اخترق الصوت خلوتهم فارتعبت المرأة، فنهرها الحارس قائلًا: _لفي من الباب التاني بسرعة.
أطاعته بلهفة، بينما هرول الحارث لرؤية مصدر ذلك الصوت. ولكنه وجد قطة صغيرة قد أوقعت أحد أواني الزرع فتحطمت. بالرغم من كل شيء، أخذ يمشط المكان بنظراته لمعرفة إن كان هناك أحد قد رآهم أم لا. ليعود بنظراته إلى تلك المزهرية المحطمة ليجذبه شيء لامع من بين حطام الآنية، والذي لم يكن سوى قرط ماسي صغير. وهذا يعني أن امرأة كانت هنا، ولكن من تلك المرأة؟ _أنتوا مش هتكبروا أبدًا! هكذا تحدث سالم غاضبًا، فأجابه مروان بملل:
_والله قوله الكلام ده. أنا كنت قاعد في حالي، قام زي الطور يجري ورايا، ويقولي هخلص عليك. يرضيك يا كبير! جن جنون سليم من كلماته وصاح غاضبًا: _بقى أنا جريت وراك من الباب للطاق كدا! مش أنت اللي لسانك فالت ولبستني في حيط! مروان بجدية زائفة: _يا عبيط افهم. أنا بعمل لمصلحتك. سليم باستنكار: _مصلحتي! تخرب بيتي وتقولي مصلحتي! ضاق ذرعًا من أولئك الحمقى فتركهم ليتوجه إلى الداخل ليجيب على هاتفه، بينما تابع مروان موضحًا:
_هي البت جنة مش المفروض عرفت قيمتك وربنا هداها وبدأتوا صفحة جديدة؟ سليم بجفاء: _مفروض طبعًا، قبل ما تتنيل أنت وتبوظ كل حاجة. مروان بتوضيح: _يا ابني وأنت تضمن منين إن الكلام ده صح. أنتوا اتصالحوا بالليل ولا بالنهار؟ تذكر سليم تلك الليلة الرائعة التي قضاها بين ذراعيها، فلانت ملامحه وارتسمت ابتسامة رائعة فوق شفتيه. فصاح مروان قائلًا: _بدل ضحكت كدا يبقى بالليل. زجره سليم قائلًا بجفاء: _اتلم يا زفت أنت.
_يا ابني مش القصد. بس أنا عارف الحريم. وبعدين كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح. يبقى لازم يكون في اختبار قوي لمدى ثقتها فيك، وإنها فعلاً اتغيرت ومش هتقعد تقرفنا كل شوية غضبانه. فاضيين إحنا؟ لوهلة أقنعه ذلك الوغد بوجهة نظره، فأجابه سليم بتفكير: _أيوا. وبعدين هي لازم تكون عارفة إني عمري ما أعمل حاجة وحشة تغضب ربنا. الموقف كله كان غصب عني، ومكنش في وقت حتى أعترض. مروان باندفاع: _تعترض إيه! أنت تطول؟
_بس يا زفت أنت. تابع مروان إقناعه قائلًا: _يا ابني مش القصد. بس أنت راجل مُرزق، حد يقول للرزق لا! واقف لا بيك ولا عليك لقيت واحد بيحط مزة في حضنك هتقوله لا! سليم باحتقار: _تصدق إنك واد عينك زايغة وواطي! ولسه بتلوم على طارق! أنت يا ابني مش متجوز؟ مروان باندفاع: _والمصحف ما حصل. أنا متجوز! كان على عيني. سليم بحنق: _اومال سما دي تبقى إيه؟ مروان بتهكم: _تكفير ذنوب. أو تقدر تقول عملي الأسود في حياتي، هي وعمتك.
سليم بتقريع: _يا ابني افهم. سما بتمر بمرحلة صعبة، هي وعمتك وشيرين. لازم تقف جنبها. مروان بحنق: _والمصحف هموت وأقف جنبها، هي اللي مش راضية. يا بنتي أنا جوزك. طب ابن خالك. طب سبيني أعمل أي منظر، مفيش. عندك امبارح قعدت أطبطب وأنهن وأسف على ناجي وعلى شجرة العيلة نفر نفر عشان خاطرها، وربنا هداها. طلع النهار العفريت حضرتك، وهوب سابتني وراحت تزور أمها لوحدها. على الرغم إننا متفقين نروح سوا. سليم بتفكير:
_هي سما تحسها غريبة فعلًا. مروان بحنق: _غريبة ومريبة، واحتمال تكون ملبوسة كمان. ماهو أنا أصلي مبخت. لفتت انتباههم جوهرة التي تقدمت إلى الداخل، فاستفهم سليم قائلًا: _هي إيه الدنيا؟ مروان بسخرية: _الدنيا خربانة. الست جوهرة عينها من الكبير، وفرح بكرشها ده يا عيني مش عارفة تعمل إيه ولا إيه! تنبه سليم لكلماته، فقال مصدومًا: _بتقول إيه؟ مروان بحنق: _اللي سمعته. حركاتها وتلميحاتها مقفوشة أوي. سليم بتحفز:
_ده حنا على كدا لازم ننبه سالم. مروان بسخرية: _سالم مين اللي تنبهه؟ ده الباشا يا ابني. ده يطبقها ويحطها في جيبه الصغير، هي وعشرين زيها. أنا مش خايف غير على فرح. تحسها على آخرها ومش عايزة تبين، وبتتعامل على إن المواضيع عادية. سليم بتفكير: _تفتكر فرح حست بحاجة؟ _حست إيه؟ بقولك على آخرها. أنا اللي مش مريحني إن البت دي نظراتها فيها غدر، خايف تأذيها.
هكذا تحدث مروان لأول مرة بجدية تحمل طابع القلق الذي عرف طريقه إلى صدر سليم، الذي قال بتذمر: _بقولك إيه أنت هتقلقني ليه! مروان بتقريع: _ما لازم تقلق، أومال أنت عايش معانا جبلة؟ ما كلنا قلقانين. وبعدين الحكاية لسه مطولة. وطول ما هي مخلصتش البت دي هتفضل هنا، وأنا دي أكتر حاجة مخوفاني. سليم بتفكير: _يبقى كدا عيننا لازم تكون في وسط راسنا. دي كدا ناوية توسخ. مروان بجمود:
_أنا عيني عليها في كل مكان. يا أخي ده أنا بفكر أروح أبَات معاها في الأوضة. قال جملته الأخيرة مازحًا، فزجره سليم قائلًا: _يا أخي مبتكملش جملة مفيدة أبدًا. مروان ساخرًا: _طب خد واحدة مفيدة أهي. جالك الموت يا تارك الصلاة. لم يفهم سليم معنى حديثه إلا حينما اتجه بعينيه إلى ما يناظره مروان، فوجد جنة تتقدم تجاههم بخطٍ غاضب وأعين ينبعث منها الشرر. فاردف مروان بحماس: _بص بقى يا ريس. سيبلي الطلعة دي وأنا زي ما عكتها هصلحها.
سليم بحنق: _تصلح إيه الله يخربيتك! دي زي ما تكون جايه ترتكب جناية! مروان بسخرية: _بس متقاطعش. يالا أنت اخلع وأنا هفهمها. _اخلع إزاي يعني؟ هكذا استفهم سليم بحنق، فأجابه مروان بعجالة: _إعمل نفسك بتتكلم في الفون وابعد. طاوعه سليم، الذي لأول مرة يشعر بالخوف من مظهرها الذي يبدو وكأنها ستقيم القيامة احتجاجًا على ما حدث. وعلى الرغم من عدم ثقته في ذلك الوغد، إلا أنه يأمل أن يستطيع إصلاح الأمر.
جن جنونها حين رأته يتحدث على الهاتف ويبتعد، وما أن أوشكت على ملاحقته حتى أوقفتها كلمات مروان المعاتبة: _ده كلام؟ بقى المارون جلاسيه بتاع البيت يتحول لهولاكو كدا عشان سلومة الأقرع؟ توقفت جنة قائلة باستنكار: _هولاكو! مين هولاكو ده؟ مروان بسخرية: _وكمان جاهلة؟ يا حظك المايل يا سليم. جنة بغضب: _بطل استظراف وحسابك معايا بعدين. مروان بتهكم:
_ولا بعدين ولا قبلين. تعالي هنا بس. عاملي فيها سبع رجالة في بعض وأنتِ لو حد نفخ فيكِ هتطيري كدا. اقتربت منه حانقة والعبرات تكاد تنبثق من مقلتيها، فتابع مروان قائلًا: _من غير يمين يابنتي. قولتله يا سلومة ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. مسمعش كلامي. برقت عينيها وتبدل الحزن إلى الصدمة، وهي تقول: _نهار أسود! هما اجتمعوا فين؟ مروان باندفاع: _إيه ده هما اجتمعوا؟ جنة بسخط: _مش أنت اللي لسه بتقول؟
مروان باندفاع: _يادي النيلة يا مروان. أنت عايز تصلح بينهم. بقولك إيه أنا مقولتش حاجة. أنتِ اللي قولتي. صاحت جنة بانفعال: _مروان اتظبط معايا. مروان بمهادنة: _بقى دي آخرة تربيتي فيكِ! كلمة تجيبك وكلمة توديكِ كدا! معندكيش عقل! بقى جوهرة الحلوة المسكرة هتبص لسلومة الأقرع بردو. خرجت الكلمات منها مندفعة، وهب القلب للدفاع عنه: _ومتبصش ليه! هي تطول. هو في زي سليم! مروان بتخابث: _ولما مفيش زي سليم ياختي مشحططاه وراكِ ليه؟
هاه. الواد حليوة وجان ومتري. رفع رأسه للسماء قائلًا: _سامحني يارب عالكذب ده. ثم تابع بتقريع: _تسبيه كدا فريسة للفتيات الحسنوات. ده بدل ما تثبتي فيه. عمالة تمرمطي في اللي جايبينه. أكمن حماتك هطلة فاكرة إن مفيش حد هيوقفك! أوشكت على الحديث، فلم يُمهلها بل صاح محذرًا: _كل شوية تغضبيلنا بقى. فاضيين إحنا. الست الصح متسبش بيت جوزها. اطردي في الشارع. هو ابن حلال ويستاهل، إنما أنتِ متخرجيش. وبعدين ابننا ميتعيبش بقى.
جنة باندهاش: _هو أنت شوية تقول عنه كلام حلو وشوية تقول عنه كلام وحش. أنا اخترت فيك. مروان بجدية زائفة: _أيوا يا بنتي ما هو ابننا بردك. أي نعم هو كشري، ودمه يلطش، وعصبي، وعلى طول عاملنا المية حداشر بتاعته دي، وبوزه يقطع الخميرة من البيت، بس ابننا. يعرنا. نرميه يعني! _اوف بقى. بس بردو أنا هتشل. إزاي يشيل البت دي؟ مروان بجفاء: _يا بنتي حد يقول للنعمة لا. وبعدين تعالي هنا. أنتِ كاشفة نفسك كدا إزاي؟
مش المفروض تداري شوية يا هبلة. متبينيش للراجل إنك بتغيري عليه عشان ميتمرعش عليكِ. اتعلمي من أختك، هتتجلط يا عيني ومش قادرة تفتح بقها. جنة بتفكير: _تصدق أنت عندك حق. إيه ده لحظة واحدة. مالها فرح؟ بعد الشر عنها. هو في حاجة أنا معرفهاش؟ مروان بتقريع: _هو أنتِ بقيتي تعرفي حاجة؟ بقيتي زي قلتك في البيت، ودا مش عاجبني يا أم محمود. لازم لنا قاعدة. انجري روحي صالحي سلومة الأقرع وتعالي وأنا أحكيلك.
شعرت جنة بالحماس والفضول لمعرفة ماذا حدث في غيابها، فهتفت بلهفة: _قشطة استناني. مروان بتهكم: _هجهز اللب والسوداني على ما تيجي.
كانت تسير بخطٍ متعثرة، وقلب ينتفض داخل صدرها الذي أخذت أنفاسه تتناحر، ودقاته تتقاذف حتى تردد صداها في أذنها. فلم تعرف كيف وصلت إلى غرفتها لترتمي فوق سريرها بتعب وإرهاق، وكأنها كانت في سباق للعدو. والحقيقة أنها كانت تتسابق مع الزمن لتنجو. فبعد ذلك المشهد الذي رأته، شعرت بالذعر يتملكها بطريقة غريبة. فهي لا تسمع سوى جملة واحدة: _دبة النملة توصله! تلك الجملة أصابتها بالذعر. فمن هذا المقصود؟ ولحساب من يعمل ذلك الحارس؟
والسؤال الأصعب والأقسى: هل نعمة خائنة؟ انتفض جسد فرح وهي تتخيل أن تكون تلك المرأة التي من المفترض أنها أكثر شخص موثوق في قاطني ذلك المنزل خائنة! استنكر عقلها تلك الجملة، ولم يقبل عقلها باحتمال أن تكون فعلًا خائنة. ولكن في تلك الأمور يحب أن تُنحي القلب جانبًا، فالأمور معقدة والخطأ عواقبه وخيمة وخسائره فادحة، قد تكون أرواحًا لا ذنب لها.
شعرت بألم حاد في أسفل بطنها، ربما من فرط التوتر الذي وقعت تحت وطأته. فما أن ضربت يدها تلك المزهرية بالخطأ، حتى انتفض قلبها وهي تستمع لصوت أقدام ذلك الحارس تقترب. لولا ذلك الحاجز الذي يفصل الزراعات عن بعضها والذي اختبأت خلفه، لكان مصيرها مجهولًا الآن. فلو كان فعلًا خائنًا، لربما كان قتلها، وخاصةً أن هذا الجزء من القصر لا يوجد به كاميرات مراقبة، فهو خاص جدًا لكونه بجانب المسبح.
زفرت الهواء المكبوت بصدرها دفعة واحدة، وأخذت تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة، ولكن ذلك لم يكن يكفي. فقد شعرت بحاجتها لوجوده. تحتاج لأن تستشعر دفء ذراعيه وأمانها بداخله، لذا تحاملت على آلامها وتوجهت للأسفل تنوي الارتماء بين ذراعيه تنشد الراحة والأمان. _طيب يا صفوت. أنا كدا هغير البلان، وبدل ما عمتي تيجي على هنا تطلع على إسماعيلية تقعد معاكم يومين على ما نيجي إحنا. صفوت بتفكير: _طب وهارون؟ سالم بتهكم:
_ده واحد من العيلة. يعني لازم يكون موجود معانا في أي مكان. زفر صفوت حانقًا: _حاسبها كويس يا سالم؟ سالم بخشونة: _سيبها لربنا. إن شاء الله هتعدي. بس أنت خلي عينك في وسط راسك. _متقلقش. أنا ظبطت كل حاجة هنا. طرق على باب الغرفة جعله يقوم بإنهاء المكالمة، فقد توقع الشخص القادم، وصحت توقعاته حين وجدها جوهرة، التي أطلت عليه بجمالها البهي وخطواتها الرشيقة وهي تتهادى بمشيتها إلى أن وصلت إليه قائلة بنبرة جذابة:
_كنت أود أن أقول صباح الخير، ولكن يبدو أن الصباح بدأ عندك منذ زمن. سالم باختصار: _أجل. تفضلي. تربعت على المقعد أمامه وعينيها لا تفارقان خاصته، لتقول بنبرة رفيعة: _مابك؟ يبدو أنه لم يكن صباحًا مشرقًا بالنسبة لك؟ سالم بلامبالاة: _لا. لمَ تظنين ذلك؟ جوهرة بنبرة جذابة: _يبدو على ملامحك الوجوم، وعينيك ليست صافية، هناك غيوم كثيرة في سمائها. ولهذا أقول إن صباحك لم يكن مشرقًا. باغتها إجابته حين قال بفظاظة:
_تخمينك خاطئ، فلا يوجد غيوم وما شابه. يبدو أنكِ تعانين من الفراغ هنا فبدأت بتوهم بعض الأشياء. أصابتها كلماته في الصميم، فهو يحقر من شأنها وشأن اهتمامها به، لذا حاولت قمع غضبها واستغلال الأمر لصالحها، لذا قالت بلهجة خافتة: _لا. ليس الأمر كذلك، بل أنا فقط مهتمة بالأطمئنان عليك لا أكثر. سالم بفظاظة: _هذه الأمور من اختصاص زوجتي، فاحذري قد تغضب منكِ وهنا ستكونين في مأزق كبير. جوهرة بجرأة: _ولما سأكون في مأزق؟ سالم بلهجة
جافة لم تخلو من التحذير: _لأنني لن أسمح بذلك، ولا أحب أن يتعكر مزاجها لأجل تفاهات. والآن جوهرة، هل لي أن أعلم ما هي خطتك التالية مع صديقك؟ تجاهلت استفهامه، وقالت بجرأة أضرمت نيران القلق بصدره: _ألأنها تحمل طفلك؟ سالم بنبرة جافة وعينيه أرعدت سماءها بتحذير: _لا. لأنها في المقام الأول زوجتي، وأنا أقدرها كثيرًا. والآن لنعد إلى موضوعنا الأساسي والوحيد، فأنا لست برجل صبور. عليكِ أن تعرفي هذا.
تشكلت سحابة من الغضب في سماء عينيها التي دكنت جراء كلماته التي أضفت وقودًا فوق نيران الحقد بقلبها، لتقول بنبرة ذات مغزى: _نتشارك في تلك الصفة سيد سالم، فأنا لست امرأة صبورة أيضًا، كما أنني ماهرة في تحقيق أهدافي، ولا أتنازل بسهولة. ضيق ما بين حاجبيه قبل أن يقول بجفاء: _ما الذي علي فهمه من حديثك هذا؟ جوهرة بتخابث: _أقصد أنني لن أترك هارون إلا بعد ما أقنعه بالحقيقة. أليس هذا هو ما نتحدث عنه!
لم يرتح لمغزى كلماتها، ولكنه أومأ برأسه قبل أن يقول باختصار: _نعم. جوهرة بنبرة لعوب: _لهذا أخبرك أن تطمئن، فأنا وضعت الأمر برأسي وانتهى. ضيق ما بين عينيه قبل أن ينصب عوده وهو يقول بجفاء: _موعد الغداء اقترب، هي لنذهب. طاوعته بصمت وتقدمته وهي تحاول قمع نظراتها الشيطانية، التي ما أن لمحت فرح تهبط الدرج حتى لمعت بخبث. وفجأة ارتمت فوق صدر سالم، الذي كان خلفها، وهي تصيح بألم زائف: _أووه. قدمي. لم يكن أمامه مفر من إسنادها،
وهو يقول باستفهام: _ماذا هناك؟ لم يكن قد رأى فرح، التي انتفضت كل خلية بصدرها ما أن شاهدت تلك المرأة تكاد تكون بين أحضان زوجها بتلك الطريقة، فتيبست أقدامها غير قادرة على الحركة، غافلة عن أعين يلمع بهم المكر الذي ينافي لهجتها حين تصنعت الألم قائلة: _لقد التوى كاحلي بطريقة سيئة. من فضلك ساعدني.
زفر سالم حانقًا من هذا الموقف السيء، وقام بإمساك كفها ويده الأخرى على مقربة من خصرها دون أن يلمسها. ولكنه فجأة استشعر وجودها، ليرتفع برأسه يجدها تقف في منتصف الدرج بأعين يلمع بهما الغضب الذي ينافي وهن ملامحها. فلعن داخله، وإذا به يجدها تواصل هبوط الدرج لتتقدم نحوهم وعينيها وكأنها خاصمته، فكانت مسلطة على تلك التي تدعي الألم تحاول الارتماء بثقلها فوقه، على الرغم من شعورها بنفوره منها، ولكن ذلك لم يردعها من
التحدث بنبرة خافتة مغوية: _أووه. أشعر بألم كبير في كاحلي. لم يكن معها، بل كانت جميع حواسه تتركز حول تلك التي أبت إعطاءه ولا نظرة واحدة من عينيها. وبالمقابل اقتربت قائلة بنبرة متهمة: _ماذا حدث؟ هل كسرت قدمك أم ماذا؟ رفعت جوهرة رأسها، وداخلها يشعر بسعادة عارمة. فرغم هدوء أعصاب فرح، إلا أن هناك نيران تنشب في غاباتها الخضراء. لذا قالت بمكر أنثوي: _لقد لويت كاحلي بطريقة سيئة. أخشى أن يكون هناك كسر. فرح بأسف زائف:
_أووه. عزيزتي. كم هو مؤسف ذلك. ولكن الجيد بالأمر أن تتعلمي ألا تنظري للأعلى، وإلا في المرة القادمة قد تكسرين عنقك. حانت منها نظرة قاسية حدجته بها، قبل أن تتراجع برأس مرفوع وبنية شامخة تتوجه إلى الأعلى، مما جعل الغضب يجتاحه كطوفان، جعله يزمجر بصوت جهوري: _نعمة. هرولت نعمة إلى حيث يقف سالم، الذي قال بجفاء وهو يتوجه إلى الأعلى: _شوفيها مالها. ما أن غادر، حتى همهمت جوهرة بوعيد:
_سنرى أيتها العاهرة، من منا ستكسر عنقها في المرة القادمة؟ بخطوات غاضبة توجه إلى غرفته، ليجدها تقف أمام النافذة تُعطيه ظهرها، على الرغم من أن باب الغرفة أصدر صوتًا عاليًا حين أغلقه، ولكنها لم تلتفت. لذا تقدم منها وهو يحاول تهدئة غضبه بشتى الطرق، ليقف خلفها مباشرةً قائلًا بلهجة خشنة: _فرح.
التفتت تناظره بصمت، وملامح هادئة تنافي ذلك الغضب الهائل بغاباتها الزيتونية. فلعن بداخله للمرة التي لا يعرف عددها، فقد كان موقفًا مريعًا بالنسبة له، وتبريره له هو السخافة بعينها، فقد كان الأمر برمته لا يليق به، ولكنه لسوء حظه يمس أغلى ما يملك. لذا تجاهل كل شيء وقال بنبرة هادئة: _الموقف اللي حصل تحت ده كان سيء، أنا عارف. بس أنتِ كمان عارفاني كويس. فرح بجفاء:
_عرفاك، ومش مستنية منك تبرير. لإني عارفة إنه بردو ميلقش بيك ولا بيا. امتدت أنامله تلامس ملامحها بحنو، تجلى في نبرته حين قال: _أنا عارف إنك عاقلة وذكية. بس بردو حقك عليا. لامست كلماته قلبها، ولكن كان التوقيت وتوالي الأحداث وقعه سيء عليها، إضافة إلى خوفها من كل ما يحدث. لذا قالت بلهجة جافة: _مش معنى إني ذكية وعاقلة إني هسمح لموقف زي ده يتكرر تاني. لم يعجبه لهجتها، ولكنه كان يُقدر غضبها، لذا قال بجمود:
_الموقف كان قضاء وقدر يا فرح. فرح بجفاء: _طب ياريت لما القضاء والقدر ده يحصل تاني متكونش أنت موجود أو حتى في الصورة. عشان مش ضامنة رد فعلي هيبقى عامل إزاي؟ كان الغضب يموج بحدقتيها ويتجلى بوضوح فوق معالم وجهها، لذا استمسك بآخر ذرات الصبر لديه، وقال محاولًا انتزاعها من بين براثنه: _أول مرة أشوفك وأنتِ غيرانة على فكرة! حاولت التغلب على ألمها الجسدي، وذلك الوجع الذي ينغز بصدرها جراء صورة تلك الحقيرة وهي متعلقة بزوجها،
وقالت بجفاء: _الموضوع مالوش علاقة بالغيرة. بس مش هسمح أبدًا بأن أي حاجة تقلل من احترامي. كمان أنا لو هغير أغير من حد يكون ند ليا، وأنا مفيش واحدة تنفع تبقى ند ليا يا سالم يا وزان. يبدو أن وقع الأمر هائل عليها للحد الذي جعله يتغاضى عن لهجتها وكلماتها الغاضبة، ويقترب محاوطًا خصرها ويديه تُمسدان وجنتيها المشعلة، وهو يقول بنبرة خشنة:
_أنا أكتر واحد عارف الكلام ده. ماهو سالم الوزان لما اختار مختارش أي حد. اختار ست الحسن والجمال. رغبة عاتية في البكاء اجتاحتها، ولكنها لن تبكي، خاصةً أمامه بعد ذلك الموقف الذي انطبع في قلبها الذي نشب به القلق حوافره. وقد أيقنت بأنها مقدمة على معركة ضارية مع تلك المرأة، فكل ما بها يثير ريبتها، وهي شبه متأكدة من أنها افتعلت تلك الواقعة. وما يثير حنقها أنها تكاد تجزم بأن زوجها يعلم ما يُحاك ضده، فكيف يتعامل مع الأمر؟
لا تكن معهم حين يتحدثون، وكبرياؤها يأبى أن تكون متواجدة لألا تسمح لتلك الحقيرة بأن تشعر بغيرتها، ولكنها غاضبة لحد الألم. لذا تراجعت من بين ذراعيه وهي تقول بجمود: _هاخد شاور وأريح شوية على ما ييجي معاد الغدا.
انفلتت من بين ذراعيه، ولم يوقفها، فهي غاضبة وهو غاضب، بل أكثر، فهو يكاد يستشيط غضبًا من كل ما يحدث. وقد بدأت أعظم مخاوفه بالحدوث، وهو لا يملك أن يلومها أو حتى أن يغير أي شيء في الوقت الراهن. لذا ترك الغرفة بأكملها وغادر، لتطلق العنان لانهيارها، فقامت بالارتماء فوق مخدعها تبكي حيرتها وغضبها وألمها وكل شيء. _ممكن أعرف بقى إيه اللي حصل بالتفصيل؟ هكذا تحدثت جنة بنبرة خافتة يشوبها الحزن، الذي جعله يقترب منها قائلًا بعتب:
_وهتصدقيني ولا هتتجنني زي ما عملتي من شوية؟ جنة بخفوت: _أنا عمري ما كذبتك قبل كدا عشان أكذبك دلوقتي. راق له هدوؤها الممزوج بالحزن، وأيضًا إجابتها التي أشعرته بالسعادة. فاقترب منها قائلًا بنبرة خشنة:
_الموقف كله مكملش دقيقة. كنا فاكرين إنها بنت ناجي، وكان مفروض نجيبها هنا. طارق طلع أوضتها ولقيته جايبها وبحالتها دي. ملحقتش أستوعب الصدمة، سمعنا صوت هارون وعرفنا إن هو ابن عمتي همت مش هي. مكنش قدامنا وقت نفكر. اضطريت آخدها عـ العربية عشان طارق يستنى هارون فوق. ده كل اللي حصل. كانت تعلم بأنه رجل صادق، لا يُغريه الكذب ولو كان سيُنجيه، لذا تجاهلت غيرتها وقالت بنبرة خافتة: _تمام. حصل خير.
برقت عينيه وهو يستمع إلى إجابتها، وقال بلهجة غير مصدقة: _أنتِ بتتكلمي بجد؟ حصل خير فعلًا ولا أنا سمعت غلط! جنة بتعقل: _لا مسمعتش غلط. هعمل إيه يعني؟ أنت كنت مضطر ومكنش قدامك غير كدا، وأنا مينفعش أحملك فوق طاقتك أو ألومك في حاجة خارجة عن إرادتك. شعر في تلك اللحظة أن صغيرته نضجت حقًا، وأنها قد تعلمت دروس الحياة جيدًا. وقد انتابته سعادة قوية جعلته يقوم باحتواء كفها بين يديه، واضعًا قبلة دافئة بين راحته، وهو يقول بحنو:
_يسلملي العاقل. اللي مش عايز يحمل حبيبه فوق طاقته. حاولت قمع ابتسامتها، فلم تفلح، فدارت وجهها للجهة الأخرى لتقول بخفوت: _اومال فاكرني ست مفترية مثلًا؟ أدارها لتقف بين يديه، وهو يقول بنبرة عاشقة: _أنتِ ست البنات كلهم. غزى الخجل وجنتيها، فـ أخفضت رأسها وهي تقول بخفوت: _ست البنات مرة واحدة! احتواها بين يديه وهو يقول بصدق اخترق أعماق قلبها: _بقى متعرفيش إنك في عيني ست البنات كلهم!
أنتِ اختصار لكل حاجة حلوة في حياتي يا جنتي. ما أن أوشكت أن تجيبه، حتى أتاهم صوت صارخ من خلفهم: _نهار أسود! أنتوا واقفين بتعملوا إيه لوحدكوا كدا من غير محرم! عايزين تفضحونا؟ استغفر سليم في سره، وهو يغمض عينيه بغضب تجلى في لهجته حين قال: _نفسي أخلص عليه. قهقهت جنة بصخب على كلماته، وهي تقول من بين ضحكاتها: _يالهوي! وهو البيت يبقى له طعم من غير مارو؟ لا يا سولي ملكش حق. سليم مبهوتًا من ضحكتها الرائعة وذلك اللفظ
التحببي الذي نادته به: _إيه؟ قولتي إيه؟ جنة بدلال: _قولت سولي. بدلعك بلاش؟ سليم بلهفة: _بلاش إيه؟ إياكِ تقوليلي حاجة تانية غيره. بس بلاش قدام كلب البحر ده، عشان هيسيحلنا عـ الفضائيات. تقدم مروان منهم تزامنًا مع وصول سيارة طارق، الذي كان يُقل سما إلى المنزل، فاندفعت الأخيرة إلى الداخل بغضب، فهتف مروان حانقًا: _أهي الأرملة السوداء بتاعتي شرفت أهي. سليم بتشفي: _والله تستاهلها. دي اللي هتطلع عليك القديم والجديد.
مروان بسخط: _ماهو اللي هتعمله فيا هطلعه عليكوا. وحياة أمي لهتسبب في طلاقكوا كلكوا، بس الصبر. التفت إلى سما، التي كانت تأخذ طريقها إلى باب القصر، فصاح بغضب: _أنتِ يا ولية واخدة في وشك ورايحة فين؟ ملكيش راجل يحكمك! بت! أنتِ ياللي تتشكي في صوابع رجلك استني. تقدم طارق منهم وهو يقول بحبور: _إزيك يا جنة عاملة إيه؟ جنة بلهجة ودودة: _الحمد لله يا طارق. أنت عامل إيه؟
_الحمد لله. بنحاول نعيش زي البني آدمين. ما أنتِ شايفة اللي بيحصل. هكذا تحدث طارق حانقًا، فأجابته جنة بمواساة: _معلش يا طارق. هنعمل إيه؟ لازم نتحمل كلنا لحد ما الغمة دي تخلص. طمنيني على عمتو همت وشيرين؟ طارق بخشونة: _الحمد لله بخير، وشيرين هناك معاها. أنا جيت آخدلها هدوم وشوية حاجات كدا لحد ما نشوف هنعمل إيه. _ربنا يعينك. خليك جنبها. هي أكيد محتاجاك الفترة دي. طارق بحزن:
_الحقيقة هي محتاجانا كلنا يا جنة. شيرين حساسة أوي، والموضوع الزفت ده عاملها عقدة. لازم تحس إن الكل حواليها وبيحبوها. جنة بلهفة: _ده طبعًا. كلنا أخواتها، ولازم نكون جنبها. اطمن أنا هروح أنا وسليم النهاردة إن شاء الله نطمن عليهم، وهشوف لو فرح جت معانا. ابتهج قلبه لحديثها، فقال بلهجة مرحة: _على فكرة البيت كان مضلم من غيرك، والواد ده كان دمه يلطش. اكسبِ فينا ثواب، ومتجلبيش عليه تاني. ابتسمت جنة بمرح قائلة:
_عشان خاطركوا بس. هاجي على نفسي. قهقه الثلاثة، فتوجه طارق للداخل، فاعتقلت يد سليم خصرها، وقال الأخير بوعيد: _لا والله. بقى عشان خاطرهم هتيجي على نفسك! جنة بمرح: _أيوا اومال أسيب الناس تتظلم معاك يعني. بضحي أهو. أنا أصلي شمعة تحترق من أجل الآخرين. ضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال: _لا، إحنا نطلع نشوف موضوع الاحتراق ده فوق، عشان ده موضوع خطير وفيه تضحيات عظيمة، وأنا عن نفسي راجل فدائي.
قهقهت على كلماته العابثة، وتوجه الثنائي إلى الداخل. هرول الثنائي إلى المشفى بعد مكالمة منال لهم، والتي كانت تبكي بانهيار وهي تخبرهم عن نقل رؤوف إلى المشفى إثر إصابته بذبحة صدرية مفاجئة. فلم تحتمل ساندي، التي أخذ جسدها يرتعش من فرط الصدمة وربما الخوف، فقام عدي باحتوائها وهو يقول بنبرة جادة: _اهدي. هيبقى كويس إن شاء الله. مفيش حاجة تخوف. قولي يارب.
أخذت عبراتها تتناثر بقوة فوق خديها، وجسدها ازدادت رعشته، فقام بهزها بقوة تجلت في نبرته وهو يقول: _ساندي. اهدي، وقولي يارب. سمعاني. قولي يارب. خرجت الحروف مبعثرة من بين شفاهها: _ي. ا. ر. ب. _قوليها من قلبك. بصوت عالي. هكذا حثها على التمسك بحبال الإيمان القوية، لتستمع إلى حديثه وتقول بنبرة يشوبها الثبات: _يارب. أخذ يومئ برأسه لتُعيدها مرارًا وتكرارًا، لتخرج الأخيرة من فمها بكل ما يعتمل بداخلها من وجع وسوء:
_يااااااااارب. أخذها بين ذراعيه بقوة وهو يقول بلهجة مطمئنة: _إن شاء الله هيبقى كويس، وكل حاجة هتتصلح. متخافيش. ممتنة للقدر الذي جعلها بجانبه الآن، فقد كانت تشعر بالخوف الذي يضرب سائر جسدها فيجعل رعشة قوية تجتاحه، وهي غير قادرة على التحكم بها، لولا يديه الحانية التي تقبض بقوة على يديها من حين لآخر، وكأنه يخبرها أنه بجانبها، فتهدأ ويسكن جسدها. إلى أن وصلا المشفى، فما أن شاهدتهم منال حتى هرولت تحتضن ساندي وهي
تقول بذعر من بين عبراتها: _الحقيني يا ساندي. أبوكي بيروح مننا. رغمًا عنها وعن آلامها، وجدت نفسها تعانقها بقوة، وكأنها تشاركها في حمل ذلك الثقل الذي يكاد ينتزع الحياة من ملامحها، وخرجت كلماتها مواسية، لا تعلم من أين جاءت: _إن شاء الله هيبقى كويس. بس أنتِ قولي يارب. كانت تردد كلماته التي طمأنتها سابقًا، لتفعل المثل مع والدتها التي أخذت تقول بتوسل: _يارب اشفيه يارب.
كانت يديه الحانية تمر فوق ظهرها، وكأنه يبثها طاقة كبيرة على المواصلة والبقاء صامدة، وهي التي كانت هشة، باستطاعة نسمة الهواء أن تبعثرها، لولا تلك الصخرة التي حين تراجعت للخلف بكامل ثقلها، وجدت أنها تحتويها بجميع ما تحمل من أوزار وخطايا وآلام. كان هو الجدار والمتكئ والسند الذي تحتاجه طوال حياتها، ولكنها لم تكن تدرك قيمة ما لديها حتى أوشكت على فقده. فالحياة دائمًا تعطينا الدروس على هيئة صفعات قاسية تترك بصماتها في نفوس البشر التي لا تدرك حجم النعم إلا حين ترى النقم، حينئذ تتبدل رؤيتها للأمور، وتنحصر أمانيها حول ما ظنته يومًا لا قيمة له، ولكن بات الآن أقصى أمانيها دوامه.
خرج الطبيب من الغرفة، فهرول عدي إليه قائلًا بلهفة: _طمنا يا دكتور حالته عاملة إيه؟ _الحمد لله قدرنا نسيطر على الموضوع، بس لسه الخطر قائم. واضح إنه اتعرض لصدمة شديدة وهي اللي اتسببت في الذبحة اللي حصلتله. لم يكد ينهي جملته حتى جاء صوت من خلفهم: _إيه يا جماعة طمنوني على رؤوف؟ كان هذا صوت منير، المحامي الخاص بشركة رؤوف، والذي أجابته منال باكية:
_أنت اللي مفروض تقولي رؤوف حصل معاه إيه يخليه يتصدم لدرجة إنه يجيله ذبحة صدرية يا منير؟ استأذن الطبيب، فأجابها منير بحزن: _للأسف النهاردة رؤوف خسر أهم صفقة للشركة، وبنسبة كبيرة هيعلن إفلاسه. شهقات قوية خرجت من فم الأم وابنتها، فاقترب عدي يعانق حبيبته وهو يقول بنبرة جافة: _إزاي دا يا متر؟ عمو رؤوف من أكبر رجال الأعمال وثروته تقدر بملايين، فجأة كدا يوصل للإفلاس. منير بجفاء:
_رؤوف بقاله فترة بيغرق، وللأسف كان بيقاوح، ومكنش بيسمع الكلام، وعنده هو اللي وصله لحد كدا. لم يرتح عدي لهذا الرجل، لذا قال بنبرة يشوبها الوعيد: _لا الموضوع شكله كبير وعايزله قاعدة يا متر. نطمن على عمو رؤوف وهجيلك أفهم منك كل حاجة. منير بفظاظة: _وتفهم مني بصفتك إيه؟ عدي بنبرة جافة حازمة: _بصفتي جوز بنته الوحيدة. أومأ منير بصمت، وقد تنامى بداخله شعور بعدم الارتياح لهذا الشاب، فقال بنبرة ودودة إلى منال:
_ألف سلامة يا منال هانم. لو احتاجتي أي حاجة كلميني. أومأت منال بصمت، فانصرف منير تحت أنظار عدي الحارقة، والتي تحولت إلى اللهفة ما أن رأى ساندي ترتجف بين يديه وهي تقول بأسى: _يعني بابا خلاص. هيعلن إفلاسه؟ كل اللي قعد يبنيه في سنين هيضيع في لحظة! ده كل اللي كان بيمنعه إنه يلاحظ وجودي خلاص راح منه! أسندها عدي، وقد شعر بمقدار الأسى في صوتها، فاحتواها بضمة قوية، وقد عزم أن يبدد ذلك الحزن الكامن في عينيها بأي طريقة كانت:
_مفيش حاجة ضاعت. كل حاجة هتتحل خليكِ واثقة فيا. همست بتوسل: _عدي. بابا خسر كل حاجة، وأول اللي خسره أنا. _مفيش الكلام ده. مفيش أي خساير. عايزك تثقي فيا. باباكِ هيقوم وهيبقى زي الفل وهياخدك في حضنه. في أحسن من كدا؟ أغمضت عينيها وهي تتذكر آخر مرة عانقته بها، فقد كانت منذ زمن بعيد، أبعد من أن تتذكره. فهبطت دمعة محرورة من عينيها، لتلتفت وتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت: _متسبنيش يا عدي. خليك جنبي. عدي بنبرة حنونة صادقة:
_جنبك لآخر العمر يا عمري.
خيم الليل على تلك المزرعة التي سكن قاطنيها وخلدوا إلى النوم، غافلين عن شياطين تتخذ من الليل ستارًا لأفعالها. فقامت بالتسلل إلى المكان المنشود، ليقوم أحد الرجال بالحفر يدويًا حتى وصل إلى كيس بلاستيك، فقام بفتحه واستخرج حلقة من المفاتيح، ليتوجه إلى الداخل بهدوء ويقوم بوضع إحداهما في قفل باب المطبخ، الذي انفتح بسهولة، ليُشير إلى الرجال خلفه بالتسلل حتى وصلوا إلى منتصف الصالة الكبيرة، وبدأوا بالانتشار وأخذ أماكنهم.
ليتوجه كبيرهم إلى الأعلى وهو ينظر إلى الأبواب الموصدة، ليجد ضالته في الباب الثالث كما أخبرته تلك المرأة. فقام بالتسلل بخفة ليقوم بفتح الباب بهدوء، متوجهًا إلى تلك النائمة بسلام، فقام باستخراج أحد المناديل المشبع بمخدر قوي، وبلمح البصر قام بجذب الغطاء ووضع المنديل فوق المرأة النائمة، ليتفاجأ بأنها إحدى العرائس!
صُعِق الرجل حين لم يجد ضالته وشعر بأن هناك شيء خاطئ، ليتفاجأ بذلك النور الذي أُضيء في الغرفة، وضربة قوية فوق مؤخرة رأسه أفقدته الوعي في الحال. _صفوت بيه الأمور تحت السيطرة. هكذا تحدث الحرس إلى صفوت، الذي كان في طريقه إلى مدينة الإسماعيلية، ومعه كُلًا من سهام ونجمة وحلا ونجيبة، التي كانت تنتفض من فرط الذعر حين سمعت كلمات صفوت الغاضبة: _بتقول إيه؟ حرامية حاولوا يسرقوا البيت؟ إزاي حصل الكلام دا؟ صمت لثوانٍ
قبل أن يقول بغضب: _طب كتفوهم وسلموهم للمديرية، وأنا هكلم الظابط حسام يعمل اللازم، وهتابع معاكوا. أغلق صفوت الهاتف، فاندفعت سهام قائلة: _في إيه يا صفوت وحرامية إيه؟ صفوت بغضب: _مسجلين خطر هاجموا على المزرعة، بس الحراس مسكوهم، وهييسلموهم للمديرية عشان يحققوا معاهم ويعرفوا جايين من أنهي داهية دول. شهقات قوية خرجت من أفواه النساء، فتابع صفوت حانقًا: _هوصلكوا وأرجع أشوف الموضوع ده. سهام بلهفة: _طب وكتب الكتاب؟ هتلحق ترجع؟
صفوت بسخط: _ما أنتِ شايفة يا سهام اللي حصل؟ حد كان على باله إن في ناس تجيلها الجرأة تدخل بيتي بالطريقة دي؟ تدخلت نجمة قائلة بذعر: _دول لازم جلبهم ميت. طب وليه يدخلوا بيتنا؟ جايين عايزين إيه دول؟ اندفعت نجيبة لتقول بلا احتراز: _أكيد جايين يسرقوا. اومال يعني هييجوا ليه؟ صفوت بتهكم: _وهو في حد عاقل يفكر يسرق بيت مدير الأمن بردو يا ست نجيبة؟ شعرت بفداحة ما تفوهت، فـ امتقع وجهها ولم تستطع النطق بأي شيء. فتدخلت سهام قائلة:
_الحمد لله إنك جت في بالك فكرة السفر بالليل دي، وإلا كان زمانا موجودين والحرامية دول هناك. الحمد لله ربنا قدر ولطف. صفوت بجمود: _الحمد لله. فعلًا قدر ولطف. كانت حلا مشغولة عن كل ما يدور حولها، فلم تشارك بالحديث، بل اكتفت بالصمت، فقد كان الألم بقلبها يطغى على كل شيء، للحد الذي جعلها تقاوم عبراتها بشتى الطرق. فكلما تذكرت ما حدث قبل ساعات من الآن، يضيق صدرها وتتزايد الآلام.
_بجولك إيه يا ياسين أنا مش عاجبني اللي بتعمله مع مراتك ده. هكذا تحدثت تهاني بغضب، قابلة ياسين بنفاذ الصبر، حين قال: _بعمل إيه يا أمي؟ ما أنا سبتها تروح معاهم على الرغم إن أنا مش موافق أصلًا إنها تسافر، بس مردتش أزعلها. تهاني بغضب: _لهو أنت بتتمنن عليها لما تخليها تروح بيت أهلها؟ من ميتا وأنت ظالم يا ولدي! ياسين بغضب:
_أنا مش ظالم يا أمي. أنا من حقي أحمي بيتي وأحمي مراتي وابني من شر الناس دي. مشاكلهم مبتخلصش، وأفلامهم كتير، وأنا مابحبش كدا، وأظن إن ده من حقي. تهاني بسخط: _حجك مجولناش حاجة. بس هي فين حجها لما تبجى بتتجتطف يا جلب أمها عشان تزور أهلها. مفكر إن لو أهلها شيطاين هتجدر تمنعها عنهم! البت معندهاش أغلى من أهلها يا ابني اسألني أنا. ياسين بعناد: _وده غلط. مفروض يبقى بيتها وحياتها وجوزها في المقام الأول. صاحت تهاني بانفعال:
_أيوا دي صوح. بس بردو أهلها ليهم حق فيها، ومش معنى إنك مش طايق أخوها إنك تمنعها عنهم وتاخدهم بذنبه. أنت ناسي إننا لينا بنتين هناك، والناس مهيحوشوش بناتنا عنينا أبدًا. هما أحسن منك ولا إيه؟ ياسين بانفعال: _إحنا اللي أحسن منهم، وبناتنا لما يجوا عندنا بيزيدوا مبينقصوش. إنما مراتي لما تروح هناك أنا مش ضامن ممكن يحصلها إيه. ومع ذلك حطيت في بقي جزمة قديمة وسبتها تروح. _بعد إيه؟
بعد ما كسرت خاطرها وسبتها تروح أول مرة عند أهلها مع عمها؟ بدل ما تعززها وتروح بنفسك توديها عنديهم. أغضبه حديثها الذي لامس بقعة الندم بقلبه، ولكنه عاند قائلًا: _تحمد ربنا إني وافقت إنها تروح، وعلى فكرة أنا بردو مش هروح أجيبها لأني مش طايق أروح هناك. لما تبقى تزهق منهم وتعرف قيمة بيتها تبقى هي تيجي. تفاجأت تهاني من حديث ولدها الذي جعلها تقول بغضب:
_وماله يا دكتور. بس خليك كد كلامك بجى عشان أنا بنفسي اللي لو لجيتها رايدة ترجع هجعدها لحد ما تِعرف إن الله حج وتفهم حجوج مراتك عليك، وتشيل المخفي حازم ده من دماغك خالص.
لم تكن تريد الاستماع إلى حديثهم، حتى أنها لعنت تلك الصدفة التي جعلتها تقف لتستمع إلى كلماته القاسية، التي على الرغم من تأثيرها المريع عليها، إلا أنها مدتها بقوة كبيرة جعلتها ترسم أجمل ابتسامتها وهي تودع الجميع، وهي ترتدي قناع الفرح كونها ذاهبة لرؤية عائلتها. فحين عانقها عبد الحميد قائلًا بعتب: _أكده يا حلا فرحانة ولا أكني حابسينك وبنعذبوكي هنا إياك؟ حاولت إضفاء المرح على لهجتها والشوق أيضًا، حين قالت:
_والله أبدا يا بابا الحاج، بس أهلي وحشوني أوي وبيتنا كمان. حاسة إني عايزة أطير وأروحلهم. كانت تعلم أنها تثير غضبه، وقد كان هذا أقصى ما تتمناه في تلك اللحظة أن تعاقبه على حديثه المشين بحقها وحق عائلتها، وقد كان هذا بداية الطريق لتعليمه آداب التعامل معهم في المستقبل. _هتوحشينا يا بتي. اللي مصبرني إننا هناجابل في كتب الكتاب آخر السبوع إن شاء الله. عانقتها حلا بحب كبير لتلك السيدة العظيمة التي لا تقبل في الحق لومة لائم،
وقالت بحب: _وأنتِ والله هتوحشيني يا ماما حقك عليا والله. أصلا لما تيجي هخليكِ تقعدي معايا مش هسيبك تروحي. عبد الحميد باندهاش: _وه. ناوية تجعدي هناك على طول ولا إيه؟ لا اسمعي أما أجولك البيت مينفعش من غيرك، وبعدين عايزين نجهزوا للبيه الصغير اللي مش مصدقين إمتى يشرفنا؟ تجاهلت استفهامه في البداية، وقالت بمرح: _والله يا بابا أنا عن نفسي بتمنى ييجي النهاردة قبل بكرة، حاسة إني تعبت وزهقت وأنا لسه في الرابع. تدخل صفوت، الذي
لاحظ حالة ياسين الجامدة: _إن شاء الله ييجي بالسلامة، وتفرحوا بشوفته يا حاج عبد الحميد. مش يالا بقى يا حلا عشان نلحق نمسك الطريق في النور؟ حلا بابتسامة تخفي الكثير: _يالا يا عمو. التفتت إلى ياسين بنفس ابتسامتها المشرقة، لتقترب تعانقه بصورة خاطفة، وهي تقول بمرح: _خلي بالك من نفسك يا دكتور وقور. هتوحشني والله. شعر بالاستخفاف والسخرية يقطران من بين كلماتها، لذا قال بجفاء: _خلي بالك من نفسك، ومن اللي في بطنك. مش هوصيكِ.
حلا بمرح: _فعلًا متوصنيش وفر توصياتك. أنا رايحة للدلع والاهتمام كله. متقلقش. خلي بالك أنت على نفسك. عودة للوقت الحالي. تعلم كم أغضبته وتنوي إغضابه أكثر من ذلك، لكي يتعلم كيف يحترمها ويحترم أهلها وعلاقتها بهم. وإن كان خائفًا عليها كما يزعم، فلابد له من أن يعلم كيف يتعامل معها. كان ينام كعادته فوق ذلك السرير المهتريء، فـ تفاجيء بصوت الباب يُفتح، وإذا بـ جوهرة تطل منه، فهتف بسخط:
_ما السوء الذي فعلته بحياتي حتى أراكِ دائمًا بوجهي؟ جوهرة بسخط: _أنت ناكر للجميل، أتُعرف ذلك؟ _وأنتِ لعينة. ما الذي أتى بكِ؟ جوهرة بنبرة حادة: _أريد أن أجعلك تعرف الحقيقة، فأنت صديقي ولا أقبل بأن أراك في هذا المكان أبدًا، ووالدتك التي تحتضر من أجلك… قاطع حديثها صوت تكه الباب التي وصلت إلى مسامعهم، فتقدمت وعلى وجهها ابتسامة لعوب تشبه لهجتها حين قالت: _ما رأيك هل أنا بارعة في التمثيل؟ هارون بسخرية:
_تُجيدين فعل كل ما هو سيء. جوهرة بتذمر: _أنت تظلمني! _هيا أخبريني ما الجديد؟ جوهرة متصنعة الحزن: _والدك حالته مثل ما هي، والبرت غاضب للحد الذي يجعله يتأهب للهجوم على القصر بأي وقت. انتفض هارون ذعرًا، ولكنه حاول الثبات قدر الإمكان، فقال باستفهام: _هل ألبرت هنا؟ جوهرة بترقب: _نعم، وهو ينوي الانتقام لصديقه. حاول السيطرة على ما يعتريه من خوف، وقال بجفاء:
_أنا من يجب عليه الانتقام وليس هو. لذا أخبريه ألا يفعل شيئًا قبل أن آمره. جوهرة بقلة حيلة: _لا أملك سبيلًا معه، وهو غاضب، تعرفه جيدًا. _إذن أوصليني به. _لا يمكن ذلك. حاول قمع غضبه وخوفه بقدر الإمكان، لتتابع جوهرة بمكر: _ولكني أعتقد أنه سيبدأ بتلك المرأة، والدتك المزعومة. تعرف، فهي السبب بكل شيء حدث له منذ البداية.
كلماتها قذفت الرعب بقلبه، فـ تلاحقت أنفاسه رغمًا عنه، وتولد بداخله طوفان من الغضب الذي جعله يريد أن يفقع عيني تلك الحية التي تتابع تأثير الحديث عليه بترقب، تحفظ بدقة كل ما يمر على ملامحه من انفعالات، لذا حاول أن يكون ثابتًا حين قال: _ليس الآن. هناك الكثير مما يجب عليه فعله معها قبل أن تأتي تلك الخطوة. جوهرة باستفهام: _وهل قبلت أخيرًا أن تتخلص منها؟
_لا لم أقبل ولن أفعل، وطرق الانتقام لا تتلخص جميعها في الدماء. هناك الكثير منها أشد وقعًا من ذلك. زفر بقوة قبل أن يقول بلهجة آمرة: _أخبري ألبرت بأن ينتظر، وإلا سيجد نفسه في مواجهتي. أنا من سيأخذ انتقامه من تلك العائلة، وليس هو أو حتى والدي. كانت لهجته تتضمن بها قدرًا كبيرًا من الشر، ما جعلها تقول إلى ناجي، الذي على الجهة الأخرى من الهاتف:
_لا يزال حاقدًا، بل أكثر من ذلك، فقد رأيت في عينيه نيرانًا هوجاء تنتظر الإذن لتحرق الجميع. ناجي بسعادة: _يالها من أخبار مفرحة. فأنا أعلم هذا الداهية سالم. أنه قادر على إدارة العقول بطريقة لا تتخيلينها. ولكن الآن أنا مطمئن بأن سمومي لازالت تسري بشرايين هارون. ودت لو أخبرته أنه يستطيع إدارة القلوب أيضًا، ولكنها اكتفت قائلة بسخرية: _اطمئن، فتأثيرك أقوى من أن يُمحى بسهولة.
كانت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي ترتعب من أن يتكرر ما حدث عصر اليوم، إلى أن وصلت إلى ذلك المكان المنشود، فوجدت هذا الحارس يقف في انتظارها، فهتفت بحنق: _الله يخربيتك! هتوديني في داهية؟ عايز إيه؟ الحارس بجفاء: _الداهية هتاخدك فعلًا لو مسمعتيش الكلام. لازم تعرفي بنتك وبنتها قدام عينينا دايمًا وتحت أيدينا، فظبطي نفسك كدا أحسنلك. نعمة بذعر: _عايزين إيه المرة دي كمان؟ الحارس بقسوة: _تسمي فرح!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!