بعد حوالي شهر على الأحداث الأخيرة، دخل معاذ البيت وهو يخلع معطفه الطويل. أعطاه للخدامة وهو يسأل: -رحيم نايم ولا صاحي؟ لم تكن هناك إجابة، لكن عيون معاذ وقعت على السلم. سوزي كانت تنزل بخطوات هادئة. لمحته فابتسمت تلقائيًا وهي تقترب منه وتنطق اسمه: -معاذ. وقف معاذ ثابتًا، يحاول السيطرة على دقات قلبه. -عاملة إيه؟ مدت يدها لتسلم، لكن عيونه وقعت على دبلة غيرها في إصبعها. بلع ريقه، ثم بلع غصة وهو يمد يده ليسلم:
-بخير. أخبارك إنتي؟ -مختفية يعني. رحيم هيتجنن عليك. في وقت قليل، وبطريقة غير مفهومة، أخذت علاقتها هي ورحيم منحنى آخر. تقربا بسرعة، كأنهما شيئ كان مقسومًا وينتظر أن يتلاقى، وكأن كل واحد وجد ملاذه. ساعدتها لتتقبل بشاعة ما حدث، وساعدته ليحب الحياة من جديد. -كنت مشغول شوية بس. هو في أوضته، صح؟ قالها وهو يتجاوزها ويصعد، يهرب. ردت بـ "آه" واختفى من أمامها بخطوات سريعة، وعيونها ظلت متعلقة به.
هاتفها رن في اللحظة هذه. كان أيوب. ردت عليه فجاءها صوته المتحمس الواثق: -الزعامة بشكل كبير رَسَت علينا خلاص يا سوزي. دا مهرك اللي كنتِ طلباه لما معاذ اتقدملك.. وأنا جبتهولك. ابتسمت ابتسامة مش مفهومة. نشوة لأنها حققت ما تريد؟ شاكرة لكنه لم يعد لها؟ لأنها أعلى وأكبر هدف كانت قد وضعته أمامها؟ لأنها ستشارك الزعامة مع حبيبها؟ لم يكن مهمًا. خرجت من شرودها على صوته: -خلينا نحتفل، هعدي عليكي ونخرج سوا.
رفضت بأسباب غير مفهومة: -لا خليها يوم تاني يا أيوب معلش، حاسة إني مرهقة شوية. وفوق كل هذا: -ليه مقلتش إن أختك هنا؟ -لو قلت مكنتش جيت. تنهد معاذ وهو يجلس بجانبه: -مكنتش أعرف إنك قاسي عليا كده يا رحيم. بادله رحيم نظرة مليئة بالوجع قبل أن يبرر: -كنت واحشني، وكنت لازم أخليك تواجه الواقع. أنتوا الاتنين أهم اتنين في حياتي، لازم تتقابل طرقكم، فلازم يكون الأمر عادي. -عمره ما هيكون عادي. قال رحيم بإصرار:
-لازم يكون عادي. بكرة هتنساها وهتحب غيرها. نظر معاذ حوله، ففهم أنه يتهرب من الحوار. تنهد قبل أن يقول بغيظ: -عرفت إنك كلمت جدي زيدان وقولتله إنك مبتفكرش في الزعامة، خليته يلغيك من حساباته ويضطر يفكر في أيوب. رد رحيم بعيون تلمع دون أن يشعر: -أنت عارف إنها متهمنيش من البداية. ولما فكرت فيها كان علشان سوزي. دلوقتي سوزي اختارت طريقها، وفي إيدي إني أخليها تقرب من رغبتها الحقيقية.. فـ.. هز كتفه ببساطة. نظر إليه رحيم بغيظ.
-المهم.. نطق معاذ قبل أن يرد رحيم: -أنت عارف إن زاهر كان صاحبي زمان، ويمكن لسه.. هو بيحب كارين وهي بتحبه، لكنها رفضاه علشاني. أعمل إيه؟ "كارين أمنية بعيدة مستحيلة. لا يمكن تكون لي، ولا يرضى تكون لي." فكر معاذ معه، وأعطاه حلولًا كيف تكون مع غيره. -ادي زاهر موافقتك، وعرفها إنك عارف بمشاعرهم ومعندكش مانع، وسيبه هو يقنعها بطريقته. هز معاذ رأسه بإقتناع، كما هو حاول مع سوزي. لكن هناك اختلاف. هنا قلبان يدقان.
في قصته، قلبه هو فقط من كان يدق. نظر لمعاذ بعد صمت طويل: -شكل عمر ما هيبقى لينا حد غالي غير بعض. عمر ما هنفرح غير مع بعض، مفيش كتف هميل عليه غير كتفك. فتح رحيم ذراعيه يقول بعبث: -في حضن كمان لو عايز. أنزل معاذ ذراعيه يقول بإشمئزاز مصطنع: -خليهولك. *** بقى ساكتًا، هادئًا، فقد روح المشاغبة وعيون العبث. عدت من جنبه ولا اهتم ولا اهتز. ضحكت مع شادي، ولم يغر، ولم يثأر. -فين عزيز؟
قربت منه تمسك الكرة الغبية التي يلعب بها وترميها بعيدًا. -بصلي هنا. نظر إليها بعيون ذبلانة. نطقت بثوران: -أنت مش عزيز. مالك؟ بسخرية مريرة نطق: -يعني إنتي مش عارفة مالي؟ -لا مش عارفة.. عرفني. عرفني إنك واحد متخلف شايل ذنب مش ذنبك، وبتدفع تمن غلط مش غلطك. إنت ملكش دعوة بأفعال شاكر علشان تكون بالحال دا. هو غلط وبيدفع جزاءه، لكن إنت.. صرخ فيها وهو يتعدل في وقفته ويقرب منها خطوة ورا خطوة: -أنا إيه؟
أنا كل حاجة في حياتي طلعت كدبة. كان راسمنا ملايكة وإنتوا شياطين واخدين حقنا. أختي كان خاطفها. إنتي.. البنت اللي بحبها وكنت شايف إن المنافسة بينا حاجز.. طلع فيه سد.. باني بيني وبينك باب لا يمكن أقدر أتخطاه. عمري ما هعرف أقربلك.. عمر ما حد هيسمح. بصت له بذهول. اعترف، نطق.. أخيرًا؟ -مين قال؟ حاولت؟ شوف أيوب عمل إيه علشان أخته. فضل عنده يقين إزاي، كان هيتخدها حتى لو عدوتهالك. لكن إنت جبان. -أنا مش جبان. بتحدٍ نطقت:
-وريني. -هوريكي. هتكوني ليا يا رينا، برضاكي أو غصب عنك. بدلال نطقت: -أنا مبعملش حاجة غصب عني. لو هكون معاك.. هكون لإني عايزة أكون معاك. كأنه اعتراف متبادل؟ كأنها قلبت النار لرماد؟ أطفأت اليأس وذابت فيه الحماس؟ رجعت عيونه تلمع بالعبث. يقرب، يشاكس، يعاكس. *** بعد يومين.
في مطعم هادئ بأضواء خافتة، دخلت سوزي مع أيوب. محاوطة ذراعه، لابسة فستان نبيتي بسيط، سابحة شعرها الأسود وراسمة عيونها بكحل أسود، مخليها "واو". طلة جريئة لطيفة. أرشدها لترابيزتهم وقعدوا عليها. بدأ يتكلم ويحكيلها عن حياته، بدأ يندمج في عالمه، كأنه كان ينتظر فقط أن تكون معه. -وبس.. أنا بفكر يوم الترسيم نخليه يوم الفرح.. إيه رأيك؟ كرر اسمها: -سوزي! نظرت إليه وهي تهز رأسها بتشوش. قال بإنزعاج طفيف: -إنتي سرحتي مني؟
-معاك.. شردت بس للحظة. رجع يبتسم لها بلطف وهو يمسك يدها ويبوسها. هي ابتسمت بخفة. مسكت كأسًا ورفعت رأسها لتشرب. لمحت الباب يُفتح ويدخل معاذ مع بنت جميلة. قربوا لترابيزة بعيدة عن ترابيزتها قليلًا. عدل لها الكرسي وقعدها، وقعد قدامها يبتسم لها بلطف. لحظات مرت وهو مشغول وعيونها هي مركزة عليهم. منتبه لها.. مع غيرها، منصت ومعاها بكل جوارحه. زي ما كان معاها هي.. وأكتر من كده. لكنها مكنتش مهتمة ولا منتبهة ولا عايزة.
لكن ليه دلوقتي مشتاقة؟ و.. غيرانة؟ رفع رأسه، فبعدت عيونها عنه بسرعة، تبص لأيوب من تاني وهي تبتسم بصعوبة. عايشة معه بنصف عقل، ونصف تركيز، ونصف قلب. وهما طالعين، لمح أيوب أخيرًا معاذ. نطق بتعجب: -بيعمل إيه دا هنا؟ ومين اللي معاه دي؟ نطقت وهي تبعد عيونها عنهم: -معرفش. خلينا نمشي. -تعالي نسلم ونشوف، يمكن تكون حبيبته الجديدة.
قالها وهو يسحب يدها ويقرب منهم. عايز يوريه خسارته، ويفكره بيها. شوف سوزي دلوقتي مع مين. شوف مين اللي فاز في الحرب، وهيفوز بالزعامة وكل حاجة. انتبه معاذ والبنت، فوقفا عن الكلام. -شوفناكم قلنا نسلم. ابتسم معاذ بلطف ولباقة وهو يقف يسلم عليهم. بص أيوب للبنت وهو يقول بنوع من الرخامة: -مش تعرفينا؟ شكلك غيرتي مننا ولحقتي بينا بسرعة. نفى معاذ بضحكة خفيفة: -لا لا، دي داليا صديقة مقربة ليا، وبالنسبالي زي كارين. وبينا شغل كتير.
هز أيوب رأسه بتفهم. قدرت سوزي تلمح عيون البنت التي لمعت لما نطق أيوب على احتمال وجود علاقة بينهم، وانطفأت لما نفى. البنات بدأت تحاوطه من بدري بدري. من بدري محاوطها، لكنه كان قافل السكة.. عشانها. لكنها دلوقتي م بقتش موجودة. فمصيرها هتتفتح. مشيت مع أيوب وهي سرحانة، مش فاهمة مالها. هي خرجت علشان كل الأصوات اللي في عقلها تهدأ. إنهاردة، فكرت أنها مع أيوب هترتاح. لكنها رجعت والأصوات ما وقفتش، بل زادت! *** أيوب إليازي مات.
شخصية مش هتتكرر في العالم ده. قوة، وقيادة، وزعامة، دهاء.. مات فجأة كإثبات. مفيش حاجة باقية. مفيش مُلك خالد. معرفتش إنها تخصه إلا من قريب، لكنها بكت بحرقة عليه. كفاية الشهور القليلة اللي عاشتها بقربه. كانت لابسة فستان أسود، لبعد الركبة بشوية، ضيق للخصر ونازل بوسع خفيف. نص الضهر مفتوح وليه زرار من ورا. شعرها الأسود مغطي ملامحها وعيونها. كل شباب العيلة لابسين بدل سوداء.
كان وداعًا يستحقه. كان وداعًا مهيبًا. مالت لتبكي على قبره، فوجدت بدل اليد ثلاث تربت عليها. حتى أخوتها وأولاد عمها من اليورانيين كانوا موجودين. هي مخسرتش. هي أكتر حد فاز. بدل عيلة اثنين، بدل أخ اثنين، بدل ابن عم.. ثلاثة. وبدل خطيب.. حبيب! وكعادته، يفاجئها. يمشي وسط الألم ليواسيها. يقرب وإيدها في إيد أيوب اللي مساندها ومحاوطها. وزاد من ضغط إيده لما لمحه، كأنه يثبت ملكيتها. وهو يبتسم لهم بلطف، قدم واجب عزائه.
وجه يسلم عليها. مسك إيدها بخفة. جه يفلتها، لكنها هي اللي تشبثت به. كانت محتاجاه. كان أول واحد تعرفه يقدم لها المواساة. الصورة من بعيد غريبة. إيد حبيب محاوطها، وإيد غريب محاوط هي. من غير صوت.. ولا كلام. نظرات عيون هنا وهناك مش مفهومة. لكنها قالت أن نهاية القصة ممكن ما تكونش زي ما اتكتبت. *** وجه آخر فصل في الحكاية. يوم الزفاف، والترسيم. هتاخد كل اللي كانت عايزاه.
داخلة وجنبها رحيم على كرسيه، مكشر لكن بيبتسم على خفيف. زعلان ومضايق على صاحبه. بص حواليه، لكنه تنهد بارتياح لما ملقوش. أخيرًا، ولو لمرة، يفكر في مشاعره وقلبه ويختار ميوجعش حاله. ويسيبها في حدث مهم في حياتها. أخيرًا اختار نفسه. لمحت في نهاية القاعة أيوب واقفًا ينتظر، وسيم ومبهر كعادته. طِلّته خاطفة. كانت تقرب بخطوات بطيئة. فيه حاجة منعاها، لكنها مش فاهماها. عيونها غصب عنها بتبص حواليها.
وصلت لأيوب أخيرًا، اللي مد إيده ليها. حطتها بين إيده بارتباك. بدأت أول حاجة مراسم استلام الزعامة. لكن فين السعادة؟ -والآن سنكتب الكتاب. كلام كتير وأصوات وصيحات سعادة. أيوب بيعطي موافقته. وفجأة كل العيون بقت عليها. -هل تقبلين الزواج بأيوب.. ما كملش. قاطعته وهي تقف وتهز رأسها بـ "لا". هي نفسها مش مصدقة ولا مستوعبة اللي بتعمله. -أيوب أنا آسفة.. أنا آسفة.
فضلت تكررها كثير وهي تعطيه ظهرها وتجري. ترميه البوكيه في طريقها، تفك طرحتها، تخلع جزمتها. تشيل أي حاجز بيمنع وصولها ليه. طلعت بره القاعة تبص حواليها وهي تنهج. قربت من البوابة، لكن صوت من وراها نطق بدهشة: -سوزي. حتى في أصعب يوم وأوجع لحظة، اختار إنه يعيشها معاه. التفتت تبص له بلهفة: -بتعملي إيه هنا؟ وحالتك.. قاطعته وهي تجري عليه: -أنا اخترتك إنت.. أنا عايزك إنت.. اكتشفت إني حبيتك إنت.. بصلها بدهشة وهي كملت:
-لو كنت بحبه، كنت مستحيل أفكر فيك إنت صح؟ لكني مش قادرة أفكر غير فيك. لو بحبه مكنتش اهتميت بيك ولا باللي بتعمله. مكانتش أفعالك هتأثر فيا. لكنها آثرت.. آثرت يا معاذ. قربت ترمي نفسها في حضنه، تحاوط رقبته تقول بصوت ينهج من الانفعال: -خدني واخطفني من هنا. وديني مكان ميكونش فيه حد غيرنا. حاوطها. عايز يقول لا، مش مبادئه. بس دي فرصة. سوزي لأول مرة تقرب خطوة ليه وبمزاجها. جياله مسلماله. قدمت تضحية بألف تضحية قدمها هو.
غصب عنه مسك فيها. لازم يكون أناني. المرة دي وبس. وهي أول وآخر مرة. شالها يجري بيها. لكنه كعادته وبدقة ملاحظاته لمح أيوب وهو يراقبهم. وهو عارف إنه خسر المعركة. فاز بآخر حاجة مكنش عايزها.. الزعامة. وخسر أول حاجة كان عايزها.. سوزي. والتاني. خسر حاجة عايزها عشانها. ولكنه فاز بيها. محدش بيخرج كسبان من الحرب.. ولا خسران. لازم فيه تمن بتدفعه. لكنك إنت اللي بتقدر قيمته. حبته إمتى.. اختارته إمتى. إمتى بدل أيوب بقى معاذ.
هي جاهلة وخايفة تقول. يمكن من البداية كان معاذ.. وجـه أيوب. النهاية. أنت عـدو. لـ زينب -سمير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!