وصل معاذ وسوزي لبيت زيدان، كانت الدنيا بتمطر. نزل ومعاه شمسية، فتحلها الباب وهو رافع الشمسية ناحيتها. نزلت ومشيوا سوا وهو مقرب الشمسية ناحيتها أكتر. بيقولوا الحب بيجي مع المطر. شوف الشخص لو ماشي مع حد وسط المطر وماسك الشمسية، إيده موجهة الشمسية لمين؟ ناحيته ولا ناحية اللي جنبه؟
حبيبه.. أخوه.. قريبه. حتى وسط المطر.. هتشوف الحب من بعيد. الصورة واضحة، نقط مية خفيفة نازلة على كتف معاذ، وإيده مايلة ناحية سوزي بالشمسية، مغطيها بالكامل. وقف قدام الباب ورن الجرس. ثواني والخدامة فتحت. اللي رحبت بيه فورًا وجاوبته قبل ما يسأل: "رحيم بيه مستني حضرتك في أوضته." قالها وهو بيدخل، بيقلع معطفه ويعلقه وكأنه من أهل البيت. ويقرب من سوزي يقف وراها ويساعدها تخلعه: "عرفيه إن معايا ضيفة."
هزت الخدامة راسها وسبقته. متعودة إنه يتصرف لوحده كأنه البيت بيتهم. مشوا مع بعض بخطوات بسيطة. بتبص حواليها بتفحص. أول مرة تزور بيت زيدان الشخصي. عكس كل بيوت عالمها كان فيه حنية.. ودفء! مش موجود في بيتها. طلعت السلالم، لمحت براويز كتير ضامة شجرة العيلة من سنين. أستوقفتها صورة وقفت قدامها تبصلها. وقف معاذ جنبها، ساند على الدرابزين بدرعاته، واخد راحته وساند ضهره كمان. شعره مبلل شوية من المطر. سألت بصوت متأثر:
"دول أهل رحيم صح؟ هز راسه بـ "آه". فيها صورة لراجل وست في مقتبل العمر، وزيدان وأيوب إليازي وزوجاتهم. "أكيد عارفة إن مامته من عيلة إليازي." هزت راسها بـ "آه" قبل ما تقول بتعجب: "هو كان عنده أخت؟ "تؤامه." كمل بحزن: "بس ماتت مع أهله. هو بس اللي نجا.. لكنه عاش ميت من بعدهم." ضمت شفايفها بحزن. للحظة خافت تكون الإشاعة حقيقة! أبوها سبب موتهم!
شافت في اللحظة دي نظرة أول مرة تشوفها في عيون معاذ ليها. نظرة بغض كأنه دلوقتي بس شاف وصلة قرابتها بأبوها! لكنها أتمسحت بسرعة وهو بيشاورلها تكمل. لحد ما وصلوا لجناح رحيم. دخل علطول وهو بيهلل. إتبدلت شخصيته في لحظة كالعادة. كان رحيم على كرسي متحرك. قرب يحضنه بشوق، قبل ما يبعد ويسيب مجال إن سوزي تبان. همس رحيم بصوت مسموع: "هـي؟ هز معاذ راسه، فقال: "حلوة زي ما قولت." ضحكت لما افتكرت نفس الحوار من سنين. قربت تسلم
عليه ومدت إيدها ليه و: "سوزي.." علق معاذ بمرح، ممزوج بنوع من التملك: "خطيبتي." رد رحيم بنفس لهجته: "عارف." قبل ما يكمل: "إتاخرت فكرتك مش جاي." دخلت سوزي بإحراج: "أنا أسفة. أنا اللي أخرته. كنت بتكلم معاه في موضوع مهم ومعرفنيش إنه هيزورك." قالها رحيم بمرح: "متوقع، مش هيتأخر عليا إلا لو كان أنتِ السبب." وأحمرت هي بخجل. كل حاجة بتحصل حواليها بتؤدي لتفسير لا يمكن تصدقه! وبص معاذ لبعيد بإحراج.
قضوا ساعات لطيفة، لقيت نفسها أندمجت مع حكاويهم وفعالياتهم. أستغربت مدى متين علاقتهم. سنين ومعاذ بيقتطع من وقته علشان يجي لرحيم، عادة متغيرتش. رحيم اللي فاقد الشغف بكل شئ حواليه، مستسلم لقدره ومش راضي يغيره، مش راضي يطلع من أربع حيطان. دخل معاه معاذ قوقعة.
قضت وقت لذيذ. في طريق عودتهم سرحت في أفكارها، وكعادة أكتسبتها مؤخرًا جدًا ولسة مكتشفتهاش. إيديها بتلعب في دبلتها. لمح هو ده وأبتسم. على الأقل متقبلة الحلقة الألماسية اللي محاوطة صباعها. *****
مر أسبوعين دون أحداث تُذكر، إلا من تهديد بسيط وصل لشاكر. مفكرش يعرف بيه حد. بعند ملهوش نظير فكر إنه هيقدر يتعامل معاه لوحده. تهديد من حلف سوزانكس اللي فكر بجهل منه إنهم مش هيتدخلوا في عداوته مع رئيسهم، لكنهم أعتبروه هجوم ضد الحلف كله، ودخلوا في عداوة معاه كمان. حاجة متوقعهاش!
ولإن في العالم ده، القلم لازم يكون معلم، لازم يختاروا أقوى نقطة ضعف للخصم، اللي بتخسف بيه الأرض. حاجة ومجربها، وعملها كتير. ونقطة ضعف شاكر معروفة! وبينة للأعمى. أما في المدرسة، سكون ما بعده سكون. عزيز في حالة صمت بعد أخر كلام قاله، اللي هو نفسه مش فاهمه. رينا بتعطيه نظرات بين حين وآخر، مستغربة صمته، فين دوشته! ليه السكون والهدوء!
بمرح متعمد، وقرب مقصود، وقفت تهزر مع شادي قدام سكتته، يمكن يثور وتخرجه عن شعوره زي ما بتحاول. رفع راسه يبصلها لما وصلتله صوت ضحكتها العالية. رمقها لثواني بنظرة طويلة قبل ما ينزل راسه تاني دون رد. ووقتها عرفت إن في حاجة غلط. لكنه عرف إنه وقع في الغلط. كل الأيام اللي فاتت فسر مشاعره. مكنش بيضايقها علشانها عداوة، مكنش بيستمتع بعصبيتها لإنه بيطلع غله، مكنش بيدور عليها علشان يرازيها لإنه مشتاق، وبيحب.. حد مينفعش يحبه!
بنت عدوه! هو واقع في الخطيئة ولازم يفوق قبل ما الوضع يسوء. هو مش عارف إيه سر العداوة، بس كبر على إن في عداوة، تمنع أن يكون في فرصة بينه وبينها. رينا.. حب لا يمكن يتكتب عليه إنه يكمل. ***** مَن قد يستحق سوزي؟ رجل يبكي عليها حين تتألم، أم رجل يبكي العالم حين تتألم؟ رجل يضحي بها لأجل العالم، أم رجل يضحي بالعالم لأجل سوزي؟ رجل يمحي دموعها.. أم يمحي مَن أسقط دموعها؟ رجل يمسح الدم عن جرحها.. أم يفسك الدماء لأجلها؟
رجل يحبها حب عادي، مع مشاعر قوية لا يمكن إنكارها.. أم رجل يحبها حب غير عادي مع مشاعر متخبطة يصعب فهمها! مَن يستحق سوزي؟ مَن هي سوزي؟
وقفت في بلكونتها تبص للسما بشرود، وهي مبتسمة. ذكرياتها مع أيوب بتتعاد في دماغها. مسكت فونها السري تفتحه تتفرج على لحظاتهم بحنين. مشتاقة رغم الجفاء الحالي. حبت سوزي معاه، يمكن مكانتش على طبيعتها الكلية. بتضحك كتير، بتهزر وتجري وتلعب. خرجت عن المألوف. لكنها كانت بتحب الجزء ده منها. حد معندوش هموم. حتى لو ميشبههاش كليًا.
هي نفسها متعرفش هي مين. لكنها عارفة حاجة وحدة بس. هي مش الأسود الكامل، مش كله دم وقتل وإجرام. ولا أبيض كامل، ورد وألوان وأفراح. هي حاجة مش عارفة تفهمها. رجعت فونها مكانه في درجها، فلمحت ألبوم جاي عليه الزمن. مسكته وهي مستغربة، كأنها أول مرة تلمحه! فتحته كان مليان ذكريات للمعسكر!
اللي طاهر وحليم وثقوا فيه كل لحظاتهم من غير ما تحس. صور كتير ليهم. فرت فيه كتير لحد ما وقفتها صورة ليها مع معاذ، وهما بيشووا. افتكرت الذكرى. لإنها محفورة جواها. لما كانت بتجهز السلطات والشباب بيشوي، وحد من الشباب اللي موجودين ومعاذ زعق فيهم. خبط فيها فحم سخن بقصد وهو عامل مش واخد باله. اللسعة كانت بشعة، لسه معلمة في معصمها لدلوقتي.
لمح معاذ اللسعة، مقربش منها يداويها، متكلمش. لكن.. مسك كف الولد وحطها في الشواية ببرود. لمدة دقيقة كاملة وسط صراخه المجنون وصدمته. لحد ما بص لها يسألها: "كفاية؟ وهي هزت راسها بـ "آه" وهي مفجوعة. لسعة وعملت فيها كدا. الولد مية في المية كفه أتدمر، لكن معاذ متأثرش. ساب إيده ببرود ورجع يكمل اللي بيعمله.
عملت مقارنة سريعة بين رد فعله ورد فعل أيوب لما أتعورت في أسبانيا وساحت دم. قلق ده وده.. رد فعل ده وده. الأتنين فيهم خوف وقلق.. وحب. لكن قلبها دق لأي نوع من رد الفعل؟ فرت في الصور، وكل صورة بذكرى. هي رجعت تفتكر هي بقيت سوزي إزاي، مين خلاها سوزي، مين شجعها ووقعت وقامت على إيده وعلمها، وحن عليها!
مين لما جالها دور برد ولا بصلها حتى، لكن زار خيمتها بالليل وبعيون نص نايمة وبعقل نص واعي شافته بيقيس حرارتها وبيغطيها. هي دي سوزي؟ عايزة حد يحن ويشد عليها، حد تكون معاه بكل حالاتها، وهي في وقت إجرامها، وفي أشـد أوقات ضعفها. وهي قادرة.. وضعيفة. وهي وسط دا ودا، بين دا ودا. قفلت الألبوم وجواها مبعثر، وأفكارها متلخبطة. بس هي متأكدة من حاجة، القلب بيحب مرة. وهو حب أيوب.. صح؟ *****
في نادي ليلي، دخل زاهر مع إتنين أصحابه. قعد على تربيزة في ركن على جنب، ماسك فونه بيتسلى بيه. كل شوية يرفع راسه يشارك أصحابه في الكلام دقيقتين وينزلها. رفعها مرة فوقعت بالصدفة على سلم البار، نازلة منه بنت حاسس ملامحها مألوفة.. لكنه مش مستوعبها. كارين.. بلبس شبه فاضح، وميك آب جريء، هيئة مش فاهمها.
لمحها ماشية مع بنت وولد. وقفت عند تربيزة تضحك وتتكلم معاهم. ثواني وبدأت تتحرك بحماس مكانها. كان بيراقبها ومش فاهم ماله، لكنه مضايق. دي كارين! البنت البريئة، الطفلة الصغيرة، ببناطيل جينز وقمصان واسعة، ضفيرتين ونظرات بريئة. أمتى بقيت كدا، أتحولت لكدا. هما مش شيوخ، هو عارف مين هما كويس. لكن.. لقي نفسه رافض يشوفها بالشكل ده. تقتل قدامه عادي، تتاجر في الممنوع ميضرش. لكن تبقى بالشكل ده.. مهزلة والله! وقف وقرب منها بغيظ.
مسك معصمها يشدها منه يقول: "تعالي معايا." مستوعبتش وجوده بصتله للحظة قبل ما تستوعب. حاولت تفك إيديها منه و: "أنت بتعمل إيه؟ سيب إيدي." بأسنان مطبوقة بغضب: "بقولك تعالي معايا." "بيعند." "مش جاية.. اللي عايز تقوله قوله هنا." لكنه مصّر. حاولت تفك إيديها وهو مستمر يشـدها، لحد ما قرب الشاب اللي معاها يتدخل: "في إيه ياعمنا ما قالتلك سيبها."
قالها وهو بيمد إيده يمسك إيد كارين علشان يسحبها. زود دا غضبه. سابها ولف للشاب يضربه في وشـه بعد ما ضم كف إيده بغل وهو بيصرخ: "وأنت مال ****." وقع الشاب على تربيزة وراه أتكسرت باللي فيها. صوت صراخ وفجأة كل المزيكا والحركة وقفت والعيون حاوطتهم. رجع يبصلها و: "بقولك تمشي قدامي." بصتله بخضة ولصديقها اللي بينزف. مدهاش فرصة تتكلم ولا تستوعب. سحبها من إيدها وراه بعد ما شاور لصاحبه يتصرف.
برة.. وصلوا لساحة فاضية فأخيرًا. فكت نفسها منه. ربعت درعاتها تبصله بضيق و: "إيه الجنون اللي حصل جوه ده؟ "إنتي اللي قوليلي إيه المسخرة اللي عملاها دي. عثمان باشا شافك قبل ما تنزلي بالمهزلة دي؟ معاذ.. معاذ سمحلك؟ نطقها بإستنكار. ردت: "وأنت مالك بيـا." معندوش رد يقوله. مفيش تبرير. إيه دخله؟ إيه سبب ناره؟ دور على حجة و: "معاذ.. معاذ صديق ليا ومقبلش أشوف حاجة تخصه غلط بتحصل وأسكت. أنتي هنا من غير معرفتهم صح؟ بصتله ومردتش.
كمل: "السفر غيرك.. دمرك." قالت بسخرية مريرة: "ليه دمرني؟ مش ده اللي كان بيجذبك؟ حد جريء وجميل، وذوقه حلو، مش بنت بضفاير هبلة وعبيطة، بتستخبى من العيون.. وتدوخ لو شافت دم.. مش دي طموحاتك في فتاة أحلامك." بصلها بزهول. لكنها مدتوش فرصة يتكلم. سابته ومشيت. معقول سمعت؟
من سنين لما كانت عيونها بتلمع لما تشوفه، تتدارى بخجل لما تلمحه. وعمار صاحبهم هو ومعاذ قاله يمكن بتحبه. في يوم وهما مستنين معاذ في بيتها وأستنكر وضحك. إزاي هو يحب مراهقة هبلة زيها، مفيهاش ميزة، بتخاف من خيالها و.. مفهاش معلم من معالم الأنوثة. تهيئ ليه وقتها إن في خيال بيجري لكنه مهتمش. بعدها أختفت. شكلها سمعت! وقف يبص ليها وهي بتركب عربيتها وهو بيعض صوابع الندم. شكله سبب تغييرها، من غير حتى ما يعرف. *****
سوزي هي نقطة ضعف شاكر.. صح؟ في طريق عودتها للبيت بعد يومين خمس عربيات حاوطوها فجأة من كل ناحية. رجالة كتير حاوطتها. حاول حارسها والسواق يدافعوا. حاولت هي تهجم. لكن مهما كنت شجاع، الكثرة تغلب الشجاعة. سوزي إستسلمت لما شافت رجالتها كل واحد خد رصاصة، وهيكملوا عليهم برصاصة قاتلة. إستسلمت ليهم.. وراحت معاهم دون مقاومة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!