الفصل 7 | من 24 فصل

رواية أرض الدوم الفصل السابع 7 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
30
كلمة
11,950
وقت القراءة
60 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

كانت تجلس أمام جدتها تنتظر منها أي إشارة قبول أو أي رد يريحها، لكن ملامح جدتها كانت غريبة وهي تراقبها بأعين شعرت بها رايانا كما لو أنها تخترق روحها. "رأيك إيه يا جدة هتساعديني؟ تنهدت العجوز وهي تحرك حبات سبحتها بين أناملها، تردد بعض الاستغفارات والأدعية، ترفع عيونها لحفيدتها التي كانت عيونها تلتمع برجاء. "اسمه إيه يا رايانا؟

اتسعت عيون رايانا من كلمات جدتها، تتراجع بصدمة للخلف. كان سبب وجودها في غرفة جدتها في هذا الوقت من الليل هو رغبتها في مساعدة جدتها لتدبير سبب غيابها غدًا طوال اليوم، لكن جدتها، وبعد صمت طويل، لم تنطق سوى بسؤال غريب. "اسم؟ اسم مين؟ "اسم اللي مخلي عيونك تلمع يا بنيتي، ومخلي وشك ينور." وهي فقط أنكرت ما يقال بإصرار شديد: "مفيش اسم يا جدة، أنا بس كنت... هخرج مع سافا بكرة ومحتاجة أبعد عن البيت أتنفس وخايفة البارو...

صمتت حين أبصرت عيون جدتها تضيق بشكل مريب جعلها تشعر أنها شفافة أمامها. هي لم يسبق أن كذبت على جدتها، لم يسبق أن أخفت عنها شيئًا، فلماذا تنكر الآن ما يحدث؟ هل خوفًا من رفض جدتها لما تفعل؟ أم خوفًا من اكتشاف جدتها ما تحاول هي إنكاره؟ وما الذي تحاول إنكاره؟ مشاعر مثيرة للشفقة ورغبة غبية في البقاء جوار ذلك الشعور بالدفء والأمان؟

هي إنسان مثير للشفقة يبحث عن الأمان في كل عين تقابله، وأخيرًا، حينما وجد ذلك الأمان، وجده في الشخص الخطأ، الشخص الذي لا يجوز حتى الاقتراب من محيطه. "النور اللي في القلوب صعب العيون تنكره يا رايانا، ونورك مغطي على ملامحك يا بنيتي." أمسكت كف رايانا بين يديها المجعدة وهي تهتف بكلمات صغيرة خافتة تربت عليها بحب:

"طريق السعادة طويل يا رايانا ومش الكل بيكون عنده القوة يوصله، متيأسيش، ولو بعد سنين أكيد هتلاقي النور في النهاية بس كملي الطريق وبكرة يجي اللي يمسك إيدك ويسحبك معاه للنور." نظرت رايانا ليد جدتها التي كانت ترتجف بهدوء بسبب العمر، ترفعها مقبلة إياها وهي تهمس بصوت منخفض وقد شردت فجأة، تشعر باستحالة الخلاص من بين أنياب قومها، وصوت عز الدين وهو يطالب بها يؤرق مضجعها:

"أنا خايفة أموت وأنا بحاول يا جدة، خايفة أموت قبل ما أوصل للنور، أموت في الضلمة... لوحدي." ختمت كلماتها وقد هبطت دمعة على خدها تشعر بصدرها يرتجف من الرعب. الفكرة التي كانت ترعبها طوال الوقت ما تزال تراودها، تبحث بين الوجوه عن المنقذ، ولم تجد سوى جزارين ينتظرون سقوطها لينهالوا عليها بالذبح. ابتسمت لها جدتها تربت على خصلاتها بحنان شديد:

"روحي بكرة يا رايانا مكان ما تحبي، روحي دوري على نورك، واطمني يا بنيتي، ربك عمره ما هيرضى ليكِ الوجع، وبكرة تقولي جدتي قالت." هتفت رايانا وهي تضم قدم جدتها بريبة: "خايفة البارو يجبرني على عز الدين، خايفة يكون نهاية صبري عز الدين." "مش عز الدين اللي هيعتني بزرعة رقيقة زيك يا رايانا، فيه شخص تاني مستني اللحظة المناسبة عشان يقطفك من الأرض البور، ويغرسك في أرضه، أرض خصبة مناسبة ليكِ يا بنيتي."

سقطت دمعتها وقد ارتسمت بسمة صغيرة على فمها، ولا تدري السبب. لكن أول صورة أبصرتها بعد حديث جدتها كانت صورته. ربما لأنه الوحيد الذي علمته من الرجال حقًا، ربما لأنها حتى هذه اللحظة لم تبصر شخصًا يشع لطفًا وحنانًا مثله، ربما... "وهو ده ممكن يكون موجود يا جدة؟ "موجود يا بنيتي ومنتظرك." ***

يجلس أسفل الشجرة العملاقة أمام المنزل مستندًا عليها وهو يراقب السماء بنظرات ضبابية، شاردًا بالمستقبل، تائهًا بالماضي. ترك الغربة خلفه وهرب، لكنها لم تتركه لحظة.

ما يزال يرفض النوم زيارة جفونه، يعاني من أرق مريع منذ سنوات، حتى أن الحال وصل به للنوم بالأدوية التي كادت تدمر جسده. أصبح جسده لا يتقبل النوم أكثر من ثلاث ساعات، أربعة ربما. كلما أغلق عينيه أبصر جثثًا مترامية، الكثير من الدماء، والكثير من الصراخ يرن داخل أذنه. رائحة الرطوبة والعفن في ذلك السجن ما يزال يزكم أنفه، سجن صغير بلا منفذ للتنفس سوى فتحة صغيرة، نفسها الفتحة التي كان يستخدمها الجميع كمنارة لهم في ظلمات السجن.

لا يدرك ما أخطأ به. هو فقط، وبمجرد أن وصل للشاطئ، وجد الكثير من الأيدي تنتزعه بقوة عن الأرض يجرونه بعيدًا عن جثة الفتاة التي خرج بها بعد رحلته الطويلة. يُجر ويُلقى به في غرفة صغيرة وأحدهم يصرخ في أذنه بكلمات لم تكن واضحة في البداية قبل أن يدرك ما يحدث. كان متهمًا باختراق حدود البلاد، ودخولها بشكل غير شرعي. سألوه العديد من الأسئلة التي لم يكن يدرك سببها: تخصصه، عمله، من ساعده، كيف وصل.

ظن أنهم سيعيدونه لبلاده، لكنهم لم يفعلوا. للأسف الشديد، لم يفعلوا كما فعلوا مع أغلبهم، بل احتفظوا به لسبب غير معلوم. ومن ثم ألقوا به في هذه الغرفة العفنة منذ أيام... شهور... لا يدري في الواقع. لكنه يدرك أنه كان يحسب مواعيد صلواته طبقًا للشمس التي تظهر من النافذة الصغيرة.

فجأة انتفض جسده بقوة على صراخ مرتفع في الغرفة. حرك عينيه بهدوء في المكان وهو يبحث عن مصدر الصراخ ليبصر رجلًا ضخم الجسد يتعدى بالضرب على امرأة في أحد أركان السجن، والجميع يتابع دون تدخل. نظر حوله يبحث عن شخص ليتدخل، لكن لا أحد تجرأ ونهض. ربما فقدوا كل شعور إنساني داخل صدرهم، حتى أصبح هكذا مشهد لا يعني لهم شيئًا. وبحسبة بسيطة أدرك مسلم أن لا فرصة له أمام الرجل. هو هزيل ضعيف ازداد ضعفًا الأيام السابقة، والرجل كان ضخمًا.

كاد يستسلم ويدعي العمى والصمم كالجميع، لولا أن صوت المرأة ازداد حدة يجلد ضميره وإنسانيته. استند على الجدار يحاول النهوض وهو يتحرك صوب الرجل بتردد يهتف بصوت متردد: "ما... ما الذي تفعله بها؟ دع المرأة وشأنها." لكن الرجل لم يهتم به وهو يكمل ضرب في المرأة بشكل غريب، ليتحرك له مسلم يهتف بصوت مرتفع أكثر: "ألا تسمع؟ أخبرتك دع المرأة وشأنها." استدار له الرجل ورمقه باستخفاف يبتسم له بسمة مرعبة، قبل أن يعود بنظرة للمرأة:

"ارحل من هنا يا صغير، ارحل قبل أن أتركها وتكون أنت ضحيتي اليوم." ارتجفت يد مسلم وهو ينظر للرجل بكره ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت المرأة يخرج مرتجفًا من أسفل الرجل وهي تتوسله بخفوت: "أرجوك... ساعدني... طفلي." نظر لها مسلم بعدم فهم لثوانٍ قبل أن تتسع عيونه وهو يبصر المرأة عن قرب وقد كان انتفاخ بطنها واضحًا للأعمى. كانت المرأة حاملًا، وكانت تصارع خنزيرًا لأجل الاحتفاظ بالقليل من الطعام كي تنجو بطفلها. اقترب مسلم

وهو يتحدث بصوت زادت حدته: "أخبرتك أن تدع المرأة وشأنها، ألا تسمع؟ المرأة حامل أيها الحقير." لكن الرجل استدار فقط يدفع مسلم بقوة صارخًا: "ابتعد من وجهي."

تراجع مسلم بسرعة وهو يبصر الرجل ينقض على المرأة مجددًا عازمًا على انتزاع الطعام منها، لينظر مسلم حوله بعجز قبل أن يميل ويحمل أحد الدلاء الملقاة في المكان ومن ثم ودون تفكير ركض للرجل وهبط بالدلو المعدني فوق رأسه بضربات متتابعة وبجنون. ولم توقفه رؤية دماء الرجل التي انفجرت في أرجاء الغرفة، بل أخذ يضربه بجنون وقد بدا أنه دخل في حالة هيستيرية، حتى أن المرأة التي كانت تستنجد به أطلقت صرخة وهي تبتعد لأقصى ركن في الغرفة تلقي بما في يدها من طعام له.

ومسلم لا يبصر شيئًا، ولا يعي بما يحدث حوله. كان عقله أشبه بغرفة مظلمة بها وحوش تنهش كامل تعقله وهدوئه. فقد كل ذرة إنسانية له، ولم يتوقف عن ضرب الرجل إلا حينما سحبه بعض الحراس بقوة بعيدًا عنه، يسحبونه خارج الغرفة وكان آخر ما أبصره بأعين متسعة هو جثة الرجل، الجثة الأولى له، ولم تكن الأخيرة. "أزعجتك؟

رفع مسلم عينيه صوب الشخص الذي أخرجه من أفكاره، ليبصر نورهان تقف أمامه وهي تبتسم له بسمة صغيرة تحمل بين يديها غطاء تمده له. ابتسم لها بحنان يأخذ الغطاء وهو يتحرك جانبًا يشير لها لتقترب، وقد فعلت جلست جواره فاحاطها بالغطاء وبذراعه وهي فقط صمتت تتذكر طفولتهم. "هو كان لازم نكبر يا مسلم؟ نظر لها ليبصرها تحدق به بعيون دامعة، تتنفس بصوت منخفض: "فاكر زمان كنت بتقول ليا إيه؟

في يوم الأيام اختياراتك هتخرب حياتك يا نور، واهي خربتها يا مسلم." "بعد الشر عليكِ، الحياة لسه مليانة ولسه قدامك كتير، واحمدي ربنا أن الموضوع وصل لهنا يا نور." هبطت دمعتها وهي تهتف بصوت موجوع وبسمة ساخرة ارتسمت على فمها من وضعها الحالي: "وصل لهنا؟ هو كان ممكن يوصل لأبعد من هنا يا مسلم؟ "ربك مش بيقدر غير الخير يا قلبي، تخيلي كان يحصل اللي حصل وأنتِ معاكِ أطفال وتتبهدلي ويتبهدلوا هما؟

صمتت ونظرت أرضًا دون أن تتحدث، وقد شردت عيونها بشكل غريب، ليشعر هو بالريبة والإدراك لثوانٍ، يتساءل بجدية وكأنه تذكر شيئًا ما يبعدها عنه بلطف: "هو أنتِ اتجوزتي امتى يا نور؟ ابتلعت ريقها بهدوء وهي تهتف بصوت منخفض: "من... خمس سنين." "خمس سنين ومفيش أطفال؟

لم يكن من عادة مسلم أن يتدخل فيما لا يخصه، لكن نورهان كانت شفافة بشكل مخيف، بريئة منذ طفولتها وهذا ما كان يجعله يخشى عليها، ولقربهما في العمر كان طوال الوقت يحرص على الاهتمام لها، أخته العزيزة التي تصغره فقط بعام واحد، رفيقة حياته، شاركته كل سنوات الدراسة حتى وصلوا للجامعة اختارت نفس تخصصه، لتشعر بأنه لا يناسبها لتغيره لاحقًا وتختار لغات وتتخصص في اللغة الفرنسية.

الآن وبعدما عاد أبصر أنها أخذت الكثير من القرارات الغبية في غيابه. "نور فيه حاجة المفروض أعرفها؟ نظرت نورهان ليدها قبل أن تسقط دموعها ببطء وهي تتحدث بصوت خافت خجل: "أنا... هو... أنا كنت... مسلم غصب عني والله بس... عادل كان مثالي قبل الجواز، وحتى بعد الجواز كان كأنه خرج من أحلامي، فارس الأحلام اللي قعدت أقرأ عنه وأحلم بيه، كأنه خرج من عقلي وأفكاري، قررنا في بداية الجواز نأخر الخلفة شوية لما نستقر و...

رفعت عيونها له تحاول أن تخبره لما يدور في رأسها ليريحها من أفكارها: "فجأة اتغير كأنه... كأنه شخص تاني، اتحول وبقى راجل تاني غير اللي عرفته يا مسلم." "مش يمكن اللي اتجوزتيه هو الراجل التاني يا نور واللي ظهر بعدين هو عادل الحقيقي؟ "ده اللي اكتشفته بعدين، خوفت أتكلم مع حد عشان ده كان اختياري اللي عاندت الكل عشانه، وأنت...

أنت مكنتش جنبي عشان تقولي إني غلطانة، كلهم قالولي بس فكرت أنهم مش فاهميني أنت الوحيد اللي كنت بتفهمني يا مسلم." نظر مسلم بعيدًا عنها يجاهد كي لا ينهار، لا يرى حقًا لغربته أي فائدة سوى حاتم، صديقه الحبيب وأخيه. "بعد فترة قالي أبطل وسيلة منع الحمل و.... قولتله إني عملت كده، بس أنا معملتش، خوفت أجيب أطفال ويكون هو أبوهم، خوفت يا مسلم ومش عارفة كنت مستنية إيه، كنت مستنية يتصلح بس محصلش."

صمتت وهي تنظر له بدموع، ليجذبها له بحب ولطف يربت على ظهرها بحنان، يتنفس بصوت منخفض، يقبل رأسها: "خلاص يا نور، خلصت يا قلبي، خلصت خلاص، أنا مش هرجع غير لما يطلقك بكرة." صمت وهو ينظر لها بتردد: "ولا أنتِ حابة إيه؟ "يطلقني يا مسلم، مش عايزة أكون على ذمته يوم زيادة، أنا قرفانة من نفسي بسببه." "يبقى اعتبريه حصل." رفعت عيونها له وهي تبصر لمعة غريبة: "أنت هتعمل إيه فيه تاني؟ ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يربت عليها بلطف:

"بلاش عشان تعرفي تنامي من غير كوابيس." *** أخرجت رأسها من باب المنزل تنظر حولها وكأنها تتأكد أن عز الدين لا ينتظرها كالعادة ليفسد عليها صباحها، وحينما اطمأنت لذلك تنفست الصعداء تتحرك بسرعة بعيدًا عن المنزل بعدما تدبرت مع جدتها حجة غياب لها طوال اليوم. وقد قررت جدتها إخبار والدها أنها أرسلتها لمنزل أحد رفاقها لتعني بهم لغياب أحفادها اليوم.

أمسكت الحقيبة بين يديها بقوة وهي تهرول تدعو ألا يبصرها أحد. وقد أشرقت الشمس منذ دقائق قليلة فقط، تتحرك بين الطرقات شبه الفارغة، حتى وصلت لوجهتها (بيت المريدي)

توقفت تنظر للساحة الأمامية للمنزل، وقد توقفت لثوانٍ تفكر أنها جاءت مبكرًا أكثر مما طُلب منها. لذا تراجعت مجددًا للخلف وقد قررت أن تجلس هنا أسفل الشجرة تنتظر استيقاظ الجميع، أو ربما تعود للمنزل، لكن عودتها للمنزل قد تجعلها عرضة لعز ووالدها وربما لا تستطيع الرجوع مجددًا هنا.

تحركت بهدوء صوب الشجرة وهي تنظر للمنزل تحاول إيجاد أي دلالة على استيقاظ أحدهم، لكن كانت الأجواء الهادئة حول المنزل أخبرتها أنهم ربما ما يزالون نائمين. استدارت بهدوء ولم تكد تقترب من الشجرة حتى سمعت صوتًا رخيمًا يهتف بخفوت: "جاية بدري كده ليه؟ أطلقت رايانا صرخة فزع وهي تستدير بسرعة صوب الصوت الصادر من الشجرة، لكنها لم تكد تفعل حتى تعرقلت بحجارة في الأرض وسقطت تتدحرج على ركبتها بقوة، تطلق تأوهًا مرتفعًا.

وهو فقط يجلس أسفل الشجرة يراقبها بصدمة دون التحرك خطوة واحدة، ينتظر أن تتماسك ومن ثم تنهض مجددًا. وبالفعل بعد دقائق، رفعت رايانا عيونها له وهي تتمسك بركبتيها، تتراجع للخلف بسرعة تحت عيونه المتعجبة: "أنت... أنت هنا من امتى؟ "من امبارح." وكانت إجابة بسيطة خرجت من فم مسلم الذي كان ينتظر أن تعتدل، لكنها استمرت تحدق به بعيون متسعة، جعلته ينظر حوله بريبة، قبل أن يبتسم بسمة صغيرة.

بسمة جعلتها تتراجع أكثر بريبة منه، أما عنه فتماسك ينهض من مكانه يبتعد عن الشجرة وهو يشير لها لتتحرك وتجلس على الحصير الذي كان يجلس عليه منذ ثوانٍ، إشارة صامتة منه لها أن تتحرك لها وهو ابتعد عن المكان يتيح لها الفرصة لتتنفس. وقد كان، نهضت بهدوء تضم حقيبتها لصدرها، تتحرك صوب الشجرة حتى جلست على الفرع تنظر له بريبة. "أنا... جيت بدري عشان... قولت... أنا صحيت بدري فقولت أجي بدري، مش...

لو تحب ممكن تروح تكمل نوم عادي أنا هستنى لغاية ما الكل يصحى هنا." كانت تتحدث بتوتر تعهده للمرة الأولى في نفسها أمام أحدهم، وهو فقط رفع حاجبه يضيق عينيه يتحرك حتى استقر أمامها على بعد مسافة مناسبة يجلس القرفصاء أمامها يهتف بجدية: "أنا مش بنام بليل يا فروشكا عشان أنام بالنهار، ومن ثم معتقدش أنه من الذوق أسيب ضيف يقعد لوحده وأروح أنام، زي ما هو غلط أقعد معاكِ لوحدنا كده، والدك لو عرف أكيد مش هيمررها ليكِ."

توترت رايانا وهي لا تدري مقصده، يتحدث كلمات وعكسها في جملة واحدة وكأنه يدور حول نقطة معينة، أما عنه فأخذ يراقبها باهتمام، قبل أن يتنهد وهو يتحدث بجدية: "أنتِ بنت البارو مش كده؟

رفعت عيونها له بصدمة كبيرة، وقد شحب وجهها، وكأن الأمر لم يكن معروفًا، وكأن الحقيقة لم تكن واضحة منذ أبصرها في مطبخ منزل البارو في منتصف الليل. ولوهلة تمنت أن يظنها خادمة أو أي شيء عدا ابنة البارو، لا تعلم السبب، لكنها تدرك أن حقيقتها كانت ستكون عائقًا لها معهم، معه، الشخص الوحيد الذي عاملها كإنسانة طبيعية للمرة الأولى. أما عنه فقد حصل على إجابته من نظرة عيونها المصدومة.

ونعم، رغم أن الأمر لم يكن صعب الاكتشاف، إلا أن شعور بغيض ملأ صدره وهو يدرك الحقيقة، يبتسم بسمة صغيرة: "البارو لو عرف أنك هنا مش هيكون سعيد خالص يا فروشكا." أجابت وهي تفرك ركبتها دون شعور تنظر أرضًا وقد خرج صوتها مكتومًا بشكل غريب: "هو طول الوقت مش سعيد، فمش هتفرق." رفع حاجبه بعدم فهم وقد شعر بشيء غير مريح في نبرتها، شيء جعله ينظر لها مطولًا قبل أن يهمس دون شعور منه: "هو بيأذيكِ؟

سؤال لا يدري بدافع الفضول أم الاستغلال أم الشفقة، لكنه في كل الأحوال نطقه دون شعور، ليبصرها ترفع عيونها تنظر له نظرات طويلة، جعلته يتراجع وهو يعتدل في وقفته يستدير بعيدًا عنها يتجاهل السؤال الذي طرحه وكأنه فقد الشغف في الإجابة، وفي الواقع لم يكن أيٌ مما يحدث يعجبه بأي شكل من الأشكال، يكره أن يقحم النساء فيما يفعل.

أخطأ حينما طلب منها المساعدة، والآن بمعرفته أنها ابنة البارو أصبح ترك نورهان معها أمرًا غير مقبول، لذا تنفس بصوت مرتفع وقد قرر الاستدارة الآن والاعتذار منها ويخبرها أن نورهان ستعود معهم للقاهرة. وبالفعل استدار وكاد يقول الكلمات التي حضرها، ليتفاجئ بها وهي تنهض تمد له يدها بالحقيبة بسرعة قبل أن تتراجع: "فطار عشان... معتقدش فيه أكل هنا لسه، ليك وللكل."

تجمد مسلم في هذه اللحظة وهو ينظر ليدها والحقيبة التي تتوسطها، يلتقطها دون قدرة على الرفض، وقد شعر فجأة بالعجز عن نطق كلمة واحدة مما كان يفكر بها. لقد جمحته بأفعالها. اشتد غضبه من نفسه ومنها ومن كل شيء يحدث له، ينظر لها بضيق شديد لا يدري سببه قبل أن يتحدث بجدية ونبرة خشنة بعض الشيء: "غلط يا فروشكا، أكبر غلط." نظرت له بعدم فهم وهو ضغط على الحقيبة بقوة وكأنه يضغط على رقبته، ينظر لها بعينيه جادة يبتسم بسمة صغيرة:

"تعاملك اللطيف مع أشخاص متعرفيش نيتهم تجاهك أكبر غلط ممكن ترتكبيه في حق نفسك، إياكِ تدي لحد الأمان أو تثقي في حد." رمشت رايانا بعدم فهم. هل يعتقد هذا الرجل أنها بهذا اللطف الذي يتخيلها به؟ هل يتخيلها فتاة لطيفة تتحرك موزعة لطفها وبراءتها على الجميع؟ "تعامل لطيف؟ كانت الكلمة غريبة عليها، تبتسم بعدم تصديق: "أنت شايف إني بتعامل بشكل لطيف؟

ختمت حديثها ببسمة أشد اتساعًا جعلته يضيق ما بين حاجبيه، تضم يديها أمامها بلطف شديد ترسم له الصورة التي تخيلها عنها وكأنه نسي للحظة ما فعلته به في أول لقاءين. "شكرًا للنصيحة، لكن أنا بعرف امتى أكون لطيفة وامتى لأ." قالت الكلمة الأخيرة في اللحظة التي شعر بها مسلم بشيء يلمس جسده، اخفض عينيه ببطء صوب معدته يراها تثبت سكينًا صغيرًا آخر على بطنه، وما زالت بسمتها اللطيفة مرتسمة على فمها.

"ولو شايف إن الفطار اللي في إيدك ده لطف، فأنت غلطان، دي صدقة." سحبت السكين بعيدًا عن جسده وهي تتحرك بهدوء شديد بعيدًا عنه صوب الشجرة تاركة إياه ينظر لأثرها بنفس الصدمة، لكن بدأت الصدمة تتلاشى ويحل محلها بسمة.... صغيرة. *** استيقظ يتحرك خارج الغرفة التي كان يسكنها طوال الليل، يفرك عينيه بتعب شديد وقد أصاب المنبه الذي ضبطته مسلم الأمس، يدرك جيدًا أن حاتم لن يستيقظ إلا إن وضع له منبه يوقظه.

خرج البهو يبصر امرأة تقف به وهي تجلس أرضًا تبحث في الحقائب التي اشتراها البارحة من المحل، توقف ثوانٍ يحاول معرفة من أحضر نساء للمنزل، قبل أن تضربه حقيقة ما حدث البارحة، ليضرب رأسه بضيق. يستدير بسرعة لينصرف من أمامها، لولا صوتها الذي خرج بهدوء: "صباح الخير." توقفت أقدام حاتم وهو يستدير بهدوء للخلف صوبها يتنحنح بصوت خافت مبتسمًا بسمة صغيرة: "صباح الخير آنسة."

ابتسمت نورهان بسمة صغيرة سرعان ما انقلبت بضحكة قصيرة وهي تكمل بحثها في الحقائب أمامها: "آنسة؟ ياريت ما كنا غلبنا كل ده." عض حاتم لسانه بغضب وقد شعر بغباء شديد وهو يتحدث معها، يحاول أن يصحح خطأه: "ما كان قصدي، صدقيني، الكلمة طلعت مني عفوي وما انتبهت." "عادي يعني هي مش شتيمة عشان كل ده، هي أمنية بس مش أكتر." صمتت وهي تستدير. له تردد بجدية: "هو أنت مجبتش أي حاجة معاك ينفع تتعمل فطار؟ مش عارفة أعمل أكل للكل."

توتر حاتم من كلماتها وهو يجيب بعدم فهم: "ها؟ شو؟ آه... والله مش عارف صراحة، كنت جايب شغلات بس مش متذكر شو بالظبط." ابتسمت له بسمة صغيرة صافية، بسمة لم يبصرها منذ اليوم الأول له في مصر، اللحظة التي أبصرها بها بكل لطفها ورقتها، قبل أن يدرك حقيقة أنها تكبره بعامين تقريبًا ومتزوجة. "هو ما بستاهل هالشي لو بتعرفي."

أبعدت نورهان عيونها عن الأغراض بعدم فهم لكلماته، أما عنه فقد أغمض عينيه بغضب وهو يتراجع للخلف يزيح خصلاته البنية جانبًا وقد ظهرت عيونه التي تتميز بلون أزرق باهت بعض الشيء مع بشرة بيضاء تميل للحنطية بسبب تعرضها للشمس. وفي الواقع حاتم لا يدري كيف ولماذا لكنه شعر برغبة قوية في قول تلك الكلمات، شعر برغبة قوية في التخفيف عنها بعدما أبصر انهيارها.

"ما بستاهل إنك تحزني ولا تلومي حالك عليه، اختاري اللي بتحزني عليه بعناية يا آنسة، وطبعًا مش هو ولا أمثاله." ختم حديثه وتحرك بسرعة من أمامها لتوقفه وهي تقول بنبرة ساخرة مختنقة: "أنا مش آنسة." ابتسم دون أن يستدير لها مجيبًا ببساطة: "بمجرد ما بتتحرري منه، بتكوني." ومن ثم تحرك بسرعة خارج المكان بحثًا عن مسلم تاركًا إياها تنظر لأثره بتعجب، لكنها فكرت في حديثه بجدية، هل يستحق عادل كل هذا الحزن حقًا؟

والإجابة كانت واضحة، يمكنها أن تحزن على سقوط خنزير في بركة وحله واختناقه حتى الموت، ولا تحزن على عادل الحقير لحظة واحدة. وفي هذه اللحظة قررت أن عادل انتهى وبشكل نهائي من حياتها، وقد اكتفت من الرجال وصحبتهم. *** كان يقف بعيدًا عن المنزل يحاول الحصول على إشارة في هاتفه، قبل أن يزفر بضيق، حتى الآن لم يخبر والديه بما حدث مع شقيقته، والأخيرة جاءت دون التفكير للحظة في إعلامهم بسبب حالتها.

زفر يدس الهاتف في جيب بناطله وقد قرر المرور على منزله قبل العودة وشرح كل ما حدث، والآن عليه العودة للمنزل ليلحق بالجميع. لكن وقبل فعل ذلك توقفت أقدامه، وهو يبصر فتاة يعلمها جيدًا، أو ربما ليس جيدًا، فهو في النهاية أبصرها مرة واحدة، لكنها كانت كافية لتطبع صورة المرأة في عقله. راقبها تخرج من مكان يبدو مقهى له، وخلفها يتحرك رجل وهو يتحدث لها بكلمات وهي تزفر بضيق وقد بدا أنها تتعرض للمضايقة.

لذا دون تفكير تحرك صوبهم بسرعة كبيرة وهو يتحدث بهدوء: "معذرة بس فيه حاجة يا استاذ؟ رفع الاثنان عيونهما لأحمد الذي اقترب منهم بملامح مقتضبة تبدو حادة خشنة. بينما الرجل الذي كان يزعج سافا رفع حاجبه بعدم فهم: "وأنت مالك؟ أنت مين أساسًا عشان تتدخل؟ نظر له من الأعلى والأسفل مقيمًا وكأنه يرى إن كان يستحق اهتمامه حتى: "امشي هنا وملكش دعوة بشغل حد." "شغل إيه؟ مش ملاحظ أنك بتضايق الآنسة؟

ارتفع حاجب سافا هذه المرة ببسمة واسعة مغرية وكأنها تبصر شيئًا يعجبها، وفي الواقع قد كان. "ده شغل أنت بتدخل ليه؟ رفع أحمد عيونه ينظر للمقهى خلف ظهورهم ليبصر لافتة مكتوب عليها أن المكان لم يكن مقهى فقط، بل "كازينو" كذلك. ارتفع حاجبه بغضب: "شغل إيه في المكان ده؟ بعدين الآنسة أساسًا شكلها مش مبسوط وأنت بتكلمها في الموضوع ده، اتفضل امشي وسيبها في حالها." كاد الرجل يفتح فمه، لكن قاطعه صوت سافا التي تحدث بصوت حاد ولم

ترفع عيونها حتى عن أحمد: "خلصـــــنـــا، قولت مش هعمل إيه شغل دلوقتي صرف نفسك، ويلا امشي." نظر لهم الرجل بضيق شديد، قبل أن ينسحب بعد ثوانٍ تاركًا الاثنان ينظران في أثره. وسافا نظرت لأحمد ببسمة صغيرة: "بشكرك يا استاذ على مساعدتك." "لا ولا يهمك، لو بتضايقك الشخص ده باستمرار يفضل تبلغي حد من أهلك بالموضوع، والأفضل لو متقربيش من الأماكن المشبوهة دي، مش كويس عشانك." ارتفع حاجب سافا وقد ارتسمت بسمة خبيثة على فمها:

"عندك حق، أنا بس كنت مضطرة أجي انهاردة، بس مش هتتكرر، شكرا يا... صمتت بتلميح تنتظر سماع اسمه، ليهتف الأخير بجدية: "أحمد." "سافا، اتشرفت بيك." ولم تنتظر سماع رده، وهي تتحرك بهدوء بعيدًا عنه تلقي بآخر كلماتها: "هنتقابل تاني أكيد يا أحمد، يومك سعيد."

ومن ثم سارت أمامه بخطوات متمهلة قوية بعض الشيء مليئة بالدلال، مما جعله يبعد عيونه عنها وقد تعجب نفسه وتدخله، لكنه أقنع ذاته أن هذا ما كان سيفعله أي رجل، لأجل الشرف والرجولة، وليس لأجل فتنتها الغير عادية مثلًا. أبعد كل ذلك عن رأسه وهو يهرول للمنزل كي يلحق بالآخرين للقاهرة. ***

بعد ساعات كان صوت محركات السيارة هو ما يسمع الجميع في الأرجاء بعدما قادها مسلم بشكل مرعب وهو لا يبصر أمامه سوى دماء عادل، وجواره حاتم يحاول أن يتجنبه في هذه الحالة. وفي الخلف كان عيسى نائمًا بفم مفتوح ورأسه مستندة على قدم يحيى الذي كان يربت على رأسها بلطف وهو يتحدث بجدية لمسلم: "هنروح ليه فين؟ البيت ولا الشغل؟ "شغل إيه بقى هو بعد اللي أخوك عمله بقى فيه شغل؟

كانت جملة أحمد الذي يجلس على جمر مشتعل لا يتخيل متى تصبح رقبة عادل بين يديه. ومسلم وافقه الرأي يتحدث بجدية وبهدوء: "وكمان البيت مش هينفع، أكيد فيه جيران وأهله ساكنين جنبه، هنعمل شوشرة على الفاضي محتاجين مكان بعيد عن العيون." صمت الجميع وكأنهم يفكرون فيما يجب أن يفعلون. ورغم أن صوت العقل كان يندد بكل تلك الأفعال العنيفة إلا أن المنطق تلاشى عند تذكر جروح وجه نورهان. وبالحديث عن نورهان تساءل أحدهم بقلق:

"أنت واثق يا مسلم في البنت اللي مع نورهان في البيت؟ خايف لا تكون متفقة مع حد منهم يروح يأذيها عشان يمسكونا من أيدينا اللي بتوجعنا... "متقلقش أنا واثق أنها عمرها ما هتعمل حاجة ليها." ولو سألته كيف يثق بالأمر، لن يستطيع الإجابة، فهو بالطبع لن يخبرهم أن ثقته تلك نابعة من يقينه أن فروشكا لن تضر نورهان، بل إن استطاعت ستحميها من قومها أنفسهم، وبالطبع لن يخبرهم أن فروشكا هي نفسها ابنة البارو.

ومجددًا لا يدرك سبب ثقته بها، لكنه ومنذ النظرة الأولى لها أدرك أن مثل تلك المرأة لا تخدع. تحدث بهدوء شديد وهو يمحو كل تلك الأفكار من عقله ببساطة: "إحنا ممكن نستدرجه لمكان بعيد عن الكل ونخلص الحوار." "حاسس إننا عصابة بس لغرض شريف." نظر مسلم في المرآة ليحيى متسائلًا: "وأنت زعلان عشان حاسس أننا عصابة؟ "لا زعلان عشان لغرض شريف."

هز مسلم رأسه بسخرية من شقيقه وأكمل قيادة السيارة وهو يفكر في رايانا والحوار القصير الذي نشأ بينهما في الصباح، وفجأة وفي وسط انغماسه في أفكاره أدرك أنه عاد للنقطة التي يرفض الاقتراب منها. وحاتم ينظر له بطرف عينيه قبل أن يحدق للطريق من النافذة، يشرد بالحياة وبما يحدث له، يبحث حوله عن هدف يحيا لأجله، لا هدف ولا حياة مستقرة ولا شيء ليفعله في هذه الحياة. لا شيء سوى العيش فقط، حسنًا على الأقل هو حي، والشكر لله، ثم لمسلم.

لولا مساعدة مسلم له لكان لقى حتفه داخل ذلك السجن القذر الذي يختبرون به قدرات كل إنسان على التحمل، وإن نجوت منه وجدوا لك سبيلًا آخر لنزع كل ذرة إنسانية بداخلك لأجل ملائمتك للمنظمة، ولم يعلموا أنه رأى ما تشيب له الرؤوس، أبصر الكثير في بلاده قبل أن يهجرها بحثًا عن مستقرًا بين أحضان الغربة.

هناك في ذلك السجن المظلم، سمع صوت أحدهم يقترب منه يتحدث له بكلمات غير مفهومة، لذا تجاهله حاتم وهو ينظر أمامه، لكن يبدو أن الشاب الذي جاوره كان يتحدث معه بأمر هام، لدرجة أن تجاهله له جعل جنونه يشتعل وهو يلكمه. وحاتم كان يجلس على جمر ينتظر شيئًا يفرغ به غضبه، لذا نهض في ثوانٍ انقض على الشاب بشكل مرعب فاجأ الأخير، والذي لم يمتلك حتى أدنى قوة للمقاومة.

قتال استمر من طرف حاتم فقط وهو يصرخ بكلمات غاضبة وقد جن جنونه، حتى سحبه الحراس بعيدًا عن الشاب بصعوبة، يجرونه خارج السجن وصوت صراخ حاتم ما يزال يصدح في المكان بلغة عربية غير مفهومة لهم، وقد كان أغلب الظن أنه يتوسلهم الرحمة والمغفرة ليتركوه وشأنه. "يلعن أبوكم ولاد ***، مفكرين الدنيا خاضعة إلكم، وما قدّمتوا للعالم غير الخراب والدمار." ويبدو أن "توسل حاتم للرحمة" وصل لمسامع شخص استطاع تمييز كلماته بسهولة.

مسلم، الذي كان في هذه اللحظة أحد أفراد المنظمة منذ عامين تقريبًا بعدما أبصر الجحيم، يرى الحراس يجذبون شابًا هزيل الجسد صوب الغرفة التي قضوا بها على آخر ذرات شعور بداخله. أخذ ينظر لحاتم الذي لم يصمت للحظة واحدة وهو يضرب هذا بسبب ذلك: "إذا كنتوا زلام خلّوني بحالي، وبفرجيكم شو بقدر أعمل."

ولأول مرة منذ سنوات يشعر مسلم بالألفة وهو يسمع هذه الكلمات، رغم أنها كانت سبابًا نابية فقط، وقبل تقدم الحراس خطوة إضافية صوب الغرفة السوداء، أوقفهم مسلم بسرعة. "مهلًا إلى أين؟ "سيدي لقد كاد يقتل أحد الـفتيان في الداخل، سيتم أخذه للغرفة السوداء طبقًا للقواعد." رفع مسلم حاجبه وهو يمد يده يسحب حاتم وهو يردد بجدية: "دعوه لي لقد انتهت فترة الاختبار الخاصة به."

نظر الجميع لبعضهم البعض دون فهم، ولم يكد أحدهم يعترض على كلماته، حتى جذب مسلم حاتم معه وقد أخذ الأخير يقاوم وهو يحاول سحب يده. "دع يدي، من أعطى لكم الحق في معاملتنا كحيوانات، هل تظنون أن لا رادع لكم."

توقف مسلم في أحد الممرات بعدما ابتعد عن الحراس يدرك أن فعلته لن تمر مرور الكرام، قد يتعرض للمساءلة، ربما للعقاب، لكنه لم يعد يهتم، أو إن تحرينا الدقة، هو لم يعد يشعر. كثرة التعذيب الذي تلقاه على أيديهم جعل جسده يألف الألم أكثر من الراحة، الوجع أكثر من السكينة، أيًا كان ما سيتلقاه منهم، كان قد اتخذ قراره، لن يترك لهم حاتم يعبثون به، كما فعلوا معه، ليس وقد وجد أخيرًا شخصًا يشعر معه بالألفة، ألفة تساوي ألفته للوجع.

"وأنت بقى اللي هتكون الرادع ليهم؟ اتسعت عيون حاتم بصدمة كبيرة وهو يسمع رد مسلم عليه، ونظر حوله بعدم فهم، قبل أن يعود بعيونه صوب مسلم، يشعر صدره يرتجف ولم يكن يعتقد يومًا أنه سيكون بهذه السعادة حينما يسمع أحدهم يحدثه العربية، ليس بعد شهرين تقريبًا من الصمت بين مئات الغربيين. ابتسم بعدم تصديق مرددًا بأمل ويقين: "مصري؟

ابتسم له مسلم بسمة صغيرة باهتة بعض الشيء وقد أسعدته الكلمة التي تحدث بها وكأنه نسي في خضم حياته أنه كان مصريًا، ردد بهدوء يمد يده له: "مسلم." وحاتم تحدث بلهفة كبيرة وسعادة: "وأنا كمان مسلم." ابتسم له مسلم بسمة أوسع بعض الشيء وربما كانت تلك البسمة هي أكبر بسمات مسلم طوال سنوات معرفته بحاتم: "أنا اسمي مسلم."

نظر حاتم ليد مسلم بلهفة أكبر وقد تمسك به تمسك الغريق بالقشة، يتعلق بيده وقد لمعت عيونه، يشعر أنه وجد شخصًا يفهمه في المكان، ينقذه من ظلمات هذه الجدران، أولم يفعل منذ ثوانٍ؟ "حاتم، أخوك حاتم فلسطيني أردني." استفاق حاتم من أفكاره وهو يرى أمامه عيونه شطيرة جبن وخضار ومسلم يبتسم له بهدوء: "حاتم، إيه مش هتفطر؟

رفع حاتم عينيه لمسلم يلتقط منه الشطيرة ببسمة صغيرة يدرك أنه لا يتهم بأي الأهداف يتبع في حياته، وأي الطرق يسلك، طالما أنه مع مسلم، فهو اكتفى به، أخوه الذي أهدته الحياة له، شخص لن يخسره ولو بروحه، ليس بعدما شعر للحظات يائسة أنه يمتلك شخصًا يخاف عليه، شخص يحبه، ورغم كل البرودة التي كان مسلم يصدرها له وللجميع في المنظمة إلا أن حاتم يدرك يقينًا، أن مسلم كان يهتم به حينها أكثر مما يظهر، كان مسلم ينظر له نفس نظراته هو له.. أخ وسبيل نجاة.

"لا طبعًا، رح أفطر، شكرًا." و لم يكن الشكر الأخير للطعام، بل كان شكرًا لكل شيء، فلا يدري لولا رحمة الله به أن أرسل له مسلم منذ ثمان سنوات، أين كان ليكون الآن؟ ربما جيفة عفنة في أحد سجون المنظمة. *** "متأكد من كلامك يا عز الدين؟ "الرجالة بلغوني أنهم شافوهم كلهم خارجين من البيت وفضلوا وراهم لغاية ما وصلوا لبداية القرية وعبروا الجسر واتحركوا بعربية بعيد عن القرية."

اتسعت بسمة البارو بأمل كبير وقد شعر فجأة أن همًا قد أزيح عن كاهله يجلس على الأريكة يتنفس الصعداء واخيرًا: "الظاهر إن خطتك نجحت يا عز الدين وخافوا على نفسهم ومشوا." ابتسم عز الدين بسخرية متوارية من سذاجة عمه، لكنه رغم ذلك لم يرد أن يظهر هشاشة خطته التي دمرها بعض الأغبياء: "أكيد يا بارو، بلغتك مرات كتيرة إن أمن القرية طول ما هو في أيدي متقلقش، بس فيه حاجة محتاجين نعملها عشان نقفل أي باب رجوع ليهم."

نظر له البارو بفضول وقد اعتدل شقيقه في جلسته ينصت لولده باهتمام شديد. وعز الدين ابتسم ببساطة يقترح عليهم ما يفكر به: "بيت المريدي يتقفل بالضبة والمفتاح نهائيًا، وقريب نشيله كله." ابتسم البارو مستحسنًا الفكرة وقد شعر بالراحة تنتشر لأوصاله، ينظر لشقيقه بسعادة يشاركه به الأخيرة، قبل أن يتحدث شقيقه: "وبما إن الموضوع انتهى يا بارو، جه الوقت تنفذ وعدك." نظر له البارو بعدم فهم، ليوضح له عز الدين ما يبتغيه: "رايانا...

تكون زوجتي يا بارو." صمت وهو ينظر لوالده وكأنه كان هناك اتفاق ضمني مسبق على الأمر، يطيل النظر في عيون البارو الذي كان يبدو محتارًا وكأنه يرفض الأمر، لا يعلم لكنه كان يشعر أنه بعد كل ما حدث، لم يكن عز الدين هو الرجل الأصلح لابنته. "أيوة بس أنت بالفعل متجوز يا عز الدين ومراتك بـ" "وايه يعيبني في كده؟

كانت كلمة قاطع بها كلمات البارو وكأن وضع رايانا أقل من السماح له بالنقاش ووضع شروط، وكأنه يقدم له جميلًا بالزواج من ابنته. "متجوز مرتين، وده أول بخت لرايانا و.... انتفض عز الدين واقفًا وهو يحدق في عمه برفض للاتجاه الذي تسير له المحادثة: "ده مكانش وعدك ليا يا بارو." "أنا موعدتش بشيء يا عز الدين غير أني هفكر، بنتي لسه أول بختها أكيد صعب أجوزها لواحد متجوز مرتين قبلها." انتفض والد عز الدين بغضب وهو يصرخ:

"كلمتك كانت قدام الكل يا بارو، أعتقد مش هيكون كويس ليك ترجع فيها خاصة دلوقتي." نظر لها البارو ثوانٍ وهو يحاول أن يتمالك تعابير وجهه ولا يظهر غضبه الذي يموج بداخله، هو لم يعدهم بكلمة واحدة، فقط صمت وهم اتخذوا صمته موافقة. "خلوني أشوف الدنيا وأسأل رايانا وأرد ليكم خبر."

اعترض عز الدين يعلم أن الاختيار لو ترك بيد رايانا بين أن تتزوجه أو تحيا عزباء طوال حياتها، لحزمت أمتعتها وذهبت لحياة الرهبان في جبال الصين على أن تتزوجه، وهذا كان من شأنه أن يوقفه، لكن لا شيء خلق في هذه الحياة قد يوقفه عن الوصول لرايانا، وحينما يصل لها، سيجد طرقًا ليصل لقلبها كذلك. ***

كانت تجلس أمامها بصمت وهي لا تدري ما الذي يجب أن تتحدث به معها تشعر بالريبة فهي يومًا لم تحصل على رفيقة أو شخص تتحدث له، سوى جدتها وسافا فقط. وهذه الآن، المرأة التي لا تدري علاقتها بمسلم والجميع، تجلس هناك صامتة بشرود.

وهي خافت أن تقطع شرودها ذلك وتحطم لحظتها مع نفسها، وفي الواقع كانت نورهان فقط شاردة فيما يمكن أن يحدث بعد ذلك، هي لم تخطط لحياتها بعد طلاقها، هل تعود للقاهرة وتواجه الجميع وتحاول النجاة بينهم، أم تظل هنا في عالم لا تعلم عنه شيئًا هربًا من الجميع وحديثهم؟ "لو عندك فرصة أنك تختاري حياتك بعد قرار مصيري، أما تواجهي الكل أو تهربي منهم، هتختاري إيه؟

ولم تدرك أن سؤالها خرج بصوت مرتفع، مما جعل رايانا تنظر حولها بتعجب من ذلك السؤال، هل تأخذ رأيها الآن؟ أم بتفكر بصوت مرتفع؟ صمتت خوفًا من الرد لتكتشف بعدها أن الفتاة لا توجه لها حديثًا. لكن نورهان رفعت رأسها لها تتحدث ببسمة صغيرة: "اسمك فروشكا مش كده؟ ابتسمت رايانا بسمة صغيرة ولم تنفِ أو تؤكد المعلومة، ونورهان ظنت أن صمتها تأكيد، هي سمعت مسلم يناديها فروشكا لتتعجب بهدوء من الاسم: "يعني إيه فروشكا أساسًا؟

"نوع حلويات مشهور عندنا في الأعياد والمناسبات." "شكله حلو أوي لدرجة يسموكِ على اسمه، بس عامة اسم مختلف وجميل." ورايانا لم توضح شيئًا وهي تهتف بصوت منخفض: "لو تحبي ممكن أعملك تدوقي." "معرفش ممكن أكون موجودة لوقت ما أدوق أو لا بس عامة شكرًا على ذوقك، أنا اسمي نورهان بالمناسبة ناديني نور." ورايانا كانت كطفلة صغيرة تتعرف على عالم جديد تهز رأسها بصمت دون القدرة على التحاور معها، ونورهان لم تصمت وهي تتحدث بجدية:

"مقولتيش رأيك هتواجهي ولا تريحي دماغك وتهربي؟ ونعم هنا أدركت رايانا أن الفتاة تتحدث لها بجدية: "أنا طول عمري بواجه، لأني مش بيكون عندي اختيار الهروب، لكن لو في إيدي أهرب لغاية ما الكل ينساني ههرب وأستريح من معارك المواجهة." وكان هذا رأي نابع من كل تجاربها مع المواجهات مع قريتها، لكن نورهان شعرت أنها ربما كانت إشارة، ومن رد رايانا تعشمت في حكمتها خيرًا، لذا ابتسمت وهي تقول ببساطة: "طب لو...

فيه شخص خدعك وإذاكِ، أذى كبير ولسنين هل ممكن تفكري تسامحيه أو يكون فيه فرصة تانية معاكِ، ولا قرار الفراق بيكون أحسن قرار؟ رفعت لها رايانا حاجبها بعدم فهم: "آذاني لسنين؟ وأنا هستنى سنين ليه على أذاه؟ كون أنه فكر يأذيني مرة ده كافي ليا عشان آخد الخطوة اللي بعدها." "واللي هي إيه؟ الفراق ولا... "الانتقام، هرد ليه أذاه وبعدين يبقى أشوف الفراق، بس مش قبل ما آخد حقي."

اشتعلت عيون نورهان وهي تسمع رد رايانا وقد شعرت في هذه اللحظة أنها بالفعل أخطأت في عدم أخذ حقها من عادل قبل اللجوء لأخوتها. "أنتِ عندك حق، أنا إزاي كنت جبانة كده عشان آخد حقي، بس معلش هيروح مني فين." ابتسمت وقد شعرت بالسعادة للتحدث مع رايانا في هذا الأمر، تريد معرفة أين قد يصل بهم الحديث وما يجب فعله: "طب لو الشخص اللي إذاكِ ده قابلتيه مرة ولو صدفة، ممكن تنتقمي إزاي؟ ورايانا لم تكن تفهم مغزى الحديث لكنها أجابت ببساطة:

"على حسب إيه اللي هيرضيني، بس أول حاجة ممكن أعملها إني أضربه." اتسعت بسمة نورهان أكثر تردد الكلمة بإعجاب وكأنها تخيلت للحظة عادل أسفل يده وهي توسع ضربًا: "أضربه؟ هزت رايانا رأسها بنعم، أما عن نورهان ابتسمت أكثر وهي تنظر لها: "شكرًا يا فروشكا، ساعدتيني كتير." "العفو." نظرت نورهان حولها وهي تفكر في شيء ما قبل أن تتحدث بجدية:

"بقولك إيه هو مفيش سوق هنا أشتري منه حاجات للبيت، مفيش أكل ولا فيه حاجة هنا، ممكن تاخديني سوق نشتري منه أي حاجة؟ نظرت لها رايانا بتردد لم تكن تعلم إن كان يجب فعله ذلك أم لا، وخشيت أن يعارض مسلم إن علم برغبة قريبته، لكنها رغم ذلك هزت رأسها بحسنًا. *** "مفهوم ولا أعيد كلامي تاني؟

كان الجميع ينظر بصدمة لما قال مسلم وقد بدا لهم مرعبًا للحظات، وقد وضع خطة استدراج عادل بعيدًا عن الأعين كي يشفوا صدورهم، نعم كان الأمر إجراميًا وغير مقبول بالكامل، لكنه لم يكن ينوي الالتزام بالأخلاقيات على أية حال بعدما تجاوز حدوده كرجل وضرب أخته. والرد الوحيد الذي وصل له كان رد حاتم المتحمس وبشدة لتنفيذ الأمر، ورغم أن لا جمل له ولا ناقة في الأمر إلا أنه ردد بصوت قوي:

"جاهزين، لا تشيل هم، حطني عَ البداية والباقي عليّ." نظر الجميع لحاتم متعجبين حماسته. وعيسى ينظر له بعدم فهم: "إيه الحماس ده يا حاتم؟ أنت رايح تدوس الراجل مش تتكرم؟ شاركه يحيى الحماس وهو يضرب كتف حاتم بخفة: "سيبك من ابو قلب طيب ده يا حاتم، عايزك تساويه بالاسفلت رايح جاي، أما أشوف إيه اللي بيعجب الروسيات فيه ابن الـ*** ده." نظر الجميع صوب يحيى ثوانٍ قبل أن يتحدث أحمد بجدية: "أنت معانا ليه يا يحيى؟

إحنا هنا عشان موضوع نور، متهزرش عشان مش فايق." "يا عم أحمد هتفرق معاك؟ يعني هو أخينا هيغير طريقة الدوسة يعني ما كده سحلة وكده سحلة، المهم خلصونا." زفر أحمد ولم يكد يعترض حتى قاطعهم مسلم الذي هبط من السيارة مع الجميع وتركوها مع حاتم فقط، يشير له بهدوء:

"حاتم تعلم ما عليك فعله، لن تمسه بسوء فقط بالكاد ضربة تسقطه أرضًا كي تقنعه بالركوب معك، اخترتك للأمر خصيصًا لأنه لا يعرفك كما أنني لا أثق بأخلاق أحدهم وتحكمه في ذاته غيرك." صمت ينظر حوله ثم أكمل بجدية: "وكمان لأنك الوحيد اللي شكلك ابن ناس ملكش في المشاكل وهو يعرفنا كلنا أساسًا وهيشك." ابتسم حاتم وهو يجهز السيارة بسرعة مرعبة وكأنه على وشك اقتحام ميدان سباق: "حطّ ببطنك بطيخة." ضرب مسلم على السيارة وهو يشير له بالتحرك:

"ربنا يستر، أتوكل على الله." وبالفعل تحرك حاتم بسرعة، والجميع يراقبه بأعين حريصة قلقة، وأحمد يهمس بشك: "واثق في الموضوع يا مسلم، حاتم هيقدر يخلص الحوار بدون مشاكل؟ "كنت واثق، بس حاليًا ربنا يستر." ومن ثم راقب الجميع خطة مسلم وهي تقع في حيز التنفيذ، وقد كانت الخطة كالتالي، تظاهر حاتم باصطدام خفيف في الرجل ومن ثم يصر على اصطحابه للمستشفى، وهناك يتبعونه هم بسيارة أجرة حتى يصلون لمكان التجمع.

والآن في لحظة انصراف الموظفين، كان الجميع يضع أملًا على مغادرة الرجل للعمل بعدما خسر كل شيء تقريبًا، خاصة أن إشارة هاتفه كانت ما تزال تشير على وجوده داخل العمل. نظروا لبعضهم البعض بترقب وقد استمر الانتظار قرابة النصف ساعة حتى لمحه يحيى وهو يخرج من العمل بوجه وملامح منقبضة، فسحب الهاتف من مسلم يتحدث بجدية:

"اهوه يا حاتم حلق على البهيمة اللي لسه خارجة من الشركة ولابس بني ده، والله ما عارف بيبصوا عليه إزاي، طب نورهان وعبيطة، الروسيات إيه مبررهم؟ زفر مسلم بضيق وهو ينتزع منه الهاتف بضيق شديد: "مش هنخلص يا يحيى مش هنخلص، حاتم خلصنا." "علم وينفذ." وبالفعل انتظر حاتم حتى استقر الرجل خارج الشركة ينظر يمينًا ويسارًا ولم يكد يتحرك صوب سيارته التي تنتظر في الجراج المقابل للشركة، حتى تحرك له حاتم صوبه بسرعة مرعبة وصوت مسلم

يرن في السيارة بالتعليمات: "فقط ضربة صغيرة حـلكن حاتم كان بالفعل قد صدم جسد عادل بقوة متوسط ضربت جسد الأخير على الأرضية الخشنة بقوة جعلته يتدحرج لمتر أمام السيارة." ليضع مسلم يده على رأسه: "يا مصيبتك يا مسلم." أما عند حاتم فاوقف السيارة بسرعة وهو يهبط منها بعدما أبصر تجمع الجميع حول عادل الذي كان يحاول النهوض وهو يتأوه بوجع. "يا متخلف يا أعمى، إيه مش شايف قدامك؟ "بعتذر منك، ما انتبهتلك، الشمس كانت معمية عيوني."

رفع له عادل عينيه بضيق وغضب وقد كان هذا ما ينقص يومه لتفسد حياته، يلوح بيده غاضبًا: "شمس إيه وقرف إيه على دماغك، أصل أنا ناقصك أساسًا و.... قاطعه أحد الرجال في الطريق: "خلاص يا بني استهدى بالله الشاب قالك مشافش، وبعدين شكله مش من هنا ومعرفش حاجة، والغريب أعمى يا بني خلاص." "اه والله يا عمّي، أنا فعلًا مو من هون." مال بسرعة يساعد عادل لينهض وهو ينظر لذلك الذي اختارته نورهان كي تفنى معه حياتها:

"خلّيني أساعدك نروح عَ المشفى، عشان حدّا يفحصك." حاول عادل جذب ذراعه من بين يديه يرفض بضيق وهو يشعر بالهواء يكاد يرفض الدخول لرئتيه، كان لا يستطيع التنفس بشكل طبيعي منذ ما حدث منذ الصباح، أو بالأحرى منذ الأمس وقد انقلب عالمه بالكامل. لكن حاتم لم يسمح له بالاعتراض وهو يجذبه بقوة صوب السيارة يعتذر للجميع ويشكرهم، وبالفعل تحرك بالسيارة دون الالتفات لاعتراضات عادل.

ينظر خلفه في المرآة يبصر السيارة التي صعد لها الجميع تلحق بهم، ليبتسم بسمة صغيرة وهو ينظر بطرف عينيه صوب عادل الذي بدا كما لو أنه سُحب لدوامة بعيدة. *** انتهت من شراء ما تريد بالكامل والفضل يعود لتلك الفتاة معها والتي بدت على معرفة وثيقة بكل من في القرية، رغم نظراتهم لها وكأنهم يخشونها، لكن ربما هذا لمكانة رفيعة لها بينهم، كأميرة مثلًا. ولم تدرك أنها كانت الساحرة في الواقع. "شكرًا يا فوفو تعبتك معايا."

ونعم على مدار اليوم اعتمدت نورهان اسم فروشكا بل وصنعت لها تدليلًا، ابتسمت لها رايانا بخجل وسعادة خفية داخل صدرها لا تصدق أنها صنعت للتو صداقة بهذه السهولة، شخص لا ينظر لها بخوف ولا ريبة، الشخص الأول الذي تصادقه بعد سافا، هذا إن وصفت علاقتها بسافا صداقة، فقد كان الأمر أعمق من هذا بكثير. وهذا يذكرها برغبتها العميقة في الذهاب لسافا بعد عودة الجميع لتخبرها بما حدث معها. "العفو."

كانت كلمة صغيرة نطقت بها وكأنها لا تدري حقًا كيف تتعامل مع رفقة، كيف يتصرف الأشخاص حول أشخاص لا ينظرون لهم باستحقار؟ أما عن نورهان ابتسمت تتحدث بهدوء شديد: "أنتِ كام سنة كده؟ نظرت لها ثوانٍ تهمس بهدوء: "٢٧ سنة." "العمر كله يارب، كده اعتبريني أختك الكبيرة، أنا ٣٣ سنة."

ونظرة رايانا المتعجبة لها أخبرتها أنها لا تصدق هذا العمر، فنورهان في الواقع، كانت صغيرة كما لو أنها فتاة في الجامعة، قصيرة القامة مع ملامح صغيرة بيضاء وعيون خضراء مع حجاب تخفي أسفله خصلات سمراء. دخل الاثنين لحدود منزل المريدي وأخيرًا. "إيه بتبص ليه كده؟ "لا أصل مش باين عليكِ الـ"

ولم تكد تكمل حديثها حتى قاطعها صرخة حادة أوقفت الحديث وفي المقابل توقفت قلب رايانا وهي تبصر جسد عز الدين الذي يقف أمام المنزل بعدما أغلقه بسلسلة حديدية ظنًا أنهم رحلوا: "أنـــــــتِ بتعملي إيه هنا؟ ومين دي؟ تنفست رايانا بصوت مرتفع وهي تتقدم نورهان بسرعة تخفيها خلفها وقد ملئت عيونها شراسة وهي تتحدث بصوت هادئ: "معتقدش أنه يخصك أنا بعمل إيه أو مين دي؟ "ميـ إيه؟ ميخصنيش؟ لا يا حلوة يخصني ويخصني ويخصني، أنتِ هتبقي مراتي."

كان يتحدث وهو يقترب منها حتى توقف أمامها لتنظر له بكره وقد ارتجف جسدها اشمئزازً من مجرد فكرة كونه زوجًا لها: "عشم إبليس في الجنة يا عز الدين." ابتسم عز الدين بسمة مخيفة جمدت دمائها: "هنشوف." حرك عينيه صوب نورهان التي كانت تتابع من خلف رايانا تود التحرك صوب المنزل لتبتعد عن ذلك الرجل المريب وتجذب معها رايانا كذلك. لكن عز الدين قاطع كل ذلك وهو يتساءل: "مين دي؟ واحدة من أحفاد المريدي؟

إيه سابوها ضمان مع البيت ولا إيه، وايه اللي بتعمليه معاها أساسًا؟ "قولتك ملكش دعوة." "لا يا بنت عمي ليا دعوة أكتر مما تتخيلي وابقي شوفي هتقولي إيه لابوكِ لما يعرف أنك ماشية في القرية مع حفيدة المريدي و.... فجأة صمت وكأنه أدرك شيئًا ما، يقترب منها بعيون ضيقة وقد ثار صدره بغضب كبير يهمس بنبرة خطيرة: "استني كده أنتِ إيه علاقتك بيهم أساسًا؟ الشخص اللي نبههم على الحريقة كان أنتِ؟ اشتد ملامح رايانا شراسة وهي تهتف بجنون:

"اه يا عز الدين كان أنا هتعمل إيه؟ إيه عايز تولع في بيوت الناس، إيه هتشتغل قــ.... توقفت عن الحديث بمجرد أن حطت صفعة من يد عز الدين على وجهها، اتسعت عيونها بقوة وقد شعرت بالإهانة ترفع عيونها له ببطء ولم تكد تتحدث بكلمة حتى جذبها عز الدين من يدها بقوة وعنف مخيف بعيدًا عن المنزل وهي تصرخ تحاول الإفلات منه ونبرة التوعد هي كل ما سمعت نورهان وهو يصرخ في وجهها:

"الأحسن ليكِ تفكري هتقولي إيه لابوكِ على اللي عملتيه معانا، أيامك الجاية هتكون سواد يا رايانا وأنا بنفسي اللي هوريكِ الويـــــــــــل." ارتجف جسد نورهان وهي تتحرك بسرعة صوب المنزل تخرج هاتفها تحاول الاتصال بمسلم لتخبره ما يحدث، لكن فجأة توقفت بصدمة حينما أبصرت بوابة المنزل مغلق بسلاسل حديدية وهي بالخارج وقد بدأ الليل يجن عليها.

نظرت حولها للمكان والقرية الغريبة، هي هنا وحدها دون رفيق خارج المنزل، ألقت الحقائب التي كانت بيدها أرضًا تتمسك بالهاتف تحاول الاتصال بهم وكأنهم طوق النجاة لها. *** "أنت وقفت هنا ليه؟ كان سؤال خرج من فم عادل، وهو يحدق بالطريق الفارغ حوله وكأنهم على مشارف الصحراء، ولم يكد يتبعه بكلمة إضافية حتى وجد الباب جواره يُفتح بعنف وجسده يُجذب للخارج ليقابل أول وجه.. أحمد الذي ابتسم له بسمة مخيفة. "دولا والله زمان يا ***."

اتسعت عيون عادل وهو ينظر لأحمد، ولمن خلفه يبصر الجميع عيسى ويحيى، وشاب آخر يبدو خطيرًا. استدار بسرعة يحاول العودة هربًا للسيارة، لولا أن السائق هبط وهو يشمر أكمامه مبتسمًا. تراجع بعيدًا عنهم وهو يتحدث بريبة: "أحمد... خلينا نتكلم بالعقل يا أحمد، اختك هي اللي قلت أدبها عليا و... وقبل إكمال جملته كان أحمد ينقض عليه بقوة يحطم فكه، وصوته يصدح في المكان: "بتخونها وترفع ايدك عليها؟ ليه جايبها من الشارع يا حيوان."

حاول عادل التحدث، لكن يحيى أمسكه من رقبته وهو يعاجله بلكمة جعلته يصطدم في السيارة، وحاتم يتابع بهدوء تاركًا لهم فرصة الانتقام كما يريدون. عيسى يضرب ويحيى يمسك به، ومن ثم يحيى يضرب وأحمد يمسك به، كل ذلك ومسلم يراقب حتى انتهى الجميع منه تاركين إياه بلا حول ولا قوة أرضًا.

اقترب منه مسلم وراقبه ثوانٍ يميل جالسًا القرفصاء جواره يخرج هاتفه ينقر على بعض الأزرار قبل أن يرفع هاتفه في وجه عادل الذي كان يفتح عينيه بصعوبة، لكن بمجرد أن أبصر ما يُعرض على هاتف مسلم حتى انتفض جسده انتفاضة مؤلمة، جعلت مسلم يبتسم وقد احتفظ بآخر ورقة له، فيديو حقير كان يراسل به فتاة يحتفظ به العزيز عادل على هاتفه لا يدري تفاخرًا أم لتهديد المرأة معه به.

"طبعًا أنت عارف إن اللي حصل ده لو حد عرف بيه، هخليك أشهر من أي تريند في مصر، مش كده؟ نظر له عادل بفزع: "أنت... أنت إزاي... مين اللي.... وصلت للفيديو ده إزاي؟ "نفس الطريقة اللي وصلت بيها لكل بلاويك، ورقة طلاق اختي توصلي على البيت انهاردة قبل بكرة." رمقه بعدم فهم وتشوش يحاول معرفة هويته: "اختك؟ أنت.... مسلم؟ "الله ينور عليك."

ومن بعد هذه الكلمة كانت لكمة مسلم تحطم فكه بالكامل وهو ينهض ساحبًا هاتف عادل يفتح مكالمات الطوارئ يتصل بالإسعاف يبلغهم بمكان تواجده، ومن ثم أشار للجميع بالتحرك. نظر نظرة أخيرة صوب عادل الذي كان يأن ويتأوه أرضًا وحده، وفي الواقع مشهد كهذا كان ليثير غضبه سابقًا وإنسانيته ويرفضه رفضًا قاطعًا، لكن الآن.. حسنًا الآن هذا يرضيه وبشدة.

صعد الجميع للسيارة يتحركون بها بعيدًا عن المكان وقد تنفس أحمد وكأنه أخيرًا وصل للراحة المرجوة، وحاتم يتحرك بهم خارج المكان بأكمله. في نيته التوجه صوب الطريق للقرية، لولا صوت مسلم الذي ردد بجدية: "فيه حاجة حابب أشتريها قبل ما نرجع، ابقى اقف عند أي محل هدايا." نظر في المرآة يتحدث بجدية: "كلمت نور يا أحمد اطمنت عليها؟ "لا مكانش فيه وقت، هتصل بيها."

هز مسلم رأسه وهو يستند على المقعد خلفه، يتنفس بهدوء مغمضًا عينيه وأول ما أبصره هو صورتها وهي تبتسم بخجل تطالبه بتلك الهدية الصغيرة. *** كان يجلس في بهو منزله مع زوجته وهو يتحدث معها محاولًا إقناعها بأمر الزواج الذي شعر بنفسه يُجبر عليه قبل ابنته، لكن فجأة انتفض الجميع على صوت صرخات مرتفعة قادمة من الخارج.

نهض البارو بسرعة وبصدمة كبيرة وقد تعرف على صوت الصرخات التي تصدح في المكان، ولم يكد يركض صوب الباب ليتبين له ما يحدث. عز الدين يجذب رايانا من خصلاتها بشكل عنيف مهين قبل أن يلقي بها أرضًا ومن ثم انكب عليها بصفعات وقد باغتها قبل أن تتمكن من الدفاع عن نفسها.

يضربها بجنون وهي فقط تحاول الدفاع عن نفسها صارخة، وهو فقط يستغل كل صفعة ليخرج بها إحباطه من تجاهلها له، وسخريتها منه وتقليلها منه، كان ينتقم منها على كل لحظة عذاب عاشها بسببها. صرخت شيما وهي تركض صوبه تدفعه من صدره بجنون تجذب رايانا لصدرها بعنف: "ابعد... ابعد عنها أنت اتجننت." صرخ عز الدين وهو يتنفس وقد بدأ يشعر براحة كبيرة حينما أفرغ فيها كل ضيقه: "ما هو أنتم لو تعبتوا نفسكم في تربيتها مكانش حصل ده كله."

ختم حديثه وهو يتجهز لجذبها من بين أحضان شيما، وهي فقط صامتة جامدة تتلقى الضربات دون كلمة واحدة. بينما البارو وقبل اقترابه منها خطوة ثانية اندفع له يدفعه للخلف بعنف صارخًا: "عــــز الديـــن أنت اتجننت؟ إزاي تتجرأ تلمس بنتي بالشكل ده، أنت فـــــاكر نفسك ميـــــن؟ رفع عز الدين عينيه في وجه عمه وهو يبتسم بسخرية: "فاكر نفسي مين؟ فاكر نفسي الراجل اللي هيربي بنتك اللي معرفتش تربيها."

نظر لرايانا التي كانت تستند على صدر شيما دون حركة واحدة، بوجه جامد، وملامح شاحبة: "بنتك هي اللي قالت ليهم على حوار الحريق، ومش بس كده دي كمان رايحة جاية على بيت المريدي والله أعلم بتعمل معاهم إيـ... "عــــــز الديــــــن، اخـــــرس وألزم حدودك." نظر له عز الدين بغضب شديد وقد اشتد ضيق صدره من عمه وبلغ منتهاه:

"ماشي يا عمي هلزم حدودي، بس متنساش أنت تعرف بنتك حدودها، لأني مش هقبل مراتي تتصرف بالشكل ده والمرة الجاية هيكون بموتها." ختم حديثه وهو يتحرك خارج المنزل بغضب شديد تاركًا البارو يراقب خروجه بعصبية شديدة، بينما شيما سارعت تجذب رايانا بخوف وهي تحفزها للتحرك، تخبرها أن تلحق بها صوب غرفتها تجنبها والدها في هذه اللحظة.

وبالفعل بمجرد أن دخلت غرفتها تحركت للفراش دون كلمة واحدة، تنزل أسفل غطائها، تجذبه تخفي به كامل جسدها، وقد بدأت دموعها تتساقط بقوة وتنفسها يضيق حتى شعرت أنها لا تستطيع سحب شهيق. *** توقف أمام رفوف ممتلئة بكرات الثلج المنيرة، نفس الهدية التي طلبتها، يحرك عينيه على كل الأنواع أمامه بحيرة، أخبرته أن يحضر لها واحدة، لكنها لم تحدد أيهم تريد، راقصة باليه أم دب صغير أم زوجين يتراقصان؟

كان يسمع صوت أحمد في الخلف وهو يتذمر من عدم قدرته على الوصول لهاتف شقيقته، تنهد يمد يده يلتقط واحدة متوسطة الحجم بها فتاة صغيرة تحمل بين كفيها فراشة ملونة تضيء بألوان متعددة ويتحرك بها كرات ثلج صناعية. ابتسم يتحرك صوب منطقة الاستقبال ليد

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...