الفصل 29 | من 40 فصل

رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
22
كلمة
9,739
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

على ماذا البُكاء؟ على عمر ضاع هباء؟ أم على أخطاء لم يعُد ينفع معها الدواء؟ أم على قلوب أضناها الندم وأهلكتها كثرة الأدواء؟ يا قلب خسرنا أمام القدر وغُلِقت أمامنا أبواب السماء. فالظُلم ظُلُمات لا تنقشِع غيمتها أبدًا والمظلوم لا ينفك عن الدُعاء. فأي طريق للتوبة يُمكنني المُضي به؟ وهل يفلح مع من ارتكب مثل جُرمي الإغضاء؟ فوالله لم يكُن الذنب استهانة بالوعيد ولم يكُن أبدًا هُزاء.

إنما كانت غفلة اجتاحت قلب كان يرتعب من فُقدان الأحِباء. و الآن ذاق مُر الفقد وحصد ثمار طُغيانه، وهُدِرت دِماء عينيه في شئ يُشبه البُكاء. تنبهت «فرح» لذلك الحارس الذي كان يُشير بيده بطريقة خفية إلى أحدهم فأثار هذا الأمر ريبتها لتقترب من أحد الطاولات وتضع صينية الطعام برفق لألا تُحدث صوتًا وبخطوات سُلحفية تقدمت لتقترب من الدرج لرؤية ذلك الشخص الذي يُشير إلية ولكنها لم تجد أحدًا.

خربش الفضول عقلها وشعرت بأن هُناك أمرًا ما يُحاك خلف ظهورهم وقد عزمت الأمر على معرفته لذا وضعت نُصب عينيها مُراقبة ذلك الحارس جيدًا. توجهت مرة أخرى لتحمل الطعام وتتوجه إلى غرفة «جنة» التي كانت لتوها مُستيقظة لترى «فرح» التي دلفت إلى داخل الغرفة وهي تُناظرها بعتب لم يخلو من الشوق لتحتمل «جنة» على أوجاعها وتهب من مكانها لتحتضن شقيقتها التي افتقدتها كثيرًا وما أن رأتها «فرح» حتى صاحت بلهفة: _استني متتحركيش.

وضعت صينية الطعام وتقدمت لتتقابل الشقيقتان في منتصف الغرفة بعناق قوي دافيء مُحمل بشوق بالغ من جانب كلتاهما فتناثرت العبرات تعبيرًا عم ما يكتنفهما من مشاعر كون تلك المرة الأولى التي يفترقا فيها كل هذا الوقت وقد كان هذا أكثر من مؤلم على «فرح» التي قالت بعتب: _كدا بردو يا جنة؟ أهون عليكِ تعملي فيا كدا؟ رفعت «جنة» رأسها تُطالع شقيقتها بأسف تجلى في نبرتها حين قالت:

_حقك عليا يا فرح. أنا عارفه انك أكيد زعلانه مني بس والله ما قدرت أقولك. قلبي مطاوعنيش أنكد عليكِ. «فرح» باستنكار يخالطه العتب: _تتكدي عليا! على أساس أن أنا غريبة عنك يا جنة؟ «جنة» بلهفة: _لا طبعًا مش كدا. بس بصراحة مكنتش حابة تيجي المستشفى في ظرف زي دا. فال وحش يا فرح. «فرح» باندهاش: _فال وحش! من امتى بتفكري بالشكل دا؟ «جنة» بحزن:

_بعد كل اللي مرينا بيه دا لازم طريقة تفكيري تتغير يا فرح، ولازم أخاف على كل اللي بحبهم، وأحافظ عليهم من النسمة. انتوا نعمة من ربنا بتمنى يديمها في حياتي. احتوتها «فرح» بين ذراعيها وقلبها ينتفض ألمًا على طفلتها التي كبُرت قبل الأوان. صفعات الحياة أشبعتها حد النُضج لذا شددت من احتوائها وهي تقول بحنو: _ربما يفرح قلبك يا حبيبتي ولا يحرمك من حبايبك أبدًا. أنا بس كنت عايزة أكون جنبك.

رفعت رأسها تطالع تلك الأم التي كافأتها بها الحياة والتي لن تجد من الكلمات الرائعة ما يُعطيها حقها لذا قالت بحب: _أنتِ دايمًا جنبي يا فرح حتى لو بعيد. أنا من غيرك ولا حاجة. أنتِ أمي وأختي وصاحبتي وحبيبتي، وأنا كمان بحاف عليكِ زي ما بتخافي عليا وأكتر. أنا قولت أخلص عشان أنسى، وفعلاً عايزة أنسى، وأنتِ كمان انسي. أنا واثقة إن ربنا هيعوضني. أخذت «فرح» تتلمس ملامحها بحب تناثر من بين عينيها فتابعت «جنة» بنبرة قوية:

_ومن النهاردة هكون حد تاني. هكون زي ما بتتمني تشوفيني. هرجع تاني جنة اللي بتضحك وبتفرح وبتتنطط. مش هسمح للحزن يضيع مني حياتي، ولا هسمح للماضي أنه يدمر مستقبلي. رقص قلبها فرحًا من كلمات شقيقتها التي عزفت أنشودة سعيدة لطالما كانت أعظم أمنياتها في هذه الحياة لتقوم بجذبها داخل أحضانها وهي تقول بفرحة: _ياه يا جنة. أخيرًا فرحتي قلبي. أخيرًا فهمتي. شددت من احتواء شقيقتها وهي تُجيبها بلهفة:

_فهمت يا فرح، وبإذن الله هرجع جنة بتاعت زمان، وهترجع أيامنا الحلوة تاني. أنا واثقة إن ربنا هيقف جنبي. _أن شاء الله يا حبيبتي. يالا بقى عشان أأكلك، وأعملي حسابك من النهاردة أنا اللي ههتم بأكلك وصحتك. أنتِ لونك مخطوف وخاسة ومتغيرة، ودا مينفعش يا ست هانم. قهقهت «جنة» على كلمات «فرح» التي لطالما كانت تُمطرها بها وهي في فترة المُراهقة إلى أن وصلت إلى الجامعة فأجابتها بمُزاح:

_لا يا فرح يا حبيبتي أنتِ فهمتي غلط. أنا اللي هرجع جنة القديمة مش أنتِ. ابتسمت «فرح» على كلماتها ولكنها قالت بحزم: _مفيش الكلام دا. اتفضلي اقعدي. عشان هأكلك بأيدي. امتثلت «جنة» لأوامرها بمنتهى الحب فقد اشتاقت لتلك الأيام الجميلة حين كانت تمرض وتجلس شقيقتها بجانبها تطعمها وتُعطيها دوائها بكل حب إلى أن تسترد عافيتها وها هي تفعل ذلك الآن وسط ضحكاتهم التي اخترقها صوت باب الغرفة الذي أُغلِق بقوة وصوت غاضب جاء من خلفهم:

_أهلًا. خيانة عُظمى في أوضتي وعلى سريري كمان. التفت الفتاتين إثر كلمات «سليم» الغاضبة التي جعلت «فرح» تقول بتهكم وهي تُناظر «جنة»: _مين دا معلش؟ تعرفيه؟ قهقهت «جنة» على كلمات «فرح» وهي تقول بمُزاح: _ولا عمري شفته يا بنتي. صاح «سليم» بصدمة: _وحياة امك، ولا عمرك شوفتيه! سيبتك معاها خمس دقايق خليتك تتنكري مني! «فرح» بتشفي:

_ولو سبتني نص ساعة كمان هتيجي تلاقي هدومك في أوضة عم مجاهد تحت. كل عيش بقى وظبط أمورك معايا عشان رقبتك في أيدي. اقترب منهم ليجلس بجانب «جنة» يُبعثر خُصلات شعرها وهو يّمازحها قائلًا: _عاجبك كدا. خلتيها تبيع وتشتري فيا. ماشي لسه الليل طويل. كله هيخلص منك. «فرح» بتحذير: _طب ابقى قرب منها كدا وشوف هعمل فيك إيه؟ «سليم» بسخرية: _هقول إيه بس كله عشان منصور. رقت ملامح «فرح» وارتسم التوسل في نظراتها ونبرتها وهي تقول:

_طب بقولك إيه أنا ممكن أتبرى من جنة بس تخلعني من اسم منصور دا كل ما بسمعه بحس إني هولد من الغيظ. بيجيلي مغص والله. اندلعت قهقات قوية من فم كُلًا من «جنة» و«سليم» الذي قال بتشفي: _دا الاسم دا هو علاجك. عارفه أنا اللي هروح أكتبه بنفسي. تفاجئ من تلك التي زجرته في كتفه بعنف وهي تقول بتحذير: _حيلك. حيلك. أنت بتتكلم مع أختي على فكرة، وبعدين يرضيك أبقى خالة عيل اسمه منصور! «سليم» بتقريع: _اتلمي عشان دا اسم أبويا ماشي. «فرح»

بلهفة: _على دماغنا، وأنا معتزة جدًا بيه بعد اسم سالم في البطاقة بس يعني أبقى أم منصور دي. حرام يا سليم والحيوان اللي اسمه مروان دا مش مبطل يفكرني في الطلعة والنازلة لدرجة إني بقيت أدعي يارب تبقى بنت. حاول قمع ضحكاته قبل أن يقول بتشفي: _يؤسفني أقولك يا فرح إنها لو كانت بنت هيبقى الموضوع كارثي برضو عشان أكيد هنسميها على اسم الحاجة.

برقت عيني «فرح» من كلماته فلم تستطِع «جنة» قمع ضحكاتها التي اخترقت قلب كُلًا من «فرح» و«سليم» فقد اشتاق كُلًا منهما لسماعها تدوي من جديد وتطرب أذانهم لذا قال «سليم» بتخابُث: _طب بقولك إيه أوعدك أفكر في الموضوع دا وأشوفلك حل بس اخلعي أنتِ دلوقتي. فهمت «فرح» ما يُريد وأرسلت إليه ابتسامة ذات مغزى قبل أن تقول بتحذير:

_الأكل دا كله يخلص، ولو مخلصش انت المسئول قدامي. اختي جت خست، واتغيرت عندكوا ودا عيب في حقك على فكرة. أنا قولتلك أهو. برقت عيني «سليم» من حديثها وما أن غادرت حتى التفت إلى «جنة» قائلاً: _تصدقي بالله أنا بحس إن سالم وفرح دول توأم. نفس الصفات ونفس الطريقة ونفس التفكير. لايقين على بعض بدرجة مش طبيعية. ناظرته بأعين ألتمع بهم نظرات الإعجاب بوسامته التي ازدادت ما أن نمت خصلات شعره من جديد وذلك التجويف في خديه الذي تعشقه

لذا قالت بنبرة جذابة: _هما بس اللي لايقين على بعض؟ كلماتها دغدغت حواسه فاقترب يحتضن كتفيها يقربها منه واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة شغوفة: _أنتِ كتير عليا يا جنة. أنا بحاول أكون شخص يليق بيكِ. أن يتنازل شخص لأجلك ويُنحي جانبًا جميع صفاته الرائعة حتى يُعزز من مكانتك بجانبه لهو أجمل شعور يُمكن أن يُدركه المرء. كأن يقذف بداخلك جرعة كبيرة من الثقة والسكينة التي تحتاجها الروح لتحيا والقلب ليعشق.

ارتج قلبها لكلماته التي هام بها الفؤاد واستكانت بها الروح فاندفعت الحروف العاشقة من بين شفتيها: _بتقول إيه يا سليم؟ دانا اللي محظوظة بيك. أنت أحلى حاجة حصلتلي. أجابتها عينيه العاشقة بنظرة هيام شملتها كُليًا وكأنها شيء مُبهر تبتهج العين برؤيته، وكذلك فعلت لهجته حين قال: _أنتِ بقى كل الحلو اللي في حياتي. ضحكتك اللي ضحكتيها من شوية دي عاملة زي المطر روت قلبي اللي كان ميت من العطش.

أحيانًا يتفاقم الشعور بداخلنا فلا تُسعفه الثمان وعشرون حرفًا لوصفه لهذا خُلِق العِناق فهو حديث من القلب للقلب يحكي عن شعور لا تفيه الكلمات ولكن تستشعره الروح. اندفعت بين ذراعيه تشد من عناقه بكل ما أوتيت من حُب كان أضعافه بقلبه الذي اهتدى أخيرًا فوق مرساه الآمن بين طيات عشقها. _اخبريني ماذا لديكِ؟ هكذا تحدث «سالم» بفظاظة فأجابته «جوهرة» بنبرة جذابة وعينين تُريد اختراق أعماقه بقوة:

_فكرت بحديثك فيما يخص هارون، واتخذت قرارًا أردت إعلامك به. _ماهو هذا القرار. «جوهرة» بهدوء: _سأُساعدك ولكن بشرط! ابتسامة ساخرة لاحت على زاوية فمه قبل أن يقول بتهكم خشن: _سأتغاضى عن أمر هذا الشرط ولكني أُريد أن أعرف من أين أتيتي بأمر مساعدتي هذا؟ أردتك أن تُساعدي صديقك لا أن تُساعديني أنا. تشكل داخلها شعور عميق بأن هذا الرجل ذو دهاء كبير لذا استمهلت نفسها قبل أن تقول بنبرة رفيعة:

_سيد سالم لقد مر عليا هُنا قرابة الأسبوع وقد رأيت بعيني كيف أنكم عائلة مُترابطة، وكيف أنك رجلًا قد تبذل الغالي والنفيس لأجل تلك العائلة، وبالمناسبة يُعجبني ذلك كثيرًا، ولهذا أُخبرك أنني سأُساعدك لاستعادة هارون وضمه لعائلته. يعلم المغزى خلف كلماتها ولكنه واصل لعبته للنهاية إذ قال بخشونة: _أُكرر تُساعديه؟ فأنا لا يعنيني كثيرًا وجود ابن عدوي تحت سقفي، ولكني أيضًا لست رجلًا ظالمًا لذا سأُعطيه فرصة واحدة. «جوهرة»

باستنكار: _مهلًا ولكن على حسب علمي أن السيد ناجي له ابنتين وهما يعيشان معكم. «سالم» بجفاء: _أجل صحيح ولكن وضعهم يختلف، فنحن من ربيناهم وهم ينتمون إلينا وهذا سيدك لا علاقة له بهم، وهارون ليس مثلهم ولن يكون.

جعلتها إجابته تشعر بالحيرة فهي بارعة بقراءة لغة العيون وقد كانت عيناه جامدة لا تهتز تمامًا كنبرته إذن فهو يعني ما يقول وهذا من شأنه أن يُسهل من مهمتها كثيرًا ولكن على العكس فهذا الشعور لا يبعث الراحة على نفسها. لن تُطيل في الأمر أكثر لذا قالت بلهجة هادئة: _إذن هل لي بسؤال؟ _تفضلي. «جوهرة» بأعين مُترقبة ونبرة هادئة: _هل صحيح أن والدة هارون لم تتخلص منه وتُلقي به إلى ذلك الرجل ليربيه؟ «سالم» بتهكم:

_ذلك الرجل ليس أهلًا ليُربي قطة فكيف بإنسان؟ عمتي لم تقبل أن يقترب من واحدة من بناتها طوال هذه السنوات فلماذا ستفعل شيئًا مغايرًا مع هارون؟ خرجت الكلمات من فمها مُندفعة وهي تقول: _لا. لا أقصد السيد ناجي إنما ذلك الرجل البدوي الذي كان يُربي هارون. لقد وجده سيدي بعد أن أخبرته الخادمة بأنه له طفل على قيد الحياة.

ألقى الصياد الطُعم وابتلعته الفريسة بسذاجة ولكنه بقى ثابتًا لم يهتز على الرغم من ملاحظته لامتِقاع وجهها فقام بأخذها إلى مُنعطف آخر ليصرف انتباهها عن فداحة ما تفوهت به: _لا يُمكن أن تكون تلك التمثيلية حقيقة؟ تُريدون إخبارنا بأن هارون لم يُربى مع والده وبالتالي لن يُصبح مثله؟ مُحاولة جيدة جوهرة. نطق اسمها بطريقة كانت مُثيرة على أذنيها وخاصةً وأن كلماته طمأنتها بأنه لم يُلقي بالًا لذلتها لذا تجاهلت

حديثه وقالت بنبرة محرورة: _أووه. أعجبني اسمي من بين شفتيك كثيرًا، فأنتم العرب لكم لكنة رائعة في نُطق الحروف، ولكن تلك اللكنة زينتها نبرتك الخشنة فبدا اسمي رائعًا. تبسِط الطريق أمامه لكي يصل بها إلى نقطة الخطيئة فهو يعلم ذلك منذ اللحظة الأولى ولكنه رجل يُتقن التجاهل يُجيد التلاعُب بخصمه حتى يهلك عن طيب خاطر لذا قال بلهجة خشنة:

_نحن العرب مُميزون كوننا عرب، والآن هيا أخبريني قرارك هل ستُساعدي صديقك أم ستجعليه يخسر فرصته؟ أغضبها كثيرًا طريقته الماهرة في تجاهل ما ترمي إليه ولكن أعجبها تصرفه فهذا يزيد كثيرًا من مُتعة الأمر لذا رققت لهجتها حين قالت: _سأُساعد صديقي، وسأقف بجانبه، وسأبدأ من الآن ولهذا أردت رؤيتك هل يُمكنني أن أتحدث معه؟ أومأ «سالم» بصمت قبل أن يقوم بإمساك أحد هواتفه ليَستدعي أحدهم الذي ما أن قدم حتى أمره بفظاظة:

_خذها إلى ذلك الفتى، واحرص على أن تُعيدها سالمة. أومأ الحارس لينتظرها حتى تتقدم أمامه ولكنها لم تستطع الخروج قبل أن تلتفت إليه قائلة بنبرة جذابة: _أشكرك لحرصك على سلامتي. لم تتغير ملامحه ولم يُكلف نفسه عناء الرد فقط إيماءة بسيطة من رأسه نجحت في إثارة حنقها لتتقدم أمام الحارس الذي أخذها إلى حيث يُحتجز «هارون».

كان المكان عبارة عن مخزن كبير مليء بالخردوات والكثير من بقايا الخشب أرضيته مليئة بالقش موحش يبعث على الرهبة الذي ملأ قلبها وقد توقعت أن تجد «هارون» مُعلقًا بسقف الغرفة ولكن على العكس وجدته يستلقي فوق سرير خشبي يكاد يتحمل ثُقله واضعًا إحدى يديه فوق رأسه ويبدو أنه مُسترخي فصاحت مُستنكرة: _لا تُخبرني أنك تشعر بالراحة في هذا المكان؟

رفع يديه من فوق رأسه يُناظرها بصدمة خفيفة فاعتدل جالسًا دون أن يُعلق فقط عينيه كانت على الحارس الذي تركهم دون حديث فاندفعت «جوهرة» لتعانقه بقوة أجفلته لثوان فما أن كاد يدفعها حتى همست بجانب أذنه: _عانقني فنحن أصدقاء. لم يُعانقها فعليًا إنما حاوطتها يديه بتحفظ أغضبها ولكنها لم تُعلق بل تركته ما أن سمعت صوت قفل الباب فقد صح ظنها الحارس كان يُراقبها وقد تأكد من كونهم أصدقاء كما تحاول أن تُثبت للجميع ولابد سيُخبر سيده.

_كيف حالك في هذا المكان؟ هكذا تحدثت بعد ما اعتدلت في جلستها ليُجيبها «هارون» بكسل: _أشعر بالملل هُنا. «جوهرة» باستنكار: _هل تسخر مني؟ «هارون» بتهكم: _لا بل من عقلك الغبي. ماهذا السؤال؟ وما الإجابة التي تتوقعينها مني؟ طافت عينيها بلهفة في المكان فجاء صوته ليُعيد انتباهها إليه مرة أخرى: _لا يوجد كاميرات مُراقبة هُنا لا تقلقي. زفرت براحة قبل أن تقول بنبرة جادة:

_اسمعني جيدًا والدك في غيبوبة بسبب ذلك الغبي الذي ضربه بقوة في رأسه. انتفض بجانبها قائلًا بغضب: _ماذا تقولين؟ _إهدأ لأُخبرك ماذا حدث. لقد نجحت في التواصل مع ألبرت وهو من أخبرني بذلك، والأطباء يقولون أن حالته لا تُبشر بالخير. زفرت بحزن نجحت في تضمينه لهجتها حين قالت: _لقد نجحوا في مسعاهم، وقد لا ينهض مرة أخرى. هب واقفًا وهو يقول بانفعال: _كف عن تِلك التِرهات. سينهض مرة أخرى أنه رجل قوي.

_أضناه الألم «هارون». إضافة إلى أن الجسد هلك من فرط ما احتمل، والآن جاء دورك. يجب ألا تترك ما حدث يمر هكذا، فانت رأيت بعينيك أولئك الناس كيف يكرهونه، وكيف يتعاملون معك كونك ابنه؟! «هارون» بغضب ساخر: _أجل رأيت. لقد كادت الفتاة تقتلني دون حتى أن تعلم ماذا حدث؟ وأولئك الجرذان أرادوا الفتك بي لكي يُثبتوا رجولتهم أمام النساء، وهذا الرجل الكبير الذي يظن أنه يُعاقبني بتلك الطريقة. جميعهم أغبياء!

اندفعت «جوهرة» تقف خلفه وهي تُتابع بث سمومها قائلة: _ليسوا أغبياء بل يُعميهم الحقد، ويجعلهم يتصرفون كالهمج. لقد كان والدك مُحقًا أنهم يكرهونه ويكرهونك كونك ابنه. «هارون» بنبرة جافة وملامح مُكفهرة: _أجل، وسأحرص على إعطائهم أسباب أخرى لكرهي. التمعت عينيها بالإنتصار وتحدثت بتخابُث بجانب أذنه:

_أعلم بأنك رجل حقًا وستحرص على معاقبة أولئك المجرمين، وقد أرسلني ذلك الرجل إلى هنا حتى أحاول أن أُثنيك عن ذلك. يبدو أنهم بالفعل يخشونك. التفت يُناظرها باستفهام صامت فتابعت تقص عليه ما حدث لتختتم كلماتها حين قالت: _كانت تلك الطريقة الوحيدة لكي أقابلك وأخبرك ما يحدث، وقد اقنعته بأنني سأفعل ما بوسعي لذلك. التفت «هارون» إلى الجهة الأخرى وهو يقول بغموض: _وأنا سأساعدك لكي تُقنعيه أكثر.

ارتفع أحد حاجبيها بعدم فهم فهالها صوته الغاضب حين صاح يُعنفها: _اغربي عن وجهي جوهرة والآن. في البداية صدمها رد فعله ولكنها فهمت ما يُحاول أن يرمي إليه فتابعت تمثيليته قائلة بتوسل: _هارون اسمعني. الأمر ليس كما يبدو لك. هُناك الكثير مما لا تعرفه. قاطعها غاضبًا: _لا أُريد معرفة شيء، ولا أُريد رؤيتك مرة أخرى إن كنتِ ستُكررين ذلك الحديث مرة أخرى. «جوهرة» بتوسل زائف:

_لن أكرره حسنًا ولكن يجب أن تستمع إلى والدتك. إنها ترقد بين الحياة والموت قد تكون فرصتك الأخيرة. صمت لثوان قبل أن تُتابع بنبرة ذات مغزى: _سأتركك لتُفكر في الأمر. _اغربي عن وجهي. هيا اغربي. هكذا صاح «هارون» فاندفع الحراس ليجدوا «جوهرة» تُهرول إلى باب المستودع بملامح نجحت في رسم الذعر بين ثناياها ليقوموا بإخراجها وإعادتها إلى المنزل غافلين عن نظرات الخديعة التي لونت أعين علمت جيدًا على أي أرض تقف.

كان يحتضن المصحف بقوة وشفتيه تُردد آيات الذكر الحكيم وكأنه يستأنس بها في تلك الليلة الموحشة التي يقضيها وحيدًا في صحراء قاحلة قد تبتلعه رمالها في أي لحظة فكان جسده يرتجف رغمًا عنه إلى أن توقف عند تلك الآيات الكريمة: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)

وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)

شعر بأن تلك الآيات كالضماد التف حول قلبه المذعور أنها دعوة من رب العباد تُخبره بأن لا يقنط من رحمته نعم هو تحت رحمته وتحت حفظه وتحت سمائه. يستمع إليه إلى شكواه وخوفه وجزعه، وهو فقط من سيؤمن خوفه فأغلق الكتاب الكريم وخرج من خيمته وتوجه إلى الخارج يرتفع برأسه إلى السماء يدقق بها فوجد القمر يُنيرها والنجوم تُزينها فأخذ ينظر حوله فلم يجد تلك العتمة التي كان يظنها فقد كانت منبع تلك العتمة قلبه الذي صرخ بتضرُع:

_يارب. أنت وحدك اللي سامعني. يارب أنا كنت وحش أوي. كنت شيطان. يارب أنا عملت كل حاجة وحشة في الدنيا. بس طمعان في رحمتك. طمعان في كرمك. طمعان تسامحني. تساقطت عبراته بقوة وهو لا يزال يصرخ بتضرُع: _يارب. عشمان يارب. عشمان فيك يارب. أنا تعبت وانت شايف قلبي. شايف اللي فيه. حاسس بيا وبتوبتي. اخترقت شهقاته سكون الليل وهو يتابع بنبرة متوسلة:

_عايز أثبتلك وأثبت للكل إني تبت. عايز أجلك نضيف. يارب نفسي أجلك وأنا نضيف يارب. ساعدني وسامحني. سامحني يااارب. خر ساقطًا على ركبتيه وهو يرتجف من فرط البُكاء ولسانه يبتهل ويتوسل: _يارب سامحني. يارب خليهم يسامحوني.

أخذ يبكي حتى جفت مياه عينيه وهلك الجسد الذي لم يسد رمقه شيء منذ الصباح ليتوجه بأقدام واهنة إلى منبع مياه يستخدمونه دائمًا للوضوء والشرب ليتفاجأ بفراء أبيض يقف عنده فتوقفت أنفاسه لثوان قبل أن ترتسم ابتسامة هادئة على وجهه فلم ينساه خالقه وأرسل إليه رزقه بين دروب الصحراء القاحلة ليخفق قلبه بعنف وداخله يُردد عبارات الحمد قبل أن يتحين للإنقضاض على هذا الأرنب البري الذي كان نهمًا في الارتواء من منبع المياه فغافله هذا الحجر

الذي سقط فوق رأسه ليسقط في المياه وقبل أن تُتاح له الفرصة للهرب أحكم «حازم» الإمساك به كوليمة رائعة سيُنهي بها يومًا كان عصيبًا وبالفعل قام بذبحه وسلخه كما علمه «جرير» وقام بإضرام النيران ليقوم بشويه وعينيه تتابعان وجبته الرائعة بقلب راضٍ قرير وقد كان ذلك أعظم شعور قد خابره طوال حياته فدائمًا كان شخص صعب الإرضاء رغمًا عن جميع مُغريات الحياة حوله والتي كان الطعام يُعد من أتفه الأشياء التي كان يستمتع بها والآن تلك

الوجبة البسيطة تُشعره بتلك السعادة.

وهُنا نصل إلى حقيقة ثابتة أن جمال الأشياء لا يكمن بكمها أو مدى جودتها إنما بتلك النفس الراضية التي تُقدر عطايا خالقها، فالرضا من نِعم الله علينا وهو المُكمل الرئيسي لجمال الأشياء في حياتنا فما أن يرضى الإنسان حتى تكتمل نواقص الأشياء حوله ويتولد شعور السعادة بداخله.

أنهى وجبته الرائعة وقام بغسل يديه والوضوء ليتوجه إلى خيمته يُصلي وقلبه هادئًا ساكنًا يحمد الله على كل شيء وقد كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يُصلي بها ليحمد الله فقط وبعد أن انتهى من صلاته وختامها امسك ورقة «جرير» بين يديه وهو يقول بنبرة يملؤها التصميم: _هدافع عن حياتي وهخليها تستحق إني أعيشها، وإن شاء الله هخلي كل الجاي صح. صح وبس.

تقدمت لتفتح باب المنزل لتتفاجيء بوالدتها التي كان الحزن يكسو ملامحها وعلى غير عادتها لم تكن تضع مساحيق التجميل بل كان وجهها على طبيعته ولكنه كان شاحبًا مُرهقًا وكأنها كبرت عشر سنوات مما جعل حزنًا غريبًا يجتاحها ولكنها نفضته عنها وهي تقول بنبرة جافة: _أهلًا يا مدام منال في حاجة؟ أوجعتها كلمات ابنتها ولكنها نتاج زرعتها طوال تلك السنوات لذا تجاهلت حزنها وقالت بلهجة مُشجبة: _ينفع أدخل؟

تنحت «ساندي» جانبًا بعد دقائق من التفكير لتقرر أن تُدخلها لا تعلم لما ولكن كان هناك شيء يُحركها من الداخل وقد أطاعته ولكنها كانت تحاول أن تكون بعيدة قدر الإمكان حين قالت بجفاء: _تشربي إيه؟ «منال» بحزن: _أنا مش جايه أضياف يا ساندي. أنا جايه أطمن عليكِ. لم تفلح في قمع كلماتها الساخرة المشبعة بالمرارة حين قالت: _غريبة. دانا كنت جنبك في بيت واحد وماكنتيش بتيجي تطمني عليا. جاية دلوقتي المسافة دي كلها عشان تطمني عليا!

اخفضت «منال» رأسها بأسى تجلى في نبرتها وهي تقول: _يا بنتي هتصفي إمتى بقى وتبطلي تعاقبنا. أنا وأبوكي كبرنا عشرين سنة في الكام شهر اللي فاتوا دول. «ساندي» بقهر: _وأنا كبرت عمري كله جنبكوا من غير ما تاخدوا بالكوا مني. كنت بموت وأصحى وانتوا ولا انتوا هنا، وجاية تقوليلي هتصفي إمتى وصعبان عليكوا حالكوا في الكام شهر اللي فاتوا! دي فواتير سنين يا منال هانم وبتتسدد.

انفلت زمام عبراتها أمام كل هذا الأسى والحقد بقلب طفلتها التي كبرت على غفلة منها رباها الوجع وهذبها الأسى لتصبح على عرش المعاناة ملكة جميلة من الخارج مشوهة من الداخل وقد كان هذا أقسى ما مر عليها طوال حياتها لذا توجهت بأقدام خائبة إلى باب الشقة تنوي المغادرة بصمت فيبدو أن الطريق لا يزال موصدًا وأقفاله ضائعة لذا يكفيها أن تراها بخير فقط. _استني يا طنط منال. راحة فين؟

هكذا تحدث «عُدي» الذي كان يأخذ حمامه وخرج ليتفاجأ بوجود «منال» التي التفتت تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت: _ماشية. كنت جاية أطمن عليكوا وخلاص همشي. «عُدي» باستنكار وعينيه تتفرق بين «منال» التي تنكس رأسها بحزن وبين «ساندي» التي تحاول الظهور بمظهر اللامبالاة ولكن يتبلور الحزن بعينيها: _تمشي فين؟ حد قالك إننا ناس بخيلة ولا إيه؟ وبعدين دا أنتِ حماتك بتحبك دانا عامل مكرونة بشاميل النهاردة. لازم تدوقيها.

ارتفعت عيني «منال» تتابع «ساندي» التي ناظرت «عُدي» بغضب تجاهله الأخير وقال بمزاح: _متخافيش كل حاجة مستوية. يعني مش هيجيلك تلبك معوي. ممكن شوية إسهال خفيف كدا بس. ابتسمت «منال» قبل أن تقول بتلعثم: _مش عايزة. أضايقكوا يا ابني. «عُدي» باستنكار: _تضايقي مين بس؟ بقولك عامل مكرونة بشاميل، وجتلي ضحية من السما. تقوليلي أضايقكوا. يلا تعالي اقعدي وأنا وساندي هنجيب الأكل.

وصلت إلى المطبخ وداخلها تريد إحراقه حيًا لذا ما أن دلف خلفها حتى التفتت باندفاع وهي تقول من بين أسنانها: _أنت قاصد إيه من اللي بتعمله دا؟ اندفاعها جعلها قريبة منه حد الخطر الذي لون حدقتيه فقد انتشى قلبه بقربها هكذا وخاصةً حين دغدغت أنفه رائحتها العطرة التي اشتاقها كثيرًا فجاء صوته مُتحشرجًا حين قال: _أنا مكنتش قاصد. بس دلوقتي أنا هبقى قاصد واحتمال مُتحرش كمان.

كلماته جعلتها تتنبه إلى موقعها القريب جدًا منه لتتراجع بلهفة ولكن هيهات فقد كانت يديه خلف ظهرها بالمرصاد لتُعيدها مرة أخرى إلى مكانها فقالت بتلعثم: _أوعى إيدك دي. «عُدي» بعناد: _مش هوعى. _شيل إيدك أحسن لك، وسيبني امشي. هكذا تحدثت من بين أسنانها فقد بلغ التوتر مبلغه منها وتقاذفت دقات قلبها بجنون لم تستطع تحمله وقد شعر هو. فلم يمنع نفسه من مبادلتها الجنون على طريقته حين قال بنبرة شغوفة: _هتعملي إيه لو مشيلتش إيدي؟

ضاعت أمام نظراته ونبرته ولم تعلم بماذا تجيبه وهي غارقة بتلك الطريقة في بحر عينيه الأسود الذي يُغريها بالغوص به حتى الغرق الذي بدا يلوح أمامها وهو يقترب كالمغيب منها وهي عاجزة بل مستسلمة كُليًا لمشاعر دافئة قوية تكتنفها لتحول بعدها إلى أخرى عاصفة وهي خاضعة بين ذراعيه وهو يرتشف من نبيذ ريقها الذي كان كينبوع مياه عذب وسط صحراء قاحلة فأخذ ينهل منه على استحياء كي لا يُخيفها وقد كان هذا يتطلب منه إرادة من حديد حتى لا يلتهمها بضراوة فقد كان يشتاقها حد الجحيم ولكنه بشق الأنفس استطاع أن يتراجع بعد أن شعر بحاجتها للهواء ليبتعد بعض إنشات عنها فلم يكن بُعدًا بالمعنى الحقيقي فلا يزالوا يتبادلوا الأنفاس الملتهبة

التي تشبه لهجته حين قال: _أنا لو مت دلوقتي هموت وأنا مش عايز حاجة من الدنيا تاني. حديثه عن الموت خفف من هول الكارثة التي حدثت قليلاً لتقول بلهفة: _إيه اللي أنت بتقوله دا؟ موت إيه وزفت إيه؟ أنت بتستهبل! «عُدي» بصوتًا أجش من فرط ما يحمله من مشاعر جياشة: _بستهبل! دانا قلبي هيقف من فرحته. تعاظمت دقات قلبها حتى آلمتها واحترقت أنفاسها بفعل كلماته وما أضرمته من نيران هوجاء بداخلها وخاصةً حين تابع بنبرة موقدة:

_أنتِ كنتِ بين إيديا دلوقتي. من غير خوف. وضع يديه فوق موضع قلبها النابض بجنون وهو يتابع: _قلبك اطمن في حضني. بيدق أوي بس مش من الخوف. أنا مش نفس الوحش اللي كنتِ شيفاه قبل كدا صح؟ كان استفهامًا يحوي توسل قاتل بألا تُطفيء شعاع الأمل بداخله لم تستطع إلا أن تلبي ندائه قائلة بصدق: _صح.

كانت كلمة بسيطة مردودها قوي للحد الذي جعل عينيها تبرقان حين شاهدت تلك العبرات التي غافلته لتجري فوق خديه تخبرانها أي شعور عارم بالسعادة جعلته يختبره فقام بجذب رأسها يلصق جبهتها بخاصته وهو يقول بنبرة محرورة: _ياااااه. دانا كنت بقول إني هموت قبل ما أسمع الاعتراف دا منك. همست بحرقة: _بعد الشر عنك. رفع رأسه قائلًا بنبرة موقدة بلهيب الصبوة: _بحبك. بحبك لدرجة إني عايز أشيلك وألف بيكِ وأصرخ وأقول للناس كلها خلاص نولت الرضا.

اخفضت رأسها خجلًا فقام بتزيين جبينها بقبلة دافئة وهو يتابع بنبرة يشوبها المزاح: _أمك سرها باتع. هطلع أبوسها دلوقتي. عند ذكرها رفعت رأسها وقد عاد غضبها يطفو على السطح: _ممكن أعرف إيه اللي عملته من شويه دا؟ إزاي تعزمها عالغدا وانت عارف إني هتضايق؟ «عُدي» بتعقل: _عشان عارف إنك هتتضايقي أكتر بعد ما تمشيها بالطريقة دي. اندهشت كونه يرى داخلها بتلك الطريقة ولكنها حاولت المناص منه قائلة بغضب: _أبدًا ماكنتش هتضايق ولا حاجة…

قاطعها بوضع إصبعه فوق شفاهها وهو يقول بهدوء: _ساندي. مش محتاجة تكذبي عليا عشان أنا أكتر واحد في الدنيا فاهمك. جه الوقت اللي تحاولي فيه تتصالحي مع الماضي، ودا عشانك. حتى لو مش هتسامحي ادي لنفسك فرصة تهدى وترتاح. توقفت أمام كلماته بعجز فتابع بتعقل:

_خدي هدنة. اللي في قلبك بيوجعك يبقى بلاش تزوديه. حاولي تتعاملي بهدوء مع المواقف بلاش تاخديها على أعصابك. اتعاملي معاها عادي. انسي حتى إنها أمك. اتعاملي معاها كأنها أم واحدة صاحبتك. جارتك. شوفي الدنيا هتبقى فيها إيه، وأنا معاكِ في أي حاجة. راق لها اقتراحه فهناك شيء في أعماق القلب يناديها لتهدأ هذا أكثر ما تحتاجه الهدوء والسكينة لذا أومأت بصمت فابتسم بحب وقال بمزاح:

_وبعدين لازم تكوني ممتنة ليها إنها هتشاركك في الجريمة بتاعتي يعني مش هتشيلي الليلة لوحدك. ابتسمت على مزاحه ولم تُعلق وشرع الثنائي في تحضير الطعام وما هي إلا دقائق حتى كان الثلاثة حول المائدة يتناولون الطعام بصمت لم يخلو من نظرات الشوق من «منال» لابنتها والامتنان منها ل«عُدي» الذي أخذ يتحدث في أمور عديدة حتى انتهى الغداء وقد شعرت «منال» بأنه لا تريد أن تطيل الأمر أكثر حتى لا يأتي بنتائج عكسية لذا قالت بامتنان:

_شكرًا يا ولاد عالغدا الجميل دا. بقالي كتير مأكلتش كدا. «عُدي» بمزاح: _الهي يعمر بيتك يا شيخة. فتحتي نفسي. انفع شيف. «منال» بابتسامة هادئة: _تنفع أحسن شيف. تسلم إيدك الأكل جميل. _تسلمي يا طنط. حضرتك نورتينا النهاردة. ياريت كل فترة نتغدى سوا كلنا. اغتاظت من اقتراحه ولكنها لم تُعلِق بل اكتفت بابتسامة صامتة لتقول «منال» بحبور: _ياريت والله، وبالمرة أجيب رؤوف هو كمان دا هيتجنن عليكِ يا ساندي. أومأت «ساندي»

بهدوء قبل أن تقول بجمود: _آه إن شاء الله. شعرت «منال» بأنه آن أوان الرحيل لذا قالت بامتنان: _شكرًا مرة تانية. أنا همشي بقى عشان متأخرش على رؤوف. «عدي» باحترام: _العفو يا طنط على إيه؟ زي ما قولتلك حضرتك نورتينا. أومأت بابتسامة ورفعت رأسها ل«ساندي» قائلة بنبرة يشوبها الرجاء: _أنا همشي. مش عايزة أي حاجة؟ صمتت لثوان وهي تناظرها بعينين خلت من الغضب لأول مرة ونبرة كانت صافية: _شكرًا.

كان الأمر رائعًا كونها لم تنهرها لذا اكتفت بهذا القدر وغادرت كالفراشة تهرول إلى زوجها الذي وجدته في غرفة مكتبه يجلس بوهن فوق مقعده ومن شدة فرحتها لم تلاحظ حالته فقالت بسعادة بالغة: _رؤوف. مش هتصدق حصل إيه النهاردة؟ أنا كنت مع ساندي واتغديت معاها واتكلمنا عادي واتقبلت كمان إني أروح لها تاني. لم تظهر السعادة على ملامحه التي لاح عليها التعب مما جعلها تهرول إليه قائلة بلهفة: _مالك يا رؤوف فيك إيه؟

لم يتمالك نفسه وهو يضع يديه على قلبه بألم تجلى في نبرته حين قال: _تعبان. تعبان أوي يا منال. أنهى جملته ليسقط من فوق كرسيه فاقدًا للوعي وسط صرخاتها المرعبة: _رؤؤؤووف! قال يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين. أوبا أوعى الصاروخ المصري. هكذا تحدث «مروان» ما أن رأى «فرح» تُطل عليهم بتلك الهيئة الرائعة التي أعجبت جميع الموجودين فتحدثت «أمينة» بإعجاب: _اللهم صل على النبي. إيه الجمال دا يا فرح؟ ربنا يحميكِ يا حبيبتي.

تدخل «مروان» ساخرًا: _أنتِ يا ست أنتِ حالفة لا تعرينا وسط الحموات؟ إيه الكلام دا؟ بدل ما تقولي لها ادخلي سيقي المطبخ. «أمينة» باستنكار: _هي مين دي اللي تسيق المطبخ يا واد أنت؟ مرات سيادة النائب سالم الوزان على سن ورمح تسيق مطابخ! «مروان» بصياح: _يا ستي نفسي أشوفلك أي موقف حمواتي قبل ما أموت. لا. دا أنتِ لازملك كورسات كيف تُصبحين حما تنغص عيشة زوجة ابنها؟ إنما كدا محدش هيعرف يكلمها بعد كدا.

تحدثت «فرح» بعد ما ذهبت إلى مقعدها بجانب «سالم» الذي كان الإعجاب يطل من عينيه لتقول «فرح» بثقة: _والله يا مروان اللي عايز كورسات فعلاً هو أنت. في كيف تتعامل مع الهزيمة؟ يعني تتقبل كدا إنك رقم عشرة مثلًا. «مروان» بتفكير: _رقم عشرة! ليه؟ آه على أساس إنك بالكرش دا تسعة في بعض يعني؟ تدخلت «ريتال» بصدمة: _إيه دا يا انطي «فرح» هو يقصد إنك تخينة أوي يعني قد تسعة؟ «مروان» بسخرية: _بتفهم البت دي طالعة لعمها.

لم تكن «فرح» أن تركت المعركة في منتصفها لذا قالت بنبرة ذات مغزى وهي ترى تلك الفتاة تدلف إلى داخل الغرفة: _I am a woman who is valued by ten women, not just nine (أنا امرأة تُقدر بعشر نساء وليس فقط تسعة) هنا صاح مروان مُهللًا: _اللهم صلِ عالنبي أم منصور بتتكلم لغات. ثم رفع نظراته قائلًا لـ «سالم» الذي كانت جميع خلاياه مع تلك المرأة الرائعة التي زعزعت كيانه وجعلت من قلبه عرشًا لها:

_الثقة دي مش مريحاني. حاسس إنها هتطردنا من البيت قريب. احتمال أقوم ألاقي نفسي نايم في حضن عم مجاهد. تعالت الضحكات على كلماته فأجابه «سالم» بنبرة رخيمة وعينيه تطالعها بإعجاب: _حقها. ست الحسن والجمال لو مكنتش تبقى واثقة في نفسها مين يبقى واثق! يا إلهي شعرت في تلك اللحظة بأن قلبها تضخم من فرط عشق ذلك الرجل فكم كانت تتمنى لو تُترجم جملته لتصل لعقل تلك الحية ولكن يكفيها نظراته التي توحي بمدى العشق الذي يحمله لها في قلبه.

_هل لي أن أعلم عن ماذا تتحدثون؟ هكذا تحدثت «جوهرة» فتدخل «مروان» قائلًا عن قصد: _إنه يقول بأنها سيدة الحسن والجمال لما لا تثق في نفسها؟ يغازل زوجته يا جوهرة. يا حلوة أنتِ يا مسكرة. قال جملته الأخيرة باللغة المصرية ولكنها لم تلق بالًا لها فقد أعماها الغضب من كلمات ذلك العاشق الذي تريد أن تنتزع نظراته العاشقة تلك لهذه المرأة التي أصبحت غريمتها منذ هذه اللحظة وسوف تُنحيها من طريقها بشتى الطرق ولو تطلب الأمر أقذرها.

_سيد سالم عُذرًا هل لي بحديث قصير معك قبل العشاء؟ «سالم» بفظاظة: _أقترح أن نجعل الحديث ينتظر فموعد العشاء قد حان. كانت جملته كالوقود على نيران غضبها وبدأت بالتأكد من أن أمر «هارون» لا يعني هذا الرجل مثلما يدعي أو أنه بارع في التلاعب لذا اكتفت بابتسامة هادئة لم تُمحى طوال فترة العشاء على الرغم من مُزاح «مروان» الذي اقترب على إذن «فرح» قائلًا بخفوت:

_أي خدمة ترجمتلك الجملة اللي كنتِ هتسمعيها للبت الصفرا. عدي الجمايل بقى. تعمدت «فرح» تصنُع عدم الفهم حين قالت: _جملة إيه وبت صفرا مين؟ «مروان» بسخط: _بقولك إيه متعيشيش الدور. أنا فاقسك عشان الكبير دا يخصني أنا كمان. يعني إحنا في الهوى سوى، وبالبت الصفرا دا النيك نيم لجوهرة قلبي. اندهشت «فرح» من حديثه قائلة بخفوت: _واد أنت حيرتني! أنت بتحبها ولا بتكرهها؟ «مروان» باندفاع: _أكره مين حد يكره النعمة؟

دا اللي يكرهها يعمى. أنا بس شايفها بتحوم حوالين الكبير ودا راجل منضبط. إنما أنا راجل صايع، وبحب الهلس قد عيني. «فرح» بتحذير: _مروان اتلم. سما لو حطت الموضوع في دماغها مش هيحصل كويس. «مروان» بسخرية: _ياريت نفسي تحطه في دماغها بدل فردة الجزمة دي. اسكتي ياختي اسكتي. دي على بال ما تخرج من بؤسها وتاخد بالها إني بخونها احتمال تكون جوهرة حامل.

لم تفلح «فرح» في قمع ضحكاتها مما أثار غضبه فهي منذ بداية العشاء تتحدث بخفوت لذلك الوغد قاطع لحظاتهم الجميلة ليقول بجفاء: _أنا بقول لو مش جعان تقول عشان نعرف ناكل. «مروان» بمزاح: _وهتقدر تاكل برضو من غير ما تشوف وشي السمح يا كبير! قهقه الجميع ولكن ضحكة واحدة اخترقت قلبه كانت لتلك الجميلة التي منذ بداية الليلة وكأنها أقسمت أن تستأثر جميع حواسه وتترك قلبه يغلي في مراجل الشوق لحين ينفرد بها في عش الغرام خاصتهم.

_اضحكي حلو يافرح هانم هخليكِ تضحكِ أنا لما نطلع فوق. هكذا تحدث بخفوت بجانب أذنها بعد أن استغل انشغال الجميع في الطعام لتقترب منه قائلة بدلال: _اضحك براحتي مش أنا ست الحسن والجمال ولا إيه؟ طافت عينيه فوق ملامحها بعشق جارف تجلى في نبرته الخشنة حين قال: _تعرفي إن اللقب دا لايق عليكِ أوي. أنتِ فعلًا ست الحسن والجمال.

شعرت بلسعة العبرات في عينيها فقد كانت كلماته رائعة ذو وقع ساحق على قلبها وروحها وغرورها فكل شيء برفقة هذا الرجل رائع حد الأحلام، فهي حتى في أحلامها لم تتوقع أن تجد رجلًا مثله تجتمع له جميع الصفات الرائعة التي تشعر المرأة بأنها ملكة على عرش النساء. _سيد سالم لقد أنهيت طعامي سأنتظرك في الخارج.

اخترق صوتها البارد تلك اللحظة الرائعة بينهم وقد أغضب «فرح» ذلك كثيرًا فهي تعلم أنها تعمدت ذلك وقد اشتعلت غابات الزيتون خاصتها للحظة قبل أن تلتفت تناظرها باستخفاف شملها كُليًا، وكأنها تخبرها بأنها ضئيلة أمامها وأمام سطوتها عليه، وقد نجحت في تحريك زُرقتها الباردة لتموج بنظرة غاضبة كانت مُرضية ل«فرح» كثيرًا. _أنا أيضًا أنهيت طعامي. هيا بنا.

توجها معًا إلى غرفة المكتب لتقص عليه «جوهرة» ما حدث بينها وبين «هارون» وتختتم كلماتها قائلة بأسى مُفتعل: _أخشى أن عليك إعطائه فرصة أخرى، فأنت رجل عادل كما قلت من قبل لذا لن تكن قاسيًا معه. أومأ «سالم» برأسه قبل أن يقول بخشونة: _لن أكون قاسيًا إن عاقبته على ما اقترفه. أما بخصوص تلك الفرصة فلن تطول ما أن تستيقظ عمتي وتخبرنا بما حدث حتى أقرر ماذا سأفعل به؟ «جوهرة» بنبرة جذابة:

_يُعجبني كثيرًا ذلك الغموض الذي يحيط بك، ولا تقل لي أنه يميز جميع العرب؟ «سالم» بفظاظة: _لا لن أقول ذلك. بل سأتمنى لكِ ليلة سعيدة. شعرت وكأن دلوًا من الماء قد سقط فوق رأسها حين قال جملته فبللت حلقها الذي جف من فرط الإحراج الذي جعلها تتحمحم قبل أن تومأ برأسها تستعد للمغادرة. أوقفتها كلماته الجافة حين قال: _وأتمنى أيضًا أن تُفكري في طريقة لأنقاذ صديقك قبل أن يفوت الأوان.

أومأت بصمت بينما كل خلية في جسدها ترتجف حنقًا من هول الموقف. كان يتمشى في غرفته يشعر بأن هُناك الكثير مما يُحاك خلف ظهورهم ومن الضروري كشفه قبل أن يقع أحدهم في فخ ما يحدث ولكنه في الحقيقة أيضًا كان يُجاهد لمنع شعور عارم بالرغبة في رؤية ذلك الفتى الذي من المفترض أنه ابن شقيقه!

كلمة شقيقه حين مرت على مسامعه جعلت ابتسامة ساخرة ترتسم على محياه فأي شقيق الذي يضع المواد المخدرة لشقيقه في حقيبة الملابس الخاصة به وهو ذاهب إلى كلية الشرطة؟

لولا أن ربه عادل لم يرض بضياع حلمه فقد وقعت الحقيبة منه في الطريق وتناثرت محتوياتها التي تجمدت الدماء في أوردته حين رأى ما بها ليلهمه الله التصرف بسرعة وقام بلملمة تلك القاذورات وإلقائها بعيدًا قدر ما سمحت قوته وأخذ يتفقد الحقيبة حتى تأكد من أنها خالية تمامًا من كل شيء ليعلم بعدها صدفةً بأنه هو من وضع ذلك السم بها ليتخلص منه. سؤال طرأ على باله لم يستطع الفرار منه تُرى هل ذلك الفتى يشبه «ناجي»؟

تلك الصورة التي رآها على هاتف «سليم» جعلت قلبه يدق بقوة فقد كان يشبه والده رفعت الوزان. ملامحه تشبهه إلى حد كبير ولكن بها شبه أيضًا من والدته، ولكن ما يؤرق لياليه كيف هي طباعه؟ يخشى أن يكون يحمل طباع الشيطان تجري بين أوردته؟ ولكن هناك شعور قوي بداخله بأن هذا ليس صحيحًا لذا عزم على التحدث مع «سالم» في الأمر. امسك هاتفه وتوجه إلى الحديقة ليتحدث في الهواء الطلق فأجاب «سالم» بعد لحظات: _أيوا يا صفوت. _صاحي؟ «سالم»

بخشونة: _أيوا. في حاجة ولا إيه؟ «صفوت» بحيرة: _مش عارف يا سالم. مش مرتاح. موضوع هارون دا مش مريحني. «سالم» باستفهام: _إيه بالظبط اللي مش مريحك؟ _عايز أعرف رأيك فيه إيه؟ يعني حاسس إنه زي أبوه ولا؟ «سالم» بجفاء: _مفيش ولا يا صفوت؟ مش هنحط احتمالات. بالنسبالي هو ابن ناجي. ناجي اللي ضيع أخويا من بين إيدينا وبسببه اتجبرت أنفيه بعيد عننا العمر كله. «صفوت» بصدمة: _تقصد إيه يا سالم؟ أنت ناوي تاخد هارون بذنب أبوه؟ «سالم»

بقسوة: _هارون هيشيل شيلة أبوه، وزي ما هو وجعنا في أغلى حاجة عندنا أنا هوجعه في أعز حاجة عنده، وهارون هو أعز حاجة عنده. «صفوت» بغضب: _بس دا ظلم يا سالم. هارون ممكن ميكونش زي أبوه. حرام تنتقم منه وتدفعه تمن ذنوب معملهاش. «سالم» بجفاء: _نصيبه، ونهايته هتكون على إيد أبوه متقلقش. صاح «صفوت» غاضبًا: _أنت كدا ظالم يا سالم. أنا عمري ما سمعتك بتتكلم بالحقد دا. أنت فعلاً ناوي تأذيه؟ «سالم» باختصار: _ناوي. «صفوت» بحنق:

_اقفل يا سالم. اندفع «صفوت» إلى الداخل كالإعصار يرغي ويزبد غافلًا عن تلك التي سمعت كل شيء وهرولت إلى أحد الغرف تمسك بهاتفها تجري مكالمة هاتفية وما أن أجاب الطرف الآخر حتى هتفت بنحيب: _الحج. ابنك اللي ربيته وجولت عوضك من الدنيا هيموتوه ولاد الوزان، وهييشلوه ذنب أبوه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...