في إحدى قرى محافظة قنا. في منزل مكون من ٣ طوابق. الطابق الأول من أربع غرف: غرفة الحاج سعيد وزوجته سعاد، وغرفة لابنه ياسين، وغرفة لابنة أخيه ديمه، والغرفة الرابعة وهي مكتب ياسين الخاص. والطابق الثاني وهو شقة أخت الحاج سعيد أمينة وابنتها دينا. والطابق الثالث وهي شقة ياسين التي سيتزوج بها.
ندخل ذلك المنزل، نلاحظ أن هناك أشخاص كثيرون به. وهناك من يدخل المنزل وهناك من يخرج وهو يحمل أكياس اللحوم؛ فاليوم الحاج سعيد قام بعمل عزومة لأهل قريته وأقاربه.
بينما في مكان الرجال، كانت هناك فتاة ذات عيون سوداء كسواد الليل وبشرة بيضاء وغمازة تزين خدها الأيمن. وكانت ترتدي عباءة جميلة مطرزة تطريزًا بسيطًا ورقيقًا يدل على رقة صاحبتها، وتضع طرحة صغيرة على شعرها الأسود الطويل؛ فكان الحجاب يداري نصف شعرها، بينما النصف الآخر يتطاير خلفها. كانت تسير بسرعة اتجاه المطبخ بعدما نادت عليها زوجة عمها، ولكن وجدت صعوبة في المرور بسبب النساء، فإضطرت أن تذهب من الباب الثاني.
كانت تسير ولكن توقفت فجأة عندما وجدت أمامها الرجال، فأصاب جسدها وشعرت بالإحراج. ونظرت لذلك الذي ينظر لها والشر يتطاير من عينيه. تداركت نفسها وكانت سوف تدلف، ولكن توقفت عندما وجدت يد تعصر يدها وقام بسحبها للمنزل. ويسير يركض وهي تركض وتحاول أن تلحقه.
دخل المكتب وقام بترك يديها ونظر لها بغضب. كانت تقف بارتياح وخوف وتمسك يديها بألم، وهي تتحاشى النظر لعينيه القاسية التي تصيبها بالرعب. ولكن رفعت عينيها عندما وجدته ينطق باسمها. نظرت له وشردت فجأة في تلك العينين التي كما تصيبها بالرعب تصيبها بالحيرة أيضًا. بعينيه قاسيه ولكنها جميلة، فهي خضراء كالون الزرع ومكحلة بكحل طبيعي. فبرغم القساوة التي بهما، ولكن لمحت نظرة حنان جعلتها تستغرب. فكيف لذلك الصخره كما تلقبه، عندما يتعصب، يحمل نظرة حنان. ولاكن فاقت من شرودها على صوته العالي الذي جعلها ترتجف.
ياسين: انتي اطرشتي ولا ايه؟ ليه ساعة بكلمك.
ديمه بخوف وهي تنظر للأسفل لكي تتحاشى النظر له: أنا آسفة.
نظر لها بغضب.
ياسين بصراخ: أنا لما اكلمك متبصيش في الأرض، مش الأرض اللي بتكلمك.
تساقطت من صراخه ومعاملته القاسية.
ديمه بخوف وصوت مختنق من البكاء: أنا اسفه سامحني ومش هعمل كده تاني.
نظر لها لبضع ثوانٍ وذهب ليجلس على مكتبه.
ياسين: من الظاهر إني اتساهلت معاكي كتير لدرجة إنك سوّكتي فيها ومش عاملة حساب لحاجة، عشان كده بقى عقابًا ليكي الفرح هيكون الأسبوع الجاي.
ديمه بصدمة: انتا بتقول ايه؟ مستحيل ده يحصل.
ذهب ياسين وقال لها: لا ماهو مفيش مستحيل معايا.
ديمه ببكاء: أنا مكنتش اعرف إن في رجالة هناك.
ياسين بصراخ: لا والله، يعني انتي النهارده مش عارفة إن في عزومة وإن الرجالة بتاكل هناك؟ وكمان معدية ونص شعرك باين.
قطع كلامهم دخول الحاج سعيد.
الحاج سعيد لياسين: في إيه الياسين؟ ليه صوتك عالي كده؟
ياسين: اسأل الهانم.
ديمه ببكاء: والله ما قصدي ياعمي.
الحاج سعيد: خلاص يا ديمه بعدين نشوف الموضوع ده، وانت يا ياسين تعال معايا الناس بره.
وذهب ياسين ومع والده.
بينما صعدت ديمه لغرفتها وإرتمت على السرير وأخذت تبكي بشهقات عالية.
ليلًا في غرفة ديمه. كانت ديمه منهكة وشعرها يغطي وجهها. رفعت وجهها عندما وجدت أحد يضع يديه عليها بحنان.
ديمه: مرات عمي.
سعاد: مالك يا ديمه يا حبيبتي؟ ليه الدموع ديه؟ وليه قاعدة لحالك في الأوضة؟
ظلت ديمه صامتة، فقط تبكي.
سعاد: أهدي يا بنتي وبطلي بكى.
دخل في ذلك الوقت الحاج سعيد.
الحاج سعيد: روحي روحي يا حاجة جهزي العشاء ودقيقتين ونازلين أنا وديمه.
سعاد: حاضر يا حاج.
الحاج سعيد: معقول ده كله يا ديمه عشان اللي عمله ياسين؟
ديمه ببكاء: انت مش شفت يا عمي إزاي مسكني قدام الرجالة كلهم؟ وكمان عايز يخلي الفرح الخميس الجاي.
الحاج سعيد: أول حاجة أنا عارف إن ياسين غلطان، بس انتي برضو غلطانة. مكنش ينفع تطلعي قدام الرجالة بالشكل ده ونص شعرك باين.
ديمه وقد توقفت عن البكاء: أنا عارفة إن في دي معاه حق، بس والله يا عمي مرات عمي كانت عايزاني في المطبخ وأنا معرفتش أعدي من الحريم، فرحت من الباب الثاني ومكنتش أعرف إن الرجالة هتاكل في البيت، فأنا مليش ذنب يا عمي.
الحاج سعيد: عارف يا بنتي إنك ملكيش ذنب وعارف إن ياسين غلطان وكان لازم يفهم منك الأول. بس أنا عارف كمان إنك بتحبيه، واكيد هتسامحيه. أنا هنزل دلوقتي، وانتي تعالي ورايه عشان العشاء.
ونزل للأسفل وترك ديمه التي أصبح وجهها يكسوه اللون الأحمر. فهي تحبه كثيرًا منذ أن كانت طفلة. فهي تعلم أنه يغار عليها.
تتذكر عندما كانت طفلة.
أمام منزل الحاج سعيد. كانت ديمه طفلة تبلغ من العمر ١٠ سنوات، بينما كان ياسين يبلغ من العمر ١٧ سنة. كان هناك مجموعة من الأطفال وبينهم ديمه يلعبون. توقفت ديمه عن اللعب عندما رأت ياسين خارج من المنزل، فركضت له.
ديمه بفرح: ياسين انت رايح فين؟
ياسين: أبويا بعتني مشوار، عايزة حاجة أجبهالك معايا؟
ديمه بطفولية: أيوه عايزة شوكولاتة كتييييير وشيبسي ومصاصة وكل حاجة المحل كله.
ياسين بضحك: لا والله المحل كله مرة واحدة.
ديمه بتذمر: أنا بتضحك ليه؟
كان ياسين سوف يتكلم، ولاكن توقف عندما جاء أحد الأطفال وقام يمسك يد ديمه وهو يمسك يديها حتى تأتي معه: يلا يديمه عشان نلعب، انتي تأخرتي.
لم يستطع الطفل أن يكمل كلامه بسبب ياسين الذي قام بمسك يديه وحدفها بعيدًا.
الطفل: آآه دراعي.
ياسين: المرة الجاية هكسرهالك لو قربت منها تاني.
ابتسمت ديمه عندما تذكرت ذلك الموقف. بعد وقت انتبهت لطرق الباب، فذهبت وفتحت الباب. فأخفضت رأسها بارتباك عندما رأت ياسين.
ياسين: ديمه ممكن أتكلم معاكي شوية.
ديمه: اتفضل.
جلس ياسين على الأريكة بينما جلست ديمه على طرف السرير.
ياسين: أنا آسف يا ديمه، أنا عارف إني تكلمت معاكي بطريقة مش كويسة.
ديمه بحزن: مش مهم، أنا اتعودت منك.
ياسين: ده كله من حبي ليكي، وانتي عارفة كده وعارفة إني بغير عليكي.
ديمه بتذمر: ما المشكلة إني عارفة.
ياسين بابتسامة: يعني صافي يا لبن؟
ديمه بضحك: حليب يا قشطة.
ياسين: مش ناوية توافقي إن فرحنا يبقى الأسبوع الجاي؟
ديمه: هفكر.
ياسين بصرامة: ديمه.
ديمه: خلاص يعم، أنت هتتعصب؟ بص أنا هوافق بس بشرطين. الأول إن إني أكمل تعليمي، والتاني واعتبره طلب عايزك تحاول تخفف من عصبيتك شوية.
ياسين: حاضر موافق، بس بالنسبة للشرط التاني فهو صعب حبتين. انتي عارفة إني بتعصب لما بغير، بس هحاول عشانك.
ديمه بابتسامة: شكرا.
قطع كلامهم نداء الحاجة سعاد لهم من أجل العشاء.
بعد مرور وقت، كان الجميع يجتمع على العشاء. بعد الإنتهاء من الطعام، جالس الجميع في جو أسري. وكان هناك فتاة تجلس بجوار ديمه تبلغ ١٧ عام، ذات بشرة قمحية وأعين عسلية وشعر أسود قصير.
ديمه: عاملة إيه يا دينا في امتحاناتك؟
دينا: عاملة خزوق يا أختي، الامتحانات صعبة قوي.
ديمه: لا والله الامتحانات هي اللي صعبة ولا انتي مش بتذاكري؟ لو بتذاكري هتعرفي تحلي.
دينا: هو باين عليه هجيب كحك في الآخر.
ديمه بضحك: من ناحية الكحك معروف بتجيبهولنا كل سنة.
دينا بتذمر: والله مش كل الناس شاطرة زيك يا ست ديمه.
في ذلك الوقت دخل أحدهم المنزل، فوقفوا جميعًا بصدمة.