الفصل 36 | من 37 فصل

رواية ارناط الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم حور طه

المشاهدات
18
كلمة
1,527
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

بعد مرور شهر من الحادثة... تفتح ليلى باب الغرفة بهدوء، البيت ساكن كأنه بيت ماتت فيه الضحكة من سنين. تمشي بخطى بطيئة، تدخل أوضة شادي. تقرب منه، تلمس خده وهو نايم. تطفي النور، وتخرج تقفل الباب وراها. تدخل أوضتها، تقف قدام المرآة... مرت صوابعها بين خصلات شعرها... وشها مرهق، عينيها فيها وجع العمر كله... تشد صندوق خشب صغير من تحت السرير! تفتحه! جواه صورة ليها مع أرناط... وتذكار صغير محفور عليه: ــ ليلى... لكل العمر

تلمس التذكار، ودمعة تنزل في صمت! ليلى، تقول بهمس مكسور: ــ كنت فاكراك هتفضل لآخر العمر... بس يمكن كان لازم تمشي علشان... أرجع ألاقي نفسي من تاني! تسمع طرقات خفيفة على الباب... عالية: ــ ممكن أدخل؟ ليلى، وهي بترجع الصندوق لمكانه: ــ تعالي، يا عالية... دخلت عالية، وقالت: ــ يوسف تحت، عايز يشوفك! ليلى أرسلت تنهيدة ساكنة: ــ حاضر، هنزل له... في الحديقة الصغيرة قدام بيت أكمل...

وقف يوسف وسط الهدوء، والهواء فيه ريحة تراب لسه فايح من مطر قديم، دخلت ليلى بخطى هادئة الحزن واضح في ملامحها... لكنه حزن صامت، هادئ. ليلى قالت بنبرة خافتة: ــ اتفضل يا يوسف! يوسف، التفت عليها: ــ عاملة إيه دلوقتي؟ ليلى، جلست على المقعد الخشبي ونظرتها شاردة في الفراغ: ــ بما إني قاعدة قدامك ولسه بتنفس... أبقى بخير! جلس يوسف في المقعد المقابل نظر ليها مطولًا ثم قال: ــ من يوم اللي حصل... وإنتي ساكتة!

قولت إنك محتاجة وقت تفكري من غير ضغط! سكت لحظة، ثم أكمل بصوت أقرب للرجاء: ــ بس راهب محتاجلك يا ليلى... محتاج إنك تسامحيه... ليلى نظرت للأرض، ووجعها كان أعمق من الكلام: ــ وأنا كمان محتاجاه... بس هو فين؟ مش موجود... راح في الوقت اللي ما كانش ينفع يروح فيه سابني أنا وابني... واحنا في أشد الاحتياج ليه! تنهد يوسف، وقال بصوت فيه صدق وأمان: ــ راهب كان موصيني عليكي...

وعلى شادي. وأنا مستحيل أتخلى عنكم، هتلاقيني دايمًا جنبك. بس حتى لو مش موجود بينا دلوقت... هو محتاج إنك تسامحيه! ليلى ما ردتش... سكتت بس صمتها كان أبلغ من كل الكلمات! يوسف حاول يغير دفة الكلام قلبه شايل سؤال جواه: ــ من وقت ما رجعنا... وفي سؤال بيزن في عقلي... ليه منعتي إني أعاقب أرمان؟ ليه قلتي لي سيبه مع إنه أذاكي كتير؟ وقفت ليلى، وقبل ما تتحرك بصت له بنظرة هادئة فيها حسم وقالت: ــ بحاول أنضف...

وأمحي الكسور اللي في قلبي! يمكن أعرف أرممه من جديد! سارت بهدوء نحو البوابة. وقبل ما تختفي، ناداها يوسف: ــ رايحة فين يا ليلى؟ ليلى التفتت، والهواء يلعب بأطراف شعرها وقالت بصوت خافت لكنه واثق: ــ رايحة للمكان... اللي هرجع منه ليلى من تاني! في المستشفى... كانت ناهد تجلس في صمت بجوار سرير شهد تمسك بالمصحف بين يديها، تقرأ بصوت خافت يمر في الغرفة كنسيم دافئ. شهد ترقد بلا حراك، عيناها مغمضتان منذ أن دخلت في غيبوبة...

وجهها شاحب، أنفاسها واهنة! وفجأة... تحركت أصابع شهد ببطء، كأنها تحاول الإمساك بالخيط الرفيع الواصل بين الحلم والحياة. ثم، وبثقل، فتحت عينيها... لكن هذه المرة، لم تفتح على ظلام، بل على النور... نور أبيض طري، يخترق سكون عينيها ويغمر قلبها بدهشة طاغية. أغمضت عينيها بتعب، ثم عاودت فتحهما ووجهها التفت ببطء ناحية الصوت الأليف بجوارها. همست، بصوت مبحوح: ــ ماما...

ناهد شهقت، قلبها انتفض، أغلقت المصحف بسرعة ووضعت كفها المرتجف على جبين شهد بحنان غامر. ناهد، وعيناها تغرق بالدموع: ــ شهد! أخيرًا فوقتي... الحمد لله، يا بنتي... الحمد لله! نظرت شهد إلى ملامح أمها، وجهها ارتسم عليه انبهار طفلة رأت أمها للمرة الأولى. شهد، بابتسامة باهتة: ــ شكلك لسه زي ما هو... ما اتغيرتيش، يا ماما... لسه جميلة! ناهد طبعت قبلة على يدها، ودموعها تسبقها تكاد لا تصدق ما ترى وتسمع. شهد، تهمس برجاء:

ــ كان نفسي أشوفك أوي... لما عملت الحادثة وفقدت بصري... خفت أموت من غير ما أشوفك تاني! ناهد ضمتها بقوة، وكأنها تحاول سد فجوة الأيام الضائعة، بصوت مرتجف: ــ إنتي رديتيلي روحي يا بنتي... استني، هأنادي للدكتور... شهد، وهي تمسك يدها: ــ لا ما تسيبنيش... أنا كويسة! بس خليكي جنبي! جلست ناهد على طرف السرير… تحيطها بذراعيها، وكأنها تحاول حمايتها من كل ألم!

في تلك اللحظة، دخلت رهيفا وهي تمسك بكوب عصير وبمجرد ما لمحت شهد جالسة... تجمدت لحظة. رهيفا، بدهشة: ــ شهد؟ إنتي فوقتي؟! أنا كنت لسه بكلم يوسف و... بيطمن عليكي! شهد ابتسمت، نظرتها اتجهت مباشرة إلى وجه رهيفا كأنها تتأمله للمرة الأولى. شهد، بابتسامة دافئة: ــ إنتي رهيفا مرات يوسف... ابن عمي، صح؟ رهيفا توقفت مكانها، النظرة على وجهها كانت مزيج بين الاستغراب والقلق. رهيفا، بتوتر: ــ شهد... إنتي... فقدتي الذاكرة ولا إيه؟!

هأنادي الدكتور حالًا... شهد ضحكت، ورفعت يدها تمنعها: ــ لأ يا ستي، أنا فاكرة كل حاجة... بس ما كنتش أعرف إن مرات يوسف جميلة كده! يعني بصراحة... عرف يختار... رهيفا احمر وجهها وهي تضحك بخجل: ــ تسلميلي يا حبيبتي... إنتي اللي قمر! ناهد نظرت لشهد بابتسامة صغيرة فهمت إن رهيفا لسه مش مستوعبة المعجزة. رهيفا، وهي توجه الكلام لناهد: ــ تحبي تشربي إيه يا طنط؟ في برتقال وتفاح. شهد، بدون تردد، أشارت للبرتقال:

ــ ماما بتحب عصير البرتقال... رهيفا مدت العصير لناهد، لكن يدها توقفت فجأة. وجهها تغير، كأنها استوعبت الحقيقة للتو. رهيفا، بدهشة مذهولة: ــ استني... شهد، عرفتي منين مكان كوباية البرتقال؟! لحظة صمت. ناهد تنظر لشهد وابتسامة هادئة ترتسم على وجه شهد، وهي تهمس بهدوء: ــ علشان أنا شايفاكي... وشايفاكم كلكم! رهيفا وضعت العصير على الطاولة واقتربت منها ببطء، وكأنها تختبر الحقيقة. رهيفا، بصوت يكاد لا يسمع: ــ إنتي...

شايفاني فعلًا شايفاني؟ شهد، تومئ بابتسامة: ــ أيوه. رهيفا وقفت مش مصدقة، عينيها غرقت دموع مسحتها بسرعة وهي بتطلع الموبايل بإيد بترتعش وخرجت من الأوضة بخطوات سريعة. دوسة واحدة... والمكالمة اتفتحت! رهيفا، بصوت مبحوح من الفرحة: ــ يوسف... شهد فاقت! ومش بس كده... شهد رجعت تشوف يا يوسف! بتشوف! سكوت في الطرف التاني... سكون يشبه السجود كأن الزمن وقف يستوعب الكلمة… رهيفا، تكمل بصوت بيرتعش من التأثر: ــ يوسف...

أختك رجعتلك… رجعت بنور عينيها... وبدفى قلبها… شهد، وهي تمسك بإيد ناهد برفق عينيها بتدور في وشوشهم بلهفة: ــ هو فين راهب؟ ليه لحد دلوقتي ما جاش يشوفني؟ ناهد تبلع ريقها، وتحاول ترسم ابتسامة باهتة لكنها ما تردش فورًا. رهيفا، تدخل بسرعة تحاول تشتت السؤال: ــ يوسف قال إنه جاي حالًا! شهد، بعناد رقيق، ترفع حاجبها وتبص لرهيفا: ــ مش بسأل عن يوسف... بسأل عن راهب؟ ناهد، وهي تمسك بإيدها التانية، بلطف:

ــ المهم دلوقتي إنك بخير يا حبيبتي... ورجعتي تنوري الدنيا من تاني. شهد، تراقب ملامح وشها: ــ ماما... في إيه؟ هو كويس؟ حصله حاجة؟ رهيفا تبص لناهد، ونظرتهم تلتقي للحظة... حزن صامت، خوف متبادل، وإجابتهم ما نطقتش بيها شفايفهم... لكن كانت واضحة في عيونهم. الصمت يملأ الغرفة، والهواء يتقل. وشهد، عينيها بتدمع ببطء وهي تهمس بصوت خافت: ــ أكيد حصله حاجة...

في منزل أكمل، كان جالس على الكنبة ورائد بجواره. عينهم متعلقة براكان وهو بيلعب على الأرض وسط الألعاب. أكمل، بصوت فيه حنين: ــ بعد ما فقدت بنتي… أمكم… كنت بعيش علشانكم، إنت وأختك… كنت عايش على ذكرى بنتي… بس القدر كان مخبيلي في جرابه… اللي عمري ما تخيلته! رائد، بصوت هادي: ــ راكان ابنك يا جدو... واحنا اتأكدنا خلاص! أكمل، بنظرة حزينة وابتسامة باهتة: ــ عارف... عارف إنه ابني… بس مش عارف… العمر هيسعفني؟

هكون موجود لحد ما أوصله لبر الأمان؟ رائد، شد على إيده بلطف: ــ ربنا يديك الصحة وطولة العمر يا حبيبي… وإحنا حوالين راكان، عمره ما هيكون لوحده! ثم ضحك بخفة، عشان يخفف التوتر: ــ بس أنا ما كنتش عامل حسابي على خال! وكمان في السن ده! أكمل ابتسم، والدمعة لمعت في عينه بس قلبه دافي لأول مرة من سنين: ــ أهو ده اللي اسمه لعب القدر! راكان رفع راسه من لعبه، وببراءة قال: ــ جدو... رائد بيضحك ليه؟ رائد فتح دراعه:

ــ تعالى هنا يا خالو الصغير... أكمل ضحك من قلبه، والدمعة بتلمع في عينه: ــ مين كان يصدق... إن الخسارة ممكن تولدنا من جديد؟ رائد وقف وهو يلبس الجاكيت بسرعة لم مفاتيحه من على الطاولة وقال: ــ أنا هروح المستشفى أطمن على شهد. أكمل نظر له بدعاء ساكن في ملامحه وقال: ــ إن شاء الله تفوق وترجع لنا بالسلامة... إبقى طمني عليها أول ما تشوفها… رائد هز راسه، وحاول يخفي التوتر اللي في عينه: ــ هطمنك أول ما أوصل… وخرج بسرعة...

قلبه كان سابقه، وكل خطوة بيقرب بيها من المستشفى، كان حاسس إنه بيقرب من لحظة مصيرية في حياته! في المكان الذي لا يسكنه غير الصمت وقفت ليلى أمام القبر، عيناها معلقة بالاسم المنقوش على الحجر، كأنها تبحث في الحروف عن بقايا نبض... صوت ناداها ذات يوم وقال: "أنا هنا! سقطت دموعها في صمت، دمعة وراء دمعة، وكل دمعة كأنها بتغسل وجع سنين! ثم انحنت على ركبتيها كأنها حاملة الدنيا فوق ضهرها وهمست بصوت مكسور يتخلله رجف الدموع:

"خلاص... تعبت! مش قادرة أتنفس من وجع قلبي! مدت يدها تتحسس التراب، وكأنها بتلمس روح للمرة الأخيرة، وكأن بين كل ذرة تراب وعد ما اكتملش، أو حضن ما ارتواش: "لما رحتوا، كل شيء وقع جوايا. بقيت بخاف... من الوحدة، من الليل، من السكون اللي بيصرخ فيا كل ما اسمعه." ثم صمتت، كأنها تنتظر ردًا من قبر لا يرد: "ليه كل اللي بحبهم بيروحوا مني؟ أنا مش قوية... أنا بتهد كل يوم... ليه كل مرة بتختارولي الوجع... وتمشوا؟

فجأة، خطوات بطيئة تقطع الصمت، ويظهر شيخ كبير في السن، عصاه تلامس الأرض بصدى هادئ: "قطار الحياة محطات... واللي تيجي محطته، ينزل. يسيب خلفه ألم... وجع! لكن الألم بتتلاشى بعدها، والقطار بيكمل طريقه كأنه لم يقف أبدًا! ليلى استدارت تمشي، وخلفها ظل طويل يمتد فوق التراب شاهدًا على حب لم يمت... ووجع لم ينتهِ. وفي آخر نظرة، همست كأنها تحفر كلماتها في الريح:

"يمكن الوجع ما بيموتش، بس إحنا اللي لازم نعيش، لأن الحزن ما كانش يوم دليل على الوفا، الوفا الحقيقي إننا نكمل الطريق... رغم الكسور! ابتسم الشيخ، ناظرًا إلى ليلى بعينين أنهكهما الزمن لكن لم تطفئهما الحكمة، وقال بصوت هادئ فيه رنة يقين: "البكا ما بيرجعش غايب، ولا القبر بيوجع غير اللي لسه في الدنيا. اللي راح، ارتاح... وإحنا لسه على السكة! افتكري دايمًا يا بنتي...

اللي بيكمل الطريق هو الأقوى، واللي بيزرع أمل فوق التراب هو اللي بيخلي الرحيل له معنى!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...