دارت أفكار في رأسها لحظات وهي تفكر في سبب وجوده أمام منزله.
لكنه أرضى فضولها بسرعة وقال:
_ آسف يادكتورة لو كنت جيت في وقت مش مناسب، بس تيم تعبان وبينادي باسمك، معرفتش أعمل إيه غير أني أجي لحضرتك.
فزعت هي من ما أخبرها ولم تنتظر أن يكمل كلامه أو حتى تسأله كيف علم عنوانها، حتى قالت:
_ أنا هاجي معاك حالاً.
ثم استدارت نحو خالها تستأذنه:
_ بابا ممكن مصطفى يجي معايا؟
لكن قبل أن يجيب خالها قال مصطفى:
_ أنا جاي معاكي يا بيبي.
ركبت معه سيارته التي أعجبت مصطفى الجالس بجانبه. ونظرات إعجابه بالسيارة ونوعيتها وأسئلته التي طرحها على أدهم عن سرعتها وكمية البنزين الذي تستهلكه. أحرجت حبيبته الجالسة بالخلف لتحاور نفسها وتقول:
_ الله يكسفك يا مصطفى، هو ده وقته؟ الراجل ابنه عيان وخايف عليه وأنت عمال تسأله على العربية.
وصلوا إلى المنزل الذي كان عبارة عن فيلا صغيرة، لكنها لو قورنت بشقتهم ستكون قصراً. لينتقل إعجاب مصطفى من السيارة إلى المنزل، ليدنو من حبيبته يهمس بأنها يسألها:
_ هو الراجل ده بيشتغل إيه؟
لتهمس له مجيبة:
_ بيشتغل ظابط... بس أنا سمعت أن والده كان تاجر قماش.
ليقول مصطفى باستخفاف:
_ أدي الآباء ولا بلاش.
لترد حبيبه بغضب:
_ وماله خالي يا أستاذ مصطفى؟
ليرد مصطفى:
_ مالوش، ربنا يحفظه، بس مش زي أبو أدهم ده.
لتقول حبيبه:
_ آخرس يا ولد خالي، أحسن أب في الدنيا.
ليشير إليها مصطفى بعد أن طال وقوفهم على الباب:
_ طب يلا ندخل، الراجل بقاله ساعة جوه وإحنا واقفين بنتكلم.
ليأتي أدهم ويقول:
_ اتفضلي يادكتورة... اتفضل يامصطفى.
دخلت حبيبه إلى الفيلا لتجد سيدة تبدو في العقد السادس من عمرها. يقدمها أدهم لها:
_ الحاجة أمينة والدتي... دي دكتورة حبيبه يا ماما.
ابتسمت لها أمينة واحتضنتها. وقالت:
_ أهلاً.. أهلاً ياحبيبتي... وأخيراً شفتك، ده تيم... مبيطلش كلام عنك.
لتجيبها حبيبه بحب:
_ أهلاً بحضرتك يافندم، وأنا كمان والله بحبه أوي.
ثم التفتت نحو أدهم وقالت:
_ أقدر أشوفه؟
ليومئ لها محركاً رأسه بنعم ويقول:
_ أكيد، اتفضلي.
لتنظر حبيبه إلى والد أدهم وتقول:
_ عن إذنك يافندم.
أخذها أدهم نحو غرفة تيم في الطابق العلوي. وما أن دخلت إلى الغرفة حتى وجدته ممدداً على السرير بجانبه داده كريمة. ركضت نحو تيم واحتضنته بلهفة وقالت:
_ تيمو حبيبي مالك ياروح أمك.
مسحت وجهه الذي استشعرت حرارته وأزاحت خصلات شعره عن جبهته تتحسسها فوجدت حرارته مرتفعة. اضطربت ودب القلق في قلبها. وقالت:
_ تيمو حبيبي، أنت سامعني؟
فتح تيم عينيه بوهن ونظر إليها وابتسم لها بتعب وقال:
_ مامي.
ساحت الدموع عينيها وأعادته لأحضانها. وقالت:
_ أيوه ياروح مامي.
تنظر نحو والده وقالت:
_ لو سمحت يافندم، ممكن تساعدني ندخله الحمام؟ حرارته عالية، لازم ننزلها الأول.
أدهم الذي أسره مشهدها مع ولده وجعله يسرح في أحلام يتمنى لو تحققت، أخرجه من شروده سؤالها.
تحرك نحو ولده وأدخله الحمام الملحق بغرفته. لتتولى حبيبه المهمة. فقامت بغسل وجهه ويديه ورجليه بالماء الفاتر وطلبت من داده كريمة أن تحضر له ملابس جديدة.
غيرت ملابسه وأعاده والده إلى فراشه. ثم اتصلت بدكتور عادل تستفهم منه على الحالة وعن العلاج الذي تنوي أعطائه له، ليملي عليها بعض الأدوية التي تلائم حالته.
ظلت حبيبه بجانبه تضع له الكمادات وأعطته الدواء المناسب.
كان أدهم يجلس على كرسي موجود في غرفة تيم. نظرت إليه حبيبه ترى نظرات القلق البادية عليه لتقول:
_ متقلقش حضرتك، هو حرارته نزلت خلاص، إن شاء الله مفيش خطر... ودكتور عادل طمني.
لينظر لها بامتنان ويقول:
_ متشكر أوي يادكتورة. أنا لولاكي ماكنتش أعرف أعمل إيه.
تجيب حبيبه:
_ يافندم، مفيش داعي للشكر، تيمو ده حبيبي.
كان يراقبها ويراقب اهتمامها بولده الذي يزيد خفقان قلبه. ويسعد روحه ويتوسل للساعة أن توقف عقاربها عن الحركة. فكم ينعش هذا القلب المشتاق وجوده معها في مكان واحد.
كانت تمرر يدها على وجه تيم تتحسس حرارته. لتضحك فجأة وتقول:
_ تعرف أن تيم يشبهني؟ عنده خدود شبه خدودي، هههه.
ليرد قلبه ويقول: كم تمنيت لو كان طفلي منكِ، كم كان ليكون محظوظاً بأم حنونة مثلك... لكن لسانه قال:
_ ده ابني محظوظ أنه يكون شبه حد قمر كده.
ارتبكت من كلامه الذي يغازلها به ولم تعرف بما ترد، لتفضل السكوت حتى يمر هذا الوقت وتطمئن على تيم.
أما هو فأطلق العنان لعينه تتأملها وتتأمل خجلها. يبتسم على ارتباكها واحمرار وجنتيها وقلبه يسقط أسيراً لتلك العيون الحزينة.
ذهب وعاد بقدح من العصير ليقول لها:
_ اتفضلي ياحبيبه.
نظرت له وأخذت منه العصير الذي كانت فعلاً تحتاج له. ثم لفت نظرها أنه يشرب القهوة لتسأله مستفهمة:
_ طب ليه أنت قهوة وأنا عصير؟
ليرد بابتسامة:
_ عادي يعني، أنت أكيد مش هتشربي القهوة في الوقت المتأخر ده.
طب وأنت ليه بتشرب قهوة؟
سؤال طرحته عليه مستغربة إجابته.
ليجيبها هو:
_ لا، أنا متعود على شرب القهوة في أي وقت... بس تعرفي عمري ما ذقت الذ من فنجان القهوة بتاعك.
كتب له لما لا يتوقف عن كلامه الذي أصبح يخنقها. ليرحمها تيم عندما فتح عينيه المتعبة وقال:
_ مامي، أنت هنا معايا؟
لتجيب وهي تحتضنه:
_ حبيبي ياتيمو... أنت كويس.
أخرجته من أحضانها تقبل وجنتيه. ليقول تيم:
_ مامي، أنت جيتي امتى؟
ابتسمت حبيبه وقالت:
_ من ساعة ما أنت قلت لبابا أنك عاوزني.
ليفكر الصغير قليلاً ثم يقول:
_ بس بابا قال أنك مش هتقدري تيجي.
لتقرص أنفه وتقول:
_ لا ياحبيبي، أنا عشانك أعمل أي حاجة.
ليسألها هو ببراءة:
_ يعني تقدري تعيشي معايا هنا؟
سؤال جعل قلب والده يتراقص لمجرد الخيال أن تكون هنا في منزله تعيش معه، ينعم برؤيتها وقربها.
أجابت حبيبه ذلك الصغير وقالت:
_ لا ياتيمو، ما أقدرش ياحبيبي، أنا عندي بابا وماما وإخواتي اللي مقدرش أبعد عنهم.
عبس وجهه وزم شفتيه وقال:
_ يعني مش هتيجي تاني؟
قبلت وجنتيه وقالت:
_ أنت لما تحتاجني، تعالى المستشفى، وممكن تتصل بيا أجلك على طول... ومدام أنت بقيت كويس يابطل، أنا لازم أمشي عشان زمان بابا قلقان عليا.
ودعت تيم بعد أن اطمأنت عليه ونزلت لتجد مصطفى لازال يجلس ينتظرها بملل. لتقول له:
_ آسفة يا مصطفى، اتأخرت عليك، بس كان لازم أطمن على تيمو.
_ لا مافيش مشكلة، بس خلينا نروح عشان بابا اتصل أكتر من مرة.
ليقول أدهم:
_ اتفضلوا، خلوني أوصلكم.
لتجيب حبيبه:
_ خليك حضرتك جنب تيم، وإحنا نقدر ناخد تاكسي.
ليجيبها بحده وحزم:
_ اتفضلي يادكتورة، أوصلك.
ليشير لها مصطفى بالموافقة.
عادوا إلى المنزل. ولم تخفى على مصطفى نظرات أدهم نحو حبيبه طوال الطريق.
وعندما دخلا إلى المنزل قال لها:
_ الراجل ده بيبصلك بطريقة غريبة، مش عاجباني.
لتجيب حبيبه:
_ ولا عجباني الصراحة.
فهي لم يخفى عليها نظراته وكلماته التي أزعجتها.
***
في اليوم التالي في مستشفى الدكتور عمر، كانت خديجة ممددة على سريرها. عيناها شاخصه نحو سقف الغرفة عندما سمعت طرقات على الباب. لتدخل حبيبه ونهى يبتسمون وهم يقولون:
_ ديجا.... ديجا.
ابتسمت خديجة واعتدلت في جلستها وقالت:
_ أهلاً... مالكم فرحانين كده؟
لتقول نهى:
_ دكتور يوسف خلاص كتب لك على خروج.
وتكمل حبيبه:
_ يلا بينا... مفيش وقت.
لتسألها خديجة مستفهمة:
_ يلا فين؟
لتبتسم حبيبه وتقول:
_ نعيد أمجاد الماضي يا ديجا.
ثم أكملت نهى موضحة:
_ عاوزين نخرج سوا، ياديجا، نشم شوية هوا ونرفه عن نفسنا.
لترد خديجة بصوت يملأه الحزن:
_ معلش يابنات، اعذروني بس مش هقدر، سامحوني.
لتقول حبيبه بحزم:
_ مفيش أعذار النهارده يا ديجا، ويلا عشان خاطري... أنا معشتش طفولتي يا ديجا وعاوزة أروح الملاهي أعوض يوم من طفولتي على الأقل. ياديجا... هتحرميني أنت كمان زي ما الدنيا حرمتني.
رغم أنها قالت ذلك لمحاولة إقناع خديجة، لكنها كانت صادقة في كل ما قالت.
لأن قلب خديجة قليلاً ونظرت نحو شقيقتها التي شجعتها، لتقتنع أخيراً وتذهب معهم.
قضى الثلاثة يوماً لن ينسوه أبداً. عادوا فيه أطفالاً ولم يبخلوا على أنفسهم في الاستمتاع باللعب وأكل الحلويات.
جل ما كان يهم حبيبه ونهى أن تبتسم خديجة من جديد، وقد كان لهم ما تمنوا. فضحكت خديجة وسرقت من الزمان لحظات أنستها آلام الماضي.
أيام مرت عليهم عادوا فيها يلتقون ويتحدثون محاولين إعادة خديجة من جديد لحياتها الطبيعية.
كانت حبيبه تمشي في ممرات المستشفى عندما رأت أدهم من بعيد. دب القلق في قلبها أن يكون حدث مكروه لتيم.
مشت بخطى سريعة نحوه تسأله بلهفة وخوف:
_ خير يافندم، هو تيم جراله حاجة لا سمح الله... تيم كويس؟
تلعثم أدهم ثم قال:
_ لا، تيم كويس، بس أنا كنت عاوزك في موضوع، ممكن آخذ من وقتك عشر دقايق نقعد في الكافتيريا اللي جنب المستشفى.
ترددت وقالت:
_ بس أنا...
لـيـقـاطـعـهـا هـو:
_ أرجوكي يادكتورة، هما عشر دقايق، مش هاخد من وقتك كتير.
ها هي توافق وتجلس أمامه على الكرسي، يفصل بينهم طاولة صغيرة.
تنتظره أن يتكلم.
أما هو فكان يهز قدميه بحركته غير منتظمة. لا يعرف من أين يبدأ.
أخرج علبة سجائره ليدس سيجارة بين شفتيه، لعلها تقلل من توتره.
نظر إليها لجدها تنظر إلى ساعتها بين الحين والآخر، ما زاد الضغط عليه.
أشعل سيجارته وبدأ ينفث دخانه.
لتقول هي بابتسامة قاطعة هذا الصمت:
_ افتكر أن كان بينا وعد زمان، بس الظاهر فيه ناس مابتلتزمش بوعودها.
هدوء كلامها وابتسامتها خفف من توتره وأراح قليلاً قلبه الذي يصعب بداخله. وقلل من ارتعاش يده ليجيبها:
_ والله بصراحة أنا حاولت بس فشلت.
_ بس هوعدك تاني.
لتضحك هي وتقول:
_ لا بلاش، لو من غير اقتناع ما منه فايدة. بس بجد ياريت تحاول.
أطفأ سيجارته وقال لها:
_ إن شاء الله هحاول.
ابتسمت حبيبه وقالت:
_ إن شاء الله خير.... أستاذ أدهم، همه العشر دقايق خلصوا وحضرتك لسه مقلتش الموضوع اللي أنت عاوزه عشانه.
نظر إليها واستجمع قواه وقال جملته دفعة واحدة:
_ حبيبه... أنا بحبك.