تحميل رواية اوتيل بقلم حبيبه محمد pdf
بقلم حبيبه محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
يا ليت فيي خبيها وماخلي حد يحاكيها بسقيها دموع عينيا وقدملها قلبي بأيدي اقتربت العصافير مزقزقه بالقرب من نافذة تلك السندريلا الغافيه وقد أرسل الهواء نسماته لمداعبه تلك الورود التي بخارج ذلك الفندق الصغير الذي يطل على مياه البحر الصافيه وشمس مصرنا الذهبيه وسحب سمائناً الصافيه فسبحان من صور الكون بأحسن صوره. تبعثرت في نومتها على الفراش وكذلك غرفتها التي تعبثر أثاثها من حولها بطريقه فوضاويه أقتربت العصافير الملونه وهيا تطرق بمنقارها الصغير على النافذه تنشد مع صوت تلك الأغاني المرتفعه التي كان مصدره...
رواية اوتيل الفصل الأول 1 - بقلم حبيبه محمد
يا ليت فيي خبيها
وماخلي حد يحاكيها
بسقيها دموع عينيا
وقدملها قلبي بأيدي
اقتربت العصافير مزقزقه بالقرب من نافذة تلك السندريلا الغافيه وقد أرسل الهواء نسماته لمداعبه تلك الورود التي بخارج ذلك الفندق الصغير الذي يطل على مياه البحر الصافيه وشمس مصرنا الذهبيه وسحب سمائناً الصافيه فسبحان من صور الكون بأحسن صوره.
تبعثرت في نومتها على الفراش وكذلك غرفتها التي تعبثر أثاثها من حولها بطريقه فوضاويه أقتربت العصافير الملونه وهيا تطرق بمنقارها الصغير على النافذه تنشد مع صوت تلك الأغاني المرتفعه التي كان مصدرها هو هاتفها كم تعشق تلك الأغنيه وخاصه الموسيقى الملحنه مع كلماتها تنقلها إلى عالم أحلامها تمللت بنعاس وقد اختلطت أصوت موسيقاها العذبه مع أصوات خبط عنيفه ومزعجه على الباب.
نهضت وهيا تكاد تجزم أنها لا ترا أمامها شيئ تشعثت خصلاتها البنيه ذات الخصلات المووجه وجهها الأبيض والذي طبع عليه أثار النوم رفعت كف يدها الصغير وهيا تحاول أزالت العوائق التي أمام عينيها وهيا تتوعد للطارق بشده.
فتحت الباب كمهب الرياح فتراجع من كان يطرق الباب إلى الخلف بفزع لتصرخ بوجهه بغيظ لإيقاذها من منامها الجميل وإسقاطها من فوق جوادها الأبيض.
_أيه أيه!!! خبط خبط ما تريح ايدك شويه انت بتخبط على ميتين ما براحه يا عم انت!!!
مع كل كلمه كانت تنطقها كانت تتطاير خصلاتها خلف منها بطريقه راقته كثيراً لم يبدي اي أهتمام بحديثه الفظ التي ما زالت مستمره بقذفه كالرشاش بوجهه فقد أخذ يتطلع إلى تلك الغاضبه بأعجاب قد أنساه لماذا قد قدم إلى هنا سحرته تلك السندريلا بحق!؟
صرخت بوجهه للمره الألف على التوالي فأرتد إلى الخلف بضع خطوات بغيظ من صراخها الحاد لتهتف بفظاظه.
_هو انت جيت فقدت النطق هنا ولا ايه عايز مني ايه على الصبح!
تبسم وجهه بشده فظهرت حفرتيه التي برزت بشده من بين لحيته الخفيفه وهو ينظر إلى وجهها المحتقن بالدماء أشار بيده إلى الداخل لتهتف صارخه بصوت مزعج أكثر.
_نعم نعم؟! نتكلم جوا ده بعينك انت جاي تتحمرش بياااا لااااا....
قطع كلماتها أقترابه المسرع منها ووضع كفه على فمها قاطعاً أنفاسها تلك الحمقاء صاحبت اللسان المتسلط سترهقه بحق حتى تفهم ما يريده منها وحتى ذلك الوقت ستتسبب بطردهم من الأوتيل بحق!! أخذت تحاول الإفلات بكافى شتى الطرق من بين يديه ولكنه كان أقوى منها وأشد تشبث بها.
نظرت إلى داخل عينيه التي لمعتا بطريقه جميله للغايه لأول مره تلاحظ لمعان النجوم بتلك الطريقه الخاطف بسواد الليل الحالك أعيني تلك أم قمراً ليلي قد اكتمل بأخر اشهره!؟ لم يمانع هو الأخر بالنظر إلى داخل عينيها الذي قد سكب بها بحور من العسل كم هيا جميله!!
أبعد يده برفق عن فمها فأخذت تلتقط أنفاسها بطريقه مسرعه وقد غزي الأرتياب قلبها من ذلك الرجل الغريب هتفت وقد هدئت أنفاسها بحذر.
_انت مين!!! وعايز ايه!؟؟
تبسم عند إدراكه لهدوئها أخيراً قام بوضع يده بجيبه لأخراج شيئ ما من داخلها رنت بضع الكلمات المحذره إلى داخل عقلها هل سيتم خطفها بواسطه ذلك الوسيم!؟
صرخت باستعداد كالنمر وهيا تنقض فوقه فسقط كلاهما أرضاً رمش بعينيه بعدم استوعاب وهو يجد جسده بأكمله يهوى ساقطاً أرضاً، نظر إلى تلك الذي تنظر إلى داخل عينيه بعدوانيه شديده هل قتل لها شخص وهو لا يعلم!؟
لانت ملامحها الغاضبه وهيا تلمح يده التي تمسكت بمفكره ذات طبع ازرق وبها بضع الحروف الإنجليزي هل أساءت فهمه يا ترى!
نهضت من فوقه وهيا ترفع يدها تضعها بفمها بطريقه تدل على شده ندمها فبدت طفولية جداً ضحك بخفه وهو يهز راسه يميناً ويساراً بيأس من أي سماء قد سقطت عليه تلك المجنونه، اخرج قلمه مدونناً بضع كلمات على أسطر مفكرته ومن ثم مد يده بها أليه.
نظرت له ملياً وهيا تتعجب أمره مدت يدها بتردد لتمسك المفكره بيدها لتبتسم بخفه وهيا تطالع كلماته المدونه.
_لو كنتي بطاتي صريخ من الصبح كنتي عرفتي انا عايز ايه!
فركت رأسها بأحراج شديد هل ذلك الوسيم لا يتحدث!! يالها من حمقاء بل وتحدثه بفطاظه أيضاً ولم يكفها ذلك فأسقطته أرضاً مختله عقليه هيا بحق.
لاحظ أسنانها التي تكز بها فوق اصبع يدها بشده فأقترب جاذباً المفكره مجدداً مدوننا جملته ومن ثم مدها أليه تناولتها وقد اراقها ذلك النوع من الحديث فابتسمت بأحراج أكبر وهيا تقرأ ما قد دونته يديه ذات العروق البارزه.
_صوت الأغاني اللي طالع من أوضتك عالي اوي ومش عارف انام ممكن توطيها شويه!؟
رفعت يدها تضرب جبينها وهيا تلعن نفسها بداخلها بابتسمت برفق ولين وهيا تنظر له.
_أ... أنا اسفه مكنش قصدي اعاملك وحش!
هز راسه بنفي وكأنه يخبرها أنه لا يوجد مشكله تبسم فاهه من طيبت قلب ذلك الرجل لتبتسم مردفه.
_أنا أروى وانت!
تردد قليلاً بالأجابه عليها ليمد يده جاذباً مفكرته من بين يديها مديراً ظهره ومغادراً تاركاً أياها تقف ببرهه الأوتيل تنظر إلى ظهره الذي أولاه أياه مغادراً يأتي ويطرق بابها ومن ثم يذهب لا تفهمه بحق!!
قطع صفوتها وصفوت تفكيرها تلك الموسيقى التي مازالت تتردد بالداخل وقد بدأت بأعادت الأنشاد مردفه.
ياريت بتعرف شو بحبها
وشو عم اتعذب بحبها
يا قلبي روح جيبيلي قلبها
راح ادوب وانا افكر فيها
أقتربت متنهده وهيا تعاود الدخول إلى داخل غرفتها من جديد مغلقه الباب خلفها بقدميها اقتربت من هاتفها الذي كانت تخرج منه صوت الموسيقى وقامت بأغلاقها نظرت إلى يدها التي أغلقت بها الهاتف وقد مر بباطن عقلها تلك المفكره التي كان يحدثها بها تبسم فاهه لتهتف بتحدي.
_امممم شكل كده يا أروى إجازتك مش هتبقى هاديه خالص جايالك يا أبو عيون قمر!!
أنزل المنيو"قائمه الطعام" الذي كان قد رفعها إليه ليطلب طعام الفطور فقفز إليه وجهها القططي وعينيها التي رمشت ببراءه وهيا تنظر له لفتره لم يستطع استوعاب ماذا يحدث عينيها بريئتان للغايه مختلفه كلياً عن تلك العيني الشيطانيتي التي كانتا تفتكان به في الصباح هتفت وهيا ترجع يديها خلف ظهرها وتشبكهما سوياً ومن ثم اهتزت إلى اليمين واليسار كالأطفال هاتفه.
_ينفع اقعد معاك ولا هتزعل!؟
ضحكت عينيه عليها ولكن بقيا وجهه جامداً كقطعه من الحجر لم تنتظر إجابته فسحبت كرسيها فوراً وجلست أمامه هاتفه بمرح.
_هاااا هتاكل أيه بص هو غالباً مفيش احسن من الفول والطعميه بس هنا مظنش موجود الأوبشن ده!
ضيق عينيه بصدمه وهو ينظر لها هتفت بضجر شديد وهيا تنظر لعينيه.
_أفضل افتح وضيق في عينك طول ما انا قاعده!!
مدت يدها بداخل حقيبتها ذات اللون الوردي وقد رسم عليها من الخارج أحد شخصيات الكرتون كم تبلغ بحق تلك الفتاه من العمر!؟نظر إلى المفكره البيضاء اللون والتي كانت قد رسم عليها أموشن يضحك وبيدها الأخرى أخرجت قلم وردي قد زين ببراعه مدت يديها له مردفه برفق.
_اكتب هنا.... بص انا معنديش صحاب وجايه هنا طفشانه من كل حاجه ممكن نبقى صحاب!!!
رفع حاجبه متعجباً من هدوئها أين تلك القذيقه التي انفجرت بوجهه بالصباح!؟ مد يده ممسكاً بمفكرتها ذات الطبع الطفولي اخذ يطيل النظر إلى قلمها الذي ود لو يضحك على طريقه تزييننه ليدون بعض الكلمات على سطورها.
رفع رأسه ليمد لها المفكره ولك وجدها مرتكزه بيديها قريبه منه تقرأ ما تسطوه يديه لترفع حاجبها مردفه.
_مبتصاحبش بنات!؟ ايه عصر سنه أولى أبتدائي ده!؟
ضحك بخفه لتهتف بغناء ومرح وهيا تنظر له.
_ضحكت يعني قلبها مال.... وخلاص الفرق ما بينا اتشال.
هز رأسه بيأس على طبع تلك الفتاه الغريب لتبتسم وتكمل برفق وهيا تنظر له.
_يعني انت مش عاوز نبقى صحاب!؟
شعر بدقات قلبه تتسارع أثر كلماتها التي هتفت كموسيقي سيفونيه أثارت الزغزغه بداخل قلبه تنهد ليرفع القلم ساطياً ولم تفارق الابتسامه شفتيه وهيا يجدها تنظر إلى ما يكتبه كالأطفال.
_لو عايزه نبقى صحاب مفيش مشكله._يحي العدل يحي العدل يحي العدل.
ضحك بشده ماذا قد دهى تلك الفتاه هل لديها انفصام بالشخصيه!؟رفعت يدها رافعه خصلاتها التي تبدو كالغجر كثيراً فلاحظ ذلك النمش البنى الخفيف المتفرق بوجهها إذا هيا ذات النمش سيلقبها هكذا اقترب النادل واضعاً طبقين قد احتويا على العديد من انواع الفطائر وكوبي من العصير الطازج.
ابتسم للنادل ومن ثم استدار لينظر لها ليجدها تنظر إلى شيئ ما بالخارج نظر عبر ذلك الزجاج الشفاف فوقعت عينيه على صغيره تقزف كره بلاستكيه إلى والدتها وقد رنت ضحكتها الأجواء.
لاحظ عبراتها الحزينه التي قد صنعت غلف شفاف أمام عينيه دفع احد الأطباق باصتدم بيدها فنظرت له ليبتسم برفق مشيراً بعينيه إلى الطبق لتبسم. مردفه.
_عايزني اكل معاك عشان يبقى عيش وملح يعني اشطا يا مان مفيش مشكله.
كيف تتبدل هكذا من شخصيه إلى أخرى في ثوان!؟ اي حكايه هي عليه قرأتها كامله!؟أطال النظر لها وهيا تمسك كوب من العصير وتجترع بضع رشفات هادئه منه، الهدوء ليس طبعها عاده ولكن هناك شيئ يجعلها ساكنه شيئ يجبرها عن كبت جنونها ولو دقائق، ظلت عينيه تتفحصها ليست بذلك الجمال الخلاب بل إنها عاديه لأقصى درجه يضيف ذلك النمش لها مزيجاً من الطفوله وهيا طفله حقاً.
راقه ذلك الفستان الأزرق الملائكي الذي ترتديه الذي لم يتعدا كعبها بعد وقد فتح من الجانب فتحه صغيره فقط من أين سقطت هيا فوق رأسه ام انها خوريه قد ألقتها إليه الامواج!؟شعرت بحراره ترتفع بوجنتيها هيا لم تجرأ على رفع عينيها لعلمها بأنه ينظر لها ذلك الشخص غريب بحق لم يخبرها حتى ما هو اسمه هل تفرض نفسها عليه يا ترى!؟
التقط القلم الذي قد وضع جانباً مدوننا كلمتي بداخل مفكرتها فتقدمت مسرعه ناظره الى ما تخطوه يديه.
_اسمي أنس على فكره..
هل قرأ أفكارها! نعم لقد قرأ أفكارها لابد من أنه قد قرأ أفكارها، تحمحمت وهيا ترجع جسدها الي الخلف وتضع الشاليمو الملحق بكوب العصير بفمها مردفه.
_اوعي تكون فاكرني بفرض نفسي عليك ابدااا... أنا بس قولت بما إننا لوحدنا من غير لا حبيب ولا قريب نونس نفسها ولا ايه يا مؤنس!؟
لقد تم تدمير اسمه بنجاح! ذلك ما قد ردده عقله نظر إليها وهيا تبتسم له ببلاهه هل هربت من مشفى المجانين يا ترى!؟ ماذا يدهو تلك الفتاه!؟لقد اعجبه تقلب مزاجها من فتره إلى أخرى يبدو بأن قلبها يحمل من الطيبه أكوام فطبع ذلك على وجهها.
افزعه وايقظه من تفكيره وضعها لكوب العصير بقوه لتهتف اروي وهيا تبتسم له مردفه.
_هاااا مقولتليش بقى انت منين انا من القاهره!.
هو يجعل عقله يتغزل بها عقله الذي لم يتغزل بأنثى من قبل وهيا تفزعه بحركاتها.رفع حاجبه ينظر لها بتعجب ولكن تعجب أكثر وهو يجدها تفتح يده واضعه بها القلم لتبتسم مردفه.
_هتفضل ساكت كتير قولي يلا ساكن فين!؟
ضحك على عقل تلك الصغيره ليبدأ بالكتابه مردفاً.
_انا برضه من القاهره._طلعنا قرااايب يعني!؟_هو انتي مجنونه!؟
نظرت له بطرف عينيها التي لمعت بغيظ ليبتسم فقد عادت القطه المشاغبه الذي تعرف عليها صباحاً فقد عادت نظراته تنظر له بشيطانيه ضحك بشده ليكتب مسرعاً.
_مش قصدي بس انا اول مره اشوف بنت زيك كده!
جلست على كرسيها بغرور لترجع خصلاتها إلى الخلف بغرور مصطنع هاتفه.
_ما هو المصنع نزل مني نسخه واحده بس.
لأول مره يضحك من قلبه بتلك الطريقه هيا بلاء ولكن بلاء جميل للغايه كيف لها أن تكن هكذا!! كالزهره الفواحه التي تنشر رحيقها العطر بالمكان أو كشمس الفجر التي تبدد الظلام.
ابتسمت وهيا تنظر إلى ضحكته وعينيه التي تغلقان وأهدابه الطويله ياله من رجل وسيم! توقف أنس اخيراً عن الضحك ليمسك القلم مدونناً.
_مغروره قوي!_انا؟!! كلهم بيقولوا كده في البدايات بس لما تعرفني مش هتقول كده._متواضعه يعني وانا ظالمك!؟_لا أكثر غروراً يا راجل.
هز رأسه وهو يحاول أن لا يفلت ضحكاته رفع رأسه مسرعاً فارتطمت برأسها التي كانت فوقه تنظر إلى ما يكتبه صرخت بألم وهيا تتراجع إلى الخلف هاتفه.
_عماره عشر ادوار وقعت على راسي اااااه.
نهض من مكانه مسرعاً مقترباً منها وقد لمح مكانها الذي قد بدأ يصبح بالون الأزرق توتر قليلاً وهو يلاحظ دموعها لم يكن يستحق الأمر البكاء فلما دموعها تتساقط!؟اقترب النادل الذي كان يراقب ما يحدث ليمد يده له بالثلج ليجذبه ويضعه فوق جبينها ضحكت من وسط دموعها مردفه.
_يا ابو قلب حنين مطلعتش مصطفى حجر.
ابتسم على كلماتها حتى في أشد المواقف تضحك هل ولدت تضحك دونناً عن باقي الأطفال غريبه هيا بحق بل واغرب ما تكون عن الغرابه.
رفعت يدها لتمسك بالثلج الذي تمسك به بين يديه هاتفه.
_هيا مش صعبه قوي يعني!
ضحك لينظر إلى عينيها وكأنه يخبرها إذاً لما البكاء رفعت سبابتها مردفه.
_اوعي تكون فكرتني عيوطه!!
حقاً ستصيب قلبه بنوبه من فرط الضحك سمع ملياً عن فرط الحب ولكن لم يستمع قط إلى فرط الضحك، تقدم وجلس مكانه وهو ينظر إليها يبدوا ان داخلها لم يشفع له تلك الفتاه تمسك لسانها بصعوبه حقاً..
سمع كليهما صوت ضرب على المايك فلمحا مدير المكان يتقدم صاعداً على احد المنصات الصغيره وقد ابتسم وهو ينظر إلى هذا الجمع الذي نزل بفندقه الصغير والمتواضع ليهتف.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يسعدني جدا أنكم اخترتم الأوتيل بتاعي دونناً عن باقي اللأوتيلات رغم أن كل الأوتيلات هنا اسره معا بعضيها(ضحك البعض وصمت الأخر ليكمل) طبعاً احنا كل بدايه شهر بنعمل حفله صغيرها بيحضرها جميع النزلا هنا والحفله دي بتكون مستمره للصبح ده من حظكم اننا في بدايه الشهر، طبعاً ده مش هيمنع أن كل واحد هيشرفنا بالحفله يتبرع بمبلغ صغير وهو وراحته نساعد بيه فئه معينه محبش الإفصاح عنها وطبعاً ده حسب رغبتكم لكن اتمنى ان الكل يشاركني الثواب ده اتمنالكم أقامه سعيده.
سفق الجميع بشده فلأول مره تكن هناك فعاليه بأحد الأوتيلات كمثل تلك يبدو أن صاحب الأوتيل ذو قلب رحيم للغايه.
نظر إلى أروى الذي تابعت حديث المدير بعقل سارح فمد يده ملوحاً أمامها لتبتسم مردفه بشرود.
_عمري ما روحت حفلات قبل كده ولا عمري اعرف شكلها ايه معقوله ربنا بيحققلي كل اللي بتمناه في لحظه!
استمع إلى كلماتها فبعثرت شتات قلبه ماذا تتمنى هيا!؟ ابتسمت وقد استدار وجهها إليه لتهتف برفق.
_هتروح الحفله!؟
هز كتفيه بمعنى لا يعلم فابتسمت وهيا تنظر إلى عينيه.
_ممكن نروح سوا!؟
كم هيا جميله عندما تكون رقيقه وهادئه تبدو كالزهره البديعه، ولكن ما بال عينيها تتقلب بداخلها المشاعر لماذا يشعر بأن هناك حزن بداخلها! حرك لسانه للنطق ولكنه صمت عند ورؤيتها تجمع اشيائها بحزن.
_طالما مش عايز تروح براحتك مش هغصب عليك.
حملت حقيبتها مستعده للنهوض ولكن فوجئت به يمسك ذراعها مهزاً راسه بالأيجاب لتبتسم بسعاده مفرطه هاتفه.
_هتجي معايا الحفله!!!
هز رأسه فسفقت بشده جعلته يبتسم على تلك الصغيره الطفوليه التي يبدو أن رحلته لن تتخلى عنها .... أبداً.
"كنتُ أحدّق إليه كل دقيقة والأخرى، بحذر شديد، بدهشة وخوف، لماذا أشعر بأن قلبي سيتهاوى ؟هل حقاً سأحبه إلى هذا الحد ؟"
إني أُحبك قاصدًا مُتعمدًا
سلمتُ قلبًا هامَ في عينيكِ
عمري فداكِ خُذيه لا تترددي
أنتِ الحياةُ وحلوها بيديك
إن شئتِ ظلمًا فاظلميني إنني
لكِ منكِ فيكِ فلا ملامَ عليكِ
أو شئتِ عدلًا فاعدلي يا مُنيتي
إن الهوى في الحالتينِ إليكِ
نظر ملياً إلى ما خطته يديه لما قد تناولت يديه تحديداً كتابه تلك الكلمات هل يا ترى لإنشغال عقله بتلك التي لم تكف عن التراقص بشرفه غرفتها وهيا تضع السماعات بأذنيها.
ابتسم وقد لمحها مجدداً ولكنها توقفت عن الرقص تستند على سور غرفتها لما هيا جميله هكذا!؟ ام ان عينيه فقط من تراها هكذا.
نهض مغلقاً مفكرته وقد تقدم وفتح باب شرفته ليستند على طرفها وهو يطالعها من بعيد لاحظ يديها التي تمسك بالمفكره الذي كان يدون بها وهيا تدون بداخلها شيئ ابتسم بلا أراده وهو يتذكر جنونها.
اشتمت رحيق عطره الذي قد حفظه انفها كأن الرياح قد أصرت على حمله لها ضحكت وهيا ترفع عينيها فتجده يقف ينظر لها.
دقات قلبها غريبه يتناول قلبها جرعه سحريه من مشاعر مختلفه لم تفسرها بعد ولكنها تزيل إرهاق قلبها.
هتفت بصوت عال نسبياً.
_بتعمل ااايه!؟
ضحك وهو يقترب من سور شرفته هما بالطابق الأرضي القريب من البحر وأمامهم العديد من المارون وصوتها يجعلهم ينظرون إليهم المنظر جميل وسارق للأنفس قام احد المارين بأخراج هاتفه والتقاط لهم الصور فمنظرهم جميل للغايه وتلك الورود والأشجار التي على جانبي شوفتهم أضافت لهم روح ايضاً
عضت على شفتيها وهيا تلاحظ احد الشباب ينظر إليها وقد ابتسم ببلاهه رمقته بنظره ساخطه لتهتف وقد تبدل حالها وهيا تنظر إلى أنس.
_هديك رقمي سجله عندك عشان نتكلم ماشي!؟
اخرج هاتفه ملبياً لطلبها وقد أخذ يكتب الرقم خلفها انتهت وكادت أن تتحدث ولكن اوقفها صوت ذلك الشاب الذي هتف ببلاهه.
_معلش ممكن تعيدي آخر رقمين بس!!
رفعت حاجبها وهيا تنظر له لتهتف بغيظ.
_ده انت رامي ودنك معانا من بدري بقى!! امشي يلا من هنا بدل ما انطلك!!
تمتم الشاب ببضع كلمات مغادراَ ليسترق سمعها إلى صوت ضحكاتها فابتسمت وهيا تنظر له مردفه بهمس لنفسها.
_مش عارفه انا مالي ومالك! بس مش يمكن تكون الحاجه الوحيده الحلوه اللي اخترتها في حياتي!؟ هو من أمته اختياراتي بتبقي حلوه دي حقيقه فعلاً بس انت مختلف، أنت اللي ضربت بابي ولا كأنك ضربت قلبي اللي قفلته وأعلنت انه خلاص اتملي نزلا بس بابه اتفتح تاني اول ما شافك،حكايتك ايه يا انس!؟
ظل ينظر إلى عينيها ملياً وقد بدأ هو الأخر محدثاً نفسه وهو ينظر لها.
_انا مش عارف انا ليه حاسس بقلبي بيدق جامد ليكي بس كل اللي اعرفه انك حاجه حلوه، انتي زي حوريه حدفها البحر ليا! مش يمكن انتي الحاجه الوحيده اللي اطلع بيها من الرحله دي! كنت رافض من البدايه بس لما شوفتك حسيت ان خلاص رحلتي هيبقى ليها طعم، ريحه، نكهه تانيه خالص حكايتك ايه يا أروى!؟
اهتز هاتفا معلناً عن وصول رساله لها لتبتسم وهيا تقرأ رسالته.
_مش مشغله اغاني يعني!؟
ضحكت فتناول الآخر الضحك من الجهه المقابله لتكتب له.
_مش هيا بضايقك!؟_معادتش بتضايقني مش عارف ليه!؟
ضحك قلبها بشده بينما بقي عقلها فارغا يحاول استوعاب كلماته، ضحك وهو يجدها تفتح فمها بطريقه مضحكه.
_اقفلي بوقك طيب._انت رخم._اتعاديت منك._احنا فينا من كده بقى!_احنا فينا من كل حاجه.
رفعت عينيها تنظر له مجدداً فابتسم لها هو الأخر تلك المحادثه يكتبها قلبها وليست يديها فأرسل لها رساله حملت بين طياتها.
_شكلك حلو لما بتتكسفي._انت رخم واللهي._مش اكتر منك.
نظرت إلى رقمه والتي تحاول تسميته بإسم مختلف وهو الأخر يحاول تسميتها بإسم مختلف وكأنهم ككتاب تلاقي الأرواح نفس طريقه التفكير فدون كلاً منه مسمياً الأخر.
"أْرْوُي الأنُسّ"
تبسم كلاهما وهما ينظران إلى الإسم ولجت رساله أخرى إلى اروي لتجدها من رقم آخر قد احتوت.
_افتكرت الرقمين على فكره!
هزت رأسها بغيظ من تطفل ذلك الشاب وسرعان ما قذفت بوجهه بلوك نظرت إلى أنس الذي ما زال ينظر الى هاتفه ويبتسم لتصرخ بصوت عال.
_بسببك رقمي بقى مع سكان الغردقه كلهم يا مؤنس!!
جز على أسنانه بغيظ ليرسل لها مردفاً.
_أنس أنس... مش مؤنس_مؤنس هو الموضه._مش بحبه انا!!_وعشان انت مش بتحبه فأنا مش هناديك غير بيه يا مؤنس.
هتفت بتلك الجمله بصوت عال ليجز على أسنانه بغيظ ليبعث لها رساله احتوت.
_مش لاقي اسم لاسمك رخم لأنه حلو._زي صاحبته!!_التواااضع يا ناااس التواضع.
ضحكت بشده فابتسم الآخر وقد لاحظ غروب الشمس ليبعث لها رساله.
_ادخلي يلا اجهزي عشان الحفله._هتعدي عليا!؟_هستناكي عند السلم._مش هتاخر عليك يا مؤنس._أنس واللهي العظيم أنس.
ضحكت وقد اولته ظهرها للدلوف إلى غرفتها فابتسم وهو يستدير أيضاً متوجهاً إلى غرفته بسعاده لم يدركها قلبه.
رواية اوتيل الفصل الثاني 2 - بقلم حبيبه محمد
أحببته لأنه ثمين جداً، لا يشبه تفاصيل هذا العالم المزدحم بالتكرار والنسخ البالية. لأنه يشبه كل الجمال الذي يلون الأرض. لأنه يشبه السماء المزهرة بالغيوم. لأنه يشبه الشمس في فلك الكواكب. لأنه يشبه الأشياء التي لا يمكن أن تُرى أو تُلمس، والأحلام والمُنى، والغاية والشوق، والأمل والألم. لأنه يفوق العادة والمقصد والإرادة.
أوتيل.
وتعبيراً عن الحالة اللي جوايا.
هقول كل الكلام دلوقتي لعنيكي.
وجودك بالنسبالي ده كفايه.
موافق أعمل أي حاجة ترضيكي.
كانت تلك هي كلمات الموسيقى المنشدة والقادمة من القاعة المقام بها الحفل الذي يقام كل قرابة شهر. منذ قرابة نصف ساعة وهو ينتظرها. مر على أذنيه ما قد قارب المائة أغنية، وهي مازالت تتغنج أمام مرآتها. هل الليلة زفافها لتتأخر كل ذلك؟
لما لا يتركها ويذهب ويدعها تلحق به؟ رن ذلك السؤال في عقله. ولكن حسناً، هو لا يريد أن يراها حزينة. يكفي ما قد لمعته به بؤرتها من حزن، ود لو يعلم سببه.
أخيراً تكرمت حضرتها بالوصول. فرفع عينيه من فوق ساعته الذي نظر إليه مائة مرة. فوقعت عيناه أولاً على كعبها الذي تتغنج بمشيتها به. رمشت أهدابه بشدة وهو لا يصدق مدى جمال تلك الحورية المتغنجة في مشيتها أمامه.
ضربات قلبه علت حتى استطاع عقله الاستماع لها. عيناه تتسعان بشدة، وفكه يتدلى ببلاهة حتى كاد يلامس أعلى صدره. أي أمواج قد قذفت بحورية من حوريات بحرها إليه؟
شعر بانقطاع الأكسجين وعدم وصوله إلى مجرى تنفسه وهو يطالع من سوف تتسبب في مقتل قلبه. رفع يده حاكاً جانبه أنفه وهو يشعر بحرارة تشتعل بداخله. من أين سقطت تلك المجنحة؟
طالع تلك الفتنة وقد لمعت عيناه بالإعجاب. ذات النمش قد سرقت قلبه بحق. من أي جهة قد يبدأ بوصفها؟ هل بخطواتها التي تتهادى بها بجبروت غير مبالية بقلبه الذي فتح جميع الإنذارات منذراً بأن هناك عدو قادم لغزو قلبه.
يالها من سلطانة قاسية تحاول تعذيب قلبه. فستانها الحريري الرقيق باللون الوردي الذي لاق بها بشدة، يحتضنها بتملك يحسده عليه، فينساب حتى يلامس كاحليها. بشرتها البيضاء اللامعة التي تتحدى عنفوان لون فستانها فتعلن وبكل ثقة نصرها.
وجهها الفاتن الذي لا يعلم متى قد دقق النظر به حتى حفظ جميع تفاصيله. حقاً سينطق لسانه الآن متغزلاً بجمالها الماسي. شعرها المموج الذي تركته على طبيعته ولكن قامت فقد بازاحته بأكمله ليكون على يمين رقبتها. ورقبتها البيضاء الذي زينها تلك اللؤلؤة البيضاء والملساء بعض الشيء.
لو نوت أن تقتله بدم بارد لما فعلت به ذلك! لأول مرة يرى أنثى بقلبه لا بعينيه.
تحركت قدماه رغماً عنه كالمفتون الذي لا حول له ولا قوة. وقفت فوقف أمامها يتأملها وهو يعقد عقداً بداخله أن لو رآها أديب الشعراء، لما تركها سوى أن يصفها بأروع الكلمات.
وكأن كان ينقصها جمالاً. فرق جمالها فتتورد وجنتاها بذلك اللون الأحمر القاني بحركة من رأسها أعادت خصلاتها المتمردة إلى الخلف.
ابتسمت أروى بخجل وهي تلاحظ عينيه التي لم تتزحزحا قط عنها لتهتف بابتسامة أضافت لها جمالاً آخر:
اسفة أني اتأخرت عليك!
استفاق من غيبوبته التي أصابته بها وهو يهز رأسه نافياً بأنه لا توجد مشكلة.
وحان الآن حبك في قلبي ياخد له مكان.
ده مالي قلبي ولسه زمان.
عشان أوصف فيه.
وننسى زمان.
حياتنا الجاية بالألوان.
معاكي انت بجد عشان لقيت اللي بحلم بيه.
هل الموسيقى تتغزل بها أيضاً؟ هل نالت إعجاب وسرقت قلب الموسيقى أيضاً؟
تقدمت حتى وقفت أمامه أكثر، فلفحت رائحة عطرها داخل أنفه لتبتسم مردفة:
احنا هنقضي الحفلة هنا ولا إيه؟ يلا عشان نلحق الحفلة من بدايتها!
أمسكت يده وجذبته خلفه، فابتسم وقد تدارك أنه ليس بحلم، وتلك ليست بفراشه. هو بالواقع. الواقع الجميل.
تبسمت شفتيها وهي تنظر إلى ذلك الجمع من النزلاء الذين تفرقوا عن بعضهم البعض. الجو هادئ كثيراً وقلوب الجميع ساكنة.
اقتربا وهما ممسكان بيد بعضهما البعض. يشعر أنه يتملكها وكيف قد يضيعها من يديه قط! لمحت عينا أروى ذلك الصندوق المزخرف الذي وضع على بعد قليل، فابتسمت برفق وهي تنظر إلى أنس:
اسبقني على طربيزة وأنا جايه وراك؟
رفع حاجبه ولكن لم تمهله قد فرصة للتعجب. ولكنه لمح وجهتها إلى الصندوق فتبسم على طيبة قلب راويته.
هل قال إنها راويته؟ إيعقل أن يحبها خلال 24 ساعة فقط قد التقى بها بهم!
أما عنها، فأقتربت واقفة أمام ذلك الصندوق. نظرت له ومن ثم ألقت نظرة إلى أنس ومن ثم نظرت إلى الظرف الذي بيدها وإلى كم النقود الموضوع بداخله. هي الآن بوضعها لذلك الظرف داخل الصندوق ستتخلى عن حلمها. حلمها الذي حلمت به منذ نعومة أظافرها.
ولكن كما قال بعض الشعراء: "ليس كل ما على الهوا يصيب". مدت يدها وقد فرت دمعة هاربة من بحر عسلها لتضعها بنية خالصة وتدعو لصاحب الأوتيل بإزالة ذلك الحمل الثقيل من فوق عاتقيها.
استدارت متوجهة إليه، فأخذت تتطلع إليه بملامح معجبة كثيراً. طقم كلاسيكي مزيج من بنطال أسود اللون وقميص أبيض عادي، ثنى أكمامه وفتح أوله، وذلك الجاكيت الأزرق الذي ربطه حول عنقه من الخلف فأعطاه ذلك طبع شبابي رائع.
اقتربت جالسة مقابلاً إياه مبتسمة لتخرج المفكرة الصغيرة مجدداً من حقيبة يدها الصغيرة، هاتفة بمرح:
هو المكان ده مفيهوش بوفيه ولا إيه؟ أنا جعانة!
ضحك بصوت منخفض ولكنه رن في أذنيها. فابتسمت وهي تتطلع إليه بشدة. لثالث مرة مد أنس يده ممسكاً بالمفكرة لتقترب منه وهي تنظر إلى ما سوف تسطو إياه يديه:
كنت صدقت إنك بنوته هادية وعاقلة.
أنا يا ابني! استغفر الله حاشا لله.
ضحك مجدداً وهو لا يصدق بحق تلك الفتاة تختصر جميع الطرق للوصول إلى قلبه. هذا ما قد تداركه فعلاً.
شكلك جميل على فكرة!
لم يكن يتوقع احمرار وجنتيها قط. ليبتسم ويرفع يده قارصاً وجنتيها. فذمت شفتيها بطفولة مردفة:
هو عشان أنا عندي خدود وانتوا لا تقرصوا فيا!! طب يارب يبقى عندك خدود عشان اقرص فيها.
ضحك على تلك الصغيرة بحق وتذمراتها الطفولية. قطع صفوهم تلك الموسيقى الهادئة التي جمعت كلاً من الزوجين معاً يتراقصا تحت ذلك الضوء الخافت.
نظر لها بصفاء وهو يجدها شارده تنظر إلى من يتراقص بعينين لامعتين. لمعة تجعل قلبه يلمع. مبهماً نهض واقفاً من مجلسه مقترباً منها مداً يده لها. وباليد الأخرى رفع يده حاكاً جانب أنفه بتوتر. لأول مرة يقوم بفعل ذلك. لأول مرة يقوم بعرض الرقص على فتاة. لا يصدق نفسه حقاً!
مدت يدها له مبتسمة. فوضعت كفها الصغير بداخل كفه الكبير الذي احتوى يديها. أخذها وسار بها اتجاه ساحة الرقص تحت أنظار البعض المفتونين بتلك الجميلة والجميل.
بدأت الموسيقى تعزف لحناً آخر. امسك يدها ووضعها على كتفه ببطء وهو ينظر إلى وجهها وملامحها الهادئة والبريئة. فوجهها بالكاد يصل إلى صدره بالرغم من طول كعبها الذي قد ارتدته. بينما يده الأخرى قد لفت حول خصرها النحيف. رفعت عينيها تنظر إلى داخل عينيه. ومن ثم تركت العنان لمشاعرها لتفعل ما تشاء ولو كان ليوم واحد فقط. وضعت يدها هي بدورها حول رقبته. وقد دق قلبيهما بشدة. كانت الموسيقى هادئة فبدأوا بالتمايل بهدوء. فأحنى رأسه حتى وصل إلى رقبتها. فلفحت أنفاسها بعنقها الأبيض. ليشتم هو بدوره رحيق خصلاتها.
لا تعلم ماذا يحدث لها منذ أن طرق بابها. وهي تشعر بمشاعر غريبة وعجيبة ناحية ذلك الطارق لقلبها. قلبها قد عطل ناقوس الخطر الملحق به. فصمت يطالع ما يحدث فقد.
أخذ يتمايل بها إلى الأمام والخلف. وخطواتهم واحدة متناغمة. مستمرين بتواصلهم البصري معاً. حتى رفع يدها ليجعلها تدور. وخصلاته الغجرية قد تبعثرت معها. ابتسم عندما وصله رحيقها الطفولي. فجذبها إليه من جديد.
توقف من حولهم عن الرقص. فبقي كلاهما في الساحة. فقد يتراقصا غافيين عن أعين الجميع. أبعدها أنس عنه برفق. ولم تبارح البسمة وجهه. فجعلها تدور كالفراشة. فضحكت ضحكة رنانة باتت تنشد كنشيد وطني داخل قلبه.
استحكمك بالحب ها المرة قلبي.
سلمي قلبك لقلبي سلمي.
وسلمي على الماضي إبقى سلمي.
عيني سلمي روحي سلمي.
أنا بس أنا بيفهم عليكي.
بحبك يا أنا يا روحي وبين إيديك.
مد يدها ليجعلها تدور. ومن ثم جذبها إليه ليرتطم ظهرها بصدره. فتعلقت عينا كلاهما بنظرة طويلة محملة بإكليل من المشاعر. توقف صوت الموسيقى عن الصدور. فوقف كلاهما فقط بمنتصف الساحة.
صوت تصفيقات عالية قد استطاعت إفاقتهما من شرودهما. لم يبق بجسدها ذرة واحدة لم تتبعثر. فأمسكت طرف فستانها. ومن ثم فرت هاربة من أمامه. تاركة إياه يقف في منتصف الساحة ينظر في أثر السندريلا الهاربة بهدوء.
لكنه الوحيد الذي أردت أن أحمل قلقه وجراحه وعقده وصراعه الداخلي وعثراته وخيباته وحزنه معي. وحتى تناقضاته وأهديه ضحكة بالمقابل وبالاً مطمئناً. هو الوحيد.
تدفن وجهها مخبأة له بداخل الوسادة. تبكي بحرقة وكأنها قد فقدت عزيزاً عليها. تبكي بشدة حتى بات صوت شهقاتها مسموعاً بجميع أركان الغرفة.
لا تعلم لماذا تبكي أو حتى لماذا تتساقط دموعها. ولكنها شعرت أنها تريد ذلك. شعرت بأنها تريد البكاء بلا سبب.
اهتز الهاتف بجانبها يعلن عن وصول الرسالة الخمسمائة منذ هروبها من ساحة الرقص. أمسكت الهاتف وهي تجفف دموعها بكف يدها المرتعش. وهي تقرأ ما قد دونته يديه من عبارات:
أروى ردي عليا لو سمحت!
طب إيه اللي مزعلك عشان أفهم ومش أزعلك منه تاني!
طب مين اللي هيضحكني دلوقتي طيب!
طب بصيلي طيب من البلكونة أشوفك بس!
هي المخطئة. كان من الواجب عليها ألا تسمح لنفسها بالتقرب منه أو حتى السماح له بطرق بابها. عاشت عمرها بأكمله لم تسمح لأي شخص بأن يهدم حدودها السياسية التي أقامتها حول قلبها. وبكل سهولة هدمتها من أجل ذلك المؤنس الغريب والذي شعرت أنه يحتلها بدون استئذان.
نهضت من فراشها عازمة على المغادرة. قلبها لن يستحمل الكسرة والجرح مرتين. لقد ضمدته بما يكفي. ووضعت لاصقاً طبياً بكل مكان به محاولة منها لكبح نزيفه. ولكنها غير عابئة. يؤذيها ويؤذي روحها.
جذبت حقيبتها التي كانت قد وضعتها جانباً. وقامت بجذب ملابسها قطعة خلف الأخرى. ودموعها لا تكف عن التساقط. قلبها ينبض بشدة. لا تعلم إذا كان خوفاً أم خشية من رحلة الهرب تلك التي تعتليها محطتها للمرة الثانية على الدوام.
هتفت وهي تحدث نفسها كلما أوشكت على ملئ حقيبتها:
كلهم في الآخر بيسبوني ويمشوا. كلهم بيقولوا عليا مجنونة ويسبوني. أنا مش عايزة حد يسبني تاني.
ضاقت أنفاسها بطريقة ملحوظة. فتوقفت عن جمع ملابسها مقتربة من فتح باب غرفتها. خارجة لاستنشاق هواء يعيد الحياة لرئتيها.
توقفت قدماها وهي تلاحظه واقفاً ببرهة الأوتيل. وكأنه يعلم أنها سوف تخرج في أي وقت وبأي ثانية. لا يعلم كيف أيقن ذلك. ولكن ماذا لو اتخذ من قلبه دليلاً ولو لمرة.
رفعت كفها المرتعش لتضعه فوق تلك القطعة بيسار صدرها. وقد اشتد عليها الاختناق. أخذت تزفر أنفاسها بانتظام. فلاحظ هوجاء ما يحدث لها. فاقترب منها بقلق بالغ.
امسك بكف يدها وقام بسحبها خلفه بهدوء. فنظرت إلى كف يده. هي من كانت تسحبه وهو الآن يسحبه. أي معجزة قدر تلك قد جمعتهم سوياً.
وقفا أمام حمام سباحة قد بلغ من الكبر قليلاً. وقد أنارت الأضواء من حولهم. وفرغ ما حولهم من البشر. وتوهج ضوء القمر منيراً عاكساً ضوئه على المياه. أجلسها أرضاً ومن ثم جلسا إلى جوارها.
لا يعلم سبب هروبها. ولكن أيقن أن وراء تلك العينين الحزينتين حكاية طويلة. رق الدمع بعيني أروى مجدداً وهي تطيل النظر إلى السماء لتهتف بألم:
كان عندي خمس سنين يوم ما سابتني لوحدي. قالتلي إننا هنطلع نلعب ونروح الملاهي لأنها نسيت تجيب ليا هدية عيد ميلادي. وأنا فرحت لأنها عمرها ما نسيت عيد ميلادي. لو نسيت كانت بتعوضني. بس هي خدتني وسابتني هناك لوحدي. وأنا فضلت أدور عليها كتير. ميأستش. كنت بفتكر كلامها طول ما إحنا عايشين مفيش يأس. بس رجلي وجعتني من كتر ما أنا دورت عليها وقعدت. وقولت هي هتلاقيني مش هتسيبني. ماما بتحبني.
صمت ولم يقدر حتى على النظر لها حتى تكمل ما بجعبتها من أحاديث. فاكملت ودموعها تتساقط:
عارف كنا يومها متفقين إننا هنسافر هنا شرم الشيخ وننزل في نفس الأوتيل ده. الأوتيل اللي هيا وبابا اتقابلوا فيه. بس هي معملتش كده وخليت بوعدها. شوفت بعدها بابا جاي بيجري عليا وبيشلني وبيبوُس كل حتة فيا وهو مش مصدق. وأنا سألته ماما فين؟ قالي مشيت. ماما مشيت يا أروى. ماما معادش عايزانا. أنا معيطتش ولا اتاثرت لأني كنت بستناها كل يوم عشان تيجي ونيجي هنا. بس هي مجاتش. كنت بقول لصحابي أنا هستنى ماما. هي هتيجي تروحني. بس بابا اللي كان بيجي. هو بقى الأم والأب والأخ وكل حاجة. عمره ما حسسني بالنقص. بس هي كانت على طول في بالي.
انتحب صوتها حتى علا بكاؤها. فألمه قلبه عليها بشدة وقد بلغ منه الحزن الكثير. فهتف وقد تحركت عضلات لسانه أخيراً:
لسه عندك أمل إنها ترجع؟
هزت رأسها بالنفي. ولكنها استوعبت شيئاً فصرخت بصدمة جعلته ينتفض:
انت.... انت بتتكلم!!
ضحك بخفة وهز رأسه. فهتفت بنبرة مرحة وقد تناست حزنها:
كان نفسي أقولك نفس الكلمة اللي اللوا في الدادة دودي قالها لابنه لما نطق. بس الرقابة بقى!
ضحك بشدة حتى ارتفع صوته عالياً. كاد أن يبكي معها الآن. ولكنها في ثواني قامت بتغيير مجرى الحديث. ابتسمت بخفة وهي تنظر له وهو يضحك لتهتف:
عد عد بس أنا ضحكتك كام مرة يا مؤنس.
أنسسسسسسس. أقسم بالله انسسسس.
what ever.
إيه يعني!؟
ضحك بخفة. فطالع دموعها التي التصقت بوجنتيها. فهتف برفق ولين قلب:
على فكرة زمان مامتك انتي وحشاها زي ما هي وحشاكي. بس في حاجة مانعاها!
تبدلت ملامحها سريعاً وقد رق الدمع من جديد في عينيها. مردفة وهي تمسك حجراً صغيراً وتقذفه بداخل الماء:
بقالي كتير مستنياها. استنيتها أكتر من أي حاجة وأكتر من أي حد. وهيا مجاتش. هيا مش وحشاني ولا حاجة. بس أنا عايزة أعرف هي راحت فين!؟ سابتني ليه!؟ والأهم من ده كله عاملة إيه!!
مد يده ممسكاً بكف يدها الصغير مبتسماً بلين:
استنى كمان شوية وأنا متأكد إنها هترجع.
نظرت له ومن ثم ابتسمت بخفة. ليهتف بمرح وهو يقرص وجنتيها:
بقى كده تسيبني وتجري. أقول للناس أنا إيه دلوقتي!؟
تناست سبب ركضها. لم تفصح عن سرها بالكامل. فجذبت كف يدها من بين يديه مسرعة وقد نهضت. فتعجب مردفاً:
انتي ملبوسة يا بت!؟
عبست بملامحها بغيظ. فنهض واقفاً بطوله. فصرخت به:
هتعمل إيه هاااا. لا بص ده أنا بنت ناس كويس و....
كمم فمها مسرعاً وهو يلعن تلك الصافرة التي تضعها في حنجرتها. دفعته بقوة بعدما غدت قدماً بعض كف يده. فتراجع للخلف مقترباً من حافة البسين. لتنزلق قدماه ويسقط بداخل المياه الباردة. ثواني وتطايرت المياه فوق فستانها.
وضعت كفها فوق فمها بصدمة وهي تنظر له وهو يسقط. فهتفت بصدمة:
عربية نقل وقعت في ترعة!!!
صرخ أنس من شدة برودة المياه. فأخذ يحاول إبعاد ملابسه عنه. فأنفجرت ضاحكة بهستيريا وهي تنظر له وهو يقفز كالقرد بداخل حمام السباحة.
رفع أنس عينيه ناظراً لها بملامح متجهمة. ولكنها لانت وهو ينظر إلى وجهها الذي أصبح كقطعة من الفراولة. وهي تضحك بذلك الصخب. ليهتف مبتسماً:
عجبتك أوي يا أختي!؟
آآآآه بطني. ما أنت مشوفتش نفسك بتقع إزاي!!
عادت نوبة الضحك إليها مجدداً. فضرب بيده الماء فتناثرت عليها. لتمسك حجراً صغيراً وتقذفه اتجاهه. ليصرخ بفزع:
هتفتحي راسي يا مجنونة!!
ضحكت مجدداً مقتربة من حافة البسين. لتمد لها كف يدها الصغيرة:
آآآآه مضحكتش كده من زمان. تعالى يا بيضة اطلعي.
لمعت عيناه بمكر. ليمد يده ممسكاً بكف يدها. وبدلاً من أن تجذبه. جذبها هي. فسقطت بالمياه وارتفع صوت صياحها:
يا ختييييي! هغرررررق!!!
ضحك بشتى على منظرها كالفأر المبلل. ليقترب ويمسكها. ولكنها صرخت به:
معدش ليك أمان. ممكن تغرقني. ابعد عني يا مؤنس!!
طب عشان مؤنس دي مش هرحمك.
تراجعت للخلف بفزع صارخة:
لا ده أنا قافشة الحركة دي في مسلسلات كتير. اهرب يا فوزي!!
ركضا خلف بعضهما البعض بالمسبح. وأصوات ضحكاتهم تتعالى. حتى توقفت أروى وهي تلهث بتعب:
لقد فرهدت. أنا لو في سباق أحصنة مش هتعب كده!!
ضحك أنس بشدة. ليقفز ويجلس على حافة البسين. وقام بفك الجاكيت من حول عنقه. مردفاً بأسي:
أنا كنت عاقل قبل ما أشوفك. إيه اللي حصل ده بس.
ضحك بتعب. وقد ناهز قلبها ألم حاد. فنظرت له وهي تقترب مردفة:
شدني جنبك.
مد يده ليقوم بجذبها. لاحظ التصاق الفستان بجسدها. فمد يده لها بالجاكت الخاص به لترتديه. فارتدته بصدر رحب. وقامت برفع خصلاتها عالياً متنهدة بسكون.
حاول تجفيف خصلاته. ولكنه كان بالأمر الصعب. فتنهد بأستسلام. نظر إلى أروى التي عبثت بقدميها بالمياه. ليبتسم برفق:
والدك مجاش معاكي ليه!؟
عشان أنا طفشت من وراه.
هتفت بها بكل بساطة جعلت عينيه تكاد تجظان من مقلتيها. ليهتف بصراخ:
نعمممممممم!
هنا فتح أحدهم أحد الغرف مطلاً بنصف جسده وصارخاً:
ما تتهد بقى يا عم انت وهيا. عاوزين ننام!!!
رمقته أروى بنظرة شيطانية هاتفة:
هش هش من هنا.
نعتها الرجل بغيظ ومن ثم دلف داخلاً. نظرت إلى أنس الذي ما زال ينظر لها. لترمش بعينيها ببراءة:
دي هروبة بيضة.
دق قلبه بشدة من نبرتها الطفولية وعينيها التي تتحدثان دوناً عنها. فحك أنفه مردفاً وهو يبتعد عنها:
احم. براحتك. مش هدخل في حياتك.
رمقته بغيظ. ومن ثم وقفت وهي تنظر له مقلدة حديثه:
مش هدخل في حياتك!!! ولا النبي ادخل ابوس ركبك. ادخل!!
نظر لها بصدمة. لترمقه بنظرة ساخطة وتذهب من أمامه. تحت أنظاره المتعجبة من انفصام الشخصية التي تمتلكه تلك الفتاة بحق.
لسه الجميل بيقول عليا جميل.
لسه العيون بتوه مع التفاصيل.
زقزقت الطيور بصوتها العالي. وبدأت بالتحليق بعرين السماء الصافي. تداعب خيوط الشمس أجنحتها البيضاء. عكس الضوء نوره فوق وجنتيها مداعباً أهدابها. نهضت بتكاسل وهي تستمع إلى صوت طرق فوق الباب. لتهتف محادثة نفسها بغيظ:
أنا غلطانة إني فتحت الباب من الأول!!
نهضت وهي توعد صارخة بالطارق. لتقم بفتح الباب مبهة كهبوب الرياح. لينتفض النادل الذي وقف أمام الباب. لتهدأ براثينها مردفة:
إيه فيه على الصبح!؟
مد لها النادل بظرف أبيض. ومن ثم فر هارباً من أمامها برعب. لتقم برفع كفها تداعب عينيها بنعاس. متثائبة بنعاس. حتى اقتربت من الفراش لتقم بفتح الظرف. لتجد به رسالة. لترفع حاجبها بتعجب. ومن ثم فتحت تلك الورقة المطوية لتقرأ محتواها:
صباح الخير:
سَلميلي ع عيونك الاتنين دول لحد مانتقابل، مستنيكي نفطر سوا.
دق قلبها بصخب. لترمش بعينيها غير مصدقة لتلك الكلمات التي دونت. لتقم بقرائتها مرة واثنين وثلاث. حتى حفظتها. ومن ثم قفزت فوق الفراش صارخة:
أنا اتبعتلي جوااااااااااااب!!
لو رآها أحدهم لنعتها بالمجنونة. ضحكت بسعادة شديدة. ومن ثم توجهت إلى دورة المياه تدندن بسعادة. مد يدها ترجع خصلاتها بابتسامة. ولكنها سرعان ما زالت.
تصنمت ملامحها وهي تنظر إلى خصلاتها التي قد تساقطت بين كفي يديها. شعرها يتساقط. رفعت كفها الآخر تضعه على فمها تكتم صوت شهقاتها. بعدم استيعاب. مدت يدها مداعبة خصلاتها مجدداً لتتساقط خصلاتها أكثر.
هرعت ملامحها وتجمدت حدقتاها بمكانهما. خرجت وهي تجر أذيال قدميها خلفها. أمسكت بهاتفها بكف مرتعش. لتقم بالاتصال بأحدهم. ليأتيها صوت غاضب من الجهة المقابلة:
انتي فين يا أروى هاااا. بقالي 3 أيام قالب الدنيا عليكي كده ت....
بابا. شعري بيقع يا بابا!
هتفت بها بنبرة مرتعشة وشفتيها تتخبطا ببعضهما البعض. توقف "محمد" عن الحديث وهو لا يصدق ما تنطقه صغيرته. أكملت أروى ودموعها تتساقط:
بابا شعري بيقع. بيقع منه كتير يا بابا!!
هتفت محمد وهو يحاول التماسك. مردفة بحب:
حبيبة بابا عادي. دي كلها أعراض عشان بعدتي عن العلاج. لو كنتي كملتي يا قلب أبوكي مكنش هيقع. تعالي بس وأنا مش هخليه يقع تاني أبداً.
تأخرت للغايه. فشعر بالقلق تجاهها. نهض عازماً على مشاكساتها وتأنيبها لذلك التأخير. تذكر كلماتها حينما أخبرته بأن والديها قد التقيا هنا صدفة. يبدو بأن ذلك الأوتيل يشهد من قصص الحب العديد والعديد.
سار ببرهة الأوتيل التي ستوجهه إلى غرفتها. حتى وقف أمام بابها وجده غير موصد. فتعجب قليلاً. ولكن مد يده طارقاً طرقاً خفيفاً. فأستمع إلى صوت شهيقها وهتافها بكلمة واحدة زلزلت كيانه:
مش عايزة أموت يا بابا!!!
بقى كف يده الطارق معلقاً بالهواء بصدمة. دفع الباب برفق دانياً بنصف جسده. فرفعت أروى عينيها تنظر له. لمحت عيني أنس. خصلات أروى التي بكف يدها ودموعها التي لم تكف عن السقوط. لتغلق الهاتف وتقف مكانها هاتفة ببكاء:
أنس.
رق قلبه بشدة لها. لم يستوعب ما يحدث سوا وهيا تقترب وتقف أمامه هاتفة بقلب ممزق:
أنا.... أنا... أنا كنت هقولك. شوفت يا أنس شعري بيقع!!
لاحظ انهيارها ورعشة أطرافها. رفعت عينيها الحمراء وهي تبكي بشدة:
أنا مش عايزة شعري يقع يا أنس!!
لم يتعرف عليها سوا من يومين. ولكنه أيقن بأنها عقرب ساعته. وبدونها لن يمر وقته ولن يعيش حاضر. مد يده برفق ممسكاً بخصلاتها التي تحملها بيدها. وهتف بحنان وكأنه يحدث طفلة:
اششش. أهدى. شعرك مش هيقع ولا حاجة. كله هيبقى كويس. بطلي عياط.
انت مش بتضحك عليا صح!!!
لا يا أروى مش بضحك عليكي. يلا اضحكي يلا وبطلي عياط.
رن هاتف أروى. فأقترب أنس لينظر إلى رقم والدها المتصل. والذي سجل بـ "ونيس روحي". فابتسم مجيباً. ليأتيه صوت والدها القلق:
أروى حصلك حاجة!!! قفلتي ليه!!
أنا أنس يا عمي.
وقع قلب محمد بقدمه. ليهب واقفاً هاتفاً بقلق:
بنتي!!! بنتي حصلها حاجة!
نظر أنس إلى أروى التي ما باتت تجفف دموعها فتتساقط الأخرى. ليهتف بهدوء:
هيا بخير يا عمي. وأنا هجيبها ونرجع القاهرة. ولو عايز تكلمها كلمها.
مد أنس يده بالهاتف لأروي التي بدأت تتحدث إلى والدها وتطمئنه. ليبدأ أنس بجمع أغراض أروى بطريقة باتت مرتبة. لتنتهي أروى من التحدث وتنظر إلى أنس. فتلتمع عينيها وهيا تجده ينتهي من ملئ حقيبتها. ابتسم أنس مردفاً:
هااا. هترجعي القاهرة مع مؤنس ولا لا!!
ضحكت. ومن ثم مالت برأسها يميناً. وباتت تنظر له بنظرة أخرى لامعة.
رواية اوتيل الفصل الثالث 3 - بقلم حبيبه محمد
انت نوري حين أطفأني الجميع
انت بسمتي حين أحزنني الجميع
انت أملي حين خذلني الجميع
انت كلي.. انت كلي...
انت ياللي خدت قلبي
من الزمن ومن اللي فيه
خدت قلبي لدنيا تانيه
احلى من اللي حلمت بيه
تلك كانت كلمات الموسيقى التي انبعثت من داخل التسجيل في سيارتهم. حاول التحدث معها كثيراً، وجاهد في استعادة روح تمردها التي اشتاق لها قلبه، ولكنه وجدها صامتة تطيل النظر إلى الفراغ. كلما تذكر هيئتها الباكية والمناجية له، شعر وكأن هناك سوطاً يجلد قلبه.
تنهد بحزن وهو ينظر لها. قامت بارتداء قبعة من تحتها تخبئ خصلاتها، وكأنها تخشى عليها كل الخشية بأن تتساقط، تحميها كما تحمي الأم صغارها. يلمح دموعها التي تتساقط من بين حين وآخر. لماذا قد ألقى القدر في طريقه؟ يا الله، أكان ينقصه أن يحمل ألم طفلة صغيرة غير قادرة على مواجهة الحياة؟
"ماما كان عندها كانسر قبل ما تمشي."
هتفت بها بصوت شارد، فأخذت الكلمات تتردد بداخل عقله. ألقى نظرة عليها وهو يلمح طيف دموعها يترقق للسقوط مجدداً. ابتسمت أروى بألم وأكملت وهي تنظر إلى الطريق من أمامها، وتنظر إلى تلك الأم التي تمسك بيد صغيرتها وتمد لها الحلوى:
"بابا قالي إن كان عندها كانسر قبل ما تمشي وتسيبني. ويمكن هي سابتنا عشان كانت خايفة إننا نشوفها وهي ضعيفة، أو إنها كانت خايفة نظرة بابا تتغير لها في يوم من الأيام لما يشوف شكلها بهت وبقتش زي اللي كان بيحبها. بس بالرغم من شوقي ليها، فأنا مش مسامحاها إنها مشيت وسابتني. كان ليها ألف حجة وحجة إنها ما تسيبني وتمشي. هي سابت بابا من غير حتى ما تسيب له جواب تبرر فيه سبب مشيها. أنا بسمع بابا كل يوم وهو بيكلم صورتها وبيلومها. ما هما ياما عدوا مشاكل ومطبات سوا، ليه المرة دي بس اتخلت عنه وعني؟ هي سابتني تايهة كأني في أوتيل طويل عريض، توهت فيه وملقيتش أوضتي اللي هرجع ليها. أوضتي اللي سبت فيها فرحي وزعلي وضحكي. ماما كانت هي الأوضة اللي مستحيل تتعوض في أوتيل. بس عارف..."
هتفت بها أروى وهي تلتفت وتنظر له بعينيها الدامعة:
"حتى لو رجعت مش هسامحها. عارف ليه؟ لأن إحنا مبنسامحش. مبنسامحش حد كان سبب لو جزء بسيط من الخراب اللي معشش جوانا. مبننساش، ودي طبيعة غلابة فينا. مبننساش حد أذانا أو جه على جرحنا. ممكن ندوس على قلبنا مرة وخمسة وعشرة، بس بيجي المرة اللي بندوس فيها على نفسنا ونعدي. مبنسامحش حد، حتى لو ابتسمنا في وشه، حتى لو ضحكنا معاه، بتفضل ضغينة الكره جوانا ناحيته. مبنسامحش حد فرض تواجده في حياتنا وفجأة بعد ما كان سبب في تعلقنا فيه، عمل زي أنثى العنكبوت، كل حياتنا ومشي. مبنديش فرصة تانية عشان منتوجعش زيادة. إحنا بنعيش ونتعلم، بس برضه مبننساش ولا بنسامح. إحنا بشر مش ملايكة ومش شياطين. برضه مش عارفة إذا كنت فهمتني أو لأ، بس إحنا مبنسامحش لأن ببساطة قلبنا عامل زي الأوتيل، مبيستحملش الناس الكتير الزيادة عن حجمها، وبيجيله يوم اللي بيرفض فيه دخول حد زيادة أوضة من أوضة."
صمت أنس وهو يرتب كلماتها بعقله ويعيد كرت حساباته ويتذكر ما مضى عليه من القرون دهراً. فهتف متنهداً وهو ينظر لها:
"على الأقل انتي عندك أب. أنا اتولدت لقيت نفسي بين أم وأب ميهمهمش غير نفسهم. أم ميهمهاش غير المنظر والبرستيج، وأب شغله أهم من أي حاجة. اترميت في مدرسة داخلية، ربيت فيها نفسي بنفسي. كانت لما تيجي أيام الإجازات، كنت برفض إني أخرج لأني مكنتش هلاقي حد مستنيني. مصاحبتش، وأي حد كان بيحاول يقرب مني كنت ببعده، لأني أنا معنديش حاجة أقدمها ليه. فضلت الصمت عن الكلام، كنت واخد ركن بعيد عن الكل لحد ما خلصت دراستي وجبت مجموع حلو يدخلني أي كلية أحلم بيها. وهنا اترميت بره تاني في أمريكا في كلية عمري ما حلمت بيها، وكل ده عشان أمسك شغل والدي اللي عمري ما نطقت وقولتله يا بابا. واتخرجت واشتغلت وسكت. قولت الكلام مفيش منه فايدة، مجرد طاقة على الفاضي. فحبيت الصمت لحد ما هربت. هربت وسبت كل حاجة ورايا تضرب تقلب، لأني زهقت. على الأقل انتي حياتك عشتيها متفرضتش عليكي. عندك أب هيموت عليكي، إنما أنا معنديش أي حاجة. على الأقل انتي عندك فرصة إنك تلاقي أوضتك وترجعي ليها تاني، إنما أنا مليش أوضة أصلاً."
ملأ الصمت السيارة من جديد، أباح كل منه عن ما تحمله جوانبهما من أحاديث. لتجفف أروى دموعها وتمد يدها ممسكة بكف أنس، مردفة برفق وابتسامة رسمتها بلطف:
"أنا معاك ده مش كفاية؟"
ضربات قلبه علت إثر همسها الذي أصبح كموسيقى تعزف بداخل قلبه على إيقاع عازفة تعزف فوق البيانو. شعر بالأدرينالين يرتفع بداخله حتى وصل إلى رأسه. نظر بداخل عينيها اللامعة والتي نظرت له بطريقة أرهقت قلبه للغاية.
أصبحت كالوردة تتفتح بين نباتات الصبار، فتجذب إليها الأنظار بحسنها، وتهفو القلوب إليها لشذى عطرها. أصبحت أكثر من وردة حمراء يرغب الآخر في قطفها لإهدائها لحبيبته فقط.
ابتسمت له، فبادلها هو الآخر الابتسامة. أرجعت رأسها للخلف مستندة، وما زال كف يدها مشبثاً بكف يده. ليهتف أنس وهو ينظر إلى الطريق من أمامه، محاولاً تجاهل تلك السارقة لقلبه:
"بطلتي علاج ليه؟"
هتف بها بطريقة هادئة، لتأخذ نفساً طويلاً وتخرجه على بضع مراحل، مردفة:
"عشان كان صعب وبيتعبني."
"وأنا جنبك مش هيتعبك يا أروى."
شعرت بتوقف جميع أنواع المادة من حولها. فرمشت أهدابها وهي تعيد استرجاع كلماته. نظرت له وقد استدار جسدها بالكامل، فأبتسم وهو يلاحظ تورّد وجنتيها. توقف عقلها عند لفظه لاسمها، لتهتف وقد عاد مرحها إليها:
"شكلك بتعاكس يا مؤنس."
"انتي عارفة بسببك لو حد جه نادى عليا وقالي يا أنس مش هرد عليه!"
هتف بها بنبرة مليئة بالغيظ، فأنفجرت ضاحكة بعلو صوتها. فشاركها هو الآخر الضحك، وقد بلغ الأمر منه ذروة سعادته، فضحكاتها قد أعادت أزهار وروده من جديد، فبدا وكأن قد مرت سحابة غيث من فوق قلبه.
هتفت أروى ضاحكة وهي تنظر له، مردفة:
"طب بالله مش مؤنس أحلى من أنس؟"
ضحك بخفة، ومن ثم نظر لها مردفاً:
"يا باشا طالما عاجبك، أول ما أرجع أغير اسمي لمؤنس."
ضحكت مجدداً بسعادة قد تداركها قلبها في تلك الفترة الأخيرة. لترفع كف يدها وتقم بضم أصبعي وتضعهم أمام وجهه، مردفة بطفولة:
"فلولة!"
طريقتها تلك جعلته يضحك على طفولتها وعلى تركيبتها الغريبة تلك. لتبتسم أروى وهي تراه يضحك من قلبه، لتهتف:
"انت بتضحك عليا؟"
"انتي شكلك أساساً يضحك."
عبست ملامحها لتقم بأكله له ضربة قوية بكتفه جعلت يديه تفلتان عجلة القيادة، لتصرخ أروى وهي تجد السيارة تميل إلى اليمين، ليمسك أنس المقود مسرعاً هاتفاً:
"موتي على إيدك وربنا!"
رسمت ابتسامة بريئة، لينظر أنس إلى تلك الإنارة الحمراء التي أنارت أمامه تخبره بحاجته إلى بنزين، فأنعطف يساراً اتجاه البنزينة، لتنظر له أروى بتعجب مردفة:
"انت خاطفني صح؟"
ابتسم بخفة، ومن ثم قام بفتح الباب مترجلاً إلى الخارج، ومردفاً:
"مش هخطفك دلوقتي، هملي بنزين وأجيب حاجة ناكلها."
"يلاا."
هتفت بها وهي تهبط معه من الجهة المقابلة. فبزغت ملامحه بدهشة وهو ينظر لها وهي تقفز كالأطفال، ليضرب كف على كف، مردفاً:
"لو بنت أخويا مش هتعمل كده!"
اقترب من البقالة التي وضعت على بضع سنتيمترات، ليقم بدفع الباب دالفاً. فراقبت عينيه أروى التي تحمل من كل شيء اثنين، فضحك وهو يجدها تقوم بوضع العديد من الحلويات أمام الرجل المحاسب وتنظر له مردفة ببراءة:
"اوعي أكون بتأقل عليك!"
"يا شيخة قولي كلام غير ده!"
هتف بها أنس بنبرة مزحة، لتهتف وهي تقترب وتقف أمامه مردفة بلطف:
"أنا جبت شوية حاجات صغننين عشان مش نجوع في الطريق. حاسب بقى وتعالى."
ضحك بشدة غير مصدقاً أمر تلك الفتاة العجيبة والتي يتبدل حالها في الثانية أكثر من مرة. تنهد مقترباً منفذاً لما قد أخبرته به، ليحمل كيساً بيده قد ملئ بالعديد من أنواع الحلوى، ليخرج إلى الخارج. فوقعت عينيه عليها وهي تركض نحو السيارة، فضحك مردفاً:
"شكلك هتطلعي عيني معاكي يا أروى."
***
"وأنا حينما أُمسِكُ كفيّك أُمسِكُ العالم 🦋"
بعد مرور خمس ساعات، توقفت السيارة أمام بوابة منزل ذو طباع كلاسيكية، حيث مال لونه إلى اللون السكري. نظر أنس إلى أروى التي غفت ويداها تتشبث بكيس الحلوى الذي أحضره. ضحك وهو يلمح الشوكولاتة التي بجانب فمها، فجذب منديل وأخذ يزيل حبيبات الشوكولاتة تلك وهو يشعر بشعور لأول مرة يشعر به.
تلك الحورية قد أسرته، جعلته لا يستطيع تخيل الحياة بدونها. يومين أو ثلاثة جعلته يستشعران لذة أخرى. ماذا لو لم ينزل بذلك الأوتيل ويطرق بابها؟ كيف كانت ستستمر حياته؟
لاحظ باب البوابة وهو يفتح ويخرج منه رجل قد بلغ من الكبر. تناثرت الخصلات البيضاء بشعره، فابتسم وهو يدرك هوية ذلك الشخص. هبط من السيارة متجهاً إليه، لينظر له "محمد" وقلبه ينبض بقلق، مردفاً:
"انت أنس صح؟"
"أيوا يا عمي."
هدأت صوت ضربات قلب محمد، فقد ظنه بشخص سوف يستغل صغيرته. ولكنه ما إن رأى ملامحه الآن، حتى عادت الحياة له من جديد، ليهتف وهو يرسم ابتسامة خفيفة على ثغره، مردفاً:
"أروى فين يا ابني؟"
ضحك أنس مردفاً:
"نايمة."
ضحك محمد بعدم استيعاب، ولكن سرعان ما وقعت عينه على أروى الغافية والمتشبثة بكيس الحلوى، فهز رأسه ضاحكاً:
"أروى هي أروى مش هتتغير!"
ضحك كلاهما واتجه محمد إلى سيارة أنس، ليقوم بفتح باب السيارة ويمد يده عابثاً بوجنتيها صغيرته المكتظتين بالحمرة، مردفاً:
"أروى.. أروى.. أروتي اصحي!"
رمشت أروى بأهدابها الطويلة، فرسمت صورة والدها بداخل عينيها. فتململت مردفة:
"مش هروح المدرسة النهارده يا بابا. سيبني أنام شوية."
صهل صوت أنس ضاحكاً، ليشارك محمد الضحك. ففتحت عينيها لتنظر إلى كلاهما، مردفة:
"انتو بتضحكوا عليا!"
"يا بنتي ما انتي شكلك يضحك!"
هتف بها محمد وهو يحاول كبت ضحكاته، فهتف أنس وهو يرفع يديه عالياً، مردفاً:
"مطلعتش لوحدي اللي شايف كده!"
"طب كده!!! طب أنا مش هنزل من هنا، وروني هتنزلوني ازاي!"
ضحك محمد على طفولة صغيرته التي لا تتغير. فمد أنس يده جاذباً كيس الحلوى الذي بيده وركض، فصرخت به بشدة، ومن ثم هبطت خلفه مسرعة وهي تصرخ به، لتتوقف:
"عااااا شيبسيااااتي ملحقتش أتهني بيهم!!"
انزلقت قدمي محمد من فرط الضحك، فجلس مكانه يراقب هذان الطفلان المشاغبان. ابتسم برفق وهو يود لو يشكر أنس على إعادة روح بهجة صغيرته له من جديد.
قفزت أروى فوق أنس وأخذت تكيل له اللكمات بمختلف الأماكن، وأنس لا يتوقف عن الضحك ولا عن الصراخ بها، لتتوقف:
"واللهي أنا اللي جايبهم بفلوسي!"
"مكانوش ١٥٠ جنيه اللي هتزلني بيهم. هات الشيبسي بقولك!"
مد لها أنس يده بالكيس الذي جذبه منها، لتأخذه وتحتضنه، وهيا تهتف:
"حبايب ماما زمان الوحش ده كسركم!"
"انتي مش معقولة بجد!!!"
هتف بها أنس وهي تستند بيديه فوق ركبتيه يأخذ أنفاسه التي هدرت بسبب طول المسافة الذي ركضها. لتخرج له لسانها وتهز رأسها بطفولة وتعود أدراجها. فهز رأسه بأستسلام من أفعالها التي سوف تصيبه بالجنون.
عادت أروى إلى والدها، والذي قام بضمها له بإشتياق. ابتسم أنس لهما، وقام بإخراج هاتفه والتقاط لهم صورة أبرزت مدى حبهما لبعضهما البعض. نظر محمد إلى أنس وعينيه تفيضان أنهار من الشكر، فهز له أنس رأسه بمعنى عفواً.
ابتعدت أروى عن والدها وهي تجفف دمعها الذي هرب من عينيها، مردفة:
"عارف... عارف لو زعلتني تاني ههرب تاني ومش هرجع!"
"وأنا عمري ما هقدر تزعلك تاني يا بنت قلبي!"
هتف بها محمد وهو يقبل رأسها بحب. فابتسمت له بحب. نظرت إلى أنس لتهتف بمرح:
"أظن بقى يا بابا لازم مؤنس يتغدا معانا انهارده!"
"مؤنس!!!"
هتف بها محمد بتعجب، فهتف أنس بغيظ مردفاً:
"طب أنا هشهدك يا عمي، من ساعة ما قابلتني وهيا بتقولي مؤنس، أقولها أنس تقولي مؤنس. هو مين اللي مدرس بنتك عربي؟"
ضحك محمد وهو يضم ابنته تحت ذراعه، مردفاً:
"بصراحة مؤنس أجمل من أنس، مش عشان هيا بنتي، لا لا."
ضحكت أروى وهي ترى ملامح أنس تشتد غيظاً منها. ضحك محمد وهو يطالع مشاكساتهم إلى بعضهم البعض، وقلبه ينبض بحب لهما.
دلفا ثلاثتهم إلى داخل المنزل، فأخذ أنس يطالع ذلك المنزل الصغير والذي بات يشع بالحياة، والمكون من دورين. بدأ أثاثه بسيط للغاية. نظر إلى المطبخ والذي كان تصميمه أمريكي، ليهتف محمد مبتسماً:
"عامل ليكم صينية بيتزا إنما إيه تستاهل بوقكم!"
"ربنا يستر!!"
هتفت بها أروى بمشاكسة، فرمقها محمد بنصف عينه، لتهتف:
"بالله عليك ما تبصلي كده، ده أنا بكح ولا تاخذ في بالك!"
ضحك أنس عليها، ليهتف مشاكساً:
"أي حاجة يعملها عمي هتبقى زي الفل!"
"يا منافق!!!"
هتفت بها وهي ترمقه بنصف عينيها. اقتربت من مكتبه بها العديد من قصيصات الكتب، فوقفت فوق الأريكة وقامت بوضع كيس الحلوى الخاص بها عالياً تحت أنظار أنس الذي راقبها وعينيه لا تكفان ضحكاً عليها:
"هنا هتبقوا في أمان!"
"لا بجد انتي مش معقولة!!"
"ما قولتلك المصنع نزل مني نسخة واحدة بس!"
"أحمدك يا رب إنه نزل واحدة بس، وإلا كان العالم باظ."
أمسكت الدب العملاق الخاص بها وقامت برميه اتجاهه، ليصطدم بوجهه، فضحكت وأخذت تصفق بانتصار، مردفة:
"لقد تم إصابة الهدف بنجاح!"
ضحك محمد وهو ينظر لهم وإلى مشاكساتهم، وكأنهم أطفال وليسا بالغين. وضع آخر طبق فوق سفرته، مردفاً:
"انتوا مولودين فوق بعض، يلا تعالوا كلوا."
هرعت أروى إلى السفرة جالسة، تبعها أنس الذي أخذ يرمقها بتوعد. جلسا كلاهما مقابلاً بعضهما البعض، وعلى المقدمة جلس محمد.
لم يكف كلاهما عن مشاكسة بعضهما البعض. امسكت أروى زجاجة الكاتشب وقامت برشها بوجه أنس، والذي تجمد وجهه من هول المفاجأة.
شرق محمد وهو ينظر إلى ما قامت به صغيرته، ولكنه سرعان ما ضحك وهو يرى أنس يمسك الزجاجة المقابلة ويقوم برشها باتجاه أروى، والتي صرخت وانقلب بها الكرسي إلى الخلف!
"أنا من ساعة ما شوفتك وأنا بيحصلي إصابات يا ضهري يا بووي!!"
هتفت بها وهي تحاول الوقوف. ضحك محمد بشدة وهو يطالع وجهها والذي أصبح معبأ بصلصة الكاتشب. أما أنس فاكمل طعامه وهو ينظر لها بانتصار. لتهتف بغيظ وهي تقف:
"ماشي يا مؤنس انت اللي أعلنت الحرب!!"
كبت ضحكاته وهو يراقبها تغادر من أمامه وهي توعد له.
***
حمل أنس الأطباق مع محمد متجهاً معه إلى المطبخ، فقد استأذنتهم أروى بأنها سوف ترتاح قليلاً. هتف أنس متنهداً وهو يجلس على كرسي يراقب محمد:
"هيا تعبانة من إمتى؟"
توقفت يدي محمد عن غسل الصحون، فأخذ يطيل النظر إلى ذلك الخاتم الذي بيمينه كفه، مردفاً بتنهيدة حارة:
"بقالها سنة. كانت في آخر سنة ليها في كلية هندسة، وجالي تليفون من دكتورها في الكلية بيقولي إن بنتي نقلوها المستشفى. استغربت لأنها كانت خارجة مش بتشتكي من أي حاجة. رحت المستشفى وهناك طلبوا مني شوية تحاليل."
تقدم محمد وجلس مقابلاً لأنس، مردفاً وعينه تلمعان:
"لما روحنا هيا كانت عادي، وقالتلي إن الدوخة والإغماء دي بتجيلها على طول. هيا محطتش في دماغها، بس أنا حطيت. أنا مكنش عندي أي استعداد إني أشوفها هتمشي زي ما أمها عملت. ولما روحت أجيب التحاليل عرفت إن... إن عندها كانسر. أنا فضلت أيام رافض الفكرة دي نهائي، بس كل يوم كنت بشوف تعبها اللي بيزيد، وشها اللي كان بيدبل. عارف إحساس إن وردتك اللي فضلت تسقيها طول العمر تذبل في ثواني؟ قولتلها إنها تعبانة ولازم تتعالج، وهيا مصدقتش غير لما وريتها التحاليل. بدأنا الكيماوي والدكتور قالها إن هيحصل أعراض جانبية زي إن شعرها هيقع، هتبقى ضعيفة جداً. فضلت خمس شهور تتعالج ومكنش فيه نتيجة. ولما هيا حست بكده بعدت عن العلاج، قالت "أنا أهون ليا إني أموت ولا إني أفضل أتعذب العذاب ده كله". أنا مكنتش قادر أتخيل ليه بيحصل كده!؟ أمها الأول وبعدين هيا!؟ عرفت بعدين إن المرض ده وراثه عندهم، وإن جدتها كانت كده. سيبتها ولما غصبت عليها تاني هربت مني."
كانت الكلمات تخرج من فمه كالعلقم. ليهتف محمد ودموعه تترقق بحدقته:
"أنا معنديش أي استعداد إني أخسرها. أنا بدعي كل يوم إن يومي يكون قبل يومها، لأني مش هقدر أشوفها وهي بتتوجع قدامي وأنا مش بأيدي دوا أداويها بيه. أنا كل اللي عايزه دلوقتي إن بنتي تبقى كويسة، لو هديها حياتي بس هيا تكون كويسة."
رفعت كفها وهي تضعه على فمها تمنع صدور صوت شهقاتها. هيا السبب إذا في حزن والدها كل ذلك! كدست عمرها بأكمله تبحث عن والدتها ولم تبالي بقلب والدها الذي لم يبالغ يوماً بحبه لها. ليلعن الله أي شيء قد يكون سبب في تعاسة والدها. هل يفكر بأن يهبها حياته لكي تعيش هيا!
خرجت من خلف الحائط الذي اختبئت خلفه لتهتف بصوت قد باح من كثرة البكاء:
"بابا!!!"
نظر كلاهما إلى مصدر الصوت، وللثاني مرة يراها أنس بتلك الهيئة المبعثرة. نهض محمد سريعاً وقد غزي القلق داخله، مردفاً:
"حبيبت أبوكي مالك! تعبانة!!! فيكي حاجة وجعاكي!!"
"انا بحبك اووي!!"
ألقت نفسها بين ذراعيه، فلامست دموع والدها خصلاتها. احتضنها محمد بشدة وهي يستنشق رحيقها بكل ما يحمله قلبه لها من حب.
شعر بعينيه تدمعان وهو يراقب ذلك المنظر. أبعد محمد أروى بعيداً عنه، مردفاً بحب:
"وأنا بحبك يا قلب أبوكي. بتعيطي ليه بس؟"
أجهشت أروى في البكاء لتهتف بصوت عالٍ:
"عشان انت زعلان عشاني، عشان انت على طول واخد بالك مني وأنا مش واخده بالي منك، عشان انت على طول جنبي وأنا بعيدة عنك. لما جيت تحاول تساعدني أنا بعدت وسيبتك. في حين انت كنت زعلان عشاني أنا مكانش فارق معايا غير إني ألاقي ماما. مأخدتش بالي من كل اللي انت بتعمله، عشان أنا عمري ما قولتلك قد إيه أنا بحبك. بعيط عشان أنا مش عايزة أسيبك!!"
ضحك محمد وهو يرفع يده ويجفف دموعها:
"للدرجة دي بنتي قلبها صغير!!"
"انت بتضحك يا بابا!!! مفيش أي مراعاة لمشاعري!!"
ضحك محمد أكثر وابتسم أنس على محمد الذي حاول جاهداً إخراج صغيرته من حزنها، ليهتف:
"عشان أنا عارف إنك بتحبيني يا أروتي. مهما تعملي، ساعات مش عشان إحنا بنحب حد لازم نقوله إننا بنحبه. أفعالنا هي اللي بتقوله. لمعة عينينا بتقوله. لما بتسيبي الدنيا كلها وتيجي تستخبي في حضني وتشتكيلي قد إيه انتي زعلانه أنا بعرف إنك بتحبيني. لما بتقفي في المطبخ رغم فشلك وتحاولي تعمليلي أكل بعرف إنك بتحبيني. لما بتعملي عليا دور الحبيبة الغيورة وتسأليني رايح فين وأنا متشيك بعرف إنك بتحبيني. مش لازم يا حبيبتي لما نحب حد نروح نقوله إننا بنحبه. وأنا مش مستني منك إنك تقوليلي إنك بتحبيني عشان أديكي مقابل. الأب عارف إن ابنه بيحبه حتى لو مقالش ليه. عشان كده بيدي من غير مقابل. أنا مليش غيرك يا أروتي ومش عايز غيرك. اوعي أشوفك بتعيطي تاني، ولو حتى عشاني."
جفف أنس دموعه التي كانت قد هبطت، ليهتف وهو يشاكس أروى:
"كده يا أروى خليتي عمو يقول شعر ده غلب أحمد شوقي!!"
ضحكت أروى برفق وهي تجفف دموعها، لتهتف بمرح:
"كده يا مؤنس تطلعني من دور الاكتئاب اللي كنت فيه، اكتئب أنا دلوقتي تاني إزاي!!!"
قهقه محمد وأنس بصوتهم عالياً، لتشاركهم أروى الضحك أيضاً، ليضمها والدها إليه مقبلاً جبينها، ليهتف أنس وهو يغمز لها:
"ناس ليها حضن وبوس وناس ليها مؤنس!!"
"انت بتعاكس بنتي قدامي يا مؤنس!!"
هتف بها محمد وهو ينظر إلى أنس بنصف عينيه، فهتف أنس بغيظ:
"أنس، أقسم بالله أنس!!"
هتف كلاً من أروى ومحمد بنفس الصوت، مردفين:
"مؤنس هو الموضة!!"
ضحك أنس ومن ثم ضرب كف فوق الآخر، مردفاً:
"ذاك الشبل من ذاك الأسد."
مرت الساعات سريعاً، ساعات لم تتوقف بها المشاكسات بين ثلاثتهم. شعر أنس بالألفة معهم، ودخل أنس قلب محمد الذي كان يراقب ضحكات صغيرته التي تخرج من قلبها وعينيها التي تلمعان وهما ينظران إلى أنس.
استأذن أنس للذهاب، لينهض معه محمد مودعاً. وقبل أن يذهب، هتف محمد وهو يمسك بكف أنس:
"شكراً يا ابني إنك رجعتلي بنتي!!"
لم يوشك أنس على الإجابة حتى جذبه واحتضنه محمد وأشد من ضمه له. ليرفع أنس يده ويضمه هو الآخر. رفع نظره فوقع على أروى التي تنظر لهم، ليبتسم ويشير إلى والدها أنه قد سرقه منها، فهزت رأسها ضاحكة وهي تهمس بشفتيها ليستطع هو قراءة ما هتفت به:
"محدش يقدر يسرق مني بابا يا مؤنس!!"
ضحك أنس بصوت مكتوم، وبعد وداع حار دام كثيراً، غادر أنس. والتفت محمد إلى الدخول، لتقابله أروى التي تزحلقت فوق ترابيزة السلم، لتستقر يحركة عشوائية بين يدي والدها الذي احتضنها وغمز لها، مردفاً:
"في عيون بتلمع وقلب فرشاته بترفر، إيه الحوار؟!"
ضحكت أروى وهي تخرج من بين أحضان والدها، مردفة:
"ده انت مركز بقى.. شكلك فاهم يا نصه!!"
ضحك محمد بشدة واحتضن ابنته سريعاً وهو يتمنى لها سعادة خالصة من قلبه.
رواية اوتيل الفصل الرابع 4 - بقلم حبيبه محمد
حسيت إني شايفة الحياة بِشكل مُختلف، كُل حاجة بقت أجمل في عنيّا بِمُجرد مَا حسّيت إنّي بحب، وإن اللي بحبهُ شايفني أحلىٰ بنت في الدُنيا.
• تانجل | أسلام شاهين.
إي حاجه تيجي من ريحه الحبايب..
تطمن قلبي المشغول على اللي غايب..
كلمتين يتقالوا منه ولا عنه...
يطمن قلبي المشغول على اللي غايب..
تنهد محمد بصوت مرتفع بعض الشيء، ويديه تتحسسان تلك الصورة التي أمسكها بين كفيه. يجلس ببرهة الطرقة التي بالمستشفى، ينظر إلى تلك الصورة التي تجمعه هو وأروى التي كانت قد بلغت من أعوامها الثلاث سنوات، ورقيه زوجته ذات الطباع الهادئة. لطالما ما جذبه إليها عقلها الرزين وهدوئها. بدأت أصابع كفه تتحسس ملامح رقية المبتسمة إلى تلك الصورة بسعادة قد بلغت من الكبر ذروتها.
هل تغيرت ملامحها!؟ أم أنها مازالت جميلة كما كانت؟ هل مازالت عينيها الزرقاء تلمعان بلمعة أمواج البحر، أم أنها أصبحت أكثر ذُبل كما كانت عندما غادرت!؟ هل تشتاق له كما يشتاق لها!؟
هل هيا بخير!! هل أتى على بالها يوماً طول تلك السنين، أم أنها قد نسته!؟
لقد طال فراقك، وطالت معه ساعات اليوم، توقفت عقارب ساعتي عن الدوران وتوقفت أيامي التي كانت تبتهج برؤيتك.
تنهد بصوت قد حمل أكاليل من الحزن والاشتياق، قام بثني تلك الصورة ووضعها بجيبه، وظل جالساً ينتظر وصول صغيرته وأنس.
أنس الذي أصبح كحاية لأروى بتلك الفترة.
راقب الطرقات والمارين بها، بالرغم من ملامح التعب التي قد رسمت أودية على أوجههم، الأ أنهم يبتسمون برضا، رضا قد أكسب الله به قلوبهم. حدث نفسه وهو ينظر إلى بداية البرهة منتظراً أن تهل عليه صغيرته:
"الراجل منا لو حب مرة مبيقدرش يحب تاني، قلبه بيكون مستني واحدة بس يحبها، غير كده مبيحبش تاني. وأنا قلبي عشقك يا رقية مش حبك بس! يوم ما هترجعي لو كنت لسه أنا وبنتك على بالك هتلاقيني لسه مستنيكي يا رقية، و عمري ما همل من إني أكون مستنيكي، لأني متأكد إن سبب قوي اللي بعدك عننا وسبب قوي اللي هيرجعك لينا يا أجمل حاجة حصلتلي."
استمع إلى صوت ركض بالبرهة أصدرته قدما أروى، فوقف من مجلسه، فظهرت أمامه أروى بفستانها الوردي الطويل وجاكيت جينز بأكمام طويلة ترديه فوقه، وحقيبة بيضاء صغيرة. ابتسم وهو ينظر إلى أميرته الصغيرة التي تحتل من قلبه عرش.
من خلفها هل طيف أنس المنير بذلك البنطال الجينز والقميص الأبيض الذي فتح أول ثلاث أزرار منه، وقد سار وهو يضع كلتا يديه بجيبه، وقد بدأت معالمه مكتظة بالغيظ وهو يراقب أروى.
ضحك محمد بخفة، فهو يعلم أن قلب صغيرته النطفة ذاك قد تعلق بأنس. تبدأ يومها بمحادثته وتنهي يومها بمحادثته، أصبح يشعر بالغيرة من أنس لأنه أصبح يحتل مكانة كبيرة للغاية بحياة صغيرته.
"هتفضل مكشر كده كتير؟!"
هتفت بها محمد وهو يقترب ويحتضن صغيرته، والذي شعر بها تكبت صوت ضحكاتها، ليتهف أنس بصوت عالٍ وقد ظهر به الغيظ:
"واللهي بنتك دي مجنونة، خلتني أوقف السيارة على أول الشارع وجرتني وراها ٣ كيلو، وتقولي انت طخين، أنا مبحبش الرجالة الطخان. بعدها رجعتني العربية تاني جرى عشان نسيت شنطتها، أنا هتتجنن منها أقسم بالله."
ضحك محمد بشدة وهو لا يصدق أن صغيرته قد بلغ منها الجنون ذروته، فهتفت أروى وهي تنظر له وترمش ببراءة:
"الحق عليا إني خايفة على صحتك!!"
"أيوا أيوا سبليلي بالعيون البريئة وارمشيلي بيهم على أساس قلبي هيرقلك يعني!!"
هتف بها وهو يدير رأسه إلى الجهة الأخرى، فضحكت بصخب، ومن ثم فتحت حقيبتها مخرجة سوار قد صنع من الصوف باللون الأسود، وقد علقت به ميدالية صنعتها يديها "مؤنس"، فتهتف ضاحكة:
"أنا بعمل كل ده عشان أديك هديتك يا عم!"
ألقى نظرة بطرف عينيه على السوار، ففرت منه ضحكة بيأس مردفاً:
"أنا وحشني اسمي يا أروى واللهي!"
"مؤنس هو الموضة."
هتفت بها ضاحكة، ومن ثم اقتربت وأمسكت كفه، وقامت بألباسه السوار تحت نظرات والدها الذي نبض قلبه خشية على صغيرته.
صغيرته صغيرة بشؤون الحب، حتى وإن لم تخبره أنها تحبه، وإن أخفت لمعة عينيها بمشاكستها، مازال يستطيع رؤية نظراتها التي تختلسها وتنظر إلى أنس، وهو الآخر يشعر به يختلس النظرات وينظر لها. كلاهما قلبان ينبضان بالحب، وذلك ما يخشاه.
ضحكت أروى بطفولة وهي تنظر إلى أنس مردفة:
"حلوة اوي.. تسلم ايدك يا أروى."
ضحك أنس على تلك المجنونة، والتي أضافت نكهة جديدة إلى حياته، فبدت كنسمة قد أتته وسط صيف شديد البرودة، أو كرشفة ماء قد وهبها الله لتايه بالصحراء. أصبحت كسحابة غيث قد مرت على قلبه فازهرت جنائنه التي قد أهملها، فاهتمت هيا بهم.
خرج من الغرفة المقابلة لهم طبيب بكتمل عقده الثالث "يوسف"، والذي كان المسؤول عن معالجة أروى سابقاً، ويكن لها من الحب الكثير. فكيف لا، وهيا قادرة على أن تجبر أي شخص ينظر لها أن يحبها.
اقترب يوسف من محمد الذي كان يراقب عصفوران الحب هذان، فهتف وهو يمسد على كتف محمد مردفاً ببسمة أضافت له وسامة خاصة:
"ازيك يا عمي محمد."
"كويس يا ابني نحمد ربنا."
نظر يوسف إلى أروى التي وقفت إلى جوار أنس، ليهتف بنبرة هادئة وابتسامة علت ثغره:
"ازيك يا أروى، كده تغيبي الغيبة دي كلها!!"
رفع أنس حاجبيه بتعجب من نبرة ذلك العاشق ولمعة عينيه وهو ينظر إلى أروى، ليهمس إلى أروى مردفاً:
"مين اللي شوية وهيجي ياخدك بالحضن ده؟?"
كبتت أروى ضحكاتها، وقد استزلت نبرة أنس الغيورة، فرفعت رأسها له مردفة:
"ده الدكتور اللي كان بيعالجني!!"
"يا شيخة!! بقى في حد يهرب من الدكتور العسل ده، ده أنا لو عيان كنت هخف أول ما أشوفه."
هتفت بها أنس وهو يرمق يوسف بنظرة مغتاظة، فضحكت أروى، فصخب شديد جعل يوسف ومحمد ينظران لها بتعجب، فهتف يوسف متعجباً:
"فيه حاجة يا أروى!؟"
"واللهي هاجي أقطع لسانك اللي عمال يقول أروى أروى ده أنا منطقتش اسمها غير خمس مرات!!"
صرح بها أنس وهو يكز على أسنانه بغيظ، فخبأت أروى وجهها بكتف أنس بحركة عفوية وهي تحاول كبت ضحكاتها، فتبدل حال الآخر وهو يشعر بها ستنفجر من الضحك، ليهتف مبتسماً:
"عدي عدي شوفي بضحكك قد إيه!!"
"ده انتي جملتي!!"
"احنا الاتنين واحد يا جميلتي."
هتف بها بهمس جعل وجنتيها تنفجران من الخجل، فضحك بخفة مردفاً:
"عمي محمد هيموت ويعرف بنتكلم فيه إيه!!"
ضحكت وهي تشاركه رأيه، أما عن محمد فكان يهتز قلبه كلما استمع إلى صوت ضحكات صغيرته، حتى لو كان هناك آخر من يجعلها تضحك هكذا، فيكفي أن تضحك فقد. فابتسم وهو يجد أنس يهمس لها بشيء فتتورد وجنتاها: "آه صغيرتي لقد وقعتي بالحب.."
هتف يوسف محمحماً وقد اشتعل داخله وهو ينظر إلى أنس التي لم تتزحزح أروى من جواره، مردفاً:
"مش يلا نبدأ الجلسة؟ اتفضلي قدامي يا أروى، اتفضل قدامي يا عمي."
مدت أروى يدها بحقيبتها إلى أنس مردفة بمرح وهي تحاول أن تزيل إثر حبيبات التوتر عنها:
"شنطتي أمانة معاك يا مؤنس، فيها اتنين جنيه أربع أنصاص، لو ضاع منهم نص هقتلك!"
ضحك أنس بشدة وأمسك حقيبتها، فمد يده قارصاً وجنتيها، فهو على خير إدراك بأمر توترها:
"هتطلعي تلاقيهم تمانية جنيه مش اتنين، ومجمدين كمان مش أنصاص."
ابتسمت له وقد بدأت عينيها تشتد لمعاناً مرة عن الأخرى، فغادرت من أمامه حتى اختفت من أمامه، فاستند علي الحائط وقلبه لا يكف عن الدعاء لها.
"لَم أحدّق بكَ عمْداً وجهكَ تعمَّد إغوائي."
ما إن وطئت قديمها إلى داخل غرفتها القديمة التي كانت تعالج بها، فنظرت إلى طباع الغرفة الهادئة حيث الجدران البيضاء والممزوجة بزرقة البحر. توسط الغرفة فراش أبيض وكرسيان من اللون الرمادي، وطاولة بيضاء وخزانة زرقاء قليلاً، ودورة مياه ملحقة بالغرفة. أثارت الرهب قلبها، فأمسكت كف والدها تستمد منه القوة.
دَلفت ممرضة وطلبت منها الأستلقاء فوق الفراش، فاقتربت بتوتر جالسة على طرفه. تقدم يوسف منها مستعداً لبدء جلسة العلاج الكيماوي، فامسك بيده حقنة صغيرة لعلها تسكن لها الألم قبل البدء. أخذت تتكرر ذكريات تلك الأيام التي مرت كبرق يضرب السفينة على حياتها، كيف كانت لا تنام ولا تأكل، حتى الكلام كان قد جف بحلقها. وقبل أن يقترب ويمسك يوسف كفها، هتفت ودموعها تترقرق وتنظر إلى والدها ومن ثم إلى يوسف:
"بابا ممكن أنس يحضر معايا الجلسة!؟"
نظر لها محمد قليلاً، ومن ثم نظر إلى يوسف التي زالت ابتسامته، مردفاً يوسف وهو يود لو يطيح بأنس ذاك:
"لو ده اللي هيريحك يا أروى مفيش مشكلة، هطلع أناديله."
وضع الحقنة المسكنة جانباً واتجه خارجاً لينظر إلى جسد أنس المستند على الجدار، فتنهد برفق، ومن ثم اقترب منه.
كان يعبث بهاتفه قبل أن يشعر بطيف يحاوطه، فرفع نظره لينظر إلى يوسف الذي هتف متنهداً:
"أروى عايزك تحضر معاها الجلسة."
ابتسم ابتسامة هادئة مردفاً:
"معنديش مشكلة!"
"بتحبها!؟"
"تفرق معاك!!؟"
"ما هو انت لو مبتحبهاش سيبها لغيرك يحبها!"
أثارت كلماته تلك قلب أنس، فنظر له مردفاً:
"انت ملكش الحق تعرف إذا كنت بحبها أو لا، بس أنا هطمنك، أيوا أنا بحبها ومستني أول ما تتعافى أقولها، مش هقدر إني أخليها مشتتة في حاجة في الوقت الحالي، أهم حاجة عندي إنها تبقى كويسة وبس. لو أروى بالنسبالك مجرد بنت انت شوفتها وحبيتها وقلبك ارتاح ليها، فهي بالنسبة ليا أكتر من كده. هيا اللي قدرت تغير حياتي للأحلى.. للأحلى بكتير. وأنا مش شايفها بنفس النظرة اللي انت شايفها بيها، أنا شايفها بنتي اللي عايز أحميها، وردتي اللي عمري ما هزهف إني أسقيها أبداً. أروى بالنسبة ليا الشمس يا حضرة الدكتور، يمكن عرفتها من فترة صغيرة بس أقدر أقولك إنها أحلى فترة في حياتي كلها."
تركه واقفاً يستوعب أثر كلماتها التي أفاقت روحه، مقترباً لدفع الباب ودالفا إلى الداخل. نظرت أروى له سريعاً وقد تبدل حالها من حزينة إلى فرحة، فهتف أنس بمرح لإخراجها من حزنها:
"وحشتك صح!؟"
ضحكت أروى وهزت رأسها نافية، مردفة:
"لا بس خوفت تطمع في الاتنين جنيه بتوعي."
ضحك أنس بخفة، ومن ثم اقترب جالساً على الكرسي المقابل لها، وجلس محمد التي لم تفارق الابتسامة شفتيه، فأخرج مصحف صغير وأخذ يقرأ به.
أغمضت أروى عينيها بألم وهي تنظر إلى يوسف الذي بدأ بتركيب المصل لها، فمد أنس كفه ممسكاً بكفها يبعث له المطمئنينة.
مرت نصف ساعة وأروى مستندة بظهرها إلى الخلف، وأنس جالس أمامها يتأمل ملامحها. وجهها، فهتف برفق وهو ينظر إلى وجهها الممتعض:
"حاسة بوجع!؟"
هتف بها وهو يراقبها وقلبه يتحطم من أجلها. ابتسمت له ابتسامة لو كلفته أعوام لرسمها، فلتكلفه كما تريد، يكفي أن يراها فقد ترتسم أمامه. ظهرت تلك الحفرتين التي بوجنتيها، لتهتف برفق:
"لا مش حاسة بحاجة، بس حاسة جسمي تقيل!"
أردف أنس بمرح وهو ينظر لها:
"شوفتي مين بقى اللى طخين ومحتاج يخس؟"
"ده انت غلس!!"
ضحك أنس وهو يراها تذم شفتيها كالأطفال، فمد يده قارصاً وجنتيها مردفاً:
"انتي زعلتي يا بيضة!!؟"
ضحكت أروى مردفة وعينيها تلمعان ببريق غريب:
"لا مش زعلت، براحتك يا باشا."
مر ثلاث أيام على مكث أروى بالمستشفى تتلقى العلاج، يبيت معها كلاً من أنس ومحمد، فيغادر أنس صباحاً ليحضر ملابس جديدة إلى أروى وإلى محمد، ومن ثم يغير ملابسه. طوال تلك الفترة لم يلتقِ بوالديه حتى لو كانتا صدفة.
بدأت حالة أروى تتأرجح تارة ما بين السوء إلى الأحسن، وبكل مرة كانت تود التوقف عن العلاج، كان يقف أمامها أنس معانداً ويساندها.
سار أنس ببرهة الطريق التي ستوجهه إلى غرفة أروى، فأخذ يتذكر أحداث الثلاث أيام السابقة. تساقطت خصلات أروى بكثرة، فأخذت تجمعهم وهي تبكي بشدة، فأجبرت الممرضات على قص خصلاتها حتى وصلت إلى أذنيها. كلما حاولت أن تبقى قوية، كانت تجد أنس إلى جانبها يؤنس من روحها ويحمل عنها عبء تعبها، وكأنها صغيرته وليست فتاة يدق لها قلبه عشقاً.
ضرب أنس على الباب بضع طرقات، ومن ثم أدنى برأسه، فقابل وجه أروى الذي ذبل قليلاً وخصلاتها القصيرة، كل تلك عوامل لم تزد سوى من جمالها، فابتسم وهو يسرع بخطاه نحوها بمرح مردفاً:
"الجميل اللي هيسمع ربانزل انهارده!!"
أخذت تنظر له غير مصدقة، فصرخت بسعادة وأخذت تسفق بيدها مردفة:
"انت أحلى أنس بالدنيا كلهااااا."
ضحك أنس بخفة، وقد شعر بأنه انتصر في معركة قوية، فسعادة أروى بالنسبة له ما هي إلا معركة عليه اكتساحها. اقترب من شاشة التلفاز وقام بوضع أسطوانة صغيرة بالـ CD الموصل لشاشة التلفاز، فبدأ التلفاز يعرض لهم أحد أجمل أفلام ديزني.
تناولت كفي أروى المذكرة الصغيرة، والذي كان أنس قد كتبه لها فيها منذ أول يوم لقاء، واستغلت انشغال أنس، فأخذت تدون بين السطور وهي تسرق نظرة خلسة بين الوقت والوقت إلى أنس:
"عمري ما اتخيلت إني ممكن ألاقي حد بيشاركني كل تفاصيلي، شخص دايماً جنبي، حاططني دايماً قدام عينيه، شخص كأنه ملاك اتبعت ليا من السما عشان يحول حياتي لجنه. أنس كل يوم عن التاني بيخلي حبه في قلبي يزيد، بيخليني أحبه أكتر من الأول. هو شايف أحلامي التافهه كنز هو لازم يحققه. عنده قدرة إن يخرجني من عز حزني لعز فرحي. أنا عمري ما كان في حد قريب مني كده. من أول ما أنس دخل حياتي وأنا معدتش شايفة غيره، وهشوف غيره ليه وهو بس كفاية عليا!؟ هو شايفني على طول جميلة حتى دلوقتي، حتى بعد ما ملامحي اتغيرت هو لسه شايفني حلوة. حسيت وهو جنبي إني شايفة الحياة بِشكل مُختلف، كُل حاجة بقت أجمل في عنيّا بِمُجرد مَا حسّيت إنّي بحب، وإن اللي بحبهُ شايفني أحلىٰ بنت في الدُنيا."
سرقت نظرة له وهو يتابع شاشة التلفاز، فوضعت المذكرة إلى جانبها وأخذت تتابع معه حتى وصل الفيلم إلى آخر مقطع وهو عند إفاقة يويجين من الموت، فنظر أنس إلى أروى وابتسم مردفاً:
"هو هنا هيقولها أنا عمري قولتلك إني بحب الشعر البني. أما أنا بقى فهقولك عمري قولتلك إن إني بحب الشعر القصير!!"
لم يقم بوضع أي تعليق عندما وجد خصلاتها قد تم قصها، بل صمت وشاركها من الحزن جانباً. تلألأت دموع أروى بحدقتها، فأكمل أنس وهو ينظر لها مبتسماً:
"انتي في كل حالاتك حلوة وأنا شايفك حلوة في كل حالاتك."
"خلاص بقى يا مؤنس هعيط!!"
"ده انتي بت فصيلة!!"
هتف بها بغيظ، فضحكت بشدة عليه، لتمسك كفه. فحاول جذبه منها مردفاً بحنق:
"متعرفيش انتي أنا فضلت أحفظ في الكلمتين دول قد إيه!!"
"يا مؤنس بقى، متبقاش قموص!!"
"أنا ألغى رحلتي لأنك وصفتيني بقموص وهذا غير لائق!!"
ضحكت بشدة على طريقة أنس الطفولية، أما هو فتعمد فعل ذلك ليرى ضحكتها. أخذت تحاول تمالك نفسها من الضحك، ولكنها لم تستطع، فشاركها الضحك وهو يضحك على ضحكها الهستيري.
فتح الباب ودلف محمد، والذي أخذ ينظر إلى هذان المجنونان بعيني متعجبة، فهتف بصوت عالٍ:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، هيا بنتي خلطت عليك ولا إيه!؟"
ضحك أنس مردفاً وهو يشير إلى أروى:
"واللهي أنا كنت عاقل لحد ما قابلتها!"
"بقى كده، طب س س سلاام.."
ضحك محمد بخفة وهو يقترب ويجلس مقابلاً لهم، وعينيه على خصلات صغيرته القصيرة:
"المرضى هيقدموا شكوى ضدنا بسببكم انتوا الاتنين، اعقلوا شوية!"
لاحظت أروى نظرات والدها إلى خصلاتها، فهتف مبتسمة:
"شوفت يا بابا عملولي نيولوك جديد في شعري، بقيت حاسة إني في كوافير مش في مستشفى!!"
ضحك محمد بخفة ومد يده مملساً على خصلاتها ومردفاً:
"حبيبي قمر في كل حالاته."
"وانا يا عمو!!"
هتف بها أنس وهو ينظر إلى محمد ويرمش له بعينيه، ليضحك محمد على طريقه مردفاً:
"انت عليه العوض ومنه العوض!"
كان يوسف موشكاً على الدخول، ولكن عند سماعه لصوت ضحكاتهم، لم يرد أن يقوم بقطع صفوهم، فترك مقبض الباب مغادراً.
مرت الساعات سريعاً وحل الليل، فغفت أروى بتعب. اقترب أنس برفق، مدثراً إياها بالفراش، ونظر إلى محمد مردفاً بهمس:
"عمي تعالى معايا عايزك!"
نهض محمد، فغادر كلاهما الغرفة، فهبطا إلى حديقة المستشفى، فهتف أنس وهو ينظر إلى محمد مردفاً:
"عمي محمد أنا بحب أروى."
هتف بها أنس دون أي مقدمات ودون أن يأخذ نفسه، فأبتسم ثغر محمد مردفاً:
"طب ما أنا عارف!"
توقفت قدما أنس عن التحرك قدماً، وقد صدم إثر كلمات محمد عليه، فضحك محمد مردفاً:
"أمال أنا سايبك لازق لبنتي كده ليه!؟ ما أنا عارف إنك بتحبها ومدهول على عينك، وهيا كمان مدهولة على عينيها وبتحبك!"
"ده انت بعت بنتك من غير حتى كلمة تهديد!!"
هتف بها أنس بصدمة، فصهل صوت محمد ضاحكاً مردفاً:
"ما انتوا مفضوحين!!"
ضحك أنس بالمقابل مردفاً:
"يا عمي الكلام مش كده، الكلام أخُذ وعطاء."
هتف محمد بمرح وهو ينظر لـ أنس:
"وأنا بقولك اهو خد بنتي وأديني فلوس!"
ضحك كلاهما بشتى، وأكملا السير أسفل ضوء القمر المنير لعتمة الظلام. هتف محمد بجدية وهو ينظر إلى أنس:
"ربنا يعلم غلاوتك عندي، بقيت من غلاوة أروى ويمكن أكتر. أنا مش قادر أقولك أنا مبسوط إزاي إنك جنبها بتساعدها وتسندها وتخفف عنها. أنت حالة نادرة في الزمن ده، وده اللي مخليني مطمئن إن بنتي معاك."
هتف أنس بثقة وهو يحاول إزالة آثار غبار وهمي من على كتفيه:
"ما هو المصنع نزل مني نسخة واحدة بس، عشان كده تلاقيني نادر."
"لا وواخد نفس الهبل بتاعها ما شاء الله."
"ما جمع إلا ما وفق بقى يا عمي."
ابتسم له محمد، ومن ثم رفع كفه وأخذ يربت على كتفه بحب مردفاً:
"أنا عارف إنك بتحبها يا أنس، وصدقني من ساعة ما شوفت ضحكتها وفرحتها وأنا بتمنى إنها تكون من نصيبك."
ابتسم له أنس، وقد أزاحت كلمات محمد تلك عن قلبه عبئ ثقيل، فهتف أنس:
"أنا لازم أروح النهارده، مش هعرف أبات يا عمي، لما تفوق قولها إني مش هكون موجود."
"ربنا معاك يا ابني."
زقزقت الطيور بصوتها العالي، وبدأت بالتحليق بعرض السماء. استرسلت أشعة الشمس الذهبية على وجنتيها، وقد أصبحت تتمرد عليها تداعب تلك الأميرة الغافية.
صوت صراخ كاد أن يصم أذنيها، فتململت وهي تشعر بجسدها مهشم من التعب. فتحت جفنيها واللذان كان قد التصقا سوياً، فاسندت كفها على الفراش تنبه قدميها بضرورة النهوض.
أخذت تبحث بعينيها عن والدها أو عن أنس، ولكن كلاهما كانا قد غادرا الغرفة من الصباح الباكر. نظرت إلى الأنبوبة المتصلة بالمصل، ففكرت في سحبها والنهوض لتعلم سر تلك الهرجة، ولكن وصلت لها الهرجة بنفسها إلى الغرفة.
فتح الباب كإعصار مداري، حتى أنه كاد أن يحطم مفاصل الباب، فظهر أمامها جسد امرأة بالعقد الرابع، وخلفها والدها الذي يحاول إخراجها بشتى الطرق، ولكنها لم تتحرك، وأخذت تنظر إلى أروى.
نظرت لها أروى بتعجب من هيئة تلك المرأة التي تنظر لها بعينين تفيضان شوقاً. أخذت تنظر لها أروى بتفحص، ومن ثم هتفت وهي تنظر إلى والدها بترقب:
"إيه يا بابا، مين دي وداخلة زي إعصار التيفون كده ليه!؟"
اقترب محمد محاولاً جذب تلك المرأة، ولكنها أبعدته عنها واقتربت من فراش أروى هاتفه باشتياق:
"أروى!!!"
بللت أروى سقف حلقها، فنبرتها ليست غريبة على أذنيها، ليهتف محمد بغضب مردفاً:
"رقية، قولتلك هيا مش عايزة تقابلك، هيا نفسيتها مش مستحملة!!"
رقية!!! والدتها!!!
صمتت أروى لثوانٍ وكلمات والدها تتردد فوق أذنيها بصدمة، فهتفت بعدم تصديق:
"ماما!!"
تراجع محمد إلى الخلف متنهداً، وهو يتذكر ولوج رقية إلى المستشفى، والذي لم تتغير ملامحها كثيراً، لم تتغير أبداً، هيا كما هيا، فقط تلك التجاعيد قد أضافت لها جمالاً آخر. أخذت تصرخ به إنها تود مقابلة صغيرتها، أنا هو، فرفض، لم يصدق بعد بأن نفسية ابنته قد تحسنت، فتأتي هي وتعكرها.
"إيه اللي رجعك!؟"
هتفت بها وهي تنظر إلى والدتها بترقب، لتهتف رقية بشوق ودموعها تنهمر:
"عشانك.."
"بس أنا مش عايزالك!"
هتفت بها أروى وهي تنظر إلى والدتها بجمود، ومن ثم نظرت إلى والدها مردفة:
"بابا عمل كل حاجة، قام بدورك وبدوره مخلانيش أحس إني محتاجالك، ولو كنت محتاجالك في يوم، فكنت صغيرة، إنما أنا دلوقتي مش عايزالك معايا. بابا ومعايا.... أنس، هما الاتنين عوضوني حاجات كتير أوي. كل اللي كان شاغل بالي انتي عايشة ولا ميتة، والحمد لله عايشة وده شيء يفرحني، والحمد لله، بس أنا من غيرك كويسة صدقيني. ربنا يخليلي بابا، بالرغم من كل حاجة حصلت وكانت هتحصل ليا، مسابنيش ومشى، ومهما كان سببك اللي هتقوليه، فمش مبرر يخليني أسامحك."
فتح الباب مجدداً ودلف يوسف، والذي أخذ ينظر إلى ذلك الجو الذي شعر بمد الشحنات السالبة التي عبأت به الجو، فنظر إلى أروى وهتف برفق:
"أروى!"
انتبهت له أروى، فجففت دموعها، فهتف بحنو وهو ينظر لها:
"انتي كويسة!؟"
استدارت أروى لترقد مجدداً وتهرب إلى النوم، وقلبها يطالب أنس بالعودة. فتبكي أمامه هو وفقط، فوجدت وسادتها قد ملئت بخصلاتها البنية، فرفعت كفها إلى فروتها تتحسسها، فسقط الباقي بين يديها، فتجفف دموعها. نظر لها يوسف مردفاً بحزن:
"هنضطر إننا نحلق شعرك كله يا أروى!"
شهقت أروى بصدمة ونظرت إلى والدها الذي لم تقدر قدماه على التقدم، فأنهارت وانزلقت يديها من أسفلها.
رواية اوتيل الفصل الخامس 5 - بقلم حبيبه محمد
دقَّت طبولُ القلبِ لوصوله سالماً غانماً .. فما هو براحلٍ من القلبِ حتى يعود لهُ .. إنَّما هو من إشترى خاطري وما أبى أن يستمرَّ حُزني .. ف كيفَ لِي أن أردّه مكسورَ الخاطرِ.
لسه سامع كل كلمه قالها ليا.
لسه شايفه زي ما يكون بين إيديا.
اه يا شوق خليك بقى حنين عليا.
وريحلي قلبي المشغول على اللي غايب.
أخذ نفس طويل وهو يقف أمام ذلك المبنى ذو الصرح العملاق، فتداعب نسمات الهواء خصلاته التي مالت للون البني وعكس إنصهار الشمس أشعتها فوق وجهه فظهرت ملامحه الرجولية وبرزت بطريقه جميله للغايه، فأخذ يجذب جميع الأنظار حوله وحول ذلك الوسيم الذي يقف شارد الذهن.
أخذ عقله يطرح على باله بضع أسئلة: لما لا تكن علاقته بوالده كعلاقة أروى بوالدها؟ يشعر بالحزن الشديد حيث انه لم يحظى بذلك الحب مثلها، ولكنه ينظر إلى جانب آخر: والدتها ليست معها وهو معه، والديه كلاهما معه... وليسا معه. لما لم يبادر قط بأن يجمع شمل أسرته؟ عليه أن يصلح تلك العلاقة، عليه أن يجمع شمل أسرته حتى لو كان فرط الإهمال واللامبالاة من جهتهم، لن يسمح بأني يحي ويموت ومازالت عائلته كخيط عنكبوت ضعيفة وبلا فائدة.
دلف إلى داخل شركة والده وأخذ ينظر إلى جدرانها الشاهقة، لقد أفنى والده عمره وهو يبني في ذلك الصرح العملاق، أهمل حياته من أجل ذلك الصرح، يتمنى لو كان يملك نفس إرادة والده في تحقيق حلمه، ولكنه لا يملك من الأحلام شيئ.
وصل إلى مكتب والده والذي علم أنه يمكث به منذ ليلة الأمس، بداخله تردد كبير بأن لا يخطو تلك الخطوة، فأما قد تحسب لصالحه أو سوف تنقلب عليه. مد يده وقد أخذ نفس طويل ودفع باب المكتب دالفاً إلى الداخل ومغلقاً الباب خلفه.
رفع "زيد" عينيه من فوق تلك الأوراق التي تبعثرت فوق مكتبه، بدت ملامحه في غاية الجدية بتلك النظارة الطبية المائلة للون الرمادي وخصلاته التي مزجت بين لونين: الأسود ويليه الأبيض. رفع زيد كف يده جاذباً نظارته وأخذ يطالع أنس بهدوء حتى قطع الصمت مردفاً:
_هتفضل واقف عندك كده؟
نظر أنس ملياً إلى والده وأخذ ينظر له وكأنها اول مره يراه بها، ولكنها حقاً اول مره ينظر إلى والده بتلك النظرة التأملية. نظر إلى كفه الذي رفعه يداعب به عينيه بتعب. لماذا لم يفكر قط من الناحية الإيجابية أن والده قد أفنى عمره بأكمله من أجله هو ووالدته فقد لكي يأمن لهم حياة كريمة؟ حسنًا، والده يحظى بقلب طيب ولكنه لم يظهر له ذلك قط. أخذ يتذكر متى لم يحتج والده ولم يجده إلى جواره؟ متى قد اشتدت عليه علته ولم يجد والدته إلى جواره؟ كلاهما بعالم آخر ولكنهما لم ينسياه!
شعر زيد بخطب ما بأنس، فعينيه لم تتزحزحا من عليه، فنهض من مجلسه مقترباً بقلق من أنس مردفاً:
_في إيه واقف كده ليه؟
استفاق أنس من شروده فنظر إلى والده بانتباه ولمح نظرات القلق بين حدقتيه. إنها نفس النظرات التي يراها بين حدقتي محمد. الآباء يختلفون قليلاً في إظهار الحب لأبنائهم. اقترب أنس من والده وابتسم مردفاً:
_ببصلك حرام أبصلك!
رفع زيد حاجبيه بتعجب، فهو لم يعتد على روح أنس المرحة وحديثه الذي يحمل بين طياته تلك النبرة التي باتت غريبة على مسمعه. فتح الباب ودلفت "فريدة" والدة أنس، والذي حدثها وأخبرها أنه بالشركة ووالده ليس على ما يرام، فهو يعلم أن تلك الحيلة الوحيدة التي ستجلب والدته إليه.
مهما تغيرت النساء ومهما تغيرت أشكالهم وهيئاتهم، تبقى قلوبهم واحدة لا تتغير.
اقتربت فريدة بقلق من زيد الذي تعجب من دخولها العاصف لتقترب وتمسك وجهه بين كفيها مردفة بقلق:
_زيد انت كويس!!
_في إيه يا فريدة ما أنا واقف قدامك اهو كويس!!
تحمحم أنس وهو ينظر إلى والديه لتلفت له فريدة ليهتف أنس بهدوء:
_ممكن نقعد نتكلم.... شويه لو سمحت!
هتف بها بصوت هادئ، فنظر زيد إلى فريدة وهيا الأخرى نظرت له بقلق، فأمسك زيد بيدها وأتجه إلى أريكة بنهاية المكتب وجلسا كلاهما عليها. اقترب أنس وجلس أمامهم، فهتف فريدة بقلق وهيا تمد كفها وتمسك بكفه مردفة:
_حبيبي انت كويس!!
_كويس يا ماما بس عايز أتكلم معاكم شويه.
ابتسم لها وهو يطمئنها ويربت فوق كفها. أخذ نفس طويل ومن ثم هتف برفق:
_هو احنا ليه كده!؟
تحولت ملامح والديه إلى علامات استفهام متعجبة، فاكمل أنس وقد قرر البوح بما قد طال كتمانه بقلبه:
_ليه بعاد عن بعض بالشكل ده!؟ ليه كل واحد فينا في وادي تاني!! ليه عاملين زي أوتيل كبيررر وكل واحد تايه فيه بس مجربش أنه يرجع لأوضته اللي تاه منها وكمل مشي في نفس الطريق لحد ما بعد عن التاني؟ ليه اللي بيني وبينكم زي فرق السما والأرض!؟ انت يا بابا ليه بأني حواجز كبيرة بالشكل ده ليه باعد عننا ومحاولتش ولا مرة تجمعنا سوا!! ليه وهبت حياتك وكدستها كلها للشغل وبس!؟ أنا مش بقولك مش تشتغل بس فيه عيلة محتاجك، مفكرتش لمرة أن ممكن حد فينا يدور على الاهتمام بره سواء أنا أو ماما!؟ ليه محاولتش ولو لمرة تهد السور اللي بنيته ده!؟
نظر زيد نظرة طويلة إلى أنس ومن ثم وجه نظره إلى فريدة الذي لاحظ ترقق الدمع بعينيها، ليردف أنس مكملاً:
_وانتي يا ماما ليه ناسيه أن ليكي زوج وابن محتاجينك!؟ مفكرتيش لمرة أن ممكن بابا يبص لواحدة تانية لما يلاقي منها اهتمام هو افتقده، أو أنا ممكن أبعد خالص عنك وعنه لما ألاقي حد تاني حاسس بيا ومقدرني، خايف عليا، ليه وهبتي انتي برضه حياتك كلها للنادي والجمعيات! هتفيدك! هتفيدك لما تلاقي ابنك بعد عنك وجوزك بعد أكتر؟ فين اللي كان بينك انتي وبابا!؟ أوعي تقولي راح، لأن عمر الحب ما بيروح بالعكس ده بيتجدد، ليه انتوا في وادي وأنا في وادي ها!؟
اخفضت فريدة وجهها والذي قد احتقن بالدموع، وزيد الذي نظر إلى يمينه يستمع إلى كلمات أنس الذي لأول مرة يلفظ بها. هتف أنس متنهداً:
_أنا هديت السور بتاعي وقربت منكم، ليه انتوا كمان متهدوش السور بتاعتكم وتقربوا مني؟ تعالوا نبني سور تاني بس نكون كلنا جواه. ماما انتي وحشني أكلك اللي مأكلتهوش من وأنا عندي ست سنين، وانت يا بابا وحشتني خروجتنا وأنا صغير، انتوا موحشكوش ده!؟
أجهشت فريدة بالبكاء، فأقترب أنس وجلس إلى جوارها مردفاً بحب:
_بتعيطي ليه دلوقتي!؟
هتفت فريدة وهيا تهز رأسها:
_عشان أنا كنت أم مهملة ومأخدتش بالي منك.
ابتسم أنس ومن ثم مد كف يده ممسكاً بكفيها مردفاً وعلى وجهه بسمة:
_يا شيخة قولي كلام غير ده!؟ أمال مين اللي كان بيبعت ليا الأكل المدرسة بالرغم من أنهم كانوا بيقولوا إنه ممنوع ها!؟
ضحكت فريدة بخفة وهيا تتذكر تلك الأيام، هيا لم تكن لتترك أنس يبتعد عنها، ولكن زيد أصر تحت هدف أن يعتمد أنس على نفسه. لتهتف وهيا تجفف دموعها:
_أنا.
ضحك أني بخفة ومن ثم أكمل وهو يرفع كفه ويمسح دموعها مردفاً:
_مين اللي مسكت في بابا لما عرفت أنه هيسفرني، مين اللي كانت بتيجي تقعد جنبي وأنا نايم وتلعب في شعري، مين اللي كانت بتبعت ليا السندوتشات الشركة أول ما عرفت أني هشتغل وأبعد عنها، كنتي بتبعتي ليا سندوتشات فول يا ماما فول!!
ضحك زيد بخفة، فزوجته مهما تغيرت تبقى كما هي. فهتف بتلقائية:
_أحمد ربنا دي أول ما عرفت اني بشتغل كانت بتبعت ليا سندوتشات حلاوة!!
ضحك أنس بشدة، فلكزت فريدة زيد في كتفه مردفة بضجر:
_الله مش عشان تتغذوا!!
_حلاوة يا فريدة طب جبنة رومي حتى!!
اشتد ضحك أنس أكثر وهو ينظر إلى والديه، ليحتضن أنس فريدة مردفاً:
_تنكر... تنكر انها كانت بتبقى حلوة!!
ابتسم زيد لأنس مردفاً:
_وهيا فريدة طول عمرها بتعمل حاجة وحشة!
اشتعلت وجنتا فريدة خجلاً، فضحك زيد بخفة وأكمل برفق وهو ينظر إلى أنس:
_الأب مبيعرفش يقول لأبنه انه بيحبه بالكلام، الأب يا أنس بيبقى عنده استعداد يدفن نفسه لمجرد بس انه يشوف نظرات الرضا في عيون ابنه، لما أنا عملت معاك كل ده كان هدفي واحد اني اشوفك راجل لما اتسند عليه مقعش، بس مأخدتش بالي اني كده ببعد عنك وعن فريدة، الأب مبيعرفش يعبر عن حبه بالسهولة اللي انت متخيلها، أجي الصبح أقولك بحبك وبعدها أضربك!؟ لا أنا عملت كل حاجة عشانك انت وفريدة عشان محسش اني مقصر في حق واحد فيكم وعندكوا اللي مكفيكوا، أنا مش بعيد زي ما انت قولت، أنا عارف عنكم كل حاجة، وكنت ببقى مطمن لما ألاقيكم كويسين وضحكتكم مرسومة، ده كان بالنسبة ليا أهم حاجة يا أنس، الأب يا ابني ليه أسلوبه في الحب، بكرة لما تبقى أب هتحس وهتجرب انه لما تروح تقول لأبنك انك بتحبه مش هتلاقي ليها طعم غير لما تشوفه مبسوط.
ابتسم أنس لوالده بحب شديد، فهتفت فريدة بحنان وهيا تمسك كف زيد:
_طول عمرك قلبك كبير ومهما بينت انك جامد أو قاسي يفضل قلبك زي حباية الفول.
_فول تاني يا فريدة!!
هتفت بها زيد ضاحكاً، فصهل صوت أنس ضاحكاً، لتقوم فريدة بضربه بغيظ بكتفه، فتوقف عن الضحك، فهتف زيد بمكر وهو ينظر له:
_بس أنا شايف يعني لمعة في عينك هو الأمر فيه بنت ولا إيه!؟
غمز له، فالتفتت فريدة مسرعة إلى أنس ممسكة وجنتيه مردفة بفضول:
_كبرت يا أنس وبقيت تحب!! هيا مين!! شكلها إيه!!! اسمها إيه!!! من عيلة مين!!!
_واللهي المخابرات خسرتك يا ماما براحة يا ست الحبايب مش كده!
ضحك زيد على أنس الذي أصبح كالمتهم بين يدي فريدة، فهتف أنس وهو ينظر إلى والدته:
_عايزة تشوفيها!؟
نظرت فريدة إلى زيد ومن ثم إلى أنس لتهتف بحماس:
_اكيد.... لازم أشوف اللي غيرت قلبي ابني كده.
"أنت من إقتبس مني فُؤادي . .فما أنت إلا سلام وبقُربك الأمان."
قولت مش عاوزه أشوف حد سبوووني بقى!!
صرخت بها أروى وهيا تدير ظهرها لوالدتها ووالدها الذان لم يكفان ولم يكل أحدهما عن المحاولة في التحدث مع أروى، وأراحت روحها الذي يشعران أنها تتمزق إربًا أو أنها تحترق كوقود وسط محيط.
هتفت أروى ودموعها تتساقط وهيا تنظر إلى خصلاتها التي قد تساقطت أرضاً، أصبحت رأسها بلا خصلة واحدة، كيف سينظر لها الآخرون بعد الآن؟ لن ترى بعينيهم سوى نظرات الشفقة، وتلك النظرة تقتلها بل وتجعلها تشعر بأنها ولا شيء، كأنها هواء.
هتفت أروى ببكاء وصوت قد تمزق من كثرة الصراخ والبكاء:
_قولتلك اني مش عاوزة أتعالج، قولتلك أن شعري هيقع وشكلي مش هيبقى حلو، انت اللي خليتني أتعالج عشان خايف أسيبك زي ما هي سابتك، مش عشاني ولا حاجة.
تصنمت قدمي محمد مكانها، فابتلع فمه كلماته التي كان سوف يلقى بها.
وصل كلاً من أنس ووالديه إلى مبنى المشفى، فتعجبت كلاً من ملامح زيد وفريدة، ليهتف زيد بتساؤل:
_انت جايبنا المستشفى ليه يا أنس!
تنهد أنس تنهيدة طويلة ومن ثم بدأ يقص عليهم الحكاية منذ لقائهم حتى الأمس حين تركها. رق قلب فريدة كثيراً لتلك الصغيرة التي تعاني مالم يعانيه أحد، فنظرت إلى أنس تتأمله وتتأمل ملامحه ولمعة عينيه التي تتغيران ما بين ثانية وضحاها، فتارة يبتسم وتارة تعبس ملامحه، فأيقنت بأنه ليس حب بل إن صغيرها قد وقع بداخل شباك العشق.
دلف كلاهما إلى الداخل، فنظر أنس إلى يده التي تحمل كيس من الحلوى التي تعشقها أروى، وكم يحب أن يرى بسمتها له.
وصلا كلاهما إلى برهة الغرفة، فتغيرت ملامح أنس الحماسية إلى أخرى قلقة وهو يجد يوسف ومحمد وواحدة أخرى لم يتعرف عليها، ولكن ملامحهم جميعهم لا تبشران بخير!
اقترب أنس من محمد مسرعاً وهتف بقلق قد أخذ ينهش بقلبه:
_عمي محمد في إيه!!
_أنس!!
صوت باكي ونغمة حزينة تردد صداها بأذنيه حتى بات كدرب يدرب قلبه. التفت أنس إلى مصدر الصوت، فتعلقت عينيه بعيني أروى الباكية والمنتفخة من كثرة البكاء، شفتيها التي ترتعشان في وسط نسائم الربيع، وجنتيها المكتظتان بلون الحمرة.
تفحصتها عينيه أنشاً تلو أنشاً حتى وقعت على فروة رأسها الخالية من أي خيط حريري كان قد وجد بها من قبل....
أخذت تمر بذهنه ذكرياتها وهيا تتلاعب بخصلاتها، خصلاتها وهيا تتمرد.
لم تتزحزح عينيه من عليها وكأن عينيه تتمرد على أحد النظريات وترفض أن تزيح أنظارها عن ذلك... ذلك الملاك الحزين. نظر إليها وهيا تستند على الممرضة وقدمها لا تتحملانها، فما بات أن يقترب منها حتى أسرعت خطاها إليه، تعرقلت قدميها أرضاً فأوشكت على السقوط، ولكن سارعت قبضته بإمساكها.
أحكم من أحاطته لها بشدة فتشبثت بملابسه باكية وهيا تخبئ وجهها بصدره:
_أنا معدش عندي شعر يا أنس.. شعري كله وقع، أنا بقيت من غير شعر، أنا بقيت قرعة، أنا مش عاوزة أتعالج خلاص يا أنس أنا مش بتعالج أنا بموت، هما بيموتوني بالبطيء عشان خاطري يا أنس خليهم يوقفوا العلاج ده بقى، ااااه يا أنس شعري الطويل معدش موجود، أنا مبقتش حلوة انت مش عدت هتشوفني حلوة يا أنس.
تجمدت دموعه بين حدقتيه، فأبعدها عنه برفق ورفع كفه الذي حاول التحكم برعشته الخفيفة التي بدت به وهتف وكفه لا يعلم عنواناً سوى دموعها:
_وهو شعرك اللي كان مخليكي حلوة!؟ بالعكس ده كان بس حاجة من ضمن الحاجات اللي كانت مخلياكي ملكة جمال، وبعدين مين اللي قال أن القرع مش حلوين دول أحلى الناس القرع، وانتي بقى أي حاجة تعمليها بتبقي حلوة عليكي حتى لو عملتي إيه، انتي حلوة يا أروى من غير أي حاجة، بكرة شعرك ده يطلع ويبقى أحسن من الأول مليون مرة، كله إلا زعلك يا أروتي، انتي بالنسبة ليا ملكة جمال مهما يتغير فيكي هتفضلي بالنسبة ليا برضه ميس إيجيبت، ونظرتي ليكي عمرها ما هتتغير أبداً.
_هما هيشفوني وحشة!!
هتفت بها وهيا تنكس رأسها أرضاً بحزن شديد، ليقترب بخفة مقبلاً جبينها ورافعاً بكفه وجنتيها إليه:
_هما يشوفوكي زي ما يشوفوكي ميفرقش يا حبيبتي معايا ولا معاكي حاجة، المهم أنا شايفك إيه وانتي بالنسبة ليا وحش الكون، مش وحش الكون برضه!!
ضحكت أروى بخفة، فاحتضنها أنس برفق مربتاً على ظهرها ومردفاً:
_انتي أجمل من أي حاجة يا أروى، انتي معنى لكل حاجة، حتى لو هتشوفي نفسك مجرد هوا ملوش فايدة بس بالعكس من غير الهوا مكناش زمانا واقفين قدام بعض دلوقتي، هتشوفي نفسك وردة ملهاش لازمة لأنها من غير ريحة بس برضه بالعكس في ناس هتحبك وهتحب وجودك هيسقوكي كل يوم، هيرعوكي، هيحبوكي، أنا ميفرقش معايا هما هيشوفوكي إيه انتي بالنسبة ليا الدنيا وما فيها أساساً، مهما تعملي ومهما يتعمل انتي أجمل بنت أنا شوفتها ومش هشوف زيها أبداً، انتي حبيبت مؤنس يا أروتي ومؤنس مش شايف غيرك.
هل اعترف الأن بحبه لها بطريقة غير صريحة؟ ابتعدت متراجعة للخلف ولكنها مازالت متشبثة به مردفة بحب وعينان تتلألأن:
_واروتك مش شايفة غير مؤنس.
كان الجميع يراقب ما يحدث بقلب صامت، زيد وفريدة لا يصدقان عمق الحب الذي يحمله كلاهما إلى بعضهم البعض ولم يعترفا بعد بما يكننه قلبهما من حب شديد.
محمد الذي سادت ملامحه حزينة ويحمل نفسه ثمن ما يحدث لصغيرته وقلبه يعاتب رقيه التي عادت في وقت بدل ضائع ما كان ينقصه عودتها، كان يود عودتها وبشدة ولكن ليس الآن.
مرت دقائق قليلة وأسند أنس أروى ودلفا إلى داخل غرفتهم واستأذن والديه بأن لديه ما سوف يفعله.
راقبت أروى تعابير وجه كلاً من زيد وفريدة الذان ينظران لها بقلب نابض، هتفت أروى بحزن وهيا تنظر لهم:
_شكلي وحش صح!!
نبرتها كانت هادئة كطفلة مذنب تحاول تبرير خطأها، اقتربت فريدة منها ومن ثم جلست إلى جوارها بالفراش مردفة وهيا تمسد على وجنتيها:
_وحشة إيه بس يا بنتي!! ده كفاية عنيكي اللي لون الموج دول أي حد يبص جواهم يحس أنه غرقان.. غرقان ومش عاوز حد ينقذه من الغرق، ولا خدودك اللي لون الورد، انتي ماشاء الله يا بنتي ملكة جمال على رأي أنس وشعرك لا كان مزود ولا منقص من جمالك، الجمال يا بنتي جمال الروح جمال القلوب، وانتي قلبك أصفى من قلب طفل لسه مولود.
ابتسمت أروى بسعادة على كلمات فريدة، فبدت السعادة تغمر قلب فريدة بأنها قد أسعدت تلك الصغيرة.
طرق خفيف على الباب تبعه دخول رقيه التي لم تغير معالم الزمن ولا السنوات هيئتها، كبرت ولم تكبر هكذا هتف قلب محمد منذ أن رآها. نظرت رقيه إلى صغيرتها وقلبه منفرط من الحزن، تلاقت عينيهم بنظرة طويلة قد حملت أكاليل من الحزن والعتاب والندم.
هتفت أروى وهيا تنظر بعيداً عن عينيها:
_حضرتك عاوزة إيه!؟
_حضرتي!!
هتفت بها رقيه بصدمة، فهتفت أروى بحزن ونبرة شعت بالعتاب مردفة:
_أيوا حضرتي أمال عاوزاني أقولك يا ماما بعد كام سنة وإنتي بعيدة عننا من غير لا حس ولا خبر، ده انتي حتى لما مشيتي مسيبتيش وراكي جواب تقولي فيه أنك هتبعدي، نسيتينا ولا كأننا كنا في حياتك أي سبب هتقوليه مش هيخليني أسامحك، و هسامحك على إيه!؟ على لما كنتي بتوحشيني مكنتش بلاقيكي، على لما كنت بعيط مكنتش بلاقي كف إيدك يطبطب عليا، متجيش دلوقتي وتمثلي عليا دور الأم، ده فيه أمهات بيحصل فيهم العجب ومش بيسيبوا عيالهم وانتي سبتيني من غير حتى سلام.
أخذت الأنظار تتبدل مجدداً بين كلتاهما، فأنكسرت رقيه رأسها بحزن وغادرت الغرفة بقلب مكسور.
أخذت أروى نفس عميق ومن ثم زفرته بهدوء وقلبها يتساءل عن موعد عودة مؤنس قلبها.
لم تكف فريدة عن الثرثرة، فرقت أذني أروى التي كانت تستمع لها بطيبة خاطر وهيا تقص عليها طفولة أنس ومن ثم كيف تركته بالمدرسة، الجمعيات التي تعد أهم عضوة بها، النوادي التي لا تنقطع قدميها عنهم، كأن فريدة وجدت أخيراً صديقة تبوح لها بكل مشاعرها.
هتفت فريدة منهية لحديثها بكلمات من مسك مردفة بحب وهيا تمسك كف أروى:
_ربنا لما خلقنا، خلقنا بنسامح، خلقنا بننسي، فكرك لو الإنسان لو مكنش بينسي هيقدر يعيش!؟، خلقنا بنسامح لأن الدنيا مفيش منها اتنين مش هنستنى دنيا تانية نتقابل فيها وساعتها مصالح بعض الوقت هيكون عدى وفات، واه من وقت عدى وفات وفي قلب شايل، مهما والدتك عملت فأكيد مش بطيب خاطر أنها تسيب حتة منها وجوزها وتمشي، الإنسان ليه أسبابه، ربنا خلقنا عشان نحب ونتحب، ولما نحب حد نروح نقوله أننا بنحبه منستناش وأنا شايفه عينك وقلبك اللي مش شايفين غير أنس، وعقلك اللي عمال يعد الدقايق من ساعتها عشان يرجع، مش عيب لما نحب ونقول للي بنحبه أننا بنحبه بالعكس إحنا كده بنقرب مسافات كانت ممكن تفصل بعيدة عمر طويل، اللي بيعدي مرة مبيرجعش تاني يا أروى وأنا مش عايز اكي تتوهي زي ما تهونا، الدنيا لسه فيها أيام تتعاش ويعالم تبقى زي الأوتيل أوضها بتتغير ويتحول الحزن لفرح، والحب لعشق، الدنيا دي زي الأوتيل بالظبط ملياااانة أوض كتيررر وناس كتير ومن بينهم كلهم قلبك مبيكونش غير مع كذا حد ومبيرتحش غير مع أوضة واحدة وصدفة واحدة بس بيكون مستنيها زي رأس المال بالظبط، أهي الأوضة دي حياتك وعيلتك، والصدفة دي أنس.
أراحت أروى رأسها فوق كتف فريدة، فربتت على ظهرها بحنان أبوي، أنا عن زيد ومحمد فتحليا بالصبر القاطع وهما يلاحظان التغير الذي بدأ على وجه أروى ورضائها بما قد كتب لها.
_أناااااا جيتتتت.
هتف بها أنس وهو يقتحم الغرفة ويدلف إلى داخلها، فتعلقت جميع الأعين به بصدمة.
شهقت أروى بصدمة وهيا تنظر إلى أنس بملامح مبهمة لا تصدق ما اقترفه ذلك المجنون بحق نفسه، رفعت كفها ووضعته على فمها تكتم شهقاتها التي علت وهتفت بصدمة:
_أنس شعرك!!!!
هتفت بها وحدقتها لم تتزحزح من فوق فروة رأس أنس الفارغة من أي خصلة، ابتسم لها أنس برضا وهتف:
_بغير النيولوك بتاعي أمال تغيري انتي لوحدك!
أجهشت أروى بالبكاء وهيا تنظر إلى أنس، فأبتسم وهو يقترب منها مردفاً:
_بتعيطي ليه بس!!
_عشان إحنا الاتنين بقينا قرع!!
ضحك أنس بشدة حتى بات صوته مسموع خارج المشفى، شعر زيد بالفخر من أجل صغيره الذي ملئ قلبه بالحب ويحاول إسعاد من يتوج لها قلبه عشقاً، أما فريدة فبكت على بكاء أروى.
رفع محمد رأسه إلى السماء داعياً الله وحامداً له بأنه قد وهب له رجل كأنس قد أضفى على حياتهم البهجة والسرور وغيره متغير المد والجزر للأمواج.
جلس أنس على طرف الفراش مردفاً بلطف:
_ممكن تبطلي عياط!!!
نظرت له بنصف عينيها ومن ثم بكت مجدداً، فرق له قلبه مردفاً:
_هعيط معاكي لو مسكتيش!!
_أنا بحبك أوووي يا أنس!
هتفت بها وألقت نفسها على كتف أنس باكية، فضحك أنس بخفة ورفع يده مربتاً على ظهرها ومردفاً:
_وزعلانة عشان بتحبيني!!
_زعلانة عشان مش قابلتك من زمان.
ابتسم أنس ابتسامة هادئة وهتف وهو يحاول تهدئة صغيرته الباكية:
_مش فارقة يا أروتي دلوقتي من زمان، الماضي هيفضل زي ما هو محدش هيعرف يغيره، بس اديني معاكي اهو وجنبك متفكريش في حاجة غير كده.
_مش عاوزة أموت وأسيبك.
ابتلع أنس ما بجوفه من كلمات مردفاً:
_تصدقي بالله انتوا صنف عايز يتولع فيكم بقى، أنا خالق شعري على أساس تاخديني بالحضن ولا كده، واستقبال حاااار وانت تقلبها نكد يا شيخة ادعي عليكي بأيه وانتي فيكي كل العبر.
_ما هو أنا مش بحب الرجالة القرعة!!!
ضحك جميع من بالغرفة بشدة على تعابير وجه أنس المصدومة، فابتعدت أروى وهيا تجفف دموعها مردفة بمرح خفيف:
_كده مبقتش مؤنس كده بقيت ونس!
_يختااي ونس كمان أنا ألغي رحلتي بس أنا ألم هدومي وهروح عند أمي.
هتف بها وهو ينهض من جوارها، فضحكت بشدة، فابتسم لها أنس بحب ومن ثم اتجه إلى محمد ودنا إلى أذنيه مردفاً:
_عاوزة تجهزي نفسك عشان عاملة مفاجأة لأروي.
رواية اوتيل الفصل السادس 6 - بقلم حبيبه محمد
أنا قولت اللي محدش قاله
وعملت اللي محدش عمله
يفارقنيي أنا راضي وماله
بكره يعرف غلطه عمره
محمد ممكن نتكلم!؟
هتفت بها رقيه وهيا تستقيم من جلستها وتنظر إلى محمد. محمد أسطورة قلبها وإمبراطورية حياتها، ذلك القصر المرصع من حبيبات اللؤلؤ. لكل شيء مسبب، وهي لم تبتعد بيدها. هل كان وحده من يتألم؟ لقد كانت تتألم أكثر منه. كانت تتطالب ربها دائمًا أن ينهي ألمها فتعود إليهم.
كان هو قد قدم للتو وهو يحمل بين ثنايا يده ما قد أملاه عليه أنس من أوامر في سبيل إسعاد صغيرته أروى. توقفت قدماه عن الوطء قدمًا والتقدم. لم يرفع نظره وينظر لها. فكيف ينظر لها!؟ بحب! أم بشوق! أم بعتاب! عودته جعلته مكركبًا داخليًا. لقد حيي عمره بأكمله مخلصًا لحبها، لم ينظر إلى امرأة غيرها. كانت هي عالمه وحياته، كانت هي له جميع النساء. فراقها طال، وعودتها ليست في الوقت الصحيح. أول مرة من يوم أن أحبها قلبه وعشقها شريان قلبه الوتيني، يموت قلبه.
تردد في عقله كوبليه كانت قد دندنته الأيام سابقًا:
"كنا دايما عكس بعض قولي من امته اتفقنا
ده احنا لو نشبه لبعض فالشبه هو فراقنا"
لا يستطيع تحمل أنها أمامه بعد غياب طال، ولا تحتضنه يديه، ولا حتى تربت على ظهره وتمسح على خصلاتها كما اعتاد، وأن يستنشق رحيقها السكري الذي يغدو به إلى عالم آخر. عاد بحياته وعمره وذكرياته إلى عمره العشرين. كيف التقى بها، كيف كان وحيدًا تائهًا بين أمواج البحر، فأتت هي له كحورية أرسته على البر، فعشقها قلبه وأسكنها داخله.
رفع محمد نظره ونظر لها يتأمل هيئتها المبعثرة. ما زالت ذات نمش كما اعتاد بالماضي. حجابها الذي دومًا ما لا تحسن من لفه فتتمرد خصلاتها التي كالليل. ما زالت وجنتاها تتوردان. عيناها الزرقاء ما زالت تضرب الشواطئ بأمواجه. تقابلت عينه بعينيها في نظرات عتاب طويلة، فهتف محمد بهدوء:
_ وهو إحنا بينا كلام يا رقيه!؟ الكلام خلص من زمان. أنا معنديش كلام أقوله. لو إنتي عندك قولي، إنما أنا متستنيش مني حاجة!
دمعت عين رقيه فخرجت شهقة من بين شفتيها كانت قد كتمتها طويلًا، فأردفت وهيا تنظر له:
_ ليك حق متتكلمش معايا ولا إنك أساسًا تبصلي. بس إنت متعرفش السبب اللي بعدت عشانه. متعرفش أنا بعدت ليه. هو إنت فاكر إني لما بعدت ده كان حاجة سهلة عليا!؟ مفكر إنه كان سهل إني أسيب حياتي اللي هي إنت وبنتي اللي هي حتة مني وأبعد. ده كان سهل عليا يا محمد!؟ واللهي واللهي أنا كنت بموت في اليوم أكتر من مرة. عارف بعدت ليه!! عشان كان الكانسر عندي في الثدي. عارف يعني إيه!؟ كان لازم يشيلوا ثدي يا محمد. مفكر إني بعدت كده بالساهل!!! واللي خلق الأرض ما كان سهل أبدًا. مكنتش هتحمل إنك تبص لي بنظرة مختلفة عن اللي كنت بشوفها. لما كان المرض ده عند ماما بابا سابها وبعد وقالها إيه اللي يجبره يفضل مع واحدة مش كاملة. خفت... خفت يا محمد تقولي نفس الكلمة. خفت تبعد وتسيبني. قولت أبعد أنا. أنا مش قد بعد ولا هو قدي. بس أنا بعدت عشانك وعشاني يا محمد. بس أنا رجعت وأنا مالية إيدي إنك هتسامحني. أنا اتعذبت وأنا بعيدة عنك كتير أوي يا محمد. عارف أنا كنت فين كل ده؟ في الأوتيل اللي اتقابلنا فيه أول مرة. فاكرة يا محمد. فاكر لما كنت جايب مشابك وبتحدفها على الشباك بتاعي لما كنت بخاصمك. مكنتش أعرف إن الفندق ده هو شغلك. كل اللي شغلني إنت. إنت اللي دخلت حياتي وغيرتها. أول وردة جبتها لي كان في الأوتيل ده. لما قولتي بحبك كان في الأوتيل ده. أنا كنت قاعدة في أوضتك. شوف مهما عدى إلا إن ريحتك كانت لسه فيها. رجعت للمكان اللي لقيت فيه نفسي يا محمد. كنت بتوحشني كل يوم. كنت بَراقِب كل صورة أروى كانت بتنزلها ليك وليها. كنت بتمنى إني أبقى جزء من الصورة دي. أنا فضلت خمس سنين أنا والمرض ده نتخانق. كنت عاوزة أفوز عليه عشانك إنت. عشان أرجع لك إنت. أنا.... أنا.... أنا لسه بحبك!!!
كان يطالع جميع انفعالاتها، ينظر إلى داخل عينيها، يراقب بؤبؤتها اللامعة بالحزن. شفتيها التي ترتسم عليها بسمة حينما تذكرت ذكرياتهم سويًا. اقترب بعدما ترك ما كان يحمله ووقف أمامها. فنظرت إلى داخل عينيه وأكملت بإنحاب:
_ أنا لسه بحبك واللهي... سامحني يا محمد... سامحني... واللهي هعوضك إنت وأروى عن السنين اللي بعدتها. سامحني بس يا محمد!!
كيف يخبرها بأنه يسامحها من قبل أن تطلب منه السماح! ابتسم برفق وهو ينظر إلى زوجته التي ستبقى بنظره دائمًا كأروى طفلة سيخاف عليها طول العمر. أيعقل أن لا يسامحها!؟ لقد تحملت كل شيء معه. كانت دائمًا معه خطوة بخطوة، لم تتركه تخطو خطوة إلا وهي معه. كانت تطبق مثال "وراء كل رجل امرأة عظيمة". رفع كفه وأخذ يجفف دموعها مردفًا بحب:
_ أنا مسامحك ومش مستني منك لما تقوليلي أسامحك يا رقيه. اللي ينسى العشرة والعيش والملح مينفعش إننا نكمل معاه العلاقة. اللي ينسى وينكر أي حاجة الطرف المقابل عملها عشانه ميستحقش نكمل معاه. وأنا عمري ما نسيت. بالعكس، كنت كل ما أوصل لحاجة كنت أزعل عشان إنتي مش معايا. كنت عاوزك تكوني جنبي. تكوني معايا خطوة بخطوة. عشان لما أنجح تكوني معايا. أنا مسامحك من زمان قوي يا رقيه!!
أمالت برأسها مستندة فوق كفه، فضحك برفق وهو ينظر لها مردفًا:
_ متغيرةتيش يا رقيه!!
_ ولا إنت يا محمد اتغيرت. لسه زي ما إنت حلو.
أمسك وجهها بين كفيه الاثنين مردفًا بشغب:
_ بتعاكسيني يا رقيه!!
_ إنت اللي حلو ولسه حلو وعمرك ما هتتغير!!
هتفت بها وهيا تبتسم له، فضحك عليها برفق ومن ثم احتضنها وضمها إليه بشدة، فبادلته الأخرى نفس المشاعر. أبعدها عنه ومن ثم هتف متبسمًا:
_ يلا عشان قدامنا يوم طوييييل وبنتك هتتعبنا!!
رفعت رقيه حاجبها بتعجب مردفة:
_ ليه في إيه!؟
ضحك محمد ومن ثم هتف وهو يمسك كف يدها:
_ هتعرفي كل حاجة في وقتها. يلا قبل ما أنس يجي يأكلها وياكلنا.
***
"عقلي لا يخلو منك وتفكيري لا يميل إلا إليك.."
كانت قد أطالت النظر إلى شريان نهر النيل الذي يجري أمامها. ابتسمت وهيا تتذكر كيف قام أنس بتغيير مكان غرفتها، بتقليب غرفتها أمام منظر جميل يطل أمام النهر. علم بحبها الشديد للبحر وكل ما يخصه. أمسكت النوت الخاصة بها، تلك النوت التي ستحيا معها، ستكتب بها كل ما تشعر به من مشاعر باتجاه ذلك المؤنس المربت لروحها، والمضمد لجروحها. أمسكت النوت وشرعت بتسجيل آخر ما تشعر به:
"أنس.. ده هدية ربنا بعتها ليا. عمري ما اتخيلت إن ممكن يكون في حد زيه كده في حياتي، يغيرها، يشقلبها، يغير لونها. طول عمري بسمع عن ألوان الحب وكنت دايما بتريق عليها بس طلعت ألوان الحب حكاية لازم نعيشها. لما بشوفه بحس إن قلبي عايز يطلع مني ويطلع جري ياخده بالحضن. نفس شعوري ده وأنا لابسة اللون الأبيض، يبقى طايرة زي الفراشة. لما بشوفه بيضحك وقد إيه صوته بيكون واضح في الضحكة دي بضحك تلقائيًا. بضحك على ضحكته. نفس شعوري وأنا لابسة لون أزرق ولقيت واحد أرق عليا من الدنيا وما فيها لابس زيي. أنس.. متأكدة إنه عمره ما هيقرأ الكلمتين دول عشان أنا مش عايزاه يقرأهم. أنا عايزة أقولهم ليه وأنا في حضنه. عايزة أقولهم ليه وأنا جنبه ومعاه... أيوا أنا مدلوقة."
ضحكت بخفة على آخر كلمتين قد نطقت بهما. نظرت مليًا إلى ما قد خطته يديها من سطور قد خطاها قلمها بالحب. فتح الباب ودلف كلاً من محمد ورقيه وفريده، وكانت قد رسمت على وجوههم ابتسامة من اليمين حتى اليسار.
رفعت أروى حاجبيها بتعجب وهتفت وهيا تنظر لهم:
_ أستر يا رب. إيه! داخلين دخله المحقق كونان كده ليه!!
ضحكت فريده وهتفت وهيا تقترب من أروى وتقبل رأسها:
_ يالهوي على لسانك ده. أنس هيقطعه ليكي!!
ضحكت أروى واردفت بشغب:
_ عمرررره. ده لساني ده اللي محببني فيا!!
ضحك جميعهم على سعادة تلك الصغيرة التي أصبحت عزيزة على قلوبهم جميعًا.
_ إنتي كلك على بعضك تتحبي! هتفت بها فريده ضاحكة، فألقت لها أروى قبلة بالهواء، فاتظاهرت الأخرى بإمساكها.
اقترب محمد من الناحية الأخرى وبيده يمسك بكف رقيه مردفًا بمرح:
_ إنتي سيبيلنا نفسك النهارده خااااالص. منسمعش صوتك وإلا أنس هيقتلنا.
نظرت لهم بعدم فهم، فنظر ثلاثتهم إلى بعضهم البعض واكتفوا بالصمت وعلى ثغرهم بسمة فرحة. طالعت أروى كفي والديها الممسكين ببعضهم البعض، فأبتسمت وهيا تنظر إلى محي السعادة التي على وجنتيه كلاهما.
***
_ يا بني آدم مش هنا. يمين شوية زهقتني ياعم!!! صرخ بها أنس بغيظ وهو ينظر إلى يوسف الذي يمسك بيده شريط من الزينة. وكلما وضعه بناحية صرخ عليه أنس. قذف يوسف الشريط من بين يديه وهتف بصراخ:
_ لا بص ما هو أنا دكتور مش مهندس ديكور وربنا. أنزل وما أنا عامل حاجة هااا.
_ ده إنت قموص بشكل!!! هتف بها أنس بسخرية وهو ينظر له بحاجبين مرفوعين.
ضحك زيد بهدوء وهو ينظر لهما. منذ أن شرعا بترتيب تلك الحفلة الصغيرة وهما لا يتوقفان عن الشجار والنقاش. وضع زيد تلك اللوحة التي بيده وهتف وهو يقف إلى جانب يوسف:
_ ده إنت بارد صحيح!! المفروض تشكره لأنه هو اللي أقنع مدير المستشفى على فكرتك المجنونة دي!!
لوي أنس فمه في تذمر واردف:
_ مش فاهم. يعني أبوسه ولا أديله الخمسة جنيه اللي حيلتي!!
ضحك كلاً من يوسف وزيد وشاركهم أنس الضحك أيضًا. بالرغم من الحزن الذي يشعر به يوسف، لا يعلم إذا كان فر أحب أروى أم لا. ولكن ما يعلمه أن أنس أحق بها منه. هو يسعى لإسعادها بكافة الطرق. يفعل أي شيء لأجلها. يفعل أي شيء ليضمن لها حق عيش الحياة بكيفه. هتف يوسف وهو ينظر إلى أنس ويردف مبتسمًا:
_ بما إنك عريس وكده ونويت تعمل فرحك في المستشفى مش هتجيب معازيم ولا ناوي متعملش بوفيه!؟
رفع أنس حاجبه وكأنه لم يكن يفكر في تلك النقطة. التقط نوة بداخله أن يسعد قلب معشوقته ويجعلها تذوق من الحياة نعيم. يقوم بفعل كل ذلك ولديه قدرة على فعل ما هو أكثر بكثير من ذلك. فقط لكي يرى بسمتها التي لا تكلفه سوى القليل. بسمتها تجعله يندم على أنه لم يبحث عنها، لم يبحث عن من كانت ستكون جنته المزهّرة الذي سيسعى إلى سيقانها. سيجعلها وردته المميزة بين جميع الورود.
ضاق أنس بعينيه ومن ثم هتف:
_ أنا إزاي مفكرتش كده!!
هتف زيد وهو مبتسمًا بخفة:
_ يلا خد يوسف في إيدك وشوف هتدعي مين وأنا ههتم بكل حاجة.
_ حبيب قلبي يا فووووززززي!
ضحك زيد على سرعة صغيرة أخذ يراقبه وهو يدفع يوسف أمامه. كم أن العشق يغير من نفس الشخص يجعله شخصًا آخر. الحب والعشق لا يريد الشخص كاملًا أو مثاليًا.. يريده محاربًا يفهم أن الحياة حرب، والحب وتدٌ مستند عليه. والخلاف يقوّي ولا يشتت، يريد أن يفهمنا أن العتاب صلح. الحب لا يريدنا كاملين، وليس ناقصين كي يُكملنا. لا يريدنا الحب ضعفاء ونحن لا نريد منه قوة. نريد منه ثباتًا لا يغيره الزمن.
_ يا بني أنا كرهتك!!!
_ أنا اللي بحبك يعني!!! هتف بها أنس وهو ينظر إلى يوسف بسخط.
ضحك يوسف بخفة وأكمل سيره إلى جانبه. وصل أنس إلى أول دور بالمستشفى. اقترب أنس من أحد الغرف وطرق الباب عليها وخلفه يوسف الذي يضحك على جنون أنس. فتح أنس الباب بعدما أذن له بالدخول، فظهرت طفلة صغيرة ترقد فوق الفراش وإلى جوارها والديها. فابتسم أنس وهو يقترب من تلك الصغيرة مردفًا:
_ معقول القمر في المستشفى ومحدش قالي!!
ضحكت الطفلة الصغيرة على معاكسة أنس لها، فابتسم الأبوان له بشكر على إضحاك صغيرتهم. فهتف أنس بمرح:
_ بصي بقى يا مزة يا صغننة إنتي.. أنا عامل حفلة المزة بتاعتي الكبيرة ولازم تيجي وإلا هزعل وهجيب ناس تزعل معايا، مااشي.
ضحكت الصغيرة وهتفت بلماظة وهيا تنظر له:
_ هتجبلي شوكولاتة لو جيت!؟
ضحك أنس عليها وهيا تذكرته ببراءة روايته. فأردف:
_ هو أنا كل ما أعرف واحدة تقولي هات لي شوكولاتة. أكبر شوكولاتة هتكون ليكي. هاتي هتيجي!؟
ضحك جميعهم وطالع أنس وهو يقبل جبين الصغيرة ومن ثم غادر. ابتسم يوسف وهتف وهو ينظر إلى أنس:
_ شكلك بتحب العيال الصغيرة!
ابتسم أنس وهو يضم كتفيه مردفًا:
_ بيفكروني ببراءة أروى. فيها نفس البراءة اللي فيهم. لسانها طويل بس عندها براءة قادرة إنها تسحر أي حد.
وعلى ذلك المنوال أخذ يدعو أنس الجميع واحدًا تلو الآخر. كأنه يزف لفرحه بحق وليس مجرد مفاجأة تحمل بداخلها مفاجأة. أخرج أنس هاتفه وحدث والدته، فأتاه ردها من على الجهة المقابلة وصوتها غير منتبه:
_ عايز إيه يا أنس!!!
ضحك أنس بخفة واردف:
_ بطمن على موزتي لا تكونوا أكلتوها.
أتاه صوت أروى الصارخ والهاتف:
_ الحقني يا ونسسسسس! بيعملوا فيا حاجات غريبببه!!
ضحك أنس بشدة ومن ثم أردف:
_ يا حبيبتي!! بيعملوا فيكي إيه!!
ضحكت أروى مردفة وهيا تنظر إلى فريدة التي تحاول أن تضع لها الماسكارا:
_ تخيل يا ونسسسسس تخيلللل! بيحطولي كحل!!! كحل يا ونسسسسس!!!
صهل صوت أنس ضاحكًا، فشاركه يوسف الضحك هو الآخر. هتف يوسف بمرح:
_ بيحسسوك إنك بنت!!
صرخت أروى من على الجهة المقابلة:
_ عندنا زرف مشط الماسكارا الصغير لعينيها أثر حركاتها تلك، ففزعت فريدة وارتدت للخلف:
_ عيوووووونيييييييي كده يا حماااتي كده... يا شيخ لو الأنوثة بالصعوبة دي فأنا مش عايزة أبقى أنثى!!
شرق أنس من كثر الضحك، فكان جميع من في المستشفى ينظر إليه ويشاركه أنس الضحك هاتفًا:
_ سبحان الله! فولة واتقسمت نصيننن!!
ضحك أنس مجددًا، فصرخت بوجهه فريدة مردفة بلغة إنجليزية:
_ Oh my God, you're wasting so much time!!!!
ظهرت علامات الغباء على وجه أروى فهتفت بعدم فهم وهيا تنظر لها:
_ How are you!!!!
_ همووووووووووت!!! صرخ بها أنس وهو يكاد يجن من كثر الضحك، ويوسف أيضًا. فهتف يوسف لأنَس:
_ على فكرة البضاعة لا ترد ولا تسترجع واحنا هنمضي معاك إيصال إنك استلمتها ومفيش ترجيع!!!
صرخت أروى بغيظ مردفة:
_ ليه هيستلم غسالة أوتوماتيك!!!
***
"لا تشيل عيونك نظراتك حضن..."
أسدل الليل ستائره السوداء وأنار قرص الشمس الآفاق. حاوطت الغيوم قرص القمر وبقيت إلى جواره ترمس من وحدته. ودعت الشمس القمر بقلب فارط تخبره بأن هناك لقاء آخر، لقاء لن يتأخر.
بداخل غرفة أروى، وضعت آخر لمسة من لمسات المكياج فوق وجهها، والتي اهتمت بها كلتا من فريدة ورقيه. رقيه التي سامحتها أروى بقلب أبيض وخالص. والدها الذي كانت كل دقيقة تهبط دمعة من عينيه وهو يرى صغيرته تكبر وستذهب مع غيره. لم يخبرها بشيء. أخبرها بأن هناك مفاجأة قادمة وفقط.
_ افتحي عينك. هتفت بها فريده وهيا تنظر إلى أروى وعينيها تتلألأن. رفعت رقيه كفها تجفف دموعها. رمشت أروى بعينيها وهيا تنظر لهم. اقتربت رقيه دافعة تلك المرأة الكبيرة والتي أحضرتها منذ بضع ساعات. وقفت أروى أمام المرآة تنظر إلى نفسها بعدم تصديق.
فستان كفستان سندريلا ذو لون أزرق غامق وزين من الأسفل بلون بيبي بلو غامق أيضًا بعض الشيء، خطوط سوداء زرقاء أخرى ذو لمعة مختلفة. فستان فتح من عند الصدر فتحة ليست بالكبيرة بأكمام قصيرة. ذلك الفستان الذي اشتراه لها أنس مخصوص ليعيد حكاية سندريلا ولكن بأسلوبهم هم. مكياج خفيف مزج بلونين البيج والأزرق ورسمة عيون أظهرت غابتيه.
أمسكت أروى بالفستان ودارت دورتين كلمتين وهيا لا تصدق أن تلك هي هي.
_ حلو اووووي يا بابا!! أنا حاسة كأني طالعة من فيلم كرتون!
ضحك محمد برفق ومن ثم هتف بحب:
_ أحلى من أي أميرة يا قلب قلب قلبي!!
ضحكت فريده واقتربت تحتضن كنتها الجميلة:
_ ابني عرف يختار... عرف يختار أجمل أميرة في الدنيا.
هتفت رقيه الأخرى وهيا تقترب وتغمز لأروى:
_ يلا بقى يا سندريلا قبل ما الساعة تدق 12 والأمير يزهق.
ضحك جميعهم. ومن ثم وضع محمد يده بيد أروى مستعدين لبدأ حفلة اليوم.
وقف الأمير بزيه الكلاسيكي المختلف عن العادة. بنطال من اللون الأبيض وقميص أبيض وجاكيت "بليزر" قد طقم مع لون فستان أميرته. ينتظرها بقلب فارغ ينتظر أن يهل عليه كهلال القمر. زينت طرقات المستشفى بالبلالين البيضاء والزرقاء ووضعت الورود على الأدراج بشكل جميل ومنظم. وكانت هي الأخرى باللونين الأبيض والأزرق. كراسي عديدة ذهبية قد رصت. كان الجميع يقف ينتظر تلك الأميرة التي لا يعلم أحد متى سوف تأتي.
من أجلها فعل كل شيء لم يفعله من قبل. من أجلها أصبح مثلها. سابقًا لم يكن يعلم للحب عنوان. ولكن أيقن أن أروى هي عنوانه. ماذا كان سيحدث لو لم يطرق بابها!؟ ماذا كان سيحدث لو لم يتقابلا بذلك الأوتيل. هل كان سيكون هناك بداية لحكايتهم!
أخيرًا سلطت الأضواء فوق السندريلا التي هبطت كملاك هابط من السماء. سرقت قلبه وعينه حتى عقله. وهنا تردد بداخله حملة واحدة!
"في حد يخطف حد كده!"
رفع أنس عينيه فوقعت عينه عليها. أجمل مما توقع وأجمل مما تخيل. ليست برقة سندريلا، ولا بشغب ربانزل، ولا ببراءة سنوت. هي مئة أميرة. هي جميع تلك الأميرات بشخصية واحدة.
"هي الحياة كده ليه... بقي ليها لون تاني... بقي ليها طعم جديد... غيرلي أحلامي..."
كلمات قد بدأت بالأنشاد حين وصل القمر وسار على الأرض. رفعت أروى عينيها فتعلقت بعيني أنس الذي لا يصدق أن تلك الحورية ملك له!!
ابتسمت أروى بسعادة وهيا تنظر إلى المكان من حولها كم كان جميل. أشعرها بأنها بحق بداخل إحدى الحكايات. هتفت الطفلة الصغيرة بسعادة وهيا تنظر إلى والدتها مردفة:
_ بصي يا ماما سندريلا الجميلة أهي!!
هتف أنس بهيام وهو مازال ينظر إلى أروى التي تقترب منه برفقة والدها:
_ دي مش سندريلا الجميلة بس... دي أروع سندريلا شوفتها في حياتي!!
كانت تمسك بطرف فستانها تضربه بقدمها للتقدم حتى وصلت أمامه وعينيها بداخل عينيه. امسك محمد بكف أنس ووضع كف أروى إلى داخله مردفًا بحب وعينان تفيضان بالدموع:
_ أنس طلبك مني وأنا وافقت يا أروى... هو هيشيلك في عيونه وإنتي كمان شيليه في عيونك وربنا يسامحني على الكارثة اللي عملتها دي.
ضحكت أروى بسعادة وقد انهمرت دموعها بشدة.
"هي الحياة كده ليه... بقي ليها لون تاني... بقي ليها طعم جديد... غيرلي أحلامي..."
ضحكت أروى بسعادة ونظرت له مردفة وهيا تميل برأسها لليمين:
_ إنت عملت كل ده عشاني!!
ابتسم وهو ينظر لها بحب:
_ وعندي استعداد أعمل أكتر من كده كمان.
وهنا نزل أنس على ركبتيه وأخرج علبة قطيفة بها خاتم من الألماس ورفعه إلى أروى وهتف وهو ينظر إلى داخل عينيها التي تبكيان بسعادة:
_ الحياة بقى ليها لون تاني معاكي يا أروتي، أو روايتي. إنتي حكايتي وروايتي اللي عمري ما هكتب ليها نهاية. إنتي الحكاية الوحيدة اللي مش لازم يكون ليها نهاية. كل يوم هيعدي بيه عليكي وأنا معاكي هيكون بداية لحاجة تانية مختلفة. إنتي اللي غيرتيلي لون الحياة في عيني. شوفتها بعنيكي إنتي. شوفت حاجات مكنتش شايفها. شوفتها معاكي إنتي أجمل من أي حاجة شوفتها قبل كده. غيرتيلي أحلامي، شقلبتي حياتي، طمنتي روحي، وقوّتيني. خليتي ليا سبب في الدنيا أعيش عشانه. حكايتنا عمرها ما هتخلص يا روايتي. أنا هبقى معاكي على طول. هكون أنس ومؤنس وونس وونيس كمان لو عايزة. هكون معاكي مية شخص في شخص واحدة. تقبلي تكملي معايا باقية حياتك. تفضلي معايا على طول. تقبلي نفضل أنا وإنتي على طول إيدينا في إيدين بعض عمر ما حد يعرف يفرقها. تقبلي تتجوزي أنس!!
رفعت كفها تضعه فوق فمها تمنع خروج صوت شهقاتها فهتفت وهيا تضحك وتبكي وتشهق وتنتحب جميعها مشاعر بقلب واحد مردفة:
_ لا... أنا أقبل إني أجوز مؤنس... مؤنس وبس!!
صوت صفير عالي وزغاريط وصفقات خرجت من بين يدي وأفواه الجميع. ضحك أنس بشدة وسعادة، فأمسك كف أروى ووضع به الخاتم ومن ثم حملها وأخذ يدور بها بالمكان.
"إيه اللي غير شكل كل الحياة قدامي!؟
مين اللي غير حلم السنين قدامي؟!
مين اللي كنت روحي وبروحه أواني؟!...
هيا الحياة كده ليه...
بقي ليها لون تاني..."
_ أميرتي وسندريلا قلبي أتقبلين بتلك الرقصة!!
ضحكت أروى بشدة مردفة:
_ أقبل أيها الأمير الوسيم!
مشاعر عديدة كانت توجد بداخل قلوب الجميع. لأول مرة يرون مثل تلك المشاعر ذات الفرط الشديد أمامهم. مشاعر ذات عاملي أكسدة واختزال. يختزلها طرف ويؤكسدها الأخر.
اقترب زيد من فريدة التي تبكي وهتف بمرح:
_ عجبي!!! تفرحوا تعيطوا. تزعلوا تعيطوا وعايزينا نفهمكم!!
ضحكت فريدة وأخذت تجفف دموعها:
_ أنس كبر!!
ابتسم زيد بخفة وهتف:
_ وإحنا كبرنا كمان... تسمحيلي بالرقصة دي!!
على الجانب الآخر كان الجميع قد أمسك بنصفه الآخر ويرقصون إلى جانب بعضهم البعض. حتى محمد ورقيه.
_ حولت المستشفى لقاعة. يا قادر المدير هيطردنا!!
ضحك أنس بخفة واردف وهو ينظر إلى عينيها:
_ اسكتي بس اسكتي. المدير واخد مراته وبيرقص هناك أهو!
ضحكت أروى بشدة ورجعت برأسها للخلف، فضحك أنس عليها. هتفت أروى وهيا تنظر له:
_ بحبك يا أنس!
ابتسم أنس بها بشدة ومن ثم طبع قبلة فوق رأسها مردفًا:
_ مش هقولك وأنا أكتر لإن اتخطيت مرحلة الحب والعشق. أول ما التحاليل تطلع وتثبت إنك خلاص بقيتي كويسة هنتجوز فورًا.
_ يعني عمرك ما هتسبيني!
_ عمري ما هسيبك!
"همسة ولمسة إيد أدوني عمر جديد...
أدوني لحظة حب بألف عمر تاني...
هي الحياة كده ليه...
بقي ليها لون تاني..."
أمسك يدها وجعلها تدور أمامه كالفراشة الحرة وضحكتها تحيي قلبه كسحابة غيث.
نظرت الطفلة الصغيرة إلى والدتها وهتفت ببسمة:
_ مش إنتي قولتيلي يا ماما إن قصة سندريلا والأمير مش حقيقية. أمال مين دول!؟
ضحكت والدتها ودنت من مستواها وهتفت وهيا تداعب خصلاتها:
_ دول اتنين بيحبوا بعض جامد.
_ يعني مش سندريلا والأمير!؟
_ دول أحلى من السندريلا والأمير.
رواية اوتيل الفصل السابع 7 - بقلم حبيبه محمد
وكأن قلبي ملقاش الراحه إلا في قربه.
كان بيتلكك لأي حاجه عشان يفضل جنبي.
مكنتش بحس بنفسي غير وانا معاه.
مكنتش بلاقي نفسي إلا في قربه.
بعده لو طال ثانيه مبيهونش عليا.
انا عايزاه دائما جنبي ومحاوطني.
عايزاه جنبي عشان انا مشوفتش للحب معني غير وهو جنبي.
وعشان انا أرُوٌَيٓ المٓؤنُسَ._من أروي الي ساكن جناتها.
أحببتك كحب خديجه ليوسف.
أحببتك كأنتحار روميوا لأجل جوليت.
أحببتك كتضحيه عنتر من أجل عبله.
أحببتك كظاهرتي الكسوف والخسوف.
أحببتك وسأحبك واحبك.
"محمد"
عارف احساس انك تكون تايهه لوحدك في صحراء كبيره عريضه مفيهاش ولا مايه ولا شرب،ماشي علي امل انك تلاقي حد يطلعك من الصحرا دي بأي طريقه.
اهو انا كنت تايه في الدنيا،كنت تايه لوحدي من ساعه ما قلبي سابني ومشي ولا كأن كان ليه لا حبيب ولا قريب ولا عزيز.
رجعت حسيت بمرارة الدنيا تاني.
ما هو انت لما تتعود على طعم السكر في الشاي مش هترجع تتعود عليه من غير سكر.
حياتي بقي بقيت من غير سكر.
كان فيها مكعب واحد وهو أروي.
كانت محور الكون بالنسبه ليا مش بتلف الدنيا غير حواليها هيا.
ما هيا اللي فضلتلي وخفت أنها تمشي وتسيبني.
معدتش من بعدها حمل فراق ولا بعاد.
مكنش ليا غير أروي اللي عايش عشانها.
كنت بشوف فيها رقيه عشان كده كنت محاوطها.
مكنتش بسيب أي حد يقرب منها.
كان كل خوفي أنها تتعب زي رقيه وزي حماتي الله يرحمها اصل المرض ده كان عندهم وراثه وللأسف أروي تعبت.
مكنتش شايف غير رقيه اللي بتتوجع مش أروي.
كل حاجه أروي كانت بتعملها كنت شايف انها هيا رقيه.
بالرغم من أنها متدنيش فرصه أن أدخل حياتها واساعدها زي ما هيا دخلت حياتي وساعدتني دي خدت بأيدي من الأرض للسما.
بس بعدها سابتني فوقعت واتكسرت.
كنت حاسس اني زي الأوتيل اللي سمعته بتسوء فيبطل حد يجيه غير اللي بيحبه واللي كان بيحبني رقيه.
لما أروي سابتني وهربت مني لأنها متحملتش التعب جربت مراراه الفقدان تاني.
كبرت اربعين سنه فوق عمري بس مكنتش اعرف انها هربت للأوتيل اللي انا قابلت فيه حياتي وهيا رجعت وفي إيديها حياتها.
انا بعترف اني عمري ما شوفت حب كده.
اروي وانس كانوا اسطوره الحب.
أفعالهم اللي تبين كده قليله بس لغه عيونهم ولهفتهم علي بعض كانت اقوي من أي حاجه.
مشوفتهمش اتخاصموا ابدا.
انس كان فاهم دماغ أروي.
واروي كانت بتحب انس جدا عشان كده زعله كان غالي علي قلبها جدا.
عرفت مقدار حب انس لأروي لما حلق شعره عشان يكون زيها.
عرفت ساعتها أن اللي يحب ممكن يعمل اي حاجه وسألت نفسي سؤال علي اخر الزمن هتعلم الحب من جيل انهارده!
وكأن الدنيا معدش فيها غير أروي كان قريب منها جدا.
مكنش بيعدي يوم غير وهما جنب بعض ساعات كنت بغير منه.
ايوا بغير لأنه قدر يحبب بنتي فيه اكتر مني.
لأنه فهمها وشافها أروي علي عكسي تماما.
انس كان ملازم أروي زي ضلها وأروي لما شعرها ابتدا أنه يرجع تاني كان طول خلال التلات شهور اللي كانت مستمره فيهم بالعلاج وصل لحد رقبتها كان انس هو اللي بيسرحه،بيغسله،يسمع فيديوهات مخصوص عشان يتعلم تسريحات جديده.
هو برضه كان شايف أن محور كونه هو أروي.
الأيام عدت ومشيت بسرعه وزي ما انس قال كان لكل يوم بدايه جديده وجه اليوم اللي هنعرف فيه نتيجه تعب الثلاث شهور أروي هتفضل معانا ولا هتمشي!!
"رقيه"
البعد لو طال بيأثر علي العلاقه، طول عمري بسمع الجمله دي بس عمري ما فهمتها عمري ما فهمت هيا معناها ايه!؟
بس طلع أن الجمله دي معانيها كبيره.
انا عمري ما حبيت ولا هحب في حياتي قد محمد.
هو في حد في الدنيا يتحب قد محمد !؟
ده هو كل حاجه حلوه في حياتي.
هو السكر اللي حلي طعم قهوتي.
محمد هو في زي محمد.
ولا في حلاوه محمد.
محمد ده كان زي الشمس اللي من غيره انا منورش.
كان النجوم اللي بتونسني في عز وحدتي.
الغيوم في رقتها وهيا بتحضني.
كنت فاكره أن الحياه ضحكت ليا لكنها عيطت عليا وغطتني.
لما عرفت أن مريضه مجاش في بالي غير حكايه ماما صفاء وبابا سعد.
كنت بتمني دايما اني الاقي حد يحبني زي ما بابا كان بيحب ماما كده.
كنت مفكره أن الحب دايم،بس طلع زي الزبد اللي عايم علي سطح المايه.
ماما شلت الثدي وده لأن خلاص كان المرض أتمكن منها.
نظرت بابا اختلفت ليها بدل ما كان يناديها بصفاء حياتي بقي يناديها باسمها بس.
كنت دايما استغرب نفسي ليه مركزه في أدق التفاصيل كده ده ماما مركزتش.
بس جه اليوم اللي سمعت الجمله اللي كانت سبب في كسره ماما.
انا ذنبي ايه اعيش مع واحده ناقصه !؟
الجمله دي مجرحتش ماما قد ما جرحتني.
يعني ايه !؟
اللي بيضحي بيبقي ناقص!؟
اللي بيحب بيبقي ناقص!؟
اللي بيوهب حياته عشان شخص بيبقي ناقص !؟
قررت وقتها اني مش هحب وتربست قلبي.
بس محمد كسر الترباس وعمل ترباس ليه هو لوحده.
وراني قد ايه أن مش صوابعي مش زي بعض واني كنت ظالمه نفسي.
قابلته في الأوتيل وهو كان شغله هناك كان مسؤول عن الهندسه والديكور هناك واتعرفنا علي بعض.
كنت لما اخاصمه وارفض أقابله،يجيب ليا مشابك ويحدفها في الشباك.
كان بينقي الصدف من الرمل ويجيبه ليا وبيقولي دي الذكرى الأولي ..التانيه.
لحد ما تعبت حسيت اني هعيش نفس قصه معاناه امي.
انا هبقي ناقصه !
ايوا لو حب محمد ليا قل هبقي ناقصه.
لو لقيته اتغير نحيتي هبقي ناقصه.
لو لقيته ابتدا يبعد هبقي ناقصه.
قررت ابعد انا واسيبه.
راهنت نفسي اني لازم افوز علي المرض ده وارجع لمحمد حياتي ودنيتي.
كنت متبعاهم من بعيد.
كنت بشوف بنتي وهيا بتكبر وانا بعيده عنها.
بس مكنتش قادره اشوفها قصه بابا وماما عملتي عقده نفسيه.
قررت اني لازم اتعالج من حاجتين.
وبعد ما اتعالجت رجعت.
رجعت وشوفت بنتي بتحب وتتحب.
كنت زعلانه لاني منكتش جنبها واسمع منها حكاويها.
كنت زعلانه لاني مكنتش امها زي ما هيا عاوزه.
بس لقيت انس عوضها عن كل حاجه.
اوتيل صغنن حضن أروي واحتواها جواه.
انس علمني الحب.
علمني أن مش كل مطب عربيتنا تقف عندها ممكن نغير الطريق عشان المطب ميوجعناش.
انس بقي لبنتي كل حاجه.
وهيا مكانتش عايزه من الدنيا غير مؤنس.
ثلاث شهور وفي قصه جديده هتتكتب مكان روميوا وجوليت وهتكون روايتي والمؤنس.
انس مكنش بيقول لأروي غير راويتي ولما كانت تسأله يقولها انتي حكايتي اللي هتتكتب وحكايتي اللي هتحكيها فأنتي راويتي ومرويتي.
عمري ما شوفت حب كده.
حب نقي من غير شوائب.
جه المعاد اللي الكل مستنيه معاد النتيجه ومصير الحكايه.
"زيد"
لما الحاجه تبقي بين ايديك وضيع هيا دي الكسره بصح.
بس انا لحقت نفسي.
انا زيي زي اي راجل بحلم أن يكون اسمي مش زي اي اسم اخلد اسمي في الدنيا ليا عمل الكل يذكرني بيه مش اموت واعيش زي ما اتخلقت.
كان شغلي اهم حاجه عندي مهمنيش اي حاجه تانييه.
كنت روبوت شغل لحد ما وصلت للي انا فيه دلوقت.
بس قصاد ده كله كنت هخسر حاجات كتير اوي.
يمكن لازم اشكر أروي علي انها دخلت حياه ابني يمكن لو مكانتش دخلتها كنا فضلنا متفرعين زي فروع الشجر وانس ملمناش.
انس صحي جوا مني حاجات كتير اوي.
عرفني أن مكنش لازم ارمي عيلتي على جنب عشان لو كنت خسرتهم مكنتش هعرف ارجعهم تاني.
فريده لما اتجوزتها كانت بنت صاحب شركه كبيره إنما أنا كنت شاب بسيط هيا عيشتها كانت غير عشتي بس قلبها كان كبير.
استحملتني.
عشنا انا وهيا في اوضه وصاله وكان علي قلبها زي العسل كانت بتشتغل اي حاجه عشان تساعدني مهتمتش بكلام الناس عنها بنت الأنصاري هتعيش مع ده !؟.
دوست علي نفسي بنفسي لحد ما بدأت أطلع فوق واحده واحده.
بعدت عن فريده فهيا كمان بعدت ورجعت النوادي والسهر كل واحد بقي في حتي هيا الجنوب وانا في اخر الشمال.
خلفنا أنس وكنت فرحانه بيه جدا بس فرحتي دي مقدرتش تنسيني شغلي فبعدت من تاني.
لما لقيت انس كبر خوفت هو كمان يبعد فدخلته مدرسه عشان اضمن أنه عمره ما هيبعد هيكون قدام عيني علي طول.
السنين عدت واحنا بعيد عن بعض الفضل كله لأروي.
مش عارف دي ملاك ولا جنيه!؟
في ثواني خلت الكل يحبها مبعديش يومها غير لما اشاكس فيها بحب لماضتها.
هيا فاكهه نادره عمري ما هعرف اسميها.
حبها هيا وأنس كان أكبر من أنه يتوصف انا مشوفتش كده معقوله صدفه تعمل كل ده !؟
ليه هيا دون عن كل بنات العالم ابني يعشقها.
افتكر مره من ضمن المواقف اللي حصلت في الشهور دي أن أروي تعبت جامد وبقها جاب دم وحالتها كانت زي الزفت ساعتها انس رن يوسف حتت علقه وقاله لو انت شايف شغلك مكانتش هيا هتتعب كده.
يوسف مكانش عارف يضحك ولا يعيط بس كان علي قلبه زي العسل لانه عارف ان دول عنتر وعبله القادمين.
انهارده ساعه النتيجه والكل مستنيها علي نار.
"فريده"
زيد،هو الحب والعشق وزي ما اللمبي كان بيقول الحب الحب العشق العشق الشوق الشوق.
زيد ده احلي حاجه في حياتي هو كان بعيد اه بس لولا اللمضه ام لسانين كنا زمانا ابعد ما يكون عن بعض.
زيد استحمل اي حاجه عشاني.
انا عمري ما كنت اعرف اعمل بيض ولا ادخل مطبخ،بقيت بعمل ميه اكله في الساعه،مكنتش اعرف الألف من كوز الدره زي ما بيقولوا بس قعدت انقي الدره واحده واحده لحد ما عرفت كل حاجه.
كنت عارفه أنه علي طول شايف نفسه قليل وعايز يوصل للي هو أكبر فكنت سيباه يبعد.
لكنه بعد قوي.
مطلبتش منه يقرب لان كان عندي فكره أنه هيحس بالبعد لوحده ويرجع.
عمري ما كنت بعيده عن أنس كنت جانبه علي طول حتي لو من بعيد ده انا كنت مزهقاه سندوتشات فول !!
لما بعد عننا ورجع لينا حسيته مش ابني !
ابني كان دايما عنيه حزينه بس لما رجع عينيه كانت بترقص وتغني وتقول الحب ندالي الحب ندالي.
عرفت علي طول أن قلبه دق.
القلب بيدق مره ولازم لما يدق يدق للشخص الصح وهو دق لأصح بنوته في الدنيا.
أروي.
بقيت بالنسبه للكل محور الكون بغير ساعات من أن انس معاها وبعيد عننا لكن برجع تاني لما بشوف ضحكته اللي من قلبه وهو معاها !
عمره ما دخل عليها فاضي دايما فيه في ايده حلاوه ليها.
تحس أن ورث من ورانا مضيع فلوسه كلها علي الحلاوه.
عمر انس ما حب يسمع التلفزيون بقي يسمع معاها كارتون!!
كان كاره الموسيقي بقي يسمع معاها عمرو دياب.
وكلام تاني لوكل بيتقال عليه مهرجانات.
اللي بيحب حد بيتغير عشانه وانس طبق المقوله دي !
"أروي"
كح كح كح شرقت من كتر ما بتجيبوا في سيرتي انا والغلبان بتاعي.
ده كله طلع مركز معانا جامد جامد يعني.
اللي غيران مننا يعمل زينا الله بطلوا نق شويه !!
عارف احساس انك تكون بس محتاج نقطه مايه عشان تعيش وتلاقيها!!
مش هقول أن انس النقطه دي لا انس هو المايه كلها.
اللي يستحمل واحده زيي لازم يتعمله تمثال.
لما كنت بدعي ربنا اني اعيش قصه حب يحكي ويتحاكي عنها مكنتش متوقعه اني هعيش اجمل قصه حب في الدنيا كلها.
مع اجمل واحد في الدنيا !!
انس؛بحبه بعدد نجوم السما هو خلاص حبيبي فودوني علي بيته بقي.
غريب الحب مين فإهمه.
انا مش فهماه لكن حساه.
انس هو الحياه ومؤنس هو الدنيا وونس هو القلب وونيس هو العقل.
لو بعرف اكتب شعر هكتب !
قلبي بيدق جامد اول ما عينه بتيجي في عيني انا بنسي انا قلبي وروحي وحياتي.
بروح معاه لعالم تاني زي عالم أليس وبلاد العجائب كده.
هو ممكن في حد يتحب اكتر من انس !!
هو فيه حد ممكن يسرق القلب زي انس !!
لا هو السؤال الصح هو لسه فيه زي انس !؟
مهما اقول مش هعرف اوصفه.
وهو حد بيعرف يوصف حياته ولا روحه !؟
بس هو أقرب ما يكون لوتين قلبي.
قلبي انهارده بيدق جامد النتيجه هتظهر ودي هتحدد اذا هكمل مع أنس ولا لا !؟
فضلت انبارح صاحيه منمتش ببص عليه وهو نايم علي الكنبه قصادي بشبع من ملامحه اللي ميتشبعش منها !
بفكر هو ممكن الحكايه تخلص ولا هتفضل بدايه زي ماهو قال !؟
يا تري ربنا كاتب ليا ايه !؟
"انس"
مبقتش متأكد قوي أن اسمي انس من كتر الأسامي الي بتناديني بيها بس علي قلبي زيي العسل واللوز.
علي قلبي زي السحابه اللي عزت علي بلد لا كان فيها لا زرع ولا حياه وهيا احيتها بقطره مايه منها.
كنت بحب القراءه ودائما كنت أقرأ كنت بتريق لما الاقي واحد اتقتل عشان حبيبته،اتكسر عشان حبيبته سابته،عيط عشان حبيبته ماتت.
لكن دلوقتي بقيت موقن أن الحب ممكن يعمل فينا أي حاجه.
حسيت الحب بالمشاعر اللي بتبقي مصاحبه ليه زي الأوتيل الصغير ما بيسعش من الحبايب الف زي ما بيقولوا لا.
بيسيع من الحبايب اللي بيحب بجد.
بيسيع جوا منه إلا بيحس أنه بيحب بجد.
شوفت اجمل من أروي مليون مره.
بس هيا كانت بالمليون دول.
اروي اللي سرقت قلبي عملت زي الاحتلال اللي رافض يطلع من القلب.
مبقتش متخيل هيا ممكن الحياه تمشي من غيرها !؟
هو ممكن متبقاش فيه حياه بأروي فكرت أنها تبعد كانت دائماً ملزماني.
بس انا حبيتها وده يكفيني وهيا بتحبني حتي لو مش بتقول كفايه أن عينيها مبتلمعش غير معايا.
ضحكتها متبرنش غير معايا.
اروي كان عندها كبرياء انها تقول انها بتحبني.
كانت اقوي من أنها يوم ما تعترف بحبها ليا تعترف بيه بطريقه عاديه !
انا سما دنيتي مبقتش تفضي من أروي.
وبيتي معدش فيه مكان غير لأروي.
النتيجه مخوفه الكل لكن مهما تكون انا هفضل معاها دايما وللأبد والي مالا نهايه.
الكل واقف علي أعصابه قدام باب اوضه يوسف مستنينه يطلع يطمن قلوبهم.
محمد واخد رقيه وبيهديها بعد ما انفجرت في العياط،وفريده وزيد قاعدين علي أعصابهم.
وهناك جه انس وهو ماسك بأيدي أروي.
أروي كانت لابسه فستان ملائكي لونه ازرق جميل وطويل واسع عكس لون بياض بشرتها ،وعنيها اللي بتلمع شعرها كالعاده انس تتفنن في تسريحه فسابه مفرود بيطير وراها جنيه عايشه علي الارض.
جنبها انس اللي شعرها طول وبقي اجمل من الأول وهو قصير كده.
قربوا الاتنين من الباب ووقفوا والكل ابتدا يبص عليهم وعيون فريده ورقيه مبطلتش دموع.
هنا أروي ابتسمت ببسمه صافيه واتكلمت وهيا بتشد من امساكها بأيد انس:
مالكم!؟زعلانين ليه وبتعيطوا !؟
يعني انا اسيبكم انبارح تضحكوا وتهزروا وانهارده تعيطوا !؟
غريب امركم !؟
اين كانت النتيجه اللي هتظهر انا راضيه بيها.
عارفين ايه الحاجه الحلوه الي في المرض ده !؟
كلهم بصولها وكان أولهم انس اللي كل يوم يكتشف في أروي حاجه جديده وهنا أروي اتكلمت تاني وعينيها علي كل واحد فيهم:
كلنا بصينا للجزء الوحش اللي في المرض مبصيناش للحلو اللي فيه !؟
قد ما المرض ده صعب وبيتعب لكنه ليه جزء محدش قدر يفهمه.
بيورينا مين بيفضل جنبنا من مين بيسيبنا بيورينا اللي في القلوب بيورينا مين بيحب من مين بيقول كلام وخلاص.
بالرغم من كل الظروف الوحشه اللي عدينا بيها بس بصوا كل اللي كان بعيد رجع.
طنط فريده وعمو زيد لو انا مكنتش تعبت وانس رجع معايا عشاني عشانكم مكنتوش زمانكم جنبي كان زمان البعد فرقكم اكتر واكتر وبدل ما كل واحد كان في نحيه كل واحد كان هيبقي في بلد.
ماما اللي بالرغم من أن سنين بعدها طالت بس رجعت عشاني.
رجعت عشان متسيبنيش متكررش غلطتها وتسيبني اتصارع واتعارك لوحدي.
المرض ده وراني أن الأب ممكن يعمل اي حاجه عشان ابنه.
وراني قد ايه أن بابا ده اب عظيم ولو هعيد حياتي واختار حد فيها بابا لازم يكون فيها.
عارفين المرض ده عامل زي ايهو!؟
زي الصفحه البيضه بتسجل الحلو اللي بيحصل في حياتنا بقلم حبر عشان ميتمسحش.
علي قد ما تعبت علي قد ما جنيت وكلكم بقيتوا جنبي.
بقيت متأكده أن يوم ما اقع ولا اتكسر فيه اللي هيسندني ويوقفني تاني.
مهما كانت النتيجه فأنا فرحانه بيها فرحانه ان عندي من كل حاجه اتنين.
انا فوزت بعيلتين وانس.
يمكن لو كل ده مكنش حصل مكنتش حبيت ولا اتحبيت ولا عرفت يعني ايه حب.
بس انا عرفت معناه.
الحب ده عامل زي الأوتيل الغالي مش اي حد ينزل فيه غير اللي قد دفع الثمن.
فاكر يا أنس الظرف اللي حطيته في الأوتيل كان فيه فلوسي اللي فصلت احوشها من صغيري عشان لما اكبر افتح بيها مستشفي علي امل ان اساعد اي مريض زيي بس حسيت اني مش هقدر احقق الحلم ده.
فسلمت الحلم لغيري يحققه بعد ما عرفت أن مدير الأوتيل هيتبرع بالمبلغ ده لمستشفي تعالج اللي زيي.
علي قد ما الدنيا خدت مني بس ادتني كتير ......
انا بحبكم كلكم اووي.
الكل كان بيسمع الكلام بقلبه.
كلامها خلاهم كلهم دموعهم علي خدهم.
بيبصوا لأروي أنها ازاي كده !؟
هيا ازاي جميله اووي كده وفاهمه كل حاجه.
محمد بيبصلها وبيدمع لأنه مش مصدق أن بنته كبرت وبقيت فاهمه الدنيا صح.
رقيه بتعيط من قلبها علي قلب بنتها الكبير واللي يسيع من الحبايب الف.
فريده وزيد اللي عنيهم اتمليت بالدموع وهما بيبصولها.
كل مره بتجبرهم أنهم يبوصلها بنظره مختلفه.
اخيرا انس اللي كان بيسمع لكلامها بكل جوارحه ومحسش بدموعه اللي نزلت.
أروي لفت وبقي وشها في وشه وبكل براءه رفعت صوابعها وبدأت تمسح دموعه وهيا بتقوله:
بتعيط ليه !؟
انا زعلتك اوي كده !؟
انس هنا حضنها جامد والكل قرب وحضنها وهيا بقيت تضحك وتمد ايديها تحضن كل واحد شويه.
انفتح باب الاوضه وطلع منها يوسف وفي أيديه ملف ورق وهنا هيا مدت ايديها وبتقوله وبتضحك:
دكتووور الحقني هموووت!
يوسف ضحك عليها وهنا الكل بعد وبصوت ليوسف وأروي مسكت ايد انس جامد مهما كان هيا برضه خايفه.
يوسف بصلهم كلهم ولثواني بس حس قد ايه أن يكون جنبك ناس يحبوك ويخافوا عليك دي نعمه مش اي حد ممكن يملكها.
رفعت ايده وعدل نظارته وبقيت عينه علي الكل وهنا ابتسم وقال بسعاده:
اروي خفت خلاص التحاليل أثبتت أن المرض انتهي.
اروي فاازت !!
هنا رقيه بكل ما تملك زغرطت ومحمد والكل بقي يضحك جامد.
أروي محستش بنفسها غير وانس بيشيلها وبيلف بيها جامد وهيا بتضحك جامد.
بتضحك من قلبها أن الحكايه لسه ليها بدايه !!
انس نزل أروي علي الارض وفي دقيقه نزل يسجد لربنا بكل فرحه والكل بيبصلهم وفرحان.
أروي حاطه ايديها علي بقها وبتضحك وبتعيط في نفس الوقت والفرحه مش سيعاها.
انس وقف وقرب من محمد وقال بلهفه:
لتاني مره بطلب منك ايد بنتك وقدام الكل !
الكل ضحك ومحمد حضن انس جامد وقاله:
وانا موافق وبقولك بنتي هتندمك !
انس بص لأروي اللي بتضحك وفريده ورقيه بيهنونها وقال:
لو هيا الحاجه الوحيده اللي هفضل اندم عليها فأنا معنديش مشكله اني افضل اندم عليها طول العمر.
انس ساب محمد وقرب من أروي اللي سابت الكل وابتدت تقرب نحيته وهنا هو ركع علي الارض قصادها ومسك إيديها وبكل حب:
قدام العالم كله بقولك اني بحبك !
ضحكت أروي وهيا بتبص لأنس جامد وكأنها لسه مش مصدقه اللي بيحصل وبكل جوارحها:
وانا اتعديت مرحله الحب من زمان ... انا بعشقك.
هتكملي معايا الطريق!!
هكمل معاك لأخر الطريق !
هتتعبي !
ضحكت أروي ومسكت ايده تمسك عليها وقالت:
تعابي وياك راحه.
بعد مرور خمس سنين
الموج بيضرب الشط ،والهوا بيحرك حبات الرمل وبينقلها من مكان للتاني.
اتعمل فرح اسطوري فضل بتحكي بيه ايام وليالي وعدا خمس سنين بحالهم عليهم وحبهم بيكبر وعمره ما قل.
محمد وزيد واقفين بيشوا وفريده ورقيه قاعدين كعادتهم بيتكلموا في أي حاجه.
وهناك من بعيد انس ماسك ايد أروي وبيمشي معاها وساعات يجروا ويقعوا علي الرمل لحد ما وقفوا هما الاتنين أيديهم بأيدين بعض وبيبصوا علي اهلهم من بعيد.
انس ابتسم واتكلم وهو بيبص لأروي:
قد ايه الدنيا بتكون جميله لما نكون مع الناس اللي بنحبهم وبيحبونا.
أروي ابتسمت وبصتله وقالت:
لما حلمت اني اتجوز واحب واحد مختلف مكنتش متوقعه أن ربنا هيستجيب بالسرعه دي انت اجمل نعمه هفضل احمد ربنا عليها.
ماااااااااماااااا باااااااباااا.
صرخت بيها بنتهم الصغيره "عشق"وهيا جايه تجري من بعيد وماسكه في إيديها ولد كل شويه يقع علي وشه من كتر ما عشق بتشد فيه.
انس ضحك جامد هو وأروي وقربوا من بنتهم عشق ونزلوا لمستواها وهنا بدا انس يسألها:
مين ده يا عشق !!
عشق بسعاده طفوليه:
ده مؤمن يا بابا !!
صرخ الطفل اللي حاسس بالأهانه وقال:
هحلفك يا عمي واللهي لأحلفك من الصبح بقولها اسمي ياااامن ياااامن تقولي لا مؤمن هتخليني اغير اسمي لعباس !!
انفجر انس في الضحك هو وأروي وقدامهم حكايه انس وأروي بتتعاد تاني.
يامن وهو بيبعد ايد عشق عنه وبيزعق:
يا بت سيبي أيدي تتنفس شويه !!
ده انت قموص !!
هتفت بها عشق وهيا تنظر إلي يامن فانفجر أنس وأروي من جديد ضاحكين:
اااااه اقلب القدره علي فومها تطلع البنت لأمها.
انس هنا وقف ضحك وبص ليامن وقاله:
ارضي بنصيبك يا ابني وخليها تقولك مؤمن بدل ما تطلع عليك اسامي تانيه !
نظر يامن الي عشق التي تنظر له كالقطط وهتف:
امري لله مؤمن مؤمن !_يا انسسسسس الاكل جهز !
هنا عشق طلعت جري هيا وأروي وسابوهم الاتنين واقفين ويامن بص لعشق بصدمه لأنها في ثواني باعته انس مسك ايده واتكلم وهو بيضحك:
بص هما يحبونا وكل حاجه بس ساعه الاكل ....
يا مؤنسسسسسسسسسسجاااي يا رووووحي!
ضحك كلاهما وانطلقت راكضين نحو حكايه أخري بلا نهايه.
عمرها حصلتلك دي !؟
تبقي لسه شايف حد !؟
وانت لسه متعرفوش!؟
ايوا متعرفوش!؟
بس نفسك تجري عليهتحضنه وتنام في عنيهوانت لسه متعرفوشانا بقي حسيتها معاكانا بقي طالباني هواكانا بقي من يوم ما شوفتكمش متخيل غير عمري معاكيا تتعبني يا واجع قلبيمن حبي مش قادر اخلي.
مؤنس مؤنس
دقاته
بحبك قد الدنيا دي كلها
يعني مصحياني الفجر تقوليلي بحبك !!
حسيت اني عايزة اقولها
طب نامي يا بختيضحك صغيره خرجت من بين شفتيها وهيا تراقبه يغفو مجددا فوق صدرها لتبتسم وهيا تلمح ضوء الشمس يبزغ من الخارج فأصبحت تراقبه بقلب نابض وسعادته تشعر بأن الدنيا قد وهبتها لها فقط.