وقف راهب أمام باب مكتبه في الشركة. مد يده وأخذ ملفًا مهمًا من السكرتيرة ألْما. قلب أوراقه بتركيز، ثم قال بنبرة حاسمة: "خلي يوسف يجيلي فورًا." وبينما كان يعيد غلق الملف، لفتت نظره ساعة فاخرة تزين معصم ألْما، فابتسم ابتسامة خفيفة: "حلوة الساعة... والبرفان كمان." ابتسمت ألْما بارتباك، وردت بخجل: "ميرسي يا فندم." دخل مكتبه وهو لا يزال يبتسم، وكأن شيئًا ما يدور في ذهنه. لم تمر لحظات حتى دخلت سحر، تتمايل في خطواتها بثقة:
"نورت مكتبك، يا باشا." كان راهب قد جلس بالفعل، ولم يبد عليه أي اهتمام بها. قال وهو يفتح ملفًا آخر: "ملف مناقصة العلمين... ابعتيه لي حالًا." اقتربت سحر منه بدلال: "جاي حامي على الشغل؟ مش ناوي تضيع وقت؟ رفع راهب نظره إليها بابتسامة خالية من أي دفء: "وأنا كمان مش عايزك تضيعي وقتك معايا... وبالمرة خدي بالك من جوزك، شكله ناوي يغيرك." تجمدت سحر في مكانها، صدمها الكلام: "تقصد إيه؟ وقف راهب ونظر نحو الباب: "اطلعي بره...
وبصي كويس على ألْما السكرتيرة. واضح إن الباشا صرف ومكلف المرة دي... البنت لابسة ساعة لو اشتغلت عشر سنين مش هتجيب تمنها. مش عارف ليه... حاسس إنك هتوحشينا قريب." خرجت سحر من المكتب بغضب مكتوم. وفي طريقها اصطدمت بيوسف الداخل. سأل يوسف مستغربًا: "مالها دي؟ ضحك راهب وهو يشير له بالدخول: "سيبك منها، تعالى... عندنا اجتماع مهم النهارده لازم نوقع مع الجماعة الألمان." يوسف بثقة: "ما تقلقش، أنا مرتب كل حاجة."
رن هاتف راهب، فأخرج ملفًا من درْجه وسلمه ليوسف: "خد الملف ده، راجعه، ونتقابل في الاجتماع." خرج يوسف، وأغلق الباب خلفه، فرفع راهب الهاتف ورد بنبرة مشدودة، يغلفها التوتر: "عايز إيه؟ أنا نهيت كل شغلي معاكم... جاء الصوت من الطرف الآخر صارمًا لا يعرف التراجع: "إحنا لازم نتأكد إن البحث فشل." قبض راهب على الهاتف بقوة، وقال من بين أسنانه: "قلت لكم... هي أجهضت الطفل. البحث انتهى... وكمان اختفت، ما فيش أي أثر ليها...
ساده صمت قصير، اتبعه صوت بارد، لا يخلو من التهديد الخفي: "كلامك ما يكفيش... إحنا مش بنشتغل على افتراضات. عايزين دليل واضح إن ليلى فعلًا أجهضت الطفل... مشروع البحث ما ينفعش نعلن فشله إلا بإثبات." ثم انقطع الاتصال! تجمد راهب لحظة، ثم انفجر غاضبًا، قذف الهاتف بالجدار بقوة حتى تحطم، وصرخ في الفراغ: "كنت فاكر إيه؟ إن اللعبة هتنتهي أول ما تقرر تخرج منها؟ راح يتمشى في المكتب كالمسعور، يحدث نفسه بصوت يقطعه الندم والقلق:
"أكيد مش هيسكتوا... هيدوروا على ليلى... لو اكتشفوا إني كدبت، هياخدوا الطفل منها... لا... مستحيل أسمح بده." توقف فجأة، كأن فكرة نبتت في ذهنه: "لازم أتصرف... لازم أوصل لها قبلهم... أنا أذيتك كتير يا ليلى، بس أنا ندمت... ندمت على كل حاجة... بس واضح إن ربنا مش قابل لا توبتي... ولا ندمي." *** كافيه هادئ في أحد شوارع القاهرة. صباح يوم ثلاثاء.
كالعادة، كان السائق ينزل شهد عند الكافيه كل ثلاثاء، تتركه وتدخل بخطوات واثقة، عصاها البيضاء تمسح الطريق أمامها. جلست بهدوء على ترابيزة قريبة من الزجاج، أمامها مج نسكافيه ساخن. راحت تتحسس الفنجان بأطراف أصابعها الرقيقة، رفعته برفق، أخذت رشفة، ثم أعادته مكانه. مر الوقت... وتأخر السائق عن العودة... شعرت بقلق خافت فنهضت من مكانها. تفرد عصاها وتبدأ في التحرك بحذر. وفجأة...
اصطدمت بجسد أحدهم. سقطت العصا منها على الأرض. جثت سريعًا تبحث عنها بأصابع متوترة، لكن يدًا سبقتها، ناولها العصا بلطف، وصوت اعتذر بخجل: "أنا آسف جدًا... كنت خارج مستعجل... آسف." شهد بابتسامة خفيفة: "لا... ولا يهمك... أنا اللي آسفة." رفع نظره لوجهها. كانت ملامحها هادئة، فيها براءة وسكينة جذبت عينيه، كأنه يرى جمالًا لا يحتاج لزينة. الشاب بتردد: "لو بتحبي، أوصلك لأي مكان... يعني كنوع من الاعتذار؟ شهد بابتسامة رقيقة:
"شكرًا، السواق هييجي دلوقتي." ظل واقفًا أمامها، يتردد، لا يعرف هل يرحل أم ينتظر. الشاب: "لو مش هزعجك، ممكن أمشي معاكي لحد العربية؟ لكن ابتسامتها اختفت فجأة. حست أنه يشفق عليها، فابتعدت عنه بخطوة خفيفة، وفتحت العصا من جديد: "لا، شكرًا... أنا بعرف أمشي لوحدي."
أحس بثقل الرد، وتأنيب ضمير. لم يرد أن يلح بالكلام، لكنه مشى خلفها بهدوء، يشير بيده للناس كي يفسحوا لها الطريق دون صوت. ظل يتابعها من بعيد، حتى اقتربت من عمود ديكوري أمام الكافيه، وكانت على وشك الاصطدام به. في اللحظة الأخيرة، اقترب منها وقال بهدوء: "خلينا على اليمين." فهمت شهد بسرعة أنها كانت ستصطدم بشيء، فاتجهت نحو اليمين دون أن تعلق. وأكملت طريقها حتى توقفت عند باب الكافيه.
ظل الشاب واقفًا على بعد خطوات، يظن أنها لا تشعر بوجوده. حتى جاء السائق، يلهث من التعب: "آسف جدًا يا شهد هانم... الطريق كان واقف." شهد بهدوء وهي تمشي بجانبه: "ولا يهمك، خلينا نمشي." ثم توقفت للحظة، واستدارت للخلف تنظر ناحية اللاشيء، وتقول بصوت هادئ: "يمكن أكون مش شايفاك... بس أنا دايمًا بحس باللي حواليا... شكرًا... لإنك ساعدتني." ابتسم الشاب، مسح على شعره كأنه يستفيق من لحظة حالمة، وتمتم لنفسه: "البنت دي... أكيد ملاك!
*** توقفت سيارة سوداء داكنة أمام المنزل. محركها لا يزال يعمل بصوت خافت، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض. في الداخل، كانت ليلى تجلس على طرف السرير بالقرب من المهد، تدلل طفلها شادي، بينما جلست عالية قرب النافذة، تتابع حديثهم المتقطع بشك وقلق. قالت عالية وهي تتابع شاشة هاتفها: "ملك مختفية... قلب الدنيا عليها... بس مش لاقيها. أنا حاسة إنها كانت بتعمل كل ده... معانا علشان تاخد بحثك."
خفضت ليلى عينيها وقالت بشرود كأن صوتًا من الماضي ينبض في أذنها: "فاكرة غزل... قالت لي إيه قبل ما تموت؟ ما تثقيش في حد يا ليلى... وقالت لي كمان إن البيت ده سجن من غير حارس... وفي الوقت المناسب... هنموت فيه." سرت قشعريرة في جسد عالية، وهمست: "كأنها كانت شايفة اللي جاي." رفعت ليلى رأسها ببطء، وكأنها تربط خيوطًا تفككت: "ملك كانت بتقرّب لنا مش عشاننا... كانت بتساعدنا عشان عارفة بالبحث... كانت عايزة توصله." شهقت عالية:
"إزاي ما فهمتش ده؟ كانت بتمثل من الأول... ضحكت علينا... ومش بعيد تكون هي اللي قالت... لأرمان على مكانك وقدر يخطفك." أجابت ليلى بصوت خافت: "هي فعلًا قالت له... وبعد كده بعتت لك رسالة... تنقذيني... كانت متأكدة إنه هيقتلني... بس... هي مش عايزاني أموت... غير بعد ما أنهي البحث وتاخده." عالية بعينين متسعتين: "بس ليه؟ ليه تخاطر وتبلغ أرمان... وبعدين تحاول تنقذك؟ كان ممكن تستنى لما تاخد البحث وبعدين تخلص منك."
ابتسمت ليلى ابتسامة يائسة ممتزجة بمرارة الخيانة: "كانت عايزة تخوفني... تخليني أترعب من الظهور وأطلب منها تسلّم... البحث... وأكون شاكرة ليها وأنا مش دريانة إنها بتسرقني." تمتمت عالية: "ده تفكير شيطاني." لكن لم يمهلهم الوقت أن يستوعبوا شيئًا أكثر. دوى صوت باب يفتح بعنف، قبل أن تنهض أي منهم. اقتحم المكان رجال مقنعون، تحركاتهم دقيقة وخاطفة.
صرخت عالية، حاولت المقاومة، لكن يدًا خبيثة ضغطت على رقبتها بحقنة صغيرة، فسقطت أرضًا. ليلى حاولت حماية شادي، لكن يدًا أخرى انتزعت الطفل من بين ذراعيها، قبل أن تغرز الإبرة في عنقها. ساد صمت ثقيل. وانطلقت السيارة السوداء من أمام المنزل، تحمل أسرارًا، وخيانة... وطفلًا لا يعرف أنه المفتاح لكل شيء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!