مكتب راهب -ليلًا راهب يقلّب المكتب بعصبية، يفتح أدراج، ويرمي أوراقًا، وعيناه تدوران بجنون. راهب بغضب: الدفتر... الدفتر فين؟! تفتح الباب بهدوء، وتدخل سحر بخطوات واثقة وفي يدها الدفتر، ببرود: بدور على ده؟ يلتفت راهب، وعيناه تتعلّقان بالدفتر في يدها. يشد أنفاسه ويتكلم بصوت مخنوق بالغضب: الدفتر ده بيعمل معاكي إيه؟! وإزاي تتجرأي وتدخلي مكتبي وتاخدي حاجة منه؟! سحر تقترب، ونبرة صوتها متشفية: كنت فاكرة إني شريرة...
طلعت جنبك ملاك! يمد راهب يده بسرعة ويأخذ الدفتر منها بقوة، وينظر في عينيها بنبرة تهديد: إنتي مش فاهمة إن مهما كنتي شريرة... جنب شري تبقي طيبة... وعشان كده بقولك، بلاش تمشي في سكتي... لأن الرحمة ما عرفتش ليها طريق لقلبي... سحر بابتسامة خبيثة: بس فكرة إنك بتحب ليلى... قلت أكيد هي أضعف نقطة فيك... بس أنا بعترف لك دلوقتي إني كنت غلطانة في تفكيري ده! راهب ينطقها كأنه بيعترف لأول مرة: حبيتها... وما حبيتش غيرها...
سحر بسخرية: وما أذيتش غيرها... يسكت راهب، وعيناه تركز فيها بحذر... كأنه بيقرأ النوايا من وشها... سحر تتحرك وتجلس على طرف المكتب، وتدندش برجليها براحة: ليلى كانت هنا... راهب يرفع حاجبيه: هنا؟ هنا فين؟ تمشي سحر ناحيته، وتقف وراءه وتهمس في أذنه بصوت ناعم مليان سم: هنا... كانت واقفة، مكانك بالظبط! سألت عليك... بس أنا كنت أمينة... حفظت سرك... وقلت لها إني ما أعرفش عنك حاجة... مع إن اللي أعرفه عنك...
أكثر بكثير من اللي تتصوره... راهب يلتف فجأة، ويمسك ذراعها بقوة. بصوت غليظ: مش عايزك تقربي من ليلى... فاهمة؟! سحر ترفع حاجبيها باستفزاز: طيب... مسموح أقرب لـ شادي؟ ولا ده كمان ممنوع؟ راهب متوتر: شادي؟ شادي مين؟ سحر تضحك: إيه ده؟ أنت مش عارف؟ ليلى سمت ابنك شادي. آه، ابنك اللي قلت للمنظمة إنها أجهضته... بس الحقيقة... إنها خلفته... وهو ده الطفل اللي بيدوروا عليه... عروق راهب تنفر من وجهه، ومسكها من رقبتها ووجهه يغلي:
لو أي حد عرف بوجوده... هتكون نهايتك... فاهمة... تسحب سحر نفسها منه، وتكح وتعدل هدومها، بتنهيدة فيها تحدي: اللي أعرفه عنك ما فيش حد يعرفه غيري... والبحث بتاعك... لازم يخلص... والكل... هيستفيد... راهب ينظر لها نظرة طويلة وبنبرة فيها فلسفة قاتمة: عندما قال سقراط، تكلم حتى أراك... رد عليه دوستويفسكي بعده... بأكثر من ألفين سنة قال... قد يكون في أعماق المرء... ما لا يمكن نبشه بالثرثرة... إياك أن تظن أنك عرفتني...
لمجرد أنني تحدثت إليك... إياك تفكري إنك عارفاني... لأن سوء شخصيتي... أعمق بكثير من اللي ظهرلك. سحر تنظر له بصمت، لأول مرة يتسلل على ملامحها خوف صغير... يتدفن بسرعة وراء ابتسامة متماسكة. بنبرة فيها خبث بارد: أنت بتخوف ناس كثير يا راهب... بس أنا مش منهم... أنا الوحيدة اللي دخلت جواك... وخرجت عايشة... راهب يضحك بسخرية: دخلتي جوايا؟ ده لو فعلًا دخلتي، كنتي خرجتي محروقة... سحر تقترب منه ببطء: ده اللي أنت فاكره...
بس الحقيقة؟ أنا خرجت ومعايا نسخة من كل حاجة... مذكراتك... تجاربك... الصور... حتى التسجيلات والفيديوهات اللي كنت عاملهم لليلى عشان تضغط عليها بيهم لو عارضتك. راهب يتجمد، ونظراته تتغير من تهديد لصمت قاتل: إنتي بتلوي ذراعي يا سحر؟ سحر ترمش ببطء: أنا بلعب معاك بنفس قواعدك... فاكر لما استخدمت ابني ضدي ودخلته في اللعبة؟ دلوقتي جاء دور ابنك يدخل اللعبة لأن هو البطل الحقيقي...
قلت لك إنك غلطت غلط عمرك لما دخلت ابني جوه اللعبة. صمت لحظة... سحر ترجع لهدوئها فجأة وتقول: دلوقتي... اللعبة اتغيرت. أنا اللي معايا الورق كله... ولو جرى لي أي حاجة... ناس كثير قوي هتعرف إن شادي ابنك... وأولهم المنظمة اللي بتتنشن على معلومة... ومستعدة تدفع كثير قوي قصاد المعلومة دي... راهب بصوت منخفض وعينه مسلطة على عينها: التهديد مش فن... التهديد لعبة، نفس طويل... وأنا نفسي ما بيخلصش... سحر:
وأنا ما بخافش من اللعب اللي آخره دم... بس لو فعلًا بتحب ابنك... ابدأ فكر كويس في اللي ممكن يحصل لو طلع للعالم إن وراء كل التجارب دي... راهب العراف... راهب يسكت... نظرته اتبدلت من غضب لتفكير... عميق... سحر تبتسم بانتصار صغير... وتمشي ناحية الباب... وهي بتفتح الباب: بالمناسبة... ليلى لسه ما تعرفش إن هي وابنها كانوا مجرد تجربة... بس يمكن تعرف ما فيش حاجة مضمونة! أنت مجبور تساعدني؟ تخرج وتقفل الباب وراءها بهدوء...
راهب يفضل واقف مكانه... ماسك الدفتر، وعينه على الباب، ووشه مش واضح هو حزين... ولا بيخطط لشيء أكبر! بعد مرور عدة أيام كان رائد وشهد جالسين في الكافيه كعادتهم مؤخرًا. لقاءاتهم أصبحت يومية تقريبًا وارتباطهم ببعض زاد عن مجرد تعارف. شهد بدأت ترتاح له، وتفتح له قلبها وتطلعه على ما خبأته لسنين. رائد بفضول ناعم: يعني كان عندك أخت توأم؟ شهد بوجع في صوتها ودمعة على وشك تنزل: أيوه...
شمس. كانت نصي الثاني. من سبع سنين، كنا عائلة... ماما، بابا، راهب... راهب كان الأخ المثالي، بيخاف علينا بس عليا أنا أكثر شوية... بحكم مرضي. بس يوم واحد غير كل حاجة... شمس ماتت، وماما اختفت. رائد بدهشة: شمس... ماتت إزاي؟ شهد تطأطئ رأسها: انتحرت! رائد بصدمة: انتحرت؟! ليه؟ إيه اللي خلاها توصل لكده؟ شهد بصوت مهزوز: لو قعدت أفتش في عقلها سنين، مش هلاقي إجابة. شمس ما كانتش ضعيفة... اللي حصل يومها ما فهمناهوش...
كل حاجة حصلت بسرعة... بسرعة خلتنا ما نلحقش حتى نودعها. رائد يلاحظ إن جسم شهد بدأ يرتعش وبهدوء يلمس يدها: اهدي... ممكن نكمل كلامنا بعدين؟ شهد بهمس كأنها ما سمعته: ماما اختفت في نفس اليوم اللي شمس ماتت فيه... خرجت تدور على شمس، وما رجعتش. اختفت كأن الأرض ابتلعتها... ما حدش عرف عنها حاجة من يومها. رائد بجدية: طيب... أنا حاسس إن في حاجز بينك وبين راهب؟ شهد تتنهد بعمق: بعد ما سافرنا هولندا أنا عشت قصة حب... سيف...
كان النور اللي دخل حياتي. طلعني من صدمة موت شمس واختفاء ماما. علمني أعيش ثاني. قررنا نتجوز... بس في السر. لكن راهب من أول لحظة كان شايف إن سيف مش مناسب لي... يمكن عشان مرضي... يمكن عشان هو ما صدقش إني أقدر أحب. بس الحقيقة... تتوقف لحظة، ثم تكمل بصوت مكسور: الحقيقة إنه قتل سيف! رائد بذهول: قتله؟! تقصدي راهب؟! شهد بنبرة مرتجفة ودموعها بدأت تلمع: كان بيقول إنه بيحميني... وإن سيف بيستغل طيبتي...
بس سيف عمره ما كان كده. كان حقيقي، كل حاجة فيه كانت صادقة... أنا شفت الموت في عينيه وهو بيطلب من راهب يسيبه يعيش عشاني... رائد بصوت واطي، كأنه بيتكلم مع نفسه: يعني راهب مش بس عالم مجنون... ده مجرم. شهد بخوف: ما تكرريهاش الكلمة دي... لو راهب عرف إنك بتشك فيه أو بتحاول تقرب مني أكثر، ممكن يعمل فيك اللي عمله في سيف... رائد يمسك يدها: أنا مش خايف... بس إنتي لازم تبقي عارفة إنك مش لوحدك... أنا هنا، وعمري ما هبعد.
شهد بهمس: أنا بقيت بخاف... بخاف من كل حاجة حوالي... حتى الحاجات اللي بحبها بخاف تروح مني فجأة... زي شمس، زي ماما، زي سيف... رائد يحاول يطمنها: ويمكن عشان كده أنا جيت... عشان أكون اللي ما بيروحش. ده غير إنه لو كان عايز يؤذيني ما كانش هيسمح لي أقرب منك. تسكت شهد، وتحاول تكتم شهقة كانت على وشك تطلع... لكن صوتها ييجي هامس ومليان ألم: لو عرفت الحقيقة كلها عن راهب... هتبطل تحبني؟ رائد ينظر في عينيها:
الحب الحقيقي ما بيتبنيش على اللي حوالينا... بيتبني على اللي جوانا. وإنتي جواكي نظيف... حتى لو اللي حواليكي مش كده. شهد تحس بامتنان، لكنه مخلوط بالخوف... تحس إن قلبها بيدق لأول مرة من يوم ما فقدت سيف… بس كمان بيصرخ من الخطر… هاتف رائد يرن... اسم جدو أكمل يظهر على الشاشة يرد بهدوء: أيوه يا جدو... أكمل بصوت متوتر: ليلى ما كلمتكش؟! رائد: لا... في حاجة حصلت؟ أكمل:
أختك خرجت مع عالية، وقالوا إنهم رايحين يشتروا شوية حاجات لشادي، بس اتأخروا جدًا... بقى لي ساعات برن عليهم، تليفوناتهم مقفولة! رائد يحاول يخفف قلقه: طيب يا جدو، يمكن التليفونات فصلت شحن. أكمل بانفعال: يا ابني، بقى لهم أكثر من خمس ساعات بره! وأنا قلبي مش مطمن... في حاجة غلط. أنت فين؟ ارجع البيت حالًا! رائد بقلق بيظهر على ملامحه: حاضر يا جدو، جاي فورًا. يقفل الخط وينظر لشهد بنظرة اعتذار: شهد... ممكن أوصلك البيت؟
جدو قلقان على ليلى، وأنا كمان بدأت أقلق. شهد بهدوء واهتمام: لا، عادي يا رائد... روح إنت اطمن عليها، أنا السواق جاي لي دلوقتي. ما تشغلش بالك. رائد: طيب… بس لو احتجتي أي حاجة... كلميني فورًا. شهد بابتسامة بسيطة تخفي قلقها عليه: تمام... بس طمني أول ما توصل. رائد: هطمنك أول ما أعرف أي حاجة. يقوم بسرعة، ويدفع الحساب، ثم يخرج…
ليلى مقيدة على كرسي حديدي، وعيناها متعلقة بصندوق زجاجي أمامها. الصندوق محكم الإغلاق وعالية جالسة جوه تحضن شادي اللي بيرتجف من البرد والخوف. ليلى عيناها تتسع بالرعب لما تلاحظ تسريب مياه بيبدأ يدخل من أسفل الصندوق ببطء! ليلى بصوت مرتعش: إنتو مين؟! وعايزين مني إيه؟! تصـ ــرخ! ــ طلعوا عالية وشادي من الزفت ده فورًا! رجال مقنعون واقفون وراءها بصمت مرعب. صوت واحد منهم يرد ببرود قـ ــاتل: ــ عايزين الشفرة.
مدة التفاوض معاكي انتهت... يا تقولي الشفرة، يا تشوفي أفظع مشهد ممكن تتخيليه! ابنك وصاحبة عمرك هيمــ ـوتوا قدام عينيكي... هنا... دلوقتي! الماء داخل الصندوق بقى عند أقدام عالية، وشادي بيعيط وبيتمسك بيها بخوف. عالية تحاول تهدي شادي، لكن عينيها مليانة ذعر. تبدأ تخبط على الزجاج، بصوت مخنوق: ــ ليلى!! ليلى الميه بتزيد... ليلى خرجينا!! ليلى بتحاول تفك قيودها بجنون، صوت أنفاسها بيتسارع، الدموع بتغرق عينيها وهي تبص لهم عاجزة،
قلبها بيتقطع: ــ هديكم... هديكم اللي إنتو عايزينه... بس أخرجوهم من الصندوق ده، أرجوكم! الرجل المقنع يقترب منها، يركع قدامها ونظراته تقطر تهديد: ــ لا. مش هيخرجوا... غير لما ناخد الشفرة... ونتأكد إنها صحيحة. مش زي المرة الأولى... مش هنسيبلك فرصة تلعبي بينا تاني. ليلى تصــ ــرخ بانهيار: ــ ما فيش لعب! أنا هديكم الشفرة... بس طلعوهم الأول! أرجوكم!
الميه بقت عند صدر عالية وهي بتشيل شادي فوق راسها علشان يتنفس وعينيها بتدور في رعب بين الطفل والزجاج. الرجل بهدوء شيطاني: ــ اتكلمي... وإلا الصندوق هيتحول ويبقى قبر ليهم!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!