يخرج الصوت الآلي بنبرة حادة، باردة كالسكاكين: ــ ذكاؤك خانك المرة دي... وده ما عجبنيش… ليلى بثبات مغلف بالتهكم: ــ أنت اللي اشترطت... معلومة قصاد معلومة… وبتهيألي أنا التزمت بقوانين لعبتك… قلتلي أرناط عايش... وأنا اديتك الشفرة…! الصوت بارد وقاسٍ: ــ أنتي ادتيني… رمز... مش …الشفرة…! وغلطتك دي... ما ينفعش تتغفر… وأنا ما بعرفش أسامح في الغلط… علشان كده... كان لازم يبقى فيه …عقاب…! وعقابك... مستنيكي في المستشفى…!
ليلى تتوتر وتشهق: ــ يعني إيه؟! الصوت بجمود مقلق: ــ أخوك رائد... اتعرض لحادثة… دلوقتي في المستشفى… بعثتلك العنوان على تليفونك… ليلى بخوف وانفعال، وهي تفتح الرسالة: ــ لو أخويا حصله حاجة... الصوت يقاطعها بصرامة: ــ حالتك ما تسمحلكيش إنك تهدديني… ابعتي الشفرة... دلوقتي… ليلى بصوت متحدي يرتعش من الغضب: ــ قوانين لعبتكم الوسخة... عرفتها خلاص… وأنا دلوقتي اللي بإيدي كل حاجة… لو عايز تقتلني... اقتلني دلوقتي…
بس أنا عارفة... ومتأكدة... إنك ما تقدرش… لإنك لو عملتها... اللي انت عايزه عمرك ما هتاخده… الصوت بهدوء شيطاني: ــ اللي أنا عايزه، باخده... ما بيهمنيش الطريقة اللي باخده بيها بس بيتهيا لي يهمك انتي… ليلى تستدير للخروج، تقف لحظة عند الباب: ــ صدقني... لو أخويا حصله حاجة… اللي بتدور عليه؟ مش هتشوفه إلا في كوابيسك… وساعتها بس هكون انا كابوسك… اللي عمرك ما هتعرف تتخلص منه… ثم تخرج، وهي مرفوعة الرأس… عينيها مشتعلة بتحدي…
عارفة إن اللي بيهددها... أقوى… لكنها دلوقتي بقت تعرف إنها مش أضعف… ليلى همست لنفسها وهي بتقفل باب العربية: ــ لو إيده وصلت لرائد... أنا اللي هبقى العقاب…! دارت المحرك، والنور الأمامي شق الظلمة... والمعركة لسه ما بدأتش…! داخل غرفة المستشفى رائد يجلس على كرسي صغير بجوار السرير، عيونه على وجه شهد اللي نايمة قدامه وملامحها مجهدة. بصوت خافت وندمان: ــ أنا آسف... آسف إني عرضتك للخطر… شهد بابتسامة شاحبة،
وجرح بسيط على جبينها: ــ انت مالكش ذنب يا رائد... طمني... إنت كويس؟ لكن قبل ما يرد، الباب اندفع بقوة... ودخل راهب بانفعال عنيف… مسك رائد من ياقة قميصه… وبضـ ـربة مفاجئة، وجه له بوكس في وشه… صوته مبحوح من التوتر: ــ إنت مين؟! ومين اللي زقك على أختي؟! شهد اتفزعت... اتشنجت مكانها… ونزلت من السرير وهي بترتعش… وقفت في ركن الغرفة، عينيها مفزوعة، وصرخت: ــ ماتقتلـ ـوش! ماتقتلـ ـوش يا راهب!
راهب اتجمد، إيده لسه معلقة في الهواء، وقلبه وقع... حاول يقرب منها بهدوء، صوته هادي رغم خوفه: ــ تمام... اهدي... أنا مش هعمله حاجه... لكن شهد جسمها بيترعش… صوتها طالع متقطع، بتكرر جملة واحدة… كأن مشهد من الماضي انفجر في دماغها: شهد بهمس مهزوز: ــ ماتقتلـ ـوش... هو مالوش ذنب... أنا اللي طلبت منه... نتجوز... رائد اتجمد من الصدمة… بس في لحظة، طلع الطبيب اللي جواه… قرب منها بهدوء، مد إيده، مسك يدها…
وبدأ يرسم دوائر صغيرة بإبهامه فوق كفها… صوته خرج ناعم، مطمئن: ــ أنا كويس... مافيش حاجه حصلت... أخوكي حتى ما لمسنيش... كأن صوته شال عنها حمل… بدأت شهقتها تخف، وعيونها تهدى… راهب كان واقف بعيد، سايب له المساحة… بيتابع من غير ما ينطق، لحد ما شهد رجعت تقعد… على السرير، ورائد غطاها بالبطانية بخفة… بعد لحظات، خرجوا برا الغرفة... وقفوا سوا في الممر، وبدأ رائد يحكي بهدوء: ــ كل اللي حصل... كنت واقف بعربيتي قدام الكافيه…
وهي فجأة طلعت وركبت… ما لحقتش أفهم حاجه، بعدها بشويه… عربية زانقت علينا... حاولت أهرب، بس خبطنا في عمود… راهب ينزل عيونه، صوته مليان ندم: ــ أنا آسف جدا... كان لازم أشكرك، مش أمد إيدي عليك… رائد بابتسامة وهو يلمس مكان الضـ ـربة: ــ ولا يهمك... بسيطة… أنا مقدر خوفك عليها… راهب ابتسم، مد له إيده: ــ اتشرفت بمعرفتك... يا؟ رائد، بابتسامة دافية: ــ رائد... اسمي رائد… راهب بامتنان وصوت منخفض فيه خجل:
ــ مش عارف أشكرك إزاي يا رائد... وآسف... آسف إني رفعت إيدي عليك قبل ما أفهم اللي حصل بس... أنا بخاف على شهد جدا… رائد بهدوء وتفهم: ــ لا، عندك حق... أنا لو كنت مكانك، كنت هتصرف نفس التصرف بالضبط…! راهب يهز راسه بشكر، وعينيه فيها تقدير: ــ شكرا لتفهمك الموقف... أنا هروح أشوف الدكتور، أطمن منه على حاله شهد… رائد بابتسامة بسيطة: ــ الدكتور طمني... شهد كويسة، محتاجة ترتاح بس... راهب يبتسم وهو بيتنفس بعمق: ــ ومع ذلك...
خليني أطمن بنفسي… راهب يلمح ابتسامة خفيفة على وجه رائد قبل… ما يلف ويمشي ناحية مكتب الطبيب… رائد ياخد نفس هادي ويفتح باب الغرفة... ويدخل بهدوء يشوف شهد… في أحد ممرات المستشفى… يمشي راهب بخطى سريعة وهو على الهاتف… راهب بصوت منخفض وقلق: ــ سحر مش هتهدا... وهتقلب الدنيا لحد ما تلاقي ابنها. بس هي مستحيل تتخيل إن راكان... عندك… يأتيه صوت يوسف عبر الهاتف… ساخر قليلا لكنه ثابت: ــ مع احترامي لكلامك يا راهب... تعديل بسيط…
الولد مش عندي… الولد عند حماتي…! فاهم يعني ايه عند حماتي…! راهب يتوقف فجأة، يلف بجسمه وكأنه بيعيد حساباته، ثم بصوت مطمئن: ماتقلقش... هي عمرها ما هتتوقع إن راكان عند حماتك… وقبل ما يكمل خطوته، يصطدم فجأة بفتاة كانت ماشية ناحيته، وبدون تفكير، يمد دراعيه ويمسكها قبل ما تقع... حضن خفيف، لحظة خاطفة... لكن كانت كافية عشان الزمن يقف… ولما عينه جات في عينها... الدنيا كلها اختفت… كانت ليلى…! نظرت له، وقلبها خفق بشدة غريبة…
إحساس عجيب اتحرك جواها… فيه حاجة بتشدها، بتحسسها… بالأمان، بالضعف، بالحيرة... رغم إن شكله مش هو، لكن فيه حاجة... حاجة من حبيبها…؟ وهو... وقف ساكت…! راهب شاف في عينيها نفس النظرة اللي عمره ما نسيها… نظرة ليلى…! ليلى بهمس لا إرادي: ــ أنا... آسفة… راهب بصوت مخنوق، شبه ابتسامة: ــ أنا اللي آسف... يسود صمت غريب بينهم ملان مشاعر مش مفهومة... صوت طـ ـلق نـ ـاري فجأة يشق الهواء…
صوت الـ ـرصاص يرتد في أرجاء المستشفى الخارجية… راهب يشد ليلى بسرعة ويخبيها وراه… بيحضنها بذراعيه ويضغطها لجسمه… وكأنها جزء منه، يحميها بجسده من أي خطـ ـر… ليلى، وهي واقفة خلفه… تسمع دقات قلبها تدوي كأنها رصـ ـاص تاني… بصت له من ورا كتفه، في حاجه غريبة... ليه بتتمنى اللحظة دي ما تخلصش؟ ليه بتحس بالأمان، رغم الرصـ ـاص؟ مين الشخص ده؟ وليه بتكون ضعيفة قدامه؟ راهب يلتفت فجأة، صوته خشن وغاضب: ــ أكيد دي سحر...
عايزه تخلص مني! ليلى بسرعة، بنبرة مرتبكة لكن صادقة: ــ لأ... لأ، أكيد عايزين يخلصوا مني أنا… إنت مالكش ذنب داخل المستشفى –غرفة شهد صوت الرصاص اللي برا بيخترق جدران الغرفة وشهد تنتفض في سريرها، بتشهق بقوة وعينيها بتتسع بخوف مفاجئ. وهي بتتهز: ــ ضـ ـرب نـ ـار... ضـ ـرب نـ ـار تاني... لأااا! رائد، يقوم من الكرسي بسرعة يقرب منها، ويمسك إيدها بلطف: ــ شهد! بصيلي... أنا معاك، مفيش حاجة هتحصل…
لكن شهد تنهار أكتر، وتقوم تتجه له بخطوات مترنحة، وترمي نفسها في حضنه، تحضنه كأنها بتتشبث بالحياة نفسها… شهد، وهي بتبكي بخوف: ــ أنا مش عايزة أمـ ـوت... رائد، يحتضنها بكل قوته، يلف دراعاته حواليها ويحاول يهديها، صوته يخرج واطي، دافي: ــ أنا جنبك... مش هسيبك... اهدي بس… خارج المستشفى راهب بعناد، وعيونه بتلمع بالتحدي: ــ مين هيفكر يقتـ ـل بنت؟! دول شكلهم جايين عشاني... ليلى، بصوت عالي وهي بتحاول تبعد نفسها عنه:
ــ إنت بتقلل مني؟ أنا عارفة إن الناس دي جايالي أنا! إنت مين عشان حد يفكر يقتـ ـلك أصلاً؟! راهب، وهو بيشدها تاني وبيخليها تلزم مكانها وراه صوته حازم لكن فيه نبرة غريبة من الألم: ــ أنا رجل أعمال كبير وعندي عداوات... ناس بتتمنى يوم يلاقوني فيه لوحدي… اللي زيي بيدفع تمن كل نجاحه... غالي… ليلى، وعنيها بتلمع بين الغضب والارتباك: ــ آه يعني ملياردير؟! وشايف إن العالم بيلف حواليك؟ إنت فاكر نفسك بطل فيلم أكشن، هنا؟!
راهب، بابتسامة ساخره لكن عنيه مش بتسيب عيونها: ــ يمكن... بس البطل الحقيقي بيكون عنده نقطة ضعف… وأنا شكلي لقيت نقطتي…؟ ليلى تسكت لحظة، قلبها يخبط في صدرها ومشاعرها تتلخبط أكتر، بس قبل ما تردرجاله بيجروا ناحية العربية، لكن المهاجمين يركبوا بسرعة ويهربوا، العربية تطير من المكان، والناس حواليهم مرعوبين. شرطي ييجي بيجري ناحية راهب وليلى: ــ حد اتصاب؟ خدتوا رقم العربية؟ راهب، وهو بيبص لليلى اللي لسه مدهوشة ومرتبكة:
ــ لا... مفيش نمر على العربية. داخل الغرفة شهد لسه ف حضن رائد، أنفاسها بدأت تهدى، ورائد لسه بيطبطب على ضهرها، وعينيه فيها مزيج من الراحة والحنان، وهو بيهمس لها: ــ خلاص... راح الصوت، انتي بخير... مش هخلي حد يؤذيكي تاني… خارج المستشفى الشرطي يهز راسه بإحباط… ويكمل استجوابه لباقي الشهود… بينما ليلى بتلتفت بسرعة وتدخل المستشفى… عيونها بتلف بتوتر في الممرات لحد ما تلمح رائد… بسرعة بتجري عليه، تحتضنه بقوة، صوتها متهدج:
ــ حبيبي، إنت كويس؟ طمني عليك… رائد، بيحضنها برفق، وهو يطبطب على ضهرها: ـ أنا كويس... ما تخافيش، بسيطة… المستشفى اتصلت بيك، صح؟ ليلى بخفة: ــ أيوه... أول ما عرفت جيت طايرة، المهم إنت سليم... إيه اللي حصل؟ رائد، بنبرة مستغربة: ــ مش عارف... عربية زنقت عليا وأنا سايق فقدت السيطرة وخبطت في عمود. بس الحمد لله عدت على خير. ليلى، وهي تحضنه تاني ودموعها قريبة: ــ الحمد لله... يلا نرجع البيت. رائد وهو بيبص ليها بتردد:
ــ هو إيه صوت ضـ ـرب النـ ـار اللي كان برا؟! ليلى، بتتوتر وتحاول تخفي ارتباكها: ــ مش عارفة... الدنيا كانت ملخبطة… يلا نروح… رائد يهز راسه ويمشي معاها وليلى وهي خارجة من المستشفى بتبص ناحية الباب… تدور بعنيها على راهب، لكنه مش باين… تتنهد وهم يكملوا طريقهم للخروج…! في المصحة –غرفة ناهد أكمل يقترب من الباب، يلمسه بحذر كأن الجدار بيحكي له حكايات ماحدش سمعها. ياخد نفس عميق، يفتحه ببطء، ويدخل. الجو ساكن...
حتى أنفاسه مسموعة. هي جالسة عند الشباك، على كرسي خشب باهت ضهرها مستقيم بشكل آلي، وشعرها واقع على كتفها كأنه بيخفي ملامح الحزن اللي عايش في وجهها. بتبص بعيد... بعيد أوي... وكأنها شايفة حاجة محدش غيرها يقدر يشوفها. لا التفتت، ولا رمشت. أكمل يقعد على كرسي جنبها. يسيب بينه وبينها مسافة، فيها احترام وألم. يبص معاها على الحديقة اللي ورا الإزاز، شجر مهتز بهوا خفيف، بس هي مابتحسش بيه. أكمل، بصوت هادي لكنه مشحون:
ــ ليه عايزه تمـ ـوتي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!