهدِّجة، ملامح مُرتجفة بأعين تهتز من ثقل العبرات بين جفونها، نظرات مصعوقة غير مصدقة ما تراه، وصدر يعلو ويهبط لا تعلم إن كان ألمًا أم ذعرًا.

كانت تلك هي الحالة المسيطرة على جنة التي كانت تضم صغيرها إلى صدرها الذي تعدت دقاته المليون دقة في الثانية الواحدة، مما جعل عقلها يغيب عن العمل. فلم تشعر بيد سليم القوية وهي تحتضنها، بينما انغرزت أنامله في كتفها بعنف غير مقصود، فتلك كانت أول إشارة أرسلها عقله هو حمايتها حتى من نظرات قد تلمحها لرجل لا يعلم في تلك اللحظة هل يحبه أو يكرهه؟ "حا.. حازم.. أنت هنا صح؟ أنا مش بيتهيألي؟ أنت.. عا.. عايش؟

صفوت، هِمت، مروان، طارق، عمار، أحمد، سهام، نجمة، تشارك الجميع الشعور في تلك اللحظة ما بين الدهشة، الذهول، الخوف، والترقب. وانحبست الأنفاس بصدورهم وشعاع نظراتهم مُسلط على ذلك الذي كانت عبرات الخزي تتساقط من عينيه حتى بللت الأرض أسفله. وقد أصاب حديث والدته منتصف قلبه الغارق في وحل ذنوبه، فعلا صوت شهقاته حتى اخترق آذان الجميع، من بينهم أمينة التي تقدمت إلى أن أصبحت على مقربة من حازم. ثم همست بصوتٍ محشو بالوجع:

"رد عليا وقول إنك عايش، والكلب ده كان خاطفك وإنه مكنش بمزاجك؟ رد عليا يا حازم.. كلامي صح.. مش كده؟ "الله يخربيتك انت لساك عايش؟ هكذا تحدث عمار بغضب، فتعالى صوت بكائه الذي كان نشازًا على أسماعهم التي اخترقها زئير قوي لسالم الذي قال آمرًا: "قوم اقف على حيلك.. وبطل عياط وقولنا في إيه وإزاي أنت هنا مع الكلب ده؟

كان الجميع بوادٍ وهي بوادٍ آخر. فحين أنهى سالم جملته، فطنت إلى مكيدة والدها الذي ما أن التفتت إليه حتى وجدته ينوي تنفيذ مبتغاه، فصرخت بذعر وهي تهرول لتتصدى لسلاحه الموجه تجاههم. "لا يا بابا.... اتبع صرختها صوت رصاص اخترق آذانهم جميعًا، فالتفتوا ليتفاجأوا من شيرين التي تهاوى جسدها بفعل الطلقة التي اخترقته. فكان أول من هرول إليها كان طارق الذي التقطها قبل أن ترتطم بالأرضية الصلبة وهو يصيح كالأسد الجريح: "شيرييين...

"بنتي... هكذا صرخت هِمت بذعر وهي تهرول إلى شيرين الملقاة أرضًا، بينما تقدم كلًا من صفوت وسالم وعمار وهم يتبادلون وطلقات الرصاص. فصَدح صوت سالم الصارخ: "خرج ماما والبنات من هنا يا سليم.."

لم يكد ينهي جملته حتى انطلق سليم، واضعًا جنة خلف ظهره ومتوجهًا إلى أمينة، فيما اندفع مروان وعمار الذي تراجع ليجذب نجمة المرتجفة بين أحضان سهام التي لا تقل عنها ذعرًا. وأخذ الرجال يتبادلون الرصاص مع ناجي الذي اختبأ في إحدى الغرف. وما هي إلا دقائق حتى اقتحمت قوات الشرطة المكان، فتوقف إطلاق الرصاص وهرولوا إلى الأعلى خلف ناجي. فيما التف الجميع حول شيرين التي افترشت الأرض تنزف بين أحضان طارق الذي تعانقت عبراته بدماءها، وارتجفت حروفه خوفًا من فقدانها.

"شيرين. ردي عليا. أنتِ كويسة صح؟ بصعوبة استطاعت أن تُزيح جفونها الملتصقة ببعضها البعض، وهمست بنبرة معذبة: "سا.. سامحوني.." قبلت هِمت كفها وهي تقول من بين عبراتٍ غزيرة: "لا يا بنتي أوعي تسبيني، دانا ماليش غيرك أنتِ وأختك." تحدث سالم بخشونة وهو يتجاهل الألم الذي غزا صدره حين رآها غارقة في دمائها: "شيرين. فتحي عينيكِ، أنتِ كويسة.. والإسعاف في الطريق... بصعوبة استطاعت إخراج الحديث من بين شفتيها وهي تناظره بأعين

اختلط بهم الندم مع الخزي: "كده.. أحسن.. يا سالم.. كفاية.. اللي حصل لكوا.. بسببي... نهرها بلهجة خشنة: "بطلي الكلام الأهبل ده، وحاولي تتنفسي. إن شاء الله هتبقي كويسة." لم يطاوعها قلبها أن تغادر دون نظرة وداع أخيرة إلى عينيه اللتين رست بهما على شاطئ الأمان للحظات، قبل أن تجذبها دوامات غدره إلى أعماق المحيط. فألقت نظرة خاطفة على ملامحه التي أرادت أن تكون هي آخر ما تراه قبل مغادرة هذا العالم. فلاح شبح ابتسامة على شفتيها،

وكأنها تخبره: "نجحت في مسعاك وتسللت إلى قلبي حتى سكنته، وأتقنت غمس خنجر الغدر بصدري الذي لفظ أنفاسه الأخيرة ذلك اليوم." ضغط على جرحها يحاول أن يوقف تدفق الدماء أكثر، وما كادت أن تغمض عينيها حتى صرخ بها وهو يهزها بعنف: "شيرين. فتحي عينيكِ. مش هتموتي سمعتيني مش هتموتي." أغمضت عينيها بهدوء. فلم تستمع إلى جملته الأخيرة حين همس بألم: "مش بعد ما حبيتك تسبيني...

تعالت شهقات هِمت، فزادت من ألمه الذي تشتت حين شعر بضربة قوية تلقاها كتفه، فارتفع رأسه يناظر سالم الذي قال بمؤازرة: "اجمد يا طارق.. هتبقي كويسة إن شاء الله... *** كان سليم يحتضنها بيد ويحتضن والدته باليد الأخرى، والتي كانت تمسك بيد سهام الممسكة بيد نجمة، يحاوطهم كلًا من عمار ومروان، شاهري أسلحتهم في كل الاتجاهات خوفًا من أن تطالهم يد الغدر. إلى أن وصلوا إلى السيارة، فأمر سليم مروان:

"مروان خد ماما والحريم أنت وعمار ووصلوهم عالبيت." صرخت أمينة بذعر: "وأخوك، حازم! هتسيبه يا سليم؟ لم يجبها، أنما التقطت عينيه تلك التي سالت مياه عينيها، فتشعب الألم بصدره. والتفت إلى الجهة الأخرى، فشدت أمينة على ذراعيه وهي تقول بتوسل: "ورحمة أبوك أوعي تسيبه يا سليم." تجاهل ثقل ما يشعر به من ألم وغضب وحرقة، وأومأ بصمت وهو يصرخ على مروان قائلًا بصياح: "خدهم عالبيت يا مروان وخد معاك عربية حراسة تحسبًا لأي طوارئ...

تدخل عمار بحدة: "إني چاي معاك يا سليم." سليم بحنق: "روح مع مروان يا عمار." قاطعه عمار بصرامة: "جولتلك لاه يا سليم.. إني چاي معاك.. والرچاله بره مش هيسيبوا مروان واصل." تدخل مروان بنفاذ صبر: "مروان مش رايح في حتة.. ومش هيسيبكوا.. انتوا ناسيين إني عارف المداخل والمخارج هنا." فهم سليم ما يرمي إليه، فنظر إلى عمار قائلًا بخشونة: "انت سمعت يا عمار. مروان مينفعش يمشي وأنا مش هثق في حد غيرك وأأمنه عليهم.."

زفر بقوة منصاعًا لأوامر قلبه أولًا، والذي يحثه على البقاء إلى جانبها، فأطلق زفرة قوية من جوفه قبل أن يقول بفظاظة: "هديهم وآچي.." لم يجادل، وإنما التفت متجهًا إلى الداخل، ولكن توقف بمنتصف الطريق يناظرها بعينين تتبلور بهما الدمع، وكأنه يعتذر لها عن قسوة العالم معها.

قادته قدماه رأسًا إلى حيث تركه، فوجده يستند إلى الحائط ورأسه مُلقى إلى الخلف بعد أن جر نفسه إلى ركنٍ منعزلٍ من الغرفة ليبقي بعيدًا عن أنظار قوات الشرطة التي كان يقف رجالها مع سالم. الذي ناظره بنظرة ذات مغزى، فتسلل إلى داخل الغرفة وقام بجذب يديه المُكبلتين ووضعهما أمامه، وهو يصوب سلاحه الكاتم للصوت إلى القيود. وقام بإطلاق رصاصة حطمتها، ثم جذبه بقوة وهو يتوجه إلى النافذة قائلًا بهمسٍ خشن وملامح قاسية:

"هتخرج من الشباك، هتلاقي مروان مستنيك في العربية." التفت يناظره وبداخله لا يعرف كيف يصيغ كلماته، فهمس سليم بغضب أرعن: "ولا حرف. واختفي من قدامي دلوقتي. مش لازم حد يشوفك." طاوعه حازم، فهو بالأساس لم يكن يملك ما يقوله، وقام بالقفز من النافذة. فتوجه سليم إلى الخارج، فوجد سالم يقف مع الشرطة بعد أن أتت عربة الإسعاف وأخذت شيرين ومعها طارق وهمت. وبجانب سالم كان يقف كلًا من أحمد الصامت وصفوت المتجهم. فاقترب سليم مستفهمًا:

"مسكتوه؟ سالم بقسوة: "للأسف هرب." سليم بصدمة: "إزاي يعني؟ لوحده عرف يهرب؟ صاح صفوت بحنق: "كان مرتب كل حاجة. وكان فيه طيارة مستنياه، فحب يلهينا بالرصاص اللي ضربه عشان يلحق يهرب... أطلق سليم سبة نابية قبل أن يقول بغضب جحيمي: "أنا همشي يا سالم.. ابقي حصلني." التفت صفوت إلى سالم قائلًا: "روح معاه.. أنا هخلص الدنيا هنا وأجي وراكوا." "أحمد هنتقابل تاني عشان فيه حاجات لازم نتكلم فيها."

هكذا تحدث سالم إلى أحمد، ثم استأذن من رجال الشرطة وتوجه خلف شقيقه ليستقلا السيارة، ثم انطلق سليم بأقصى سرعة يملكها. وما أن وصلوا ابتعدوا عن المكان بمسافة كافية، تحدث سالم بصرامة: "اقف على جنب يا سليم." وكأنه كان ينتظر كلمات أخيه، فتوقف بغتة وهو يترجل من السيارة صارخًا بملء فمه: "لييييييه؟ .. ليييييييه ياربي كدا ليه؟

كان يركل مقدمة السيارة بقدمه ويوجه لكماته إلى جسدها الحديدي، فهرول سالم إليه وقام باحتضان كتفيه من الخلف يجذبه بعيدًا، ويديه تحكمان تقييد ذلك الوحش الثائر، قائلًا بصرامة: "اهدي يا سليم. غضبك ده مش هيحل حاجة." تقاذف الدمع من مقلتيه كما تآزر الوجع بصدره حتى فاض به، فأخذ يصرخ دون وعي: "هموووت يا سالم هموووت. ليه بيحصل كدا معايا ومعاها ليييه؟ سالم محاولًا تهدئته:

"ربنا له حكمة يا سليم وأنت مؤمن. مينفعش تعترض على قضاء ربنا." خارت قواه ولم يعد في مقدوره مقاومة قدره، فتلاشت أقدامه وسقط بين يدي أخيه الذي لم يتركه يتهاوى أرضًا، بل ظل يسنده حتى اتكأ بثقله على كتفه وهو يقول بقهر: "أنا مش عارف أعمل إيه؟ أفرح عشان أخويا طلع عايش ولا أحزن على... لم يستطع إكمال جملته، فقد جن عقله حين داهمه ذلك الهاجس المميت بأنها قد تعود له، فصرخ بجنون:

"جنة مراتي يا سالم. مراتي أنا حتى لو هتطير فيها رقاب." كان يصيح وهو يحاول تخليص نفسه من بين ذراعي سالم الذي أحكم تقييده وهو يقول بعنف: "اهدي يا سليم وبطل جنان. خلينا نعرف نتكلم ونشوف هنعمل إيه في اللي جاي." أخذ صدره يعلو ويهبط من فرط الانفعال، وبدد صوت أنفاسه الهادرة الهدوء حولهم، فلجأ للصمت لدقائق كانت أكثر من مؤلمة. فكل عضلة في جسده تئن بوجع غير مسبوق، ولكنه تجاهله وقال بحنق من بين عبراتٍ غادرةٍ غافلته:

"سالم. أنت الكبير وأنا عمري ما هتخطاك، بس خليك فاكر إني مش هسمح.." قاطعه سالم بجفاء: "خلي بالك إن فيه أمك في الموضوع. ده بغض النظر عن إنه أخوك." جن جنونه، وحين أوشك على الصراخ، أرعد سالم متابعًا: "خلصنا يا سليم. محدش هيجبر جنة على حاجة ولو هي عايزاه يبقى خلصت." أخذ يردد كالمهووس: "أيوا عايزاني. هي بتحبني وعايزاني. أنا واثق.. أنا واثق يا سالم." فاض الكيل وهاج صدره من فرط الألم، فاقترب سالم يحتوي شقيقه بين

ذراعيه وهو يقول بطمأنة: "حاسس بيك بس مفيش في إيدينا حاجة نعملها. ولازم منقعش دلوقتي بالذات." ابتلع غصة صدئة تشكلت في حلقه وهو يتابع بنبرة خشنة: "العيلة في خطر. خليك فاكر إن ليها حق عليك... انهار بين أحضان أخيه حتى صار بكاؤه نحيبًا، تقطع لأجله نياط قلب سالم الذي شدد من عناقه وهو يقول بمؤازرة: "انت جدع وقدها يا سليم. أجمد كدا وصدقني كل حاجة هتتحل إن شاء... أخذ يردد بقلبٍ يتوسل الرحمة وعينين تحولت إلى بركان من الحمم

المشتعلة بنيران قلبه: "إن شاء الله.. إن شاء الله كل حاجة هتتحل.." *** ضاق القلب بشوق هائل أوشك على فضح أمر ذلك العشق الذي لا يعلم كيف سال إلى فؤاده لتلك الفتاة التي تكمن قوتها في ذلك الضعف الذي انبعث من عينيها. فلم يقاومه قلبه وخر صريعًا أمامها، وها هو يخوض الصعاب وينخرط بدوامات لا تمت له بصلة فقط لأجلها. لأول مرة يشعر بالخوف على أحدهم بتلك الطريقة. يريد أن يغرسها بداخل قلبه، فذلك المكان الوحيد الذي يأمن وجودها به.

"حاجة أمينة انتِ كويسة؟ هكذا استفهت سهام، فتنبه عمار لأمينة التي كانت جالسة على المقعد بجانبه، ولكنه لم ينتبه لذلك الدوار الذي اجتاحها. فترنحت بجلستها حتى كادت أن تصطدم رأسها بالزجاج أمامها، فصرخت جنة وهي تمد يدها من الخلف لتسندها، وكذلك مد عمار يديه على رأسها، فلامس قطرات العرق التي لمعت على جبهتها، فهتف يحاول طمأنتهم: "متجلجوش. إني هاخدها على المستشفى، العربية اللي واخدة شيرين قدامنا اهيه هنمشي وراها."

و بالفعل، ما هي إلا دقائق حتى وصلوا جميعهم إلى المشفي، وقام عمار باستدعاء قسم الطوارئ، فأتى المسعفون على الفور وحملوا أمينة إلى الداخل. فهمست نجمة التي لأول مرة تتحدث منذ أن وقعت تلك المفاجأة على مسامعها كونها ابنة صفوت وسهام: "روحي وراها متسيبيهاش لوحدها." كان صوتها متحشرجًا وعيناها زائغة وهي تناظر سهام التي أوشكت على الاعتراض، فتدخل عمار بخشونة: "روحي يا ست سهام معاها. ومتجلجيش على نچمة إني مش هسبها واصل."

كان إعلانًا صريحًا منه رحب به قلبها واستنكره عقلها بشدة، ولكنها لم تعلق. والتفتت تنظر إلى جنة التي كانت تقف وحيدة تحتضن طفلها بيدها. يقطر الدمع من عينيها التي كانت نظراتها ضائعة. فرق قلب نجمة عليها، فهي خبرت شعور الضياع هذا طوال عمرها، مما جعل العبرات تتزاحم بمقلتيها تهدد بانفجار عنيف قد ينفجر بأي لحظة. ولكن لفت انتباهها حين وجدته يتوجه إلى جنة، حتى وقف أمامها وهو يقول بخشونة:

"متخافيش يا جنة، وأوعي تخافي واصل. إني چنبك ومعاكِ، والكلب ده هياخد چزائه." الوصف الدقيق لما تشعر به هو الاحتراق. كل خلية بجسدها مرورًا بقلبها تعاني من آلام الاحتراق التي تفترسها دون رحمة، للحد الذي جعلها تتمنى نعمة الموت. ولكن ضن القدر عليها بتلك النعمة وتركها تتلظى بألم قاتل لا تقدر على الإفصاح عنه. "أنا خايفة...

همست بصوت خافت لا يستجيب لرغبتها في الصراخ، فقد انقلب عالمها رأسًا على عقب بعد أن ظنت بأنه أصبح جنة وردية تحوي قلوبهم، والآن ظهر شيطانها المريد الذي هدم كل شيء وأرسلهم إلى الجحيم. "أوعاكِ تخافي جولتلك. محدش يجدر يتعرضلك ولا يمس شعرة منك.. لاهو أنتِ جليلة ولا إي؟ أنتِ وراكِ أهل وعزوة وعيلة تاكل الزلط لجل بناتها.. واللي يرشهم بالمية ترشه بالدم."

هكذا هدر عمار بغضب وهو يحاول أن يجردها من هذا الخوف الذي يكلل نظراتها، ولم ينتظر منها ردًا، بل التفت إلى الممرضة التي خرجت لتوها من غرفة أمينة، وقال آمرًا: "بجولك يا أنسة. عايزني أوضة نقعدها فيها عشان تعبانة ولازم الدكتور يشوفها." كان يتحدث وهو يشير إلى جنة، فاطاعته الممرضة قائلة: "حاضر يا فندم. تقدري تتفضلي معايا يا مدام." "روحي معاها يا چنة، وإني هطمن على الحاجة أمينة وآجي وراكِ."

هكذا أمرها عمار، فانصاعت لأوامره دون جدال. فالتفت إلى تلك التي كانت تراقب ما يحدث بصمت تام، وحين وجدته يلتفت إليها، أدارت رأسها للجهة الأخرى تنوي المغادرة، لا تعرف إلى أين. فأوقفته قبضته على ذراعيها وهو يقول بنبرة خشنة يشوبها التوسل: "نچمة.." تجاهلت ضجيج قلبها، وأجابت دون أن تلتف إليه: "إيوا... اقترب حتى صار خلفها مباشرة وقال بصوتٍ متحشرج: "راحة فين؟ "ودا يخصك في إي؟

هكذا تحدثت بجمود، فقام بإدارتها لتنظر إليه، فهاله ألمها الذي يتبلور بوضوح في عينيها، وقال بخفوت: "كل اللي يخصك يخصني." انكمشت ملامحها بألم وتشَدّقت ساخرة: "من ميتا الحديث دا؟ لم يفلح في إخفاء عشقه، لذا ف الاعتراف به أصبح واجبًا. "من أول ما سكنتي جلبي وخلّيتيه مش شايف غيرك. سرجتي النوم من عيني.. بجيت ضايع في غيابك كإنك أمي." لم تستطع مجابهته ولا مجابهة قلبها في حضرته، فنزعت يدها من بين يديه والتفتت تقول ساخرة:

"والحاجات دي معرفتهاش غير دلوق؟ ولا عشان مبجتش جليلة وبجي ورايا عيلة كبيرة بتخاف على بناتها واللي يرشهم بالمية ترشه بالدم! ولما كنت نچمة الغلبانة بت الچنايني دوس عليّ وذلّيتني وشكّيت في شرفي؟ كررت كلماته بحرقة، فتصدعت ملامحه من فرط الصدمة لظنها أنه لم يعترف بمكنوناته إلا عندما عرف حقيقة نسبها. فاقترب يقول بلهفة: "أوعي تفكري إن عيلتك تهمني أو تفرق معايا.. لازمن تفهمي.." قاطعته بقهرٍ منبعه قلبها المكلوم:

"معيزاش أفهم حاجة. خلاص كل حاجة خلصت، ووفر حديثك لنفسك.. معدش له لزوم دلوق." لم يكن من طبعه التوسل لأحد، حتى ولو كان قلبه الضحية بالنهاية، لذا قطع المسافة التي تفصل بينهم، وحاوتت يديه كتفاها وهو يقول بصرامة وتصميم نابع من عينيه: "إني بحبك جوي وشايف في عنيك كتير. عارف إني ظلمتك وغلطت في حقك. بس أنتِ حقي من الدنيا دي وهاخده."

قاطع حديثهم خروج الطبيب الذي طمأنهم على أمينة، فاستغلت نجمة خروجه لتهرول إلى الداخل، تاركة إياه يحترق بشعورين كلاهما أقوى من بعض العشق والقهر. *** بشفاه مرتعشة ولهجة حذرة تحدث وهو يناظر ذلك الذي كانت ملامحه جامدة كالتمثال الحجري: "مروان.."

ابتلع غضبًا حارقًا كان يتشعب بصدره وتجلى بعروق رقبته النافرة ويده التي كانت تقبض على المقود بشدة. يعتصره كما يعتصر قلبه ألمًا على ما فعله عودة هذا الضال مرة أخرى. فقد تحقق المستحيل لأجله وعاد! لا يعلم كيف، ولكنه يعلم جيدًا أن القادم لن يكون سهلاً. "مروان أنا بكلمك." هكذا صاح حازم بنفاذ صبر، فجاءه صوت مروان الصارم حين قال: "كلامك وفره لاخواتك." التفت يناظره شزرًا قبل أن يتابع بسخرية: "أتمنى يكون عندك اللي تقولهولهم."

ازدرد ريقه بصعوبة، فها قد اقتربت المواجهة التي يخشاها كثيرًا ويحمل همها منذ أن التقى بذلك الحقير الذي استخدمه ككبش فداء لخططه القذرة. "مروان.. أنا محتاج مساعدتك... مروان ساخرًا: "بأي حق بتطلب مني أساعدك إن شاء الله؟ حازم بتوتر: "بحق إننا ولاد عم وأصحاب." صاح مروان باحتقار: "كنا.. كنا أصحاب؟ أما إنك ابن عمي دي للأسف مش هقدر أغيرها." حازم بحنق حاول مداراته قدر الإمكان: "تقصد إيه؟ انت... انت مش فرحان إني لسه عايش."

قال جملته الأخيرة بتوتر، ولكن تفاجأ حين أوقف مروان السيارة على حين غرة، ثم التفت إليه قائلًا بقسوة: "فرحان. طبعًا فرحان. بعد ما قعدنا سنة ونص نلم في وساختك. واتحملنا قرفك وعمايلك. سيادتك تطلع عايش، لأ وبتسأل كمان فرحان إنك عايش ولا لأ؟ اسودت عيناه وبرقت ملامحه حين أردف بوعيد: "أقولك أنا إحنا فرحانين ولا لأ.."

لم يكد حازم يستوعب ما يقوله مروان حتى انقض عليه الأخير بلكمة قوية أطاحت برأسه إلى الجهة الأخرى، فارتطم بزجاج السيارة وسط صيحات مروان الغاضبة: "انت أبجح إنسان شفته في حياتي.. كنت فين كل دا وسايبنا في القرف بتاعك؟ ملقتش غير عدونا الوحيد وترتمي في حضنه؟ قد كدا انت زبالة؟

تجاوز حازم عن صدمته وقد استوعب ما حدث، فتناسى كل شيء وجن جنونه، فانقض على مروان محاولًا لكمه، ولكن الأخير أمسك يديه، وباليد الأخرى قام بتوجيه ضربة قوية إلى أنفه الذي انهمرت منه الدماء التي أغرقت مقدمة صدر حازم، فأطلق السباب من فمه وامتدت يديه جاذبًا رأس مروان يدفعه بقوة ليرتطم بالمقود، ثم امتدت كفوفه تحكمان الخناق على عنقه، فأخذ يقاوم ويلكمه بكل ما يمتلك من قوة. ثم فجأة وجد أحدهم يقوم بسحبه إلى الخلف يخرجه من السيارة، وإذا به يرى ملامح سالم المرعبة ونظراته التي تفرقت بينهما بغضب مسعور قد يكونا هما الاثنين أحد ضحاياه.

"روح اركب مع سليم." هكذا أمره سالم بقسوة، فلم يطل مروان، إنما توجه وعيناه ترسلان سهامًا مشتعلة إلى حازم الذي ضرب الذعر جسده، فصار يرتجف وهو يناظر سالم الذي توجه إلى كرسي السائق لينطلق بالسيارة بأقصى سرعة يمتلكها... ***

يقف أمام غرفة العمليات وبداخله ألف شعور وشعور. أولهم الندم وآخرهم الألم. لطالما كان يسخر من مشاعر الحب وما شابهها، حتى تجربة زواجه الأولى لم تكن قائمة على المشاعر، بل كان انجذابًا حسيًا، وقد كان هذا مُرضيًا بالنسبة إليه. أما الآن فهو يعاني، يتألم، يشعر بأن هناك جزءًا من روحه قد انشق عنه. خاصةً وهي ترقد داخل تلك الغرفة تخضع لعملية خطيرة قد لا تنجو منها، كما لن ينجو هو أبدًا من تأنيب ضميره ووصب قلبه.

"آه يا بنتي. آه يا حبيبتي. سامحيني يا شيرين. معرفتش أختار ليكِ أنتِ. أختك أب تفتخروا بيه. اخترت شيطان.. حسبي الله ونعم الوكيل." هكذا أخذت هِمت تنتحب. فلم يستطع التحمل، فصاح بنفاذ صبر: "ادعي لها. ادعي لها يا عمتي وبلاش كلامك ده." هِمت بألم:

"بدعيلها يا طارق. بس قلبي واجعني أوي.. بناتي اتحملوا نتيجة سوء اختياري.. شيرين اتعذبت كتير بسببي وبسبب الكلب ده.. حتى لما اتجوزت ربنا بلاها بمصيبة أكبر. معاشتش حياة طبيعية زي البنات.. كان عندها أمل لآخر وقت إنه يبقى كويس فعلًا وإحنا اللي وحشين." ذرفت أوجاعها مع عبراتها وهي تتابع بقهر:

"يوم ما أطرد من البيت بعد ما عرفنا عمايله السودا.. شيرين جالها حمى من كتر الزعل قعدت شهر راقدة في السرير. من وقتها وهي اتبدلت.. بنتي مكنش في أطيب ولا أحن منها. هو السبب في كل اللي حصلها. الله ينتقم منه."

دهست كلماتها على قلبه الملوث بدمائها. فقد كان مشاركًا هو الآخر في معاناتها بعد أن رأى بعينيها نظرة مميزة تخصه وحده. لقد رآها من الداخل ولمس مدى ذلك العذاب الذي تعيشه والتخبط الذي تشعر به. وبدلًا من أن يحتوي ألمها ويعبر بها إلى بر الأمان، أغرقها أكثر وغرق معها قلبه الذي لم يكن تخيل بأن ينبض لامرأة بعد كل هذا العمر. خرجت الممرضة بعد وقت لا بأس به، فهرول الاثنان إليها للاطمئنان، وصاح طارق بقلق: "طمنيني هي عاملة إيه؟

الممرضة بلهفة: "محتاجين نقل دم ضروري وفصيلة دمها O سالب ودي مش موجودة للأسف عندنا في المستشفى." طارق بلهفة: "دي فصيلة دمي.. أنا ممكن أتبر... بتر كلمته وهو يتذكر ذلك السم الذي يتجرعه والذي يقف بينه وبين إنقاذ حبيبته. فدق قلبه بعنف ورفع رأسه للسماء وهو يتوسل بصمت إلى الله الذي لطالما كان يعصيه، والآن هو يقف بين يديه مذلولًا بقلبٍ ينفطر وضمير لا ينفك يعذبه ويذكره بمعاصيه. "فيه إيه يا طارق؟ مش أنت نفس فصيلتها؟

"أيوا نفس فصيلتها. بس مش هقدر انقلها دم." مفارقات القدر عجيبة، أو لنقل إنها عقاب إلهي يستحقه. فقد كان يعلم جيدًا بأن الخمر من المحرمات، ولكنه لم يكن يهتم، ولطالما ذكره والده بالآية الكريمة (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير) وبالرغم من ذلك لا يزال مستمرًا في المعصية وتناول ذلك السم الذي يقف بينه وبين إنقاذه لحبيبته. فود في تلك اللحظة أن يصرخ بملء فمه طالبًا الصفح على ما اقترفه من آثام. "إني هنجلها دم...

هكذا جاءهم صوت عمار الذي جاء إلى المشفي للاطمئنان على أمينة التي ارتفع ضغطها كثيرًا، وها هي تخضع للفحوصات الطبية، ومعها سهام ونجمة التي لم تلتفت ناظرة إلى وجهه للآن. فخرج غاضبًا ثم توجه إلى غرفة شيرين للاطمئنان عليها. التفت كلًا من طارق وهمت إليه، فهرولت الأخيرة تجاهه وهي تصيح من بين عبراتها: "الله يباركلك يا ابني. أبوس إيدك انقذ بنتي." عمار في محاولة لتهدئتها:

"استغفر الله يا حاجة متجوليش أكده. إن شاء الله هتجوم وهتبجي زي الفل." أنهى كلماته ثم اقترب من طارق قائلًا بمواساة: "ادعي وجول يارب.. إن شاء الله هتبجي كويسة." أومأ طارق بألم، بينما انطلق عمار مع الممرضة للتبرع بالدماء. فهمس طارق بألم: "ماليش عين أدعيله." أنهى جملته واستند بظهره على الحائط، ثم تهاوى على الأرض بجسدٍ مثقل بالذنوب والآثام. ضجيج هاتفه أنقذه من بئر آلامه، فقام بالتقاطه مجيبًا، فصدح صوت فرح المرتعب:

"طارق طمني عليكوا." طارق بجمود: "كويسين يا فرح." لم تروِ إجابته ظمأ فضولها، فصاحت غاضبة: "فيه إيه يا طارق. عرفني.. سالم موبايله مقفول ومروان وسليم مبيردوش والحاجة أمينة معرفش راحت فين؟ قاطع استرسالها في الحديث قائلًا بجفاء: "حازم لسه عايش." صاعقة قوية ضربتها بعنف، فسقطت على المقعد خلفها وهي تقول بصدمة: "بتقول إيه؟ طارق بنفاذ صبر:

"بقولك حازم طلع عايش وكان مع ناجي ومعرفش أكتر من كدا. أنا في المستشفى مع شيرين عشان انضربت بالنار." شهقت بعنف وخرج صوتها مرتعشًا: "إيه؟ طب هي جرالها إيه؟ و... و حد تاني اتصاب؟ "لا هي بس.. ولسه مطلعتش من العمليات.. طالبين دم وعمار راح يتبرعلها." كانت نبرته تقطر وجعًا، ذرفته عيناها أنهارًا وهي تقول بألم: "طب جنة.. جنة يا طارق فين وعرفوا؟ طارق بتعب: "فين معرفش.. بس هي كانت موجودة وشافت كل حاجة." "يعني إيه متعرفش."

أوشك على إجابتها، فالتقطت عينيه عمار القادم تجاهه بعد أن تبرع بدمائه لشيرين، فهتف طارق بلهفة: "طمني عملت إيه؟ عمار بطمأنة: "متجلجش اتبرعت بالدم وعرفتو لو عايزين أكتر إني موجود." ارتاح صدره قليلًا، ثم عاد إلى فرح التي صاحت على الهاتف: "لو دا عمار اديهولي." مد طارق الهاتف إلى عمار الذي أجاب، فهتفت فرح بلهفة: "عمار طمني على جنة." عمار بخشونة: "اطمني چنة في الأوضة وبعتلها الدكتور يطمن عليها وأنا دلوق رايح لها."

لم يكد ينهي جملته حتى وجد الممرضة التي أمرها بمرافقة جنة تهرول إليه وهي تصيح: "يا حضرة الست اللي قولتلي أحجز لها أوضة معرفش راحت فين مش لاقيينها." انقبض قلب عمار وهتف بصراخ: "إنتِ بتجولي إيه؟ "بقولك مش لاقيينها دخلتها الأوضة زي ما قولت وروحت أنادي للدكتور رجعت ملقتهاش طلعت أدور عليها الأمن قالي إنها ركبت تاكسي ومشيت." ***

أوقف سالم السيارة أمام أحد المخازن بمنطقة نائية، فأخذ حازم يتلفت حوله بخوف وترقب، قطعه صوت سالم الصارم حين قال وهو يترجل من سيارته: "انزل." لم يجادله، أنما ترجل من السيارة وكل خلية بجسده ترتجف ذعرًا، تجلى في خطواته وهو يتوجه إلى حيث يقف سالم، إلى حيث كانت عيناه لوحة لبراكين مشتعلة بنيران حارقة بثت الرعب إلى أوصاله، وقد تيقن من أن نهايته تلك المرة لن تكون مزيفة كسابقتها.

"عايز أعرف كل حاجة حصلت من يوم الحادثة لحد النهاردة.. وإيه علاقتك بالكلب ناجي." هكذا تحدث سالم بقسوة جعلت الكلمات ترتجف على فمه حين قال: "سا.. سالم. أنا.. أنا.. مظلوم.. الكلب.. اللي اسمه ناجي. دا.. هو.. هو السبب.. في.. كل حاجة."

كان يرتجف رعبًا وعيناه تذرفان الدمع ببزخ، فكان مظهره مذريًا للحد الذي آلم قلبه وأثار استنكاره في آن واحد، فهو لم يكن يتخيل أن يقف أيًا من شقيقيه في هذا الموقف وبتلك الطريقة. لذا همس بهسيس قاتل محاولًا التحلي بفضيلة الصبر قدر الإمكان: "مش هكرر كلامي تاني." يعلم أنه هالك لا محالة، ولكنه أراد تخفيف وطأة كوارثه قليلاً، فقال يدافع عن نفسه:

"ناجي اللي خطط لكل حاجة عشان ينتقم منكم فيا. هو اللي بعتلي ناصر عشان يشربني مخدرات. وهو اللي خلاني أفكر في الهروب، وهو اللي خطط لحكاية الموت دي وساعدني فيها، وهو اللي كلم الدكتور عشان يديني الحقنة اللي خلت النبض ضعيف جدا عشان لما تشوفوني تتأكدوا إني ميت. وهو برضو فتح القبر بالليل وخرجوني بعد ما جهزلي ورق السفر المزور. هو اللي ورا كل حاجة صدقني يا سالم اقسم بالله ما بكذب."

انهالت الكلمات فوق مسامعه كالحجارة التي تلقاها صدره، وهو يناظر شقيقه الأصغر بعينين جاحظتين وأنفاسٍ محتقنة وقلبٍ منفطر يجيش به شعور قوي من الخزي الذي تبلور في كلماته وهو يقول بقسوة: "مصدقك. وعارف إنك مبتكذبش. مع إن بتمنى من كل قلبي إنك تكون بتكذب. وإن الكلام ده محصلش." اخفض رأسه بخزي من كلمات سالم التي تعري مدى ألمه وصدمته: "مش مكسوف من اللي أنت بتقوله؟ ناجي عمل كل ده وأنت كنت فين؟ عروسة بخيوط بيحركها بإيده؟

هكذا تحدث سالم بلهجة مفعمة بالغضب الذي أتعبه حازم، فحاول تغيير دفة الأمور لصالحه، فصاح مبررًا: "نصبلي فخ والله.. وهو اللي رمى البت دي في طريقي." تحفزت خلاياه وبرقت عيناه عندما تفوه حازم بجملته الأخيرة، وقال بقسوة: "تقصد بالبنت دي لبنى.. مش كدا؟ وقع في فخ غبائه، فلم يستطع الحديث، فقط إيماءة بسيطة بالموافقة، فجاءه استفهام سالم الذي كان يخشاه كثيرًا: "انت فعلاً اغتصبتها؟

كان جرمًا لا يمكن إنكاره، ولا يعرف كيف ينجو من آثاره، فحاول ارتداء ثوب الطريدة، إذ صاح مبررًا: "مكنتش في وعيي والله. معرفش حصل إزاي. أما فوقت لقيتها جنبي غرقانة في دمها. والله مكنتش حاسس بحاجة." لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بيد قوية تمسكه من ذراعه تديره ليصطدم بقبضة فولاذية نالت من أنفه، وذلك الصوت المرعب يصرخ موبخًا: "يا كلب. يا حقير. إزاي جالك قلب تعمل كدا في بنات الناس.. أنا هقتلك وأشرب من دمك."

انتفض سالم يحاول إنقاذ حازم من بين مخالب سليم الذي كان يكيل له اللكمات بوحشية وهو يصيح هادرًا: "الله يلعنك. يا كلب. أنا لازم أخلص عليك." تدخل مروان هو الآخر يساعد سالم في التفريق بينهم، فيما صرخ الأخير: "اهدي يا سليم. سيبه هيموت في إيدك." سليم وهو ينازع حتى يطال عنق حازم الذي أبعده مروان عن مرمى يديه: "سيبني عليه يا سالم. الكلب الواطي اللي حط راسنا في الوحل. جاي يقول غصب عني. دانا هشرب من دمه."

لم يستطع تحمل توبيخ سليم له وانقضاضه عليه بتلك الطريقة، فصاح وهو يجاهد حتى يفلت من بين يدي مروان: "وانت مالك أهلك. كنت وصي عليا ولا وصي عليا. طب جرب تقرب مني تاني." سليم بغضب جحيمي: "وكمان ليك عين تبجح يا كلب. موتك النهاردة على إيدي."

ما حدث تخطى حدود احتماله، وانهار ثباته وجموده أمام غضبه الضاري، وخرج الوحش من مكمنه، فقام بجذب سليم بعنف حتى ألقاه أرضًا، ثم التفت بنفس اللحظة ووجه لكمة قوية إلى وجه حازم الذي كان يستعد للهجوم على سليم، فأردته الضربة أرضًا، فيما صاح سالم بزئير أرعد الجميع: "بس انت وهو. خلاص هتضربوا بعض قدامي. معدش ليكوا كبير. ورحمة أبويا لهكسر عضمك منك له." انتفض حازم ذعرًا، بينما حاول سليم ابتلاع غضبه، فهب من

مكانه وهو يقول بلهجة حادة: "انت مش سامع كلامه. ده مغتصب وحقير، لأ وبيقح كمان." سالم بعنف: "اسكت يا سليم." تعاظم الحنق بداخله ولم يستطع الصمت، لذا صاح بعنف: "انت مش كبيري وكلامي مع سالم. وملكش ضرب عليا." سليم بتهكم مرير: "صح عندك حق. أنا مش كبيرك ولا ليا ضرب عليك. لكن مجبر ألملم بلاويك وأصحح عمايلك السودا صح؟ حازم بسخرية:

"انت ململمتش ورايا. انت اتجوزتها عشان حبيتها. طمعت فيها لنفسك.. فسيبك بقى من دور سوبر مان اللي عايز تلبسه على قفايا. وعمومًا أنا رجعت وهصحح غلطي." صمت لثوانٍ يتابع وقع حديثه على ملامح سليم التي اسودت من فرط الصدمة، فتابع حازم بتشفي: "وهشيل شيلتي كاملة.. متقلقش." يتبع....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...