عاد كرم من عمله ودخل شقته فوجد والده يجلس في شرفة المنزل هادئًا يتلذذ بشرب كوب من العصير. فجلس بجواره على أحد المقاعد والابتسامة تعلو ثغره. كرم: "إزيك يا بابا؟ ما شاء الله شايفك مزاجك عالي وقاعد هادي. لا وبتشرب عصير كمان ومروّق على نفسك. طيب اعزم عليا وقول لي: اتفضل يا كرم يا ابني." محسن وهو يبعد كأس العصير عن متناول يد كرم: "لا، العصير ده بتاعي أنا وبس، محدش يشرب منه غيري."
كرم باستغراب: "أنا بهزر يا بابا. بألف هنا ليك يا حبيبي. أومال بسمة فين؟ هي لسه نايمة ولا إيه؟ محسن بتوتر: "لا، دي خرجت من بدري وقالت إنها رايحة عند واحدة صاحبتها، بس مش فاكر اسمها إيه." كرم باستغراب: "خرجت! خرجت إزاي وهي تعبانة؟ يعني هي ما راحتش الشغل عشان ترتاح، تقوم تخرج عند صاحبتها." محسن: "ما أعرفش والله يا ابني. مش يمكن ما حبتش تقعد معايا؟ انت عارف إنها لسه مش متقبلة وجودي."
كرم: "معلش يا بابا، شوية شوية عليها وهي إن شاء الله هتتقبل وجودك في حياتها. بسمة حنينة وقلبها طيب زي أمي الله يرحمها. وعلى العموم، أكيد هي عند جنة، هي أصلاً ما لهاش أصحاب غيرها. أنا هتصل عليها عشان تيجي ونتغدى سوا." محسن بلهفة: "لا، استنى. ما تتصلش." كرم باستغراب: "ليه يا بابا؟ هو في إيه بالظبط؟ مش عاوزني أكلم بسمة ليه؟ هو حصل حاجة بينكم وحضرتك مش عاوز تقول لي؟
محسن: "مفيش حاجة حصلت يا ابني. أنا بس عاوزك تيجي معايا مشوار ضروري. فعشان كدا بقولك ما تتصلش عليها عشان ما تجيش تقعد لوحدها." كرم بتساؤل: "مشوار؟ مشوار إيه ده؟ محسن: "لما نروح هناك هتعرف كل حاجة. أنا أصلاً مستنيك من الصبح. يلا، يلا عشان ما نتأخرش على الناس."
ذهب كرم ووالده محسن واستقلا سيارة أجرة، والتي توجهت بهم إلى أحد المناطق الراقية في المدينة، حيث توجد فيلا كبيرة على مساحة شاسعة. فاستغرب كرم من تواجده في ذلك المكان وما هي المصلحة التي تخص والده في ذلك المكان الفخم. ذهب والده وتحدث لأحد الحراس الموجودين، فقام الحارس باتصال هاتفي ثم أدخلهم إلى الفيلا، حيث استقبلهم كبير الخدم وأجلسهم في الصالون. ثم ذهب ليخبر مصطفى بحضورهم. بعد دقائق نزل إليهم مصطفى وصافحهم وجلس واضعًا قدمًا على الأخرى.
محسن بترحاب: "مصطفى باشا، أخبار معاليك؟ أنا جبت لك كرم أهو عشان حضرتك تتفاهم معاه براحتك." نظر إليه كرم باشمئزاز، فكيف لوالده أن يضع ولده في هكذا موقف؟ كيف له أن يضعه أمام الأمر الواقع دون أن يخبره أنهم سيأتون للتفاوض على بيع المنزل، رغم أنه أخبره برفضه. ألا يخجل هذا الأب عديم القلب من نفسه؟
مصطفى بحزم: "كدا مهمتك انتهت يا محسن. اتفضل امشِ انت ونسبتك هتوصلك لحد عندك. ويا ريت ما أشوفش وشك تاني. وكلامي دلوقتي هيبقى مع كرم." نظر لهم كرم نظرة ثاقبة ولم يعقب على حديثهم، بل وضع قدمًا على الأخرى هو الآخر وجلس بثقة زائدة منتظرًا حتى خرج أبيه. ثم تحدث بثقة وجمود. كرم: "ها، بقا ليه عاوز تشتري البيت بتاعي بالذات؟
ويا ريت ما تقوليش عشان عاوز أبني مكانه عمارة أو هتشتريه هو والبيوت اللي حواليه وتعملوا قرية سياحية. أنا عاوز الكلام الحقيقي اللي مخليك مصمم على شرا البيت بالشكل دا." مصطفى بابتسامة إعجاب: "يعجبني ذكائك، وعشان كدا هكون صريح معاك وأقولك على اللي فيها. أصل أنا بحب الكلام الدوغري، مبحبش اللف والدوران لأنه بيضيع الوقت." كرم بانتباه: "اتفضل. أنا سامعك، كل آذان صاغية."
مصطفى: "أولاً، أنا مش محتاج بيتك في حاجة، أنا محتاج اللي مدفون تحته." كرم بدهشة نجح في إخفائها: "وإيه هو اللي مدفون تحته؟ كنز؟ مصطفى: "لا، مش كنز، بس اللي هيوصلنا للكنز مفتاح مقبرة الملكة خنتكاوس التالتة. الشيخ اللي عرف مكان المقبرة هو اللي حدد مكان المفتاح، واللي بالصدفة طلع مدفون تحت البدروم بتاع بيتك على بعد عشرة متر. وطبعًا لما ناخد المفتاح هنقدر نفتح المقبرة بكل سهولة."
كرم بتفكير: "ونسبتي في الموضوع دا كام على كدا." مصطفى: "أنا اتفقت مع محسن على التلت." كرم بثقة: "اتفاقك مع بابا دا تنساه خالص. البيت باسمي أنا وأختي، بابا مالهوش حاجة فيه. والتلت دي نسبة قليلة أوي على مقبرة ملكة اللي مفتاحها عندي أنا. فعشان نقصر في الكلام، أنا هاخد النص، ودا آخر كلام عندي." مصطفى بسخرية: "النص مرة واحدة؟ طب إيه رأيك في اللي يخليك تدينا البيت من غير ما تاخذ ولا مليم؟
كرم بتساؤل وابتسامة ساخرة: "ودا إزاي إن شاء الله؟ هتخطفوني وتجبروني على البيع ولا إيه؟ مصطفى بضحكة مستفزة: "لا، إحنا مش هنخطفك. إحنا خطفنا خلاص بسمة أختك. هي منورة عندنا لأني كنت متوقع إنك هترفض، عشان كدا عملت حسابي وخطفتها ووديتها في مكان الجن الأزرق ما يعرفش يوصل له. وطبعًا لو ما وافقتش انت اللي هتخسر والبيت بردو هاخده. فيا ريت نمشيها بالذوق بدل ما تخسر أختك الوحيدة، ويمكن حياتك كمان."
كرم بثقة وجمود: "بقولك إيه، لو فاكر إنك كدا خوفتني تبقى غلطان يا باشا. أنا اللي يهمني الفلوس. مقبرة يعني آثار كتير، لا ومش أي مقبرة دي مقبرة ملكة يعني مليانة خيرات لا تعد ولا تحصى. وأنا المفتاح معايا لأنه مدفون في بيتي. يبقى إيه بقا؟ نلايمها وتزود النسبة عشان ما يبقاش فيه شوشرة والخسارة مش هتبقى ليا لوحدي، لا انتم كمان هتخسروا."
مصطفى بتهكم: "طيب ما كنت تقول كدا من الأول. دا أبوك طالع بيك السما وبيقول إنك شريف وهتبلغ البوليس. طيب كنت وفرت علينا المدة اللي فاتت دي." كرم: "أديك عرفت يا باشا. ودلوقتي نتفق بقا عشان كلنا نبقى مرضيين. واه، لازم أحضر فتح المقبرة عشان أتأكد إنكم مش هتضحكوا عليا وتستغفلوني في النسبة بتاعتي. معلش يا باشا، الحق حبيب الله. ومن الآخر كدا، المفتاح هيفضل معايا لحد ميعاد فتح المقبرة. ها، قولت إيه؟
مصطفى بخبث: "تمام يا كرم، بس المحروسة أختك هتفضل معانا. ما هو أنا كمان لازم آخد احتياطاتي منك، ووجودها معانا هيخليك ما تلعبش بديلك." كرم: "أنا قولتلك يا باشا، أنا ما يفرقش معايا غير الفلوس. لأن بصراحة أنا عاوز أقوم على وش الدنيا. بس انت ما يرضكش يا باشا إني أبين قدام أختي عديم الشهامة والنخوة؟ تقدر تاخد الضمان اللي يعجبك، بس أنا ما ينفعش أسيب أختي مع رجالة غريبة، ولا إيه؟ وبعدين إحنا هنروح من بعض فين؟
مصطفى بخبث: "عندك حق. على العموم، انت هتروح مني فين؟ دي مصر كلها أوضة وصالة. يعني يوم ما تفكر تغدر، مفيش حتة فيك يا مصر تقدر تخبيك عن عيني، وساعتها هخليك تشتهي الموت وما تطلوش." كرم: "اطمن يا باشا، أنا عقلي مش صغير ومش ناوي أضحي بثروة زي دي. دا أنا ما صدقت الدنيا هتضحكلي أخيراً. اطمن. المهم دلوقتي أختي فين؟ مصطفى بحزم: "قبل ما توصل بيتك هتكون هي هناك في سريرها. بكرا الساعة 12:00 بالليل رجالتي هتيجي وتطلع المفتاح."
كرم: "خلاص اتفقنا ياباشا. عن إذنك أنا دلوقتي." في منزل جنة، كانت تجلس في حجرتها بعد انتهائها من الأعمال المنزلية، تؤنب نفسها في أنها كيف سمحت لنفسها أن تحدث شخصًا غريبًا. كيف وافقت أن تعطيني رقم هاتفها له؟ كيف لها أن توافق على إقامة علاقة حب دون ارتباط رسمي؟ ظلت تلوم نفسها وتجلدها وتذكر نفسها أن هذه خيانة ثقة. ترى ماذا سيكون موقف زوجة عمها إذا علمت؟
هل ستسامحها وستعذر قلبها البريء الذي دق بالحب وهو لم يكن يعلم ما معنى تلك الكلمة؟ أم ستفقد الثقة بها وتعنفها؟ ظلت هكذا إلى أن أتتها رسالة على هاتفها، وبالطبع لم يكن سوى خالد. خالد: "إزيك يا قلبي؟ وحشتيني. ما قدرتش أستنى لغاية بالليل عشان أكلمك. قولت أخطف لحظة كدا من الشغل أكلمك فيها وأرجع تاني قبل ما حد ياخد باله. ها، بقا قوليلي عاملة إيه؟ طمنيني عليكي؟ رأت جنة الرسالة وظلت في حيرة، أترد عليه أم لا؟
حينما تأخرت على خالد في الرد، أرسل لها مرة أخرى. خالد: "جنة، مالك يا روحي؟ ما بترديش ليه؟ هو انتي زعلانة مني في حاجة؟ جنة: "خالد، أنا زعلانة من نفسي أوي. وبعدين كلامك دا بيزود إحساسي بالذنب. في إيه؟ لسه قايل امبارح إنك معجب بيا. وفي إيه؟ كل شوية تقول لي: قلبي وروحي وحبيبتي." خالد: "طيب اهدي كدا بس وفهميني بالراحة. إيه اللي مزعلك وليه حاسة بالذنب من كلامي؟
جنة: "أنا مش قادرة أسامح نفسي وأنا بكلمك من ورا أهلي. حاسة إني بجد مش مرتاحة ومش هقدر أعمل كدا. عشان خاطري، ما تزعلش مني. أنا مش هتكلم تاني. ولو لينا نصيب مع بعض، ربنا هيجمعنا حتى لو مش بنتكلم." خالد مسرعًا: "استني بس يا جنة. هو إيه اللي حصل لكل دا؟
عشان خاطري بلاش تبعدي عني. وبعدين أنا بحبك وعاوز أتجوزك. بس بردو مش عاوز أستعجل عشان دا جواز مش لعبة. وكلامي معاكي عشان بس نعرف بعض وناخد قرار بدل ما نتسرع ونرجع نندم. عشان خاطري وحياتي، بلاش تسيبيني. أنا ما صدقت لاقيتك. ولو عاوزة آجي أخطبك دلوقتي، أنا موافق يا ستي. بس اديني فرصة بس شهرين عشان أنا ليا فلوس برا ومش هتيجي إلا بعد شهرين. انتي ميرضكيش آجي أتقدملك وأنا محلتيش أي حاجة ولا معايا حتى تمن الشبكة."
جنة: "طيب خلاص، أنا موافقة أستنى الشهرين دول. بس مش هنتكلم مع بعض لحد ما تجهز وتيجي. اتفقنا." خالد: "لا، أبوس إيدك. أنا ما أقدرش أقعد شهرين من غير ما أكلمك وأسمع صوتك اللي جنني وقلب كياني. وحياتي يا جنة، بلاش تقسي عليا كدا." جنة بتردد: "بس أنا خايفة يا خالد لو حد من أهلي عرف هيزعلوا مني أوي ومش بعيد يرفضوك لما تيجي تتقدملي." خالد: "إن شاء الله محدش هيعرف حاجة. بس خليكي انتي معايا ومتبعديش عني عشان خاطري."
جنة بخجل: "حاضر، مش هبعد وهستنى الشهرين دول يعدوا وتيجي تتقدملي رسمي." خالد: "إن شاء الله يا حبيبتي. هسيبك أنا دلوقتي عشان الشغل وهبقى أكلمك بالليل. سلام يا روحي." في منزل كرم، دخل كرم مسرعًا إلى حجرة شقيقته ليطمئن عليها، فوجدها نائمة ورأسها مغطى برباط طبي. فاقترب منها واطمأن أنها بخير، فدثرها جيدًا وخرج يبحث عن والده. فوجده يجلس في حجرة يمسك بصورة والدة كرم ويبكي. فنظر له كرم بجمود ثم تحدث قائلاً.
كرم: "أنا عاوز أعرف إيه اللي انت عملته ده، هو أنا للدرجة دي مش فارق معاك؟ زمان بعد موت ماما بعتنا وسيبتنا نواجه الدنيا لوحدنا، ودلوقتي عاوز تضيعنا؟ انت عارف إن بسمة كانت مخطوفة، يعني كانت ممكن تضيع للأبد." كرم ببكاء: "يا ابني أنا أعمل إيه؟
أنا اتفاجئت بواحد بيكلمني وبيقولي إنه خطف بسمة، ولو مجبتكش وروحتلهم هيأذوها. ودي بنت غصب عني خوفت عليها، دي بنتي برضه، فاضطريت آخدك معايا من غير ما أعرفك عشان متبلغش البوليس. هو أنا كده غلطان؟ كرم بعدم ثقة: "هحاول أصدقك، المهم إن بسمة موجودة معانا دلوقتي، بس هي وصلت هنا إزاي؟
محسن بتوتر: "أنا.. أ.. أنا كنت قاعد مستنيك لما ترجع. فجأة سمعت صوت جرس الباب، ولما روحت أشوف مين، لاقيت بسمة مرمية قدام الباب، فخدتها ودخلتها أوضتها. يظهر إنهم كانوا مخدرينها، لأنها لحد دلوقتي مش دريانة بالدنيا اللي حواليها." كرم براحة: "الحمد لله إنها بخير." ثم همّ للذهاب، فاستوقفه محسن وسأله بتردد. محسن بتردد: "هو انت عملت إيه مع مصطفى باشا؟
كرم بجمود: "أظن ده شيء ما يخصكش. البيت ملكي أنا، واللي هيجي بتاعي أنا وبس. بس ممكن أديك منه جزء عشان تقدر تبدأ حياتك من جديد بعيد عننا، وكفاية اللي شوفناه منك لحد دلوقتي." محسن بحدة: "بس أنا اللي جايب الناس، وأنا اللي عرفتك على الخير اللي موجود في البيت، يبقى المفروض ليا نسبة محترمة، مش ملاليم هترميهالي وخلاص، ولا إيه يا سي كرم؟ نظر له كرم باشمئزاز: "اطمن يا...
محسن بيه، مش هتاخد ملاليم ولا حاجة، هتاخد كل اللي نفسك فيه. أنا اتفقت مع مصطفى باشا على النص، مش التلت زي ما كان بيضحك عليك." محسن بضحك: "بجد يا كرم؟ بجد يا ابني؟ أخيراً هنودع الفقر ونبقى على وش الدنيا." كرم: "هتاخد نصيبك، ويا ريت ميبقاش ليك وجود في حياتي أنا وأختي مرة تانية، حتى لو فيك إيه. انسى إن ليك ولاد، زي ما إحنا هنسى إن لينا أب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!