كان يطبق عليها ذراعيه يحطم عظامها وهي تذكر غريمه أمامه، لكنه أجابها بهدوء: "احنا مش اتفقنا ياحبيبة إنك تحترمي إني جوزك." وبنبرة صوت مترجية ردت: "أرجوك يا أدهم، اعتبرها آخر مرة وعاوزاك تكون معاي." قال رافضًا متحججًا بوضعها الصحي: "بس انت تعبانة، هتروحي إزاي؟ تنهدت بحزن وقالت: "أرجوك يا أدهم، وحياة ولادي." ليدفعها عنه بضيق ويبتعد: "بلاش سيرة ولادي في الموضوع."
ثم تركها ورحل بعد أن صفق الباب بقوة. فزعت من صوت الباب ونظرت لأثره بحزن. أصطحبها كما طلبت إلى شقة علي والتزم الصمت طوال الطريق، وعلامات الضيق ترتسم على وجهه. كانت تختلس النظر نحوه بين الحين والآخر، لكنها لم تجرؤ على محادثته.
خفق قلبها كلما اقتربت من الشقة، حتى وقفت أمام الباب. ليداهمها طوفان من الذكريات هز تماسكها وعصف بقوتها المزعومة. ليرتجف جسدها ما إن فتح أدهم الباب ودخلت. تدور عينها في المكان وكأنها تعانقه، تمسح أركانها بنظراتها. كل شيء لازال في مكانه، كل ما جد هو التراب الذي غطى الأثاث والصور.
بخطى متثاقلة دخلت إلى الصالة. كان يراقبها من بعيد، يضغط على قبضة يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، عله يطفئ نيران الغيرة التي نشبت في جسده. حتى شعر بعروقه تنفر من مكانها غضبًا عندما رآها تلتقط سترة علي، تقربها من أنفها وتستنشق عطرها. وبيد مرتعشة أمسكت السترة واقتربت من صورة علي التي تملأ الجدار المقابل لها. مدت يدها تتلمس وجهه وجسدها بدأ يرتعش بالكامل. تلهث أنفاسها المثقلة: "وحشتني يا علي."
عادت خطوتين إلى الوراء تتأمل الصورة. لسعت الدموع عينيها وتحشرج صوتها. ظلت صامتة برهة من الزمن، حتى ظن أنه أخطأ عندما أطاعها وأحضرها إلى هنا. حتى سمعها تقول: "سامحني يا علي... سامحني... أنا خنت الوعد وحبيته." ثم أجهشت في البكاء وبدأت شهقاتها تعلو لتكمل: "غصب عني يا علي، والله غصب عني. حبيته. طيبته وحنانه وحبه خلاه يدخل قلبي من غير ما أحس." صعقه ما سمعه، فغر فاهه بدهشة ينصت لما تخبره به. هل تعترف بحبه الآن؟
هي تحبه. نعم، هذا ما تعترف به. التزم الصمت يترك لها حرية الحديث، الذي انعش هذا القلب العاشق الذي أتعبه الانتظار. ليسمعها تكمل: "أنا سعيدة معاه يا علي. مش ده اللي كنت دائمًا تقوله إنك عاوزني سعيدة؟ وأنا سعادتي معاه يا علي. وكمان مش عاوزة ولادي يعيشوا اللي أنا عشته. عاوزاهم يعيشوا بين أم وأب بيحبوا بعض. مش هنسـاك يا علي، هتفضل ذكرى جميلة في حياتي."
استدارت تمسح دموعها تنظر إليه لتجده يحدق بها. اقتربت منه حتى أصبحت أمامه. رفعت يدها تحيط وجهه تتلمسه ودموعها تسبق كلماتها لتقول من بين دموعها مترجية: "أنت مش هتسبني، مش كده؟ ظلت تنظر لعينيه تنتظر إجابته. ليدير رأسه يقبل يدها التي تحتضن وجهه. وبابتسامة كبيرة أجاب: "أنت روحي ومحدش يقدر يسيب روحه. أنا بحبك." أسبلت أهدابها بخجل وقالت: "بحبك يا أدهم." ليحتضنها بقوة يزفر أنفاسه بشدة وهو يغمغم: "الحمد لله."
كانت ممددة على النقالة تستعد لدخول صالة العمليات. يمسك هو بيدها وينظر لها بابتسامة يمسح على وجنتها بحنان. أشارت إليه ليقترب منها. لينحني بجذعه العلوي مقتربًا منها. تحسست وجنته ونظرت له بحب: "لو جرالي حاجة، ولادي وتيمو أمانة عندك." لينهرها يضع يده على شفتيها يمنعها من إكمال حديثها: "إش." "مش عاوز أسمع الكلام ده. أنت هتكوني بخير وأنا والولاد هنستناك." تجمعت الدموع في عينيها وقالت: "كل شيء وارد يا حبيبي."
صمت منصتًا مستمتعًا بكلمة "حبيبي" التي صدرت منها. ليتجمع الدموع في عينه هو. لا يصدق أنها نطقتها. ليسند جبهته على جبهتها حتى اختلط دموعه ودموعها: "هتكوني بخير إن شاء الله وترجعيلي بالسلامة. أنا لسه مشبعتش من كلمة حبيبي." ضحك وهو يبتعد قليلًا يمسح دموعها ويقبل وجنتها: "خلي بالك، أنا عاوزك تعوضيني. عاوز أسمع بحبك كل دقيقة، كل ثانية لحد ما أشبع منها." ثم أمسك يدها يقبلها. لتسحب يده هي أيضًا تقبلها وتقول:
"بحبك يا أدهم. بحبك يا حبيبي." وكأنها تفعل ما يطلبه منها. تنعش قلبه وتعيد إليه الحياة بكلمة لطالما تمنى سماعها. خفق قلبه بشدة وابتسم لها وقال: "يا قلب أدهم." انقطع تواصلهم معه عندما أتت الممرضة تأخذها لصالة الولادة. ظل ممسكًا بيدها حتى دخلت وأفلتها عنوةً. انتهت العملية ونقلت حبيبة لغرفة عادية حتى تستكمل استفاقتها. وبعد مضي فترة من الوقت بدأت تفتح عينيها بثقل. لتجده يجلس بجانبها مبتسمًا يقبل يدها:
"ألف الحمد لله على السلامة يا حبيبتي." بدأت تفتح عينيها وتغلقها بألم. وبلسان مثقل صدرت كلماتها: "الله يسلمك يا حبيبي. ولادي فين؟ انحنى مقربًا وجهها من وجهه يهمس لها ضاحكًا: "وزعتهم." ضحكت من بين ألمها تعض على شفتيها تكتم وجع جراحها. لتسأله وهي تعتصر عينيها وتئن: "وزعتهم فين؟ "اديت واحد لنهى وواحدة لدلال. وقلتلهم خلوني أنا أطمن على بنوتي حبيبتي." قبل جبينها قبلة طويلة: "حمد الله على سلامتك يا قلب أدهم."
"عاوزة أشوفهم." "حاضر يا روحي." تألم لآلمها عندما أصدرت تأوه تتلوى من آلام جراحها: "حبيبي، هروح أنده الدكتورة." رحل وعاد معه الطبيبة لتعطي لها بعض المهدئات تهدئ من الألم الذي تشعر به تحت نظراته المتأثرة. دخلت نهى ودلال ونجاة التي اقتربت منها تحتضنها فرحًا: "ألف مبروك يا بنتي." "الله يبارك فيكي يا ماما."
ثم اقتربت نهى ودلال يساعدونها في رؤية صغارها. لتفتح ذراعيها ووضعوا كل طفل على جانب لتحتضنهم بذراعيها. نظرت لهما بفرحة ولهفة امتزجت بشعور تجربّه للمرة الأولى. مشاعر الأمومة التي داعبت قلبها جعلتها تتلفت يمينًا ويسارًا تناظرهم بعيون دامعة، لكنها كانت هذه المرة دموع الفرح. نظرت نحو أدهم وقالت بصوت مبتهج: "شبه تيمو يا أدهم." اقترب أدهم يقبل رأسها ويحمل الصغير بين ذراعيه يقبل يده الصغيرة. ثم نظر إليها:
"هنسميهم إيه يا حبيبي؟ ابتسمت حبيبة وهي تداعب وجه صغيرتها تتلمس بشرتها الناعمة: "خلينا نستنى لحد ما تيمو يشوفهم. أصل وعدته إنه هيشاركني في اختيار الأسماء." ليقطب حاجبيه مدعي الانزعاج وقال مستنكرًا وهو يجلس بجانبها: "وباباهم ملوش رأي؟ لما أستاذ تيمو وحضرتك اللي بتقرروا؟ ضحكت على علامات الامتعاض التي بدت على وجهه: "حبيبي، ولا يهمك. اختار أسماءهم. أنت أحق. اسمهم هيرتبط باسمك طول العمر." ابتسم يدنو منها
أكثر ليقول بصوت منخفض: "بتسايريني يا حبيبة، مش كده؟ "لا يا روحي، أنت اللي تعبتي وأنت أحق. أنا مش مستعجل، هبقى أسمي أخواتهم." لتنظر له بأعين متسعة تستهجن حديثه: "أخواتهم؟ انسى يا حبيبي." "حبيبة... " قالها بتحدي وهو يحرك رأسه. "عيون حبيبة." اتسعت ابتسامته عندما وصفته بهذا الوصف الذي أرضى قلبه ليقول: "ربنا يديمك نعمة في حياتي." ظلت دلال ونهى تنظر إحداهما للأخرى فرحين بحبيبة وحياتها الجديدة.
عادت إلى منزلها يلتف حولها خالها وأولاده. ويجلس تيم إلى جوارها. تريه إخوته بفرح يتلمس وجوههم ويمسك بأيديهم. ليتمسك شقيقه بإصبعه. دهش لما فعله الصغير وقال بفرح: "ماما، بصي مسك إيدي." ضحكت على دهشته وقالت: "أيوه يا روح مامي، مش أخوه الكبير وبيحبك." ليبتسم بفخر ويقول: "أيوه، أخوه الكبير اللي هخلي بالي منه." قرصت وجنته وقالت بابتسامة عريضة: "وأحلى أخ كبير يا روحي." ثم رفعت رأسها تضحك على مصطفى وفرح الذين
يتشاجرون من يحمل صغيرتها: "بابا قاله أنا مشوفتهاش." "اسكتي يا بنت، انت لسه صغيرة هتوقعيها. وبعدين دي خطيبتي محدش يقرب منها. أنا بغير عليها. بكرة أختك دلال تولد وأبقى شلي ابنها." "نعم؟ خطيبتك؟ إيه ده كمان بنتي دي أميرة ومش هجوزها. هخليها جنبي." كان هذا صوت أدهم المعترض على كلام مصطفى. ليقترب محمود من ولده يأخذ الطفلة منه: "عنده حق أدهم. هات البنت يا ولد جدها عاوز يشوفها." قبل وجنتها وقال مبتسمًا:
"بسم الله ما شاء الله، شبه مامتها. ست البنات كلهم." قال هذا وهو يجلس بجانب حبيبه يقبل جبينها: "ألف حمد الله على سلامتك يا حبيبة أبوكي." "الله يسلمك يا حبيبي." ثم وزع نظره بينها وبين أطفالها: "هتسميهم إيه يا حبيبة خالك؟ ضحكت وهي تنظر لأدهم الذي بادلها الضحك وتقول: "ما خلاص يا بابا، أبوهم اختار الأسماء. نعمل إيه، حكم القوي على الضعيف." ضحك محمود وهو ينظر لأدهم: "وسميتهم إيه يا بني؟ ليجيبه ضاحكًا وهو يقترب من
حبيبة وينظر لأولاده بحب: "تميم وتالا." طالع محمود حبيبة وأدهم سعيدًا بتطور علاقتهم ومتمنيًا لهم أن يديم الله سعادتهم: "يتربوا في عزك يا بني." ***
عاد إلى المنزل هذا اليوم مبكرًا. فتح الباب ودخل وجدها تجلس بجانب صغارها تداعب الصغير وتلعب معه. أمعن النظر ليجدها هي أيضًا لا تزال طفلة صغيرة وتحملت منه الكثير. تحملت خطأه وخطأه. ليهاجمه المشهد الذي رآه اليوم في أحد المولات عندما رأى خديجة تسير بجانب أيمن، يده تحتضن يده بتملك، نظرات الحب المتبادلة بينهم وابتسامتها الجميلة تزين وجهها، السعادة مرتسمة على قسمات وجهها. ثم انتبه لانتفاخ بطنها قليلًا، لقد تحقق حلمها وأصبحت أم. حلم لم يستطيعوا تحقيقه معًا. ولكن ورغم قساوة المشهد أدرك أنها وجدت حياة سعيدة بعيدة عنه. إذا لماذا هو يظل رهنًا لأصفاد حبها وماضٍ لم يعد له وجود؟
لماذا لا يجرؤ أن يعيش هو حياته ويكمل ما كتبته له الأقدار؟ عاد من شروده على يد صغيره الذي تشبث بنطاله يطلب منه أن يحمله. لينحني يحمله ويقبل وجنتيه: "حبيب بابا، وحشتني." ثم اقترب منها وجلس بجانبها. تعجبت هي من حركته لكنها لم تعره أي اهتمام: "إزيك يا ريم؟ تمتم بها بابتسامة زادت من دهشتها. لكنها قالت باقتضاب: "الحمد لله." لكنه زاد من دهشتها أكثر عندما رفع يده محيطًا كتفها يضمها إليه يقبل رأسها باعتذار:
"آسف يا ريم، سامحيني. أنا جيت عليكي كتير وحملتك ذنب خطئي." هدرت دموعها شوقًا له وحزنًا لفراق دام طويلًا. كلماته لامست جرحها وأيقظت آلامًا تعايشت معها. زاد من ضمها وهو يحرك يده على ذراعها محاولًا تهدئتها: "كفاية يا ريم، متعيطيش. أرجوك متخلنيش أحس بالذنب أكتر." صمت قليلًا ثم تنهد متألمًا: "خلينا نبدأ من جديد. وأنا أوعدك إني مش هزعلك." "وهتحبني؟ سؤال طرحته بصوت بح من شدة نحيبها.
"أكيد هيجي اليوم اللي تملكي فيه قلبي. وأنا النهارده جايلك يا ريم وفاتح لك بابه وبقلك ادخلي جوه قلبي واحتليه." ابتسمت من بين دموعها فرحة بدعوته متمنية أن يأتي ذلك اليوم الذي ستمتلك قلبه. ووعدت نفسها أن تبذل ما في وسعها لكي تفوز به. *** خمسة أعوام مرت منذ ولادتها لطفليها. عاشت فيهم حياة لم تكن تحلم بها. أحاطها بحبه وحنانه. كان لها حبيب وزوج وأب وصديق.
كانت تشارك صغيرها الغالي في أداء دروسه. فتيم قد بلغ من العمر اثنى عشر عامًا. كانت مندمجة معه في حل بعض المسائل عندما باغتها بسؤاله: "مامي، هي مين الست اللي اتخانقتي معاها امبارح؟ لتتذكر حبيبة لقاءها مع والدتها التي عادت من السفر بعد وفاة زوجها وطلبت رؤيتها. وقفت حبيبة أمامها بنفور وقالت لها بصوت غلفه الجمود: "أهلًا." اقتربت منها والدتها محاولةً احتضانها لكنها عادت خطوتين إلى الوراء ورفعت يدها أمامها تمنعها من التقدم:
"حبيبة يا بنتي، وحشتيني." لتضحك باستهزاء: "بنتي؟ هو انت دلوقتي افتكرتي إن عندك بنت؟ "حبيبة، أنا عمري ما نسيتك." قالتها محاولةً استعطافها. لكن لا تعلم أن هذه الكلمات كانت كفيلة بإثارة براكين الغضب الخامدة في داخلها منذ سنين. لتصرخ بوجهها: "انت بتضحكي على نفسك ولا بتضحكي عليا؟ انت بعتيني واشتريتي سعادتك وراحتك. سبتيني ومفكرتيش هاعيش بعد كده إزاي؟
اتذليت واتهانت ونسيت حتى إني طفلة. كنت أتمنى أرمي بحضنك أشكي لك همومي. خليتيني أعيش يتيمة وأمي عايشة. كنت بحسد زمايلي اللي عندهم أم تطبطب عليهم وتواسيهم. وبعد كل ده بتقولي عمري ما نسيتك؟ نكست رأسها تشعر بالذنب. لكنها عادت تتوسلها بصوت خالطه الندم: "يا بنتي، صدقيني أنا عشت حياة صعبة. أولاد جوزي كانوا بيحاربوني. صحيح كنت مستريحة ماديًا لكن كانوا بيحاربوني. عشت في ضغط ومشاكل." لتقول لها بلا مبالاة:
"انت اللي اخترتي وأنت اتحملي نتيجة اختياراتك." "يا بنتي، انت دلوقتي أم وأكيد تعرفي مكانة الولاد عند أمهم." جزت على أسنانها بغضب أكبر: "أهو أنا لما بقيت أم نقمت عليكي أكتر. أنا بخاف على ولادي من نسمة الهوا. كنت بسأل نفسي سؤال: إزاي قدرتي تنسي إن عندك بنت بالشكل ده؟ أغمضت عينيها وقالت لها: "يعني مفيش أمل تسامحيني؟ لتقول لها باستهزاء وهي تضغط على كلمتها الأخيرة:
"ربنا اللي بيسامح يا أمي، لكن أنا لا. عن إذنك، ولادي محتاجني." ثم تركتها وصعدت الدرج هاربة من انهيارها الوشيك أمامها. خارت قواها لتنهار بمجرد أن أغلقت باب غرفتها عليها. تندب أمًا عادت بعد فوات الأوان. أما شريفة فرحلت تجر أذيال الخيبة وتتمنى أن تسامحها ابنتها يومًا.
عادت من ذكرياتها على صوت تيم الذي تجاهلت سؤاله وعادت إلى استذكار دروسه التي ما انتهت. وأطمأنت عليه ذهبت إلى غرفتها لتجد أدهم ينام بين أطفاله. فقد كان تميم ينام على يده اليسرى وتالا على اليمنى. ابتسمت وهي ترى هذا المنظر الذي أثلج قلبها. فقد كان أبًا حنونًا. فرغم عودته متعبًا من عمله إلا أنه ظل يلاعب صغاره حتى غفى معهم.
أغلقت الباب بهدوء وذهبت إلى الغرفة المجاورة لتنام. وصورة والدتها لا تزال تجول في مخيلتها. داعب أجفانها النعاس لتغفو. لكنها شعرت بمن يحيطها بذراعيه ويضمها إلى صدره. لتقول له معاتبةً: "ما كنت فضلت حاضن ولادك وناسيني." ليقهقه ضاحكًا على كلامها ويرد عليها: "مش انت كمان كنت سيباني وقاعدة تذاكري لابن قلبك؟ لترد عليه باستياء: "أيوه ابني حبيبي اللي بيحبني ويحس بيا ويخاف عليا." ليقول لها بابتسامة:
"يبقى انت لسه زعلانة من الكلام اللي قلته." ليتذكر كيف أنها انزعجت بعد أن لامها على كلامها مع والدتها وطلب منها مسامحتها: "أيوه، مش من حقي أزعل؟ أنت المفروض تقف معايا." "حبيبة، يا روحي، يا نور عينيا، أنت عارفة غلاوتك عندي. يا حبيبة، أنا عاوزك تسامحي عشانك انت. طب ما انت سامحتي باباكِ، اشمعنى هي؟ وبنظرات حزينة وحسرة ترجمتها بدموع انهمرت من مقلتيها أجابته:
"تعرف يا أدهم إنها آذتني أكتر من أبويا. هي كانت بالنسبالي الدنيا بحالها. لما سابتني حسيت إني في غربة زي التايه وسط غابة. كنت بعتبرها السبب في كل حزن عشته. هي تنساني السنين دي كلها وعاوزاني أفتكرها دلوقتي؟ بعد ما خسرت جاية تدور على الكارت الرابح." مسح دموعها وقبل عيونها الباكية: "حبيبتي، أنا عارف أنت تعبتي قد إيه وأتألمتي كتير. لكن عشان خاطري وخاطر حبيبة الصغيرة الطيبة اللي ساكنة هنا ومشتاقة لأمها." وأشار إلى قلبها:
"سامحي وانسى يا روحي. وبعدين انت بقى عندك عيلة وحياة جديدة." ليغمز لها مازحًا: "ولا إحنا مش قادرين ننسيكي؟ أحاطت جسده بذراعها وضمت نفسها إليه أكثر كأنها تختبأ داخل أحضانه: "أنت يا حبيبي العوض اللي أنا كنت بتمناه ورزق بحمد عليه ربنا كل يوم. بحبك يا أدهم." "وأنا بموت فيك يا قلب أدهم. بس فكري يا حبيبتي وجربي تسامحي. انت لسه محتاجة لوجود والدتك في حياتك." تنهدت بحزن امتزج بالحيرة:
"سيب السماح للأيام. يمكن تقدر تنسيني وتخليني أغفر." *** جلست خديجة تطالع بحب ذلك المنظر الذي يسعدها. وهي ترى أيمن يجلس ويجلس على قدمه صغيرها ذو الأربع أعوام الذي يرتدي قميص النادي الأهلي. فقد صدق أيمن وأصبح ابنها أصغر مشجع في النادي الأهلي. ثم دارت عينها لتجد مسك وأنس يقفان ندين لوالدهم ويشجعون نادي آخر.
ليصرخون فجأة عندما أحرز النادي الأهلي هدفًا. فيصفق صغيرها مع والده فرحًا ويحزن اخوته بالمقابل. ابتسمت وهي ترى هذا المشهد الذي يرسم ألفتهم ومحبتهم رغم اختلافهم. حياة بطعم جديد منحها إياها. فكل ما مر وقت من الزمن أدركت كم هي محظوظة بزوج مثله وعائلة رائعة كعائلتها. لكن وجهها امتعض فجأة عندما استيقظ صغيرها الآخر ذو الشهرين الذي كان ينام بين أحضانها بسبب صراخهم. لتهدهده في محاولة لإعادته للنوم:
"نام يا روحي. آدي اللي أخدناه من الكورة. قلة الراحة." *** كانت ممددة على سرير المستشفى بقلق تنتظر نتيجة اختبار الحمل بعد عملية الحقن المجهري التي خضعت لها. فلم تكن تلك العملية الأولى. فقد سبقتها محاولة فاشلة بعد علاج دام خمسة أعوام. كان يجلس بجانبها يشعر بالحزن من أجلها. انتبهت له لتمسك يده تسأله: "يوسف حبيبي، مالك؟ ماتخافش إن شاء الله خير." تنهد بضيق وأجابها: "صعبان عليا اللي بيحصلك بسببي."
"اوعى تقول كده. أنت عندي بالدنيا كلها. أنا لو عاوزة طفل يبقى عشانك. أنا عارفة قد إيه بتحب الأطفال." "لكن أنا بحبك أنت ومش فارق معايا. مهو انت ابني مش كده يا بندق؟ ليرفع حاجبه مستنكرًا: "نهى، إحنا في المستشفى. أنا مش قلت اسم الدلع ده يتقال في البيت. بس انت عاوزة تفضحينا." "حاضر يا بندق، أنت تأمر." ليضربها على رأسها بخفة ويقول: "تاني يامجنونة."
ليضحكا معًا. حتى قطعت وصلة الضحك بدخول الطبيب الذي أخبرهم بأن النتائج إيجابية هذه المرة. لترفرف قلوبهم وتتسابق دموعهم فرحًا. حتى الكلمات أخفقت في وصف مشاعرهما. احتضنها يوسف متناسيًا حتى وجود الطبيب. وأخذ يشاركها البكاء وهم يرددون معًا: "الحمد لله. الحلم اتحقق." كانت تتوسد صدره عندما فزعت من حلمها تنادي باسم علي: "علي... علي." وضعت يدها على صدرها تهدئ من أنفاسها وهي تقول: "إيه اللي فكرني بعلي النهارده؟
ثم التفتت نحو أدهم تطمئن أنه لم يسمع نداءها على علي. لكنها اطمأنت وزفرت أنفاسها بارتياح عندما رأت أنه نائم. لكن في الحقيقة أنه كان مستيقظًا وسمع نداءها على علي. لكنه ادعى النوم لا يريد أن يريها امتعاضه من ذلك. لكنها أرضت قلبه عندما قبلت وجنته ثم قبلت موضع قلبه ونامت مرة أخرى. وقفوا متشابكين الأيدي أمام ذلك العقار الجديد الذي يحتوي طابقين من العيادات وكتب عليها "حلم حبيبة". لتستدير نحوه بدهشة وتسأله: "إيه ده يا أدهم؟
امسك يدها الأخرى ونظر داخل عينيها: "ده حلمك يا حبيبة. العيادات المجانية للفقراء. أنا بمساعدة تبرعات من رجال أعمال قدرت أشتري المكان ده. بس لسه فاضل فيه نقص معدات. شوفي اللي ناقص عشان نقدر نوفره. وأنت كمان عليكي تشوفي الدكاترة زمايلك عشان العمل يكون تطوعي." أشرق وجهها بابتسامة كبيرة وتجمعت الدموع في عينيها لتحتضنه بقوة. لكنه اعترض: "حبيبة، أنت بتعملي إيه؟ إحنا في الشارع." انتبهت لنفسها لتخرج من أحضانه
بحرج تمسح دموعها وهي تقول: "بحبك يا أدهم، بحبك أوي." "يا عيون أدهم، أنت تأمري وأنا أنفذ. بس خلي بالك، لسه المعدات مش كاملة. بس أنا كنت عاوز أفاجئك يوم عيد ميلادك." "متشكرة يا حبيبي بجد. مفيش كلام يوصف شعوري دلوقتي. افتكرت إن الحلم ده مستحيل." "ربنا يقدرني وأقدر أحقق لك كل أحلامك." ضغطت على يده وقالت بارتباك: "أدهم، ممكن نكمل فلوس المعدات من علي؟ أصل الحلم ده كان حلمه كمان." قطب حاجبيه باستفهام: "من علي إزاي؟
"نبيع شقة علي الله يرحمه ونشتري المعدات." امسك كتفها وسألها: "أنت متأكدة إنك عاوزة تعملي كده؟ هزت رأسها بالموافقة وقالت: "أيوه يا أدهم. أنا دلوقتي عرفت علي زارني في المنام ليه عشان الحلم اللي حققتهولي يا حبيبي. ربنا يديمك نعمة في حياتي." سعد للفرحة التي يراها على وجهها وقال: "ربنا يقدرني وأقدر أسعدك على طول." *** سنوات تلتها سنوات أخرى حتى وجدت نفسها تقف في حفل تخرج. لتجد من يحتضنها من الخلف ويقبل وجنتها. عدت قبل:
"ماما، روح قلبي وعمري وحياتي." استدارت نحوه لتحتضنه بقوة وتقول بفخر: "ألف ألف مبروك يا ابن قلبي." خرج من أحضانها يمسح دموعها التي خانتها وسالت على خدها رغم مقاومتها. فهي تعلم انزعاجه من رؤيتها تبكي حتى ولو كانت دموع فرح: "ماما، بلاش الدموع دي. أنا مستحملش أشوفهم. أرجوكي." رفعت يدها تلامس وجنته: "دي دموع الفرح يا حبيبي." ليهز رأسه رافضًا باستنكار: "حتى لو دموع فرح مش عاوز أشوفهم يا غالية." قبل وجنتها ثم دني يهمس لها:
"أنا وفيت بوعدي وزي ما حضرتك شايفة أنا بتخرج من كلية الطب أهو." ثم أكمل مازحًا وهو يدير جسدها لتنظر إلى ماينظر له هو: "فاضل انت توفي بوعدك ياعسل." ضحكت بخفة ونظرت إليه ثم إلى ماينظر. فما كان سوى مسك تلك التي تخرجت من نفس الكلية وفي نفس الدفعة تقف تحتضن خديجة وأيمن فرحين بها: "مسك." لتنهد بحب ويرفع يدها يلثمها: "أبوس إيدك البنت خللت جنبي. دانا ست سنين بحارب عشان محدش يقرب منها." ثم ذكرها بوعودها له وبصوت متوسل قال:
"مش انت قلتي استنى تتخرج وأنا أخطبهالك؟ أديني اتخرجت. أرجوك ياماما." "وأنا عند وعدي. ومش بس كده. أنا كلمت خديجة امبارح وطلبت منها تكلم أيمن." اتسعت ابتسامته فرحًا يمسك كتفيها: "بجد يا ماما؟ ووافقوا؟ لتنظر له بطرف عينها وتقول مستهجنة: "نعم؟ وافقوا؟ وهي خديجة هانم هتلاقي لبنتها عريس زيك فين؟ ليضيق عينيه ويقول مازحًا وهو يقرص وجنتها: "ماما، إحنا هنبتدي شغل الحموات ياسكر؟ ثم صمت ونظر لها مستفهمًا: "طب وبابا؟
"وهو من إمتى بابا بيرفض قرار أنا باخذه؟ ليقول ضاحكًا: "لا، من الناحية دي انت مسيطرة يابيبة." لتضربه على صدره وتقول بحنق: "مسمهاش مسيطرة، اسمها بيحترم قراراتي." ليضحك وهو يضمها إليه: "لا، من ناحية يحترم، فهو بيحترمك أوي." خرجت من أحضانه تنظر له بإمتعاض: "شوف انت بتتريق وأنا بخططلك من امبارح لكل حاجة. لف وبص وراك."
ليلتف يجد والده وشقيقته وشقيقه الذي يحمل باقة ورد جميلة. اتسعت ابتسامته يوزع نظراته بينها وبينهم بفرح. اقترب تميم منه الذي سبق والده وشقيقته يسلمه باقة الورود: "الف مبروك يا بوس." احتضنه تيم بعد أن أخذ باقة الورد منه: "الله يبارك فيك يا تيتو. وعقبالك." ليرفع تميم يده وينظر إلى السماء: "آمين يارب. ربنا يحنن علينا قلب ماما بس." لتلوي شفتها بسخط وتقول: "مش لما نشوف هتعمل إيه في الثانوية العامة." ليربت على كتف تيم ويقول:
"ماما ياحبيبتي كفاية تيمو رافع راسك. أنا انسيني. متحلميش بمجموع عالي." لتربت هي هذه المرة على كتفه وتقول: "أنا فقدت الأمل فيك أصلا يا روحي." ليضحك تيم على مناكفات شقيقه مع والدته التي لا تنتهي. ليقترب منه والده محتضنا إياه بفرح: "الف مبروك يا حبيبي." "الله يبارك لك يا بابا." أخرج أدهم علبة من جيب سترته وأعطاها له. التقط منه العلبة وفتحها ليجد خاتم خطبة جميل. رفع نظره من العلبة ووزع نظراته بين والده ووالدته
الذين وقفوا يبتسمون له: "متشكر، متشكر أوي." ربت أدهم على ذراعه وقال: "يلا روح وفرحها وخلي فرحتكم تبقى فرحتين." هز رأسه بالموافقة واتجه نحوها. لتخرج شقيقته هاتفها وتبدأ بتصوير ما يحدث. تحت نظرات أدهم الذي أحاط بكتف حبيبة ووقف يترقب ما سيحدث. اقترب تيم من مسك، فتح علبة الخاتم وجثى على ركبته أمامها: "تتجوزيني يا أحلى مسك في الدنيا؟
شهقت مسك بتعجب واضعة يدها على فمها. فلم تتوقع أن يتقدم لها حبيبها في يوم تخرجها. نظرت إليه ثم حولت نظرها نحو والدها تطلب منه الإذن. ليومئ لها أيمن بالموافقة: "مسك حبيبتي، رجلي هتوجعني كده." خفق قلبها وتجمعت الدموع بعينيها تهز له رأسها بالموافقة. لترتسم ابتسامة عريضة على وجهه. ويقف يلبسها خاتم الخطبة ويسلم لها باقة الورد وسط تصفيق وهتاف زملائهم الذين أحاطوا بهم. "ألف مبروك يا مسوكة." "الله يبارك فيك يا حبيبي."
ثم أنحى يهمس لها: "اعملي حسابك كتب الكتاب هيكون في أقرب وقت. أنا مش هستحمل فترة الدباديب دي كتير."
لتضحك مسك على كلامه ويشاركها هو الضحك أيضًا. نظرت حبيبة إلى هذا المنظر الذي أدمعت عينيها لأجله. صغيرها يتزوج وأخوته يقفون بجانبه فرحين به. وخديجة التي وقفت تبارك لمسك فرحةً بها كأنها والدتها. دارت عينيها لتجد نهى التي تقف تهنئ مسك هي الأخرى مع ابنتها الوحيدة جنة. التي كانت لها الدنيا بأكملها. حمدت الله على هذه النعمة التي تعيشها وسط عائلة جميلة وأصدقاء مخلصين. لتجد أدهم يدنو منها ويهمس بجانب أذنها:
"حبيبي، أنت مش هتباركي لمسك وخديجة؟ عادت من شرودها تنتبه له: "آه يا حبيبي، أكيد." ليحاول مشاكستها فيقول: "أخيرًا حبيبي القلب هيتجوز وأخلص منه وقلبك هيفضالي." ضحكت حبيبة على كلامه. فهو دائمًا يخبرها أن تيم ينافسه في حبها: "حبيبي، قلبي فاضيلك وملكك من زمان." ابتسم لها. فمنذ أن اعترفت بحبها أصبحت تغدقه بالكلام الجميل الذي أصبح إكسير الحياة بالنسبة له. حل المساء لتجاوره على السرير قبلت وجنته وقالت:
"ألف مبروك يا أدهم. ربنا يحفظك ليهم وتشوف ولاد ولادهم." رفع يده يضمها إليه ويقبل رأسها: "ويحفظك ليا يا أحلى نعمة في حياتي. بس تعرفي ياحبيبة، ماكنتش أعرف إن الواد تيمو بيحب مسك للدرجة دي." ضحكت حبيبة وقالت: "أيوه دا مجنون بيفكرني بـ... ثم ابتلعت باقي كلامها وصمتت مرتبكة. ليفهم هو ما تقصد: "بيفكرك بـ علي؟ لتهز رأسها بحرج وتقول مفسرة: "أصله كان مجنون زيه كده." امسك وجهها بين يديه ونظر لعينيها وقال:
"حبيبة، نفسي من زمان أسألك، أنت حبيتي أنا أكتر ولا علي؟ أمسكت يده التي تحيط وجهها وقبلتها: "ياااه يا أدهم، أنت لسه بتسأل بعد العمر ده كله والعشرة دي؟ أنا عمري ما هنكر علي ولا أنساه. لأن علي كان ماضي جميل. لكن إذا كان علي ماضي، فأنت الحاضر والمستقبل. وإذا كان علي ملك قلبي لفترة، فأنت ملكته لآخر العمر."
"يا أدهم، أنت بالنسبالي مش بس حبيبي، أنت حبيبي وأبويا وجوزي وصديقي وأبو ولادي. أنت الدنيا بحالها. لما اتجوزتني غصب عني افتكرت إنها أصفاد تملك، لكن دلوقتي عرفت إنها أحلى أصفاد حب." "أنا بحبك يا أدهم. بحبك أوي." يأخذها بين أحضانه يعتصرها بقوة: "وأنا بموت فيك يا قلب أدهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!