الفصل 8 | من 13 فصل

رواية انذار بالقتل الفصل الثامن 8 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
25
كلمة
2,034
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

لا نعلم متي وكيف نقابل نصفنا الآخر، ذلك الشخص الذي يخطف أنفاسنا منذ الوهلة الأولى، يجعل نبضات قلوبنا تتسارع بقوة تكاد أن تغادر ضلوعنا من عنف دقاتها. تلك اللحظة يوثقها العقل وتظل بذكراانا طيلة العمر. هذا ما حدث مع "نوح" فور رؤيته لـ "آية"، رغم ضعفها وما تمر به من كرب شديد، إلا أنها الوحيدة التي يتمنى قلبها قربها. يريدها أن تكون شريكة حياته.

بداخله شعور صادق لم يخدعه يومًا أن "آية" هي زوجته المستقبلية، رغم رؤيته لتلك الحلقة الذهبية التي تزين أناملها، تعلنها له صريحة أنها خطيبة غيره. ينتظر بنفاذ صبر حتى يرى خطيبها هذا ليقرأ ما يدور في خاطره نحو جميلته الحزينة "آية". بشقة "إسلام".

كانت "رقية" تجلس أرضًا على الفراش الوثير والوحيد الذي تمتلكه بشقتها، بعدما قامت بمساعدة زوجها على أخذ حمام دافئ، وتغيير ثيابه، وإطعامه بيدها رغم اعتراضه الشديد، وإصراره على الذهاب لشقيقته. كان التعب ظاهر عليه بوضوح، خاصةً أنه لم يذق طعم النوم منذ ما حدث. إجهاده الشديد جعل رأسه تسقط دون إرادته على صدر زوجته، مغلقًا عينيه بنوم أشبه بالاغماء. مالت "رقية" على وجنته وقبلتها بحب شديد متمتمة:

"ربنا يزيح عنك تعبك يا حبيبي، ويحفظك ليا أنا وابنك". صدع صوت رنين هاتفها فأسرعت بالرد، ظنًا منها أنه من الممكن يزعج زوجها النائم. بينما "إسلام" كان غارقاً بالنوم كالذي تم تخديره بأقوى أنواع التخدير، لن يزعجه أي شيء الآن مهما كان. "السلام عليكم". نطقت بها "رقية" بصوت خافت بعدما وضعت الهاتف على أذنها. "وعليكم السلام يا بنتي. طمنيني عليكي وعلى جوزك، ومجتوش تاخدوا حمزة ليه زي ما قولتيلي يا رقية؟!

قالتها والدتها "نعمة" بلهفة وخوف ظاهر بصوتها المرتجف. ابتلعت لعابها بصعوبة، وبقلق تابعت: "انتي كويسة يا بنتي؟ "رقية" بصوت مجهد: "اطمني يا ماما. الحمد لله أنا بخير متقلقيش". "صوتك ماله يا رقية؟ حاجة حصلت. جوزك وأهله كويسين. طمنيني يا بنتي الله لا يسيئك أبدًا يا ضنايا". لم تخبرها "رقية" بسر زوجها وأهله، قالت لها كما قالت بالتحقيق، أن لصًا قام بالهجوم على المنزل، حتى لا تشوه صورة زوجها أمام أعين والدتها.

أخذت "رقية" نفس عميق زفرته على مهلٍ وهي تقول: "اطمني يا ماما والله إحنا كويسين، وإسلام نام من كتر التعب، ومقدرناش نجيلك، وأنا كمان نفسي أنام شوية. بقالي يومين منمتش". أطلقت "نعمة" أنفاسها المحبوسة، وتحدثت بحنان مردفة: "نامي يا ضنايا. متشليش هم حمزة. دا في عنيا، ووقت ما تصحي براحتك ابقي تعالي خديه". "ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أمي". غمغمت بها "رقية".

"ولا منك يا ضنايا. ربنا يطمنك ويطمن قلبي عليكي، ولا أسمع عنك غير كل خير يا حبيبتي. في رعاية الله وحفظه يا ضنايا". قالتها "نعمة" وأغلقت الهاتف، وضمت حفيدها النائم على قدميها بحب شديد. تنهدت "رقية" بتعب، ولم تستطع أن تقاوم نعاسها خاصةً أنها لم تنعم بالراحة منذ ما حدث. دون إرادتها تمددت بجوار زوجها، اندست داخل حضنه، أغلقت عينيها واستسلمت لنوم عميق بين حنايا صدره، كل منهما يستمد القوة والأمان من الآخر.

انفصلا عن العالم أجمع، غارقين بالنوم أشبه بغيبوبة، حتى أنهما لم يستمعا صوت "يوسف" خطيب "آية" الواقف أمام شقة "عبد الحميد" يطرق على الباب طرقات متتالية تارة، ويضغط على الجرس تارة، وبيده هاتفه يطلب رقم خطيبته ووالديها تارة أخرى، ولكن جميع الهواتف مغلقة. "يا ترى إيه سر الاختفاء المفاجئ ده يا آية". قالها "يوسف" محدثًا نفسه، واستدار ينظر تجاه شقة "إسلام" نظرات كره واشمئزاز.

أصبح يعتبره عدوًا له الآن، ويتمنى لو يلقنه درسًا على فعلته بحق خطيبته. سار خطوتين تجاه الشقة، ولكن تراجع ولم يطرق على الباب، فمن الممكن أن يفتح له "إسلام" حينها سيتعارك معه على أتفه الأسباب. ففضل أن ينصرف ويعود بوقت لاحق ربما تكون خطيبته برفقة عائلتها بإحدى مشاويرهم. "ماشي يا آية. هرجعلك تاني. هتروحي مني فين يعني". تمتم بها من بين أسنانه أثناء هبوطه الدرج بخطي غاضبة متجهة نحو سيارته. بالمستشفى.

هرول الطبيب نحو غرفة "مني" بعدما أخبرته إحدى الممرضات بأن المريضة استعادت وعيها. "حمد الله على السلامة يا حاجة". قالها الطبيب وهو يفحصها بعناية تحت أنظار "مني" المذعورة، التي تهذي بوهن قائلة: "ولادي. ابني وبنتي. جوزي. هما فين". "أطمني كلهم بخير". قالها الطبيب كمحاولة منه لتهدئة نوبة فزعها، لتبدأ "مني" بالبكاء وبصعوبة تردد من بين آهاتها الملتاعة: "إسلام. أنت فين يا ابني. آية يا قلب أمك يا بنتي".

اعتلت نشيجها وشهقاتها أكثر حين داهمتها ذكرى ما حدث، ومرت من أمام عينيها صورة زوجها الذي شق وحيدها صدره. "عبد الحميد". قالتها بصوت أشبه بالصراخ. "والله جوزك بخير يا حاجة". قالها الطبيب وهو يتحرك قليلاً، ويفتح ستارًا بجوار سريرها ليظهر زوجها النائم على سرير مجاور لها، كانت حالته مزرية، والتعب الشديد ظاهر على ملامحه الشاحبة كشحوب الموتى. "هيعيش يا دكتور".

نطقت بها "مني" بتقطع وصوت مرتعش، عيناها لم تبتعد عن زوجها، تستجديه بقلبها أن يفتح عينيه وينظر لها نظرته التي تثلج قلبها. "كله في إيد ربنا يا حاجة. ادعيلو إنتِ بس وإن شاء الله يقوم بألف سلامة". قالها الطبيب وهو يستعد للخروج من الغرفة بعدما انتهى من فحصها، ونظر للممرضة وتابع بعملية: "هتفضل في العناية النهاردة وبكرة كمان لحد ما حالتها تستقر". "إسلام. ابني. عايزة أشوف ابني. هاتولي إسلام أبوس أديكم".

قالتها "مني" التي لم تتوقف عن البكاء، بكائها الحاد دفع الممرضة لحقنها بحقنة مهدئة حتى لا تتدهور حالتها، وابتسمت لها ابتسامة حانية وهي تقول: "هتصلك بيه يا حاجة. بس أهدي إنتِ عشان الانفعال دا غلط عليكي". "مش ههدي ولا أرتاح إلا لما أشوف جوزي وولادي قدام عيني". بشقة شرف. صوت صرخة "آية" المدوية شقت سكون وهدوء المكان. صرختها جعلت جميع من في المنزل يهرولون بالركض نحو غرفتها.

"نوح" كان أول من وصل لها بالطبع، اقتحم الغرفة دون سابق إنذار مرددًا اسمها بلهفة فشل في إخفائها. "آية!!! كانت واقفة بمنتصف الغرفة تدور حول نفسها، جسدها يتمايل يمينًا ويسارًا حتى كادت أن تسقط أرضًا بقوة لولا يد "نوح" الذي قطع المسافة بينه وبينها بخطوة واحدة، وانتشلها داخل حضنه بلمح البصر. "ماما ماتت. يا حبيبتي يا ماما. هونت عليكي تسبيني لوحدي".

نطقت بها "آية" بصراخ حاد يصم الأذن، من الواضح أنها كانت تحيا إحدى أبشع كوابيسها، ويبدو أنها لم تفق منه إلى الآن رغم عينيها الجاحظة على آخرها، إلا أن عقلها مازال بداخل هذا الكابوس القاسي. "وديني عند ماما يا بابا. عايزة أشوفها".

همست بها "آية" من بين شهقاتها الحادة، كانت تنتفض بهلع شديد بين ذراعيه، خوفها جعلها لم تنتبه أين هي، ومع من تتحدث، فقد ظنت أنها داخل حضن والدها فاختبأت داخل صدره، وقد استقبلها هو بكل ترحاب، أخفاها بين ضلوعه ملتفًا بيد حول خصرها والأخرى تضم رأسها لصدره غالقًا عينيه بعنف وقد اعتصر قلبه عليها حين شعر بمدى ألمها. "هششش. أهدي يا آية. كفاية عياط وأنا هعملك اللي انتي عايزاه".

همس بها "نوح" داخل أذنها وهو يمسد على شعرها الأسود الحريري يعيد ترتيبه وابتعاده عن وجهها بكف يده. تراخى جسدها بين يديه، ولم تعد قدماها تحملها على الوقوف مما دفعه لحملها داخل حضنه حتى لم تعد قدماها تلامس الأرض. رفعت "آية" عينيها الغارقة بالعبرات ببطء، ونظرت لوجهه بملامح مصدومة عندما أعادها صوته لواقعها مغمغمة بوهن: "أنت مين؟! تعمق "نوح" النظر بعينيها الفاتنة بلونها الأزرق الساحر، ابتسم لها ابتسامته المطمئنة مرددًا:

"نوح. أنا نوح يا آية". "نوح!! أردفت بها "آية" بهمس بالكاد يُسمع، ولكنه كان أكثر من كافٍ ليصل لسمع ذلك المتيم الذي يحتويها بين ذراعيه، وكأنه عثر على كنزنه الفريد بعد عناء سنوات طويلة. غير منتبه لنظرات والدته الواقفة بجوارهما عاقدة ذراعيها أمام صدرها، وترمق ابنها بنظرات منذهلة. بينما أشقاؤه "نور، ندي، نهاد" يقفون على باب الغرفة ينظرون لهما نظرات حالمة، بأفواه مفتوحة ببلاهة. "أنا فين؟!

همست بها "آية" التي كانت في بادئ الأمر تتحرك بعنف بين يديه، ولكن حين تقابلت أعينهما بقيت ساكنة تمامًا، تحدق في وجهه ذي الملامح الجادة الوسيمة، بل شديدة الوسامة. نظرته لها جعلت الطمأنينة تغلف قلبها المرتعد، وتهاوي جسدها المتشنج. "أنتي في حضني". قالها "نوح" بتنهيدة حارة حين سقطت رأسها على صدره، وهم بضمها داخل حضنه أكثر، وقد غاب عقله عنه بسبب قربها منه إلى هذا الحد الذي جعله بعالم آخر لا يوجد به أحد سواه. "نوووووح؟!!!

نطقت بها "تهاني" بصدمة حين رأته يحكم قبضته حولها، ورفعها بين ذراعيه أكثر حتى أصبحت وجهها مقابل وجهه، مستندًا بجبهته على جبهتها. كانت "آية" بين الوعي واللا وعي، فعلته هذه جعلتها تطلق آهة خافتة، فجرحها لم يشف بعد، وهمست باسمه أطارت كل ذرة تعقل به حين قالت: "نوح. وديني عند ماما وبابا". "عيون نوح". همس بها بأنفاس متهدجة، وقد بدأ يتنفس بعنف، وصدره يعلو ويهبط بوضوح عندما شعر بأنفاسها الساخنة تلفح برودة بشرته.

أغمض عينيه باستمتاع، وهم باقتناص قبلة من وجنتيها إلا أن صوت "تهاني" صدع مرة أخرى بصرامة أكبر مرددة: "نووووح. جرالك إيه يا ابني!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...