حينما فتحت البوابة السحرية لم ترى جنة ما رأته سابقا، ولكن تغيرت منامتها كالسابق، رأت أمامها ممرا ملئ بالأشجار كأنها حلقات تكسوها زهور خلابة يشع منها أضواء جميلة.
سارت جنة في هذا الممر وهى منبهرة بهذا المنظر الخلاب، ظلت تسير وتسير وكأن هذا الممر لا ينتهي، إلى أن رأت إحدى الأشجار تنير بشدة ويوجد عليها شيء غريب. اقتربت من تلك الشجرة لترى هذا الشيء، فوجدته جنية صغيرة لها أجنحة تتناثر عليها قطرات من الضوء، وردائها من أوراق الشجر، تضع زهرة أرجوانية بجانب شعرها، تطير حولها فراشات رقيقة، ويتدلى من تلك الشجرة شيء غريب وكأنه مصباح يتناثر منه الضوء، وهي تمد يدها إليه وكأنها تستمد طاقتها من ذلك الضوء. اقتربت منها جنة بهدوء حتى لا تفزعها، فتحدثت جنية دون أن تلتفت لها.
"مرحبا بك مرة أخرى في عالمنا السحري أيتها الفتاة جنة." "مرحبا بك أيتها الجنية الجميلة." التفتت لها الجنية وابتسمت برقة، ثم طارت اتجاهها ووقفت أمامها وتحدثت بهدوء. "أشكرك فتاتي على اطرائك لي، وبالمناسبة لي اسم تستطيعين مناداتي به وهو رميزان." "رميزان! وما معنى ذلك الاسم؟
"هذا الاسم يعني المرشدة أو الدليلة، فأنا سأكون مرشدتك في رحلتك داخل عالمنا، ولكن كوني حذرة فتاتي الجميلة، فالعالم السحري خلاب من الخارج ولكن يحوي في باطنه بعض الشر، فحذاري أن تضيعي بين طياته." "وكيف يحدث ذلك؟ "إذا استسلمت إلى الحقد داخل قلبك ورغبتك بالانتقام." "ولكني عشت حياة مريرة وجاء هو وخدعني، علق قلبي به واستغلني، كان يريد أن يطمس ملامح روحي البريئة." ثم اختنق
صوتها بالبكاء وأكملت: "كنت سأتركه وشأنه إذا تحدث إلى فتاة أخرى، ولكنه تحدث إلى صديقتي، صديقتي التي هي أكثر من أخت لي، تحدث إليها بكل كلمات الحب التي قالها لي، جعلني أشعر وكأني شيء عديم القيمة، هشة، لن أرتاح أو يهدأ لي بال إلا إذا علمته درسا لا ينساه، لابد وأن يعلم أن الفتيات ليست لعبة بين يديه."
"إذا، لن يستطيع مساعدتك غير العرافة هيڤين أي الليل، وذلك لارتدائها الأسود دائما، هي من تستطيع تحقيق رغبتك، وأنا سأساعدك للوصول إليها." "وكيف سنصل إليها؟ وهل سيستغرق هذا وقتا؟ "سنذهب أولا إلى الجهة الجنوبية حيث توجد الغابة الفطرية، وهي غابة متشابكة الأشجار، ولابد أن تكوني حذرة وأنتِ سائرة بها، ولا تنخدعي بأي شيء جميل في تلك الغابة حتى لا تختفي بداخلها، أرجو منكِ أن تسيري خلفي ولا تفعلي شيئا دون علمي."
"حسنا، سأنفذ كل ما تأمرينني به، ولكن ماذا سنفعل بعد ذلك؟ هل العرافة هيفين موجودة داخل تلك الغابة الفطرية؟
لم ترد الجنية رميزان، وإنما طارت أمامها وتتبعتها جنة دون أن تتحدث مرة أخرى، واتجهوا إلى الجهة الجنوبية وظهرت أمامهم معالم الغابة الفطرية. نظرت لها جنة بانبهار، فرغم تشابكها إلا أنه يوجد بها سحر خفي يخلب الأنظار. فقد كان الفطر بها يبدو عملاقا، كما كان يوجد فطر صغير الحجم، وكانت تنتشر الأزهار ويوجد مياه أسفل تشابك الأشجار. كان يوجد طائر برتقالي اللون على إحدى الأشجار.
ظلت تنظر له جنة وكأنها مسحورة. وفجأة توقفت عن السير وبدأت في مد يدها تحاول لمس ذلك الطائر، ولكن لحسن حظها رأتها الجنية رميزان، فاتجهت لها مسرعة وأمسكت يدها ووضعت عليها بعض قطرات من الضوء، فاستفاقت جنة ونظرت لها باستغراب. "ماذا حدث؟ لماذا توقفنا؟ أبلغنا وجهتنا؟ "ألم أحذركِ بأن لا تتأملي شيئا وتنبهري به؟ لقد كدتِ توا أن توقظي تنين الغابة." "ماذا! تنين الغابة!! كيف ذلك؟ أنا لم أفعل شيئا."
"كيف ذلك وقد كدتِ تلمسينه بيدك." ثم أشارت إلى الطائر البرتقالي. "اه تقصدين ذلك الطائر الصغير؟ أيلقب بالتنين؟ لا تخافي أيتها الجنية رميزان، لقد أعجبني شكله ولونه الساطع فأردت لمسه فقط."
"وهذا بالظبط ما حذرتكِ منه. لا تنبهري بشيء أرجوكِ، ولا تلمسي شيء، فهذا الطائر الذي تظنينه أنه صغير ما هو إلا تنين ضخم شرس، وهو الآن في وقت سباته، إذا لم ألحقكِ وأمنعكِ من لمسه كان استيقظ وابتلعكِ بداخله وتختفين إلى الأبد وستظلين حبيسة كغيرك." شعرت جنة بالخوف وتحركت مسرعة بعيدا عنه وهي تردد. "لا لا لا لا لن ألمس شيئا، أعتذر حقا أيتها الجنية، هلمي بنا نبتعد عن هنا فأنا لا أريد البقاء في ذلك المكان، هيا هيا أسرعي."
طارت أمامها الجنية رميزان حتى توصلت إلى بركة مياه، فتوقفت الجنية ونظرت لها. "والآن ستعبرين تلك البركة بمفردك، وحينما تصلي إلى نهايتها ستجدين منزلا داخل شجرة ضخمة، هذا هو منزل العرافة، سأنتظرك هنا فتاتي حتى تنتهين وتعودين إلي." "أسأذهب بمفردي؟ ألن تأتي معي؟ إني خائفة جدا." "لا تخافي عزيزتي، فأنتِ فتاة شجاعة، ولكن هنا نهاية مطافي، فالجنيات أمثالي محرم عليهم عبور تلك البركة، هيا عزيزتي لا تضيعي وقتك."
نظرت إليها جنة وهي تشعر بالخوف، ثم التفتت وأخذت نفس عميق ونزلت إلى البركة، والتي لم تكن عميقة، وظلت تسير بعض الوقت بها إلى أن وصلت لجزء منها فشعرت ببعض الإجهاد، فجلست على إحدى الصخور، فانتشرت حولها الكثير من الفراشات المضيئة وكأنها تنير دربها في ذلك الليل، فتنهدت جنة وتمنت أن تستطيع تحقيق أمنيتها وتعود بسلام لعالمها. اقتربت منها إحدى الفراشات المضيئة وتحولت إلى زهرة، فأمسكتها جنة وأخذتها بين يديها وكأنها مصباح سينير دربها لمنزل العرافة.
وأكملت سيرها إلى أن وصلت إلى منزل العرافة، فوقفت أمام الباب وأخذت نفس عميق واستجمعت شجاعتها وطرقت الباب، ففتح ولم تجد أحد أمامها، فدفعته بتوجس ودخلت إلى المنزل. "أيوجد أحد هنا؟ أيتها العرافة أين أنتِ؟ فجأة أغلق الباب خلفها وسمعت صوت يناديها، فاتجهت ناحية الصوت فوجدت سيدة جميلة وكانت ترتدي الأسود كما أخبرتها الجنية رميزان، وأمامها كتاب صفحاته سوداء، تنتشر الكثير من الشموع حولها، فنظرت لها تلك السيدة بجمود ولم تتحدث.
"انتِ العرافة هيڤين أليس كذلك؟ "اجلسي أيتها البشرية، فاليوم ستحققين رغبتك، ولكن... " صمتت العرافة وتحركت باتجاهها وتحسست وجهها بأصابعها ذات الأظافر الطويلة. "ولكن ماذا؟ "لابد أن تخسري شيئا مقابل تحقيق رغبتك." "أخسر! أخسر ماذا؟ ولماذا أخسر؟ "الكتاب هو ما يحدد الخسارة، أما لماذا تخسرين فهذا هو قانون عالمنا، للحصول على أمنية لابد أن تخسري شيئا في المقابل أو تنفذين أمرا يطلب منك، وليس لك سوى ثلاثة أمنيات."
"هل لي الخيار في ذلك؟ "لا، فالكتاب هو من يحدد، أتخسرين شيئا أم تنفذين أمرا." "وهل هذا سيحدث قبل أم بعد تحقيق الأمنية؟ "وهل حينما تشترين سلعة أتدفعين بعد استعمالها أم قبل ذلك؟! "فهمت عليكِ، إذا، قومي بعملك، ولكن انتظري، إذا طلب مني الكتاب شيئا مستحيلا، هل أنا مجبرة على تنفيذه؟ "إذا تنازلت عن أمنيتك فأنتِ لستِ مجبرة على شيء." "حسنا، إذا هيا افعلي ذلك."
قامت العرافة بفتح إحدى صفحات الكتاب وقالت بعض الكلمات الغير مفهومة، فازدادت النيران من الشموع وتراقصت أوراق الكتاب بشدة وكأن الهواء يداعبها، ثم توقف كل شيء وظهر قصران على جانبي الكتاب، فاقتربت جنة ونظرت بتمعن، ثم رفعت رأسها للعرافة ونظرت لها بعدم فهم، فوجدت العرافة تنظر بذهول وتردد. "ليس معقولا، ليس معقولا، أيعقل أن تكون تلك الفتاة هي المختارة؟! "أيتها العرافة ماذا بك؟ بماذا تهمسين؟ ماذا يعني ما حدث؟
أنا لا أفهم شيئا." أخذتها العرافة وجلسوا سويا على الأريكة وأمسكت يد جنة بين يديها وتحدثت بهدوء. "كنت أعتقد أنك مجرد بشرية حمقاء تسعين وراء تحقيق أمنياتك فقط، ولكن اتضح أنك خلاص هذا العالم من الشر." "أنا!! كيف ذلك؟
العرافة هيڤين: القصران اللذان شاهدتهما الآن هما قصران لملكتين هذا العالم، إنهما أختان ولكن كتب عليهما الافتراق، وأصبحت لكل واحدة مملكة خاصة بها. فإحداهما هي ملكة النور وتحكم بحكمة وعدل وتنشر السلام، والثانية ملكة الظلام تحكم بقوة وشدة وتسعى للسيطرة. بينهما عداوة شديدة نشأت منذ الصغر، وذلك بسبب نبوءة قالت إن إحداهما ستقضي على الأخرى. جنة: ومن قال هذه النبوءة؟
العرافه هيڤين: إنها ساحرة النار، وهي تظهر عند ميلاد أبناء الملوك. فحينما ولدت ملكة النور تنبأت لها ساحرة النار بأنها ستحكم المملكة بعدل وسلام، ولكن حينما ولدت أختها تنبأت ساحرة النار بأن إحداهما ستقضي على الأخرى. خافت الملكة الأم كثيراً وحاولت أن تزرع المحبة في قلب الأختين. ولكن حينما كبرت الأخت الصغرى وعلمت أن أختها ستحكم المملكة بمفردها بدأت تشعر بالغيرة، ومن هنا ظهرت الكراهية. فاضطر الملك إلى إبعاد الفتاتين عن
بعضهما وأن تحكم كل منهما مملكة. ولكن الأخت الصغرى ظلت حاقدة على أختها، فقد اعتقدت أن والدها فعل ذلك لحل الموقف وليس لأنها تستحق ذلك. وظلت العداوة بينهما حتى بعد وفاة والديهما. وقد ظهرت نبوءة في كتب السحر لدينا أن هناك من سيأتي وسيصلح كل شيء ويوحد المملكتين ويعيد الحب والصفاء بين الأختين. ولكن لم أتوقع يوماً ما أن هذا الشخص مجرد فتاة صغيرة تسعى بدورها للانتقام، مجرد بشرية. هذا شيء عجيب فعلاً.
جنة: ولكن كيف سأفعل ذلك؟ أنا مجرد فتاة بسيطة، كيف لي أن أجعل مملكتين تتحدان مع بعضهما مرة أخرى؟ أنا لن أستطيع فعل ذلك، سوف أتنازل عن أمنيتي وأذهب إلى عالمي.
العرافه هيڤين: سبق السيف العزل فتاتي الصغيرة، فهذا طلب الكتاب وليس الخسارة. فلو كنت ستخسرين شيئاً في مقابل أمنيتك وقتها فقط تستطيعين التنازل عن الأمنية، أو إذا طلب شيئاً مستحيلاً لا تستطيعين تنفيذه. أما هذا فليس طلباً أو أمراً أو حتى خسارة، إنها نبوءة ولابد من تنفيذها. وليس لك الخيار في ذلك، فلن تستطيعين العودة إلى عالمك قبل تنفيذ النبوءة. جنة بخوف: ولكني خائفة ولن أستطيع حسن التصرف.
العرافة: إذن اطمئني فتاتي الصغيرة، كل من في الغابة سيعاونك لتحقيق تلك النبوءة. فقد تشتت منا الكثير وتفرق الأحباب بسبب الصراع الدائم بين الملكتين. أرجوك أنتِ آخر أمل لنا، أرجو منك أن تساعدينا. أعلم أن الطريق صعب، ولكن نقاء قلبك سيهون كل صعب. جنة بحزم: حسناً، إذاً سأنفذ ما طلبه الكتاب وسيكون الله في عوني. فهذا في النهاية عمل خير، وأرجو من الله أن أكون سبباً في نهاية عذابكم وأن يعم السلام في عالمكم مرة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!