صرخات متتاليه ونيران متوهجه وأمل مفقود .. لا حياة لمن تنادي. فلم ينتبه أحد لإستغاثاتهم المستمرة وصرخاتهم العاليه حتى توقفت تلك الصرخات تماماً وإستسلم كلاهما لمصيرهما المحتوم. بعد مرور بعض الوقت وتصاعد ألسنه النيران وبدأت تخرج لهيبها خارج النوافذ، بتلك اللحظه بدأ ينتبه الماره للحريق الذي اشتعل بالشقه ليسرع أحدهم بالاتصال على الفور بالمطافئ لإخماد هذا الحريق الهائل.
حاول بعض المتطوعين إنقاذ ناهد وحسام، لكن النيران كانت قويه للغايه فلم يستطيع أحدهم التمكن من الدخول إلى الشقه. وصلت سياره المطافئ وأخمدت الحريق بالفعل، لكنهم لم يستطيعوا إنقاذ أي منهما إطلاقاً فقد قضى أمرهما. التهمت النيران كل شئ وأخذت أرواحهم معها. *** ورد غادرت ورد المستشفى سريعاً دون أن ينتبه لها أحد. لم تعد تعي أي شئ يدور حولها، سوف تترك كل شئ وتبتعد عن كل ذكرياتها المؤلمه في هذا المكان.
إتجهت نحو بيت يوسف حتى تلملم باقى حاجياتها وملابسها إستعداداً لهروبها الذي خططت له، هروباً من أشواكها التي تحيط بها. ربما بُعدها عن المكان ينسيها ألم وإنكسار روحها. دَلفت إلى الشقه بخطوات متسلله وهي تتنفس الصعداء، فما زالت أم يوسف ودعاء يغطان في نوم عميق ولم يشعرا بعودتها. توجهت نحو الغرفه بخفه وأخرجت حقيبتها لتضع ملابسها وهاتفها بالحقيبه، ثم أخذت نفسًا عميقًا ناظرة حولها وكأنها تودع هذه الكتل الأسمنتية من حولها.
فهي بالفعل ستفتقدها. لقد شعرت بالطمأنينه والأمان في هذا المكان، لكن يوسف لا يستحق منها أن تظلمه أكثر من ذلك. لكن قبل أن تغادر أخرجت ورقه وكتبت بها بعض الكلمات ليوسف ووضعتها فوق الفراش، ثم خرجت من هذا البيت كما دخلته بخطوات متسلله خفيه، خرجت كما لو كان روحها هي التي تخرج من البيت. فكيف سكنت هذا البيت بروحها في هذه المده القصيره؟ لكن البيت لم يكن هو الأمان، بل كانوا جميعًا هم سبب ذلك. أم وأخت وحبيب.
إستقلت إحدى سيارات الأجرة التي طلبت من سائقها إيصالها إلى الإسكندرية. قضت طريقها تنظر من نافذة السيارة نحو السماء، فهي راحلة لعالم جديد خالٍ من الأحبة. لكنها مجبرة على ذلك. *** يوسف أنهى مراسم الدفن والعزاء بجنازة والد ورد بحزن لفقد هذا الرجل الطيب، وعاد مسرعاً نحو المستشفى للإطمئنان على ورد بقلب شغوف. فتح يوسف باب الغرفه ليفاجئ بأنها ليست متواجده بالغرفه.
فزع للغايه لغيابها وخرج من الغرفه باحثاً عن تلك الممرضة التي أوصاها بالانتباه إليها. بنبرة قلقة للغاية وقد توجس قلبه بغير اطمئنان لا يدري سببه. يوسف: "ورد" فين؟ الممرضة: مش عارفه يا أستاذ يوسف. بعد ما حضرتك مشيت بشويه رحت أطمن عليها وأقعد جنبها ملقتهاش موجوده. تأكدت شكوكه بأنها تركت المستشفى ليهتف بانفعال. يوسف: يعني إيه؟ راحت فين؟ دي لسه تعبانه من اللي حصل لوالدها! الممرضة: مش عارفه والله يا أستاذ يوسف. يمكن راحت!
دار يوسف يبحث بأروقة المستشفى، فربما تكون قد أفاقت باحثة عن والدها وما زالت بالمستشفى، لكنه لم يجد أثراً لها. لم يتبق له سوى العودة للمنزل، فربما تكون عادت بالفعل عندما لم تجد أحدًا إلى جوارها بالمستشفى. حاول عدة مرات الاتصال بها لكن دائمًا هاتفها مغلق، ليصاب قلبه بقلق شديد حاول التغاضي عنه. *** شقة يوسف كاد يركض قافزًا درجات السلم إلى الأعلى يريد الوصول بأقصى سرعة. تفاجئ بدعاء تقف بباب المنزل متحضرة للذهاب.
نظرت نحوه بإستراب شديد لملامحه المذعورة. دعاء: أنت جيت يا يوسف ده أنا كنت جيالكم المستشفى. أمال فين ورد مجتش معاك ولا إيه؟ علت الصدمة ملامحه بجمود للحظة وقد فغر فاه بإندهاش وهو يتسائل. يوسف: إيه؟ هي مجتش؟ ده أنا كنت فاكر حلاقيها هنا! دعاء: لا مش هنا. وإلا كنت قعدت معاها عشان أعزيها. مش أنزل لكم المستشفى! يوسف بانفعال: أمال راحت فين بس؟ سمعت أم يوسف صوت ابنها المنفعل لتهتف به بقلق. أم يوسف: فيه إيه يا يوسف؟
إيه اللي حصل؟ دلف يوسف للداخل بتخوف يتمنى أن يعود كطفل صغير ويجد حلاً لكل مشاكله عند والدته. يوسف: ورد يا ماما. سابت المستشفى ومش عارف راحت فين! أخذت تتفكر للحظات ثم هتفت به بتخمين. أم يوسف: يمكن جت يا ابني واحنا نايمين ولا حاجة! شوفها كده يمكن دخلت أوضتكم. بآخر أمل أسرع يوسف نحو الغرفه بحثًا عن ورد، لكنه فوجئ بعدم وجودها. نظر نحو خزانة الملابس لم يجد أي شيء من متعلقاتها نهائيًا، فالخزانة خالية تمامًا.
نظر حوله بفزع وكأنه يتلمسها في أي شيء حوله محاولًا فهم ما حدث. ترى إلى أين ذهبت؟ وقعت عيناه على ورقة مطوية بعناية فوق الفراش، ليمد يده ممسكًا بها برفق قبل أن يجلس بطرف الفراش يقرأ ما دون بها. (يوسف...
أنا عارفه كويس أنت عملت إيه علشانى وقد إيه انت كنت قد المسؤولية اللي بابا حملهالك. لكن أنا مقدرش أظلمك معايا أكتر من كده. أنا بحلك من وعدك لبابا. عيش حياتك وحب وإتجوز. ربنا يسعدك. أنا حمشي ومتدورش عليا لأنك مش حتلاقيني. أنا مش ممكن أكون أنانية وأفرض نفسي عليك أكتر من كده. طلقنى يا يوسف. ورد.... أنهى يوسف قراءته لخطاب ورد وتملكه إحساس بالقهر وجرح نافذ بقلبه الذي يعتصر حزنًا وغضبًا بذات الوقت. أراد أن يصرخ ألمًا.
فقد شعر بألم رهيب يجتاح صدره واختناق لقلبه، أدمعت عيناه بحزن لفقدها وهو يصرخ صراخًا مكتومًا. يوسف: اااه... ليه سبتينى يا ورد من غير ما تفهمى؟ يا ترى رحتى فين؟ ألاقيكى فين؟ أمسك بالورقة التي عقصها بكفه ثم خرج راكضًا بقوة وسط اندهاش أم يوسف ودعاء من مظهره المتألم الباكي. أم يوسف: مالك يا يوسف؟ يوسف بقهر: ورد مشيت يا ماما. سابت البيت ومشيت. شهقت أم يوسف بصدمة ثم هتفت بحرقة كما لو أن ابنتها هي التي ضاعت وليست زوجة ابنه.
أم يوسف: مشيت. راحت فين؟ بنتي فين؟ هاتلى بنتي تاني يا يوسف. لم يتوقع حالة الانفعال التي أصابت والدته وتفاجئ بلفظها ابنتي ليردف بتعجب. يوسف: بنتك؟ أم يوسف: أيوه. ورد زي دعاء. بنتي. كفايه اللي هي عاشته. كفايه أوي. لازم تلاقيها وتجيبها لي تاني. اتسعت حدقتاه بصدمة، فمنذ متى والدته تعلم بما حدث وهو لا علم له بذلك. يوسف بصدمة: إنتي عارفه؟ أم يوسف: أنا عارفه كل حاجة. هي حكت لي كل حاجة. هاتيهالي يا يوسف.
أومأ عدة مرات بقلة حيلة ثم مسح وجهه بكفه بانفعال قبل أن يخرج متجهًا للمستشفى مرة أخرى. فربما لم يتوصل إلى مكانها لكنه يدرك أن طبيبتها النفسية على تواصل معها وربما تعلم إلى أين ذهبت. دلف لمكتب سماح وعلامات الانزعاج مرتسمة على وجهه المقتضب ليسألها مباشرة. يوسف: ورد فين؟ سماح بدهشة: معرفش. من ساعة ما خرجت من هنا من غير ما نحس معرفش هي راحت فين. يوسف: ورد سابت البيت وعايزاني أطلقها.
باندهاش شديد من طلب ورد للاانفصال عن يوسف خاصة وهى تعلم تماماً أنها قد أحبته بالفعل. سماح: معقول. بعد ما حبتك الحب ده كله تسيبك كده بالسهولة دي من غير سبب؟ تهدلت ملامح يوسف حين أخبرته أن ورد تبادله نفس الشعور. هذا التصريح الذي لم يسمعه منها مطلقاً. ابتلع ريقه وهو يهتف باندهاش وإحساس ممزوج بين السعادة والتعاسة معاً، فوقت إدراكه لمحبتها له هو نفسه وقت فراقها له. يوسف: حبيتني! هي قالتلك كده؟ سماح: أيوه.
غطى وجهه بكفيه يتمالك هذا الغضب من نفسه لإدراك كل تلك الحقائق دومًا متأخرًا، فكيف سيصل إليها الآن ليصحح لها كل ما ظنته بالخطأ. أين هي ليخبرها بحبه؟ أين هي ليحميها ويشعرها بالأمان؟ سار يوسف كالمجنون وسط الشوارع مارًا ببيت ورد ووالدها ليسأل عنها لكنه لم يجدها أيضًا. حاول السؤال عنها بكل من مر من حوله. لقد ضاعت منه وردته وحب حياته. ليته لم يتأخر في تصريحه لها بحبه. ليته لم يتركها بالمرة. *** الإسكندرية
وصلت ورد إلى الإسكندرية بعد عدة ساعات. فضلت ألا تقيم بنفس الفندق الذي أقامت به مع والدها من قبل وأقامت بفندق آخر بعيد عنه حتى لا يستطيع أن يجدها أحد مطلقًا. بعد أن استقرت في إقامتها أخرجت شريحة هاتفها وألقتها بعيدًا وقامت بشراء أخرى جديدة للتواصل مع لامار لحين انتهاءها من الأوراق اللازمة لسفرها إلى فرنسا. وكأنها بقسوة الأيام وصفعاتها وامتلاء طريقها بالأشواك جعلها تولد من جديد.
لم تكن بتلك الضعيفة المستسلمة التي تنتظر من يضبط أمورها ويتصرف بدلاً منها. شعرت بالقوة تنبع من داخلها. نعم اكتسبت القوة لكن بقلب حزين. *** هل تلك سنوات التي مرت أم عقود؟ لا إنها مجرد أيام، لكنها مرت بهم كالسنوات المقفرة الموحشة بقلوبهم المفطورة. فلو يدركا ما بقلب كل منهما لما كان للفراق وجود. ورد جلست داخل حجرة الفندق كعادتها في الأيام السابقة، فلم يعد لديها أي شغف بأي شيء على الإطلاق.
فهي حتى وإن خرجت هي حبيسة داخل نفسها وقلبها، فهي من اختارت هذه الحياة بإرادتها. كانت دائمًا تفكر بيوسف وكيف تقبل فكرة رحيلها. "يا ترى زعل؟ ولا ارتاح إني خففت الحمل من عليه؟ المهم ينسانى ويرتاح بعيد عني. أكيد أنا اخترت الاختيار الصح. لازم يعيش حياته." دق هاتفها باسم لامار، رفيقتها الوحيدة بتلك الأيام الماضية. لامار: بنجور (صباح الخير) ورد. ورد: صباح الخير يا لامار. مفيش أخبار؟
لامار: أبشرك يا شريكتي العزيزة. خلاص عملت لك فيزا للبيزنس حتيجي هنا إقامة عمل معايا في الشركة. تقدري تروحي السفارة وتخلصي الإجراءات عندك وتحجزي للسفر. ورد: شكراً بجد يا لامار على كل اللي بتعمليه معايا. لامار: ولو. أنا مبسوطة جداً إن انتي جايه تعيشي معايا هنا. وحتنبسطي جداً هنا في موناكو. ورد: إن شاء الله. بكرة حروح السفارة أخلص الفيزا وأحجز وأبلغك بالموعد. لامار: أكيد. منتظراكي. *** شركة الأقصى
لم يلبث وقت طويل منذ بداية عملهم اليوم حتى نهض يوسف بتملل قائلًا. يوسف: أنا ماشي. أسرع شريف يمنع صديقه المتهور من تلك التصرفات التي ستخسره عمله أيضًا ليعترضه بقوة ناصحًا إياه بود. شريف: رايح فين بس؟ كده غلط. إنت بقيت بتغيب كتير وتستأذن كتير. أصحاب الشركة ممكن يتضايقوا كده. يوسف بضيق: مش قادر أقعد ولا قادر أشتغل. ولا عارف أعمل أي حاجة في حياتي! عشر أيام. عشر أيام مش عارف عنها أي حاجة ولا عارف راحت فين!
شريف: الصراحة رد فعلها طلع صعب أوي. ومش قادر أنا كمان أفكر معاك في مكان تكون راحت له. إرتمى يوسف مرة أخرى بيأس فوق مقعده وقد تملك منه الإحباط الشديد. يوسف: أنا حتجنن خلاص. مخلتش ولا مكان ولا حد تكون تعرفه إلا ورحت وسألت عليها. ولا حد شافها ولا حد يعرف عنها حاجة! شريف: ربنا يكون في عونك. ويدلك على طريقها. أنا مكنتش فاكر إنك بتحبها أوي كده. بإدراك لحقيقة مشاعره لكن متأخرًا للغاية. يوسف: ولا أنا والله يا شريف. ولا أنا.
نكس رأسه بين كفيه بصمت، فما عاد بيده حيلة ولا حل لم يبحث به. دق هاتف شريف الذي أمسك هاتفه بإرتباك ليخرج من المكتب أولاً قبل أن يجيب هذا الاتصال حرصًا ألا يجرح شعور يوسف بحديثه. شريف: حبيبتي. وحشتيني. أبداً والله مشغول مع صاحبي يوسف. نفسيته تعبانه أوي. أدي آخرة اللي يحب ولا يطولش. أبداً. موضوع كبير لما أشوفك حقولهولك بالتفصيل. جهزي نفسك مش باقي على الفرح إلا شهر واحد. ماشي حبيبتي. سلام. ***
أنهت ورد إجراءات سفرها بسهولة للغاية، واليوم قد استعدت للسفر هاربة من جميع أحزانها وحب يوسف الذي تعمق أكثر في قلبها. فيجب أن تبتعد أكثر وأكثر حتى لا تضعف وتعود. نظرت حولها، فهي بالمحطة الأخيرة تودع حياتها السابقة. ها هي تجلس بانتظار صعودها للطائرة، لكنها قررت عمل مكالمة أخيرة قبل إغلاق هذا الهاتف نهائيًا. أمسكت الهاتف بتردد وأخرجت اسمه. "يوسف". هل تتصل أم لا؟
ظل السؤال يتردد فترة طويلة في ذهنها حتى ضغطت زر الاتصال بدون وعي منها. سمعت رنين الهاتف ثم أجابها صوته الحنون الذي اشتاقت لسماع صوته. يوسف: السلام عليكم. يوسف: ألو. مين معايا؟ دقات قلبه المنفعلة أكدت له أن ورد هي صاحبة هذا الاتصال ليهتف بنبرته العاشقة المشتاقة. يوسف: ورد؟ يوسف: ورد. إنتى فين؟ أنا...
أسرعت بإغلاق الهاتف تمامًا بعدما انهارت الدموع من عينيها، فقد كانت سوف تهد كل ما فعلته وينهار قلبها معلنًا حبها واشتياقها له. لكنها فقط اكتفت بسماع صوته لآخر مرة وأغلقت الهاتف نهائيًا بعدها. *** يوسف ظل يوسف ممسكًا بالهاتف يتطلع به بشوق وكأنه يراها أمامه. حاول كثيرًا الاتصال بنفس الرقم الذي ظن أنها تتحدث منه، لكن كانت دائمًا نفس النتيجة، مغلق. انتبه شريف لانشغال يوسف بالهاتف ليتسائل بفضول. شريف: مين يا يوسف؟
يوسف: مش عارف. بس قلبي بيقولي إنها ورد. شريف: طب حاول تاني. يوسف: بحاول. بس التليفون اتقفل. مش عارف أوصل لها. شريف: واحدة واحدة. طالما اتصلت مرة. ممكن تتصل تاني. يوسف بأمل: تفتكر؟ ربت شريف على كتف يوسف محاولًا بث الطمأنينة به، فربما بالفعل يجمعهما القدر مرة أخرى. *** بعد عدة ساعات وصلت ورد إلى فرنسا، حين قامت لامار باستقبالها بالمطار بود ملحوظ. أوصلتها بعد ذلك لأحد الشقق البسيطة التي ستقيم بها ورد.
حاولت لامار معرفة ما حدث مع ورد حتى تترك مصر نهائيًا بهذه الصورة. فكانت دائمًا إجابة ورد أنها لم تتفق مع زوجها وطلبت الانفصال وقررت السفر. *** مر شهر بالكامل انغمست فيه ورد بالعمل مع لامار فقط هربًا من التفكير بيوسف وأيضًا محاولة نسيان فقدها لوالدها الحنون. لكن خلال هذا الشهر لم تتغير مشاعر ورد ولا يوسف مطلقًا. ظلت ورد حبيسة حبها المكتوم والتي ظنت إنها ستنساه بمجرد سفرها وانغماسها في العمل.
كذلك لم ييأس يوسف من البحث عن ورد، لكنه بالفعل استنفذ كل الطرق التي يمكن أن تساعده في إيجادها. ومع مرور الأيام اقترب موعد زفاف شريف واستعد لتحضير حفل الزفاف الذي طالما حلم به. *** يوم الزفاف جهز شريف حديقة رائعة لإقامة حفل زفافه اليوم، فهو لم يشأ إقامته في إحدى القاعات المغلقة وفضل أن يكون حفل الزفاف في الهواء الطلق. ارتدى حلته الرسمية الأنيقة ثم توجه لإحضار عروسه لإتمام مراسم الزواج.
بعد قليل أقبل العروسان بطلتهما المبهجة الرائعة على المدعوين لتقام الأجواء الاحتفالية بهم وبليلتهم الفريدة. أصرت العروس بطبعها الأوروبي أن يكون زفافهم غير تقليدي وأن هم من عليهم المرور بالمدعوين ولقاء بهم لتمتزج فرحتهما بفرحة أهلهم. *** يوسف أقبل يوسف نحو شريف وعروسه الجذابة، فهذه أول مرة يتقابلا معًا ليهنئهما بزواجهم السعيد. يوسف: مبروك. وجدها شريف فرصة سانحة لتعرف عروسته بصديقه ورفيق عمله.
شريف: أهو يا ستي الأستاذ يوسف اللي دوشتك عنه. العروس: أهلاً وسهلاً. يوسف: ربنا يسعدكم ويوفقكم في حياتكم يا رب. شريف: آمين يا رب. ويفرح قلبك ويطمنك يا يوسف. أومأ يوسف رأسه بحزن. يوسف: يا رب. تركهم يوسف وقد ابتعد قليلاً ليقف مع زملائه بالشركة مع تطلع العروس بهيئته الحزينة حين تسائلت بفضول. العروس: هو ماله حزين أوي كده ليه؟ إنت قولتلي أنه حب ولا طالشى. يعني إيه؟
شريف: يوسف ده صاحب بجد. ونفسي يفرح بجد من قلبه لأنه فعلًا يستاهل كدة. بس مش عارف أعمل له إيه. موضوعه صعب أوي. حظه وحش!! العروس: إزاي؟ فهمني؟ شريف: حب بنت واتجوزها لكن هي افتكرت إنه اتجوزها عشان يرد جميل والدها بس. فسيبته ومشيت وهو من ساعتها بيتحننن ويلاقيها. دور عليها كتير جدًا بس ملهاش أثر إطلاقًا. العروس: للدرجة دي بيحبها؟ بس طالما سابته خلاص. يمكن هي محبتهوش!
شريف: بالعكس. هي كمان بتحبه. وهو مش قادر يعيش من غيرها. أنا بحسه كل يوم بيموت. العروس: ربنا يجمعهم تاني مع بعض. شريف: يا رب. ده بكرة يعملوا قصة حبهم فيلم زي (قيس وليلى) كده ويسموها (يوسف وورد) العروس: مين؟ هي اسمها ورد؟ شريف: أيوه. هو أنا مقولتلكيش قبل كده. انتبهت فجأة وفهمت الأحداث جميعها وظلت تردد الاسم على لسانها لبعض الوقت. "يوسف وورد... يوسف وورد". وما كانت العروس إلا لامار.
مالت لامار تطلب بدلال من شريف أن ينادي يوسف لتتحدث معه ليبلي طلبها دون فهم. لامار: أستاذ يوسف. ممكن سؤال؟ يوسف: اتفضلي. لامار: هي مراتك اللي إنت بتدور عليها. اسمها ورد إيه؟ يوسف: ورد العالي. ورد عبد المقصود العالي. بتسألي ليه؟ لحظة إدراكها بأن يوسف هو زوج صديقتها وشريكتها جعلها تشهق بخفة وقد اتسعت عيناها باندهاش قائلة. لامار: أنا عارفه فين ورد. لم يكن يظن يوسف أنه سيسمع تلك العبارة أبدًا ليندهش بتلهف شديد. يوسف: بجد؟
إنتى عارفه هي فين واختفت فين الفترة اللي فاتت؟ لامار: أيوه. ورد شريكتي في الشركة بتاعتي في فرنسا. وكانت عايشة معايا هناك. يوسف متعجبًا: فرنسا؟ مش إنتى من إيطاليا؟ لامار: لأ. أنا قابلت شريف صدفة في الحفلة كنت جايه إيطاليا عشان شغل. بس أنا أصلاً عايشة في موناكو في فرنسا. لم يكترث يوسف بكل تلك التفاصيل فما يهمه شئ واحد فقط. يوسف: مش مهم. مش مهم. فين ورد؟ لامار: هي راحت تزور قبر والدها وحتيجي هنا كمان شوية.
لم يطق يوسف الانتظار حتى عودتها ليخرج مسرعًا من تلك الحديقة ليلحق بورد بقلب متلهف مشتاق. لكن بمجرد خروجه من الحديقة وجدها قادمة من بعيد. متألقة مبهرة كعادتها بفستان ملائكي ذهبي اللون. كانت كأميرة أحلام خيالية تقترب نحوه دون أن تنتبه له. دقات قلبه المنتفضة أعلنت أفراحها برؤيتها فقط، شعر بسكينة حلت بقلبه وهدأ فؤاده بالاطمئنان عليها.
اقترب منها أكثر. ومازالت شارده غير منتبهة له، فقط تنظر لموضع قدميها خوفًا من أن تسقط لخطواتها بهذا الفستان الطويل. لم يبق بينهم سوى خطوات قليلة لتشع بهائها كشمس أزاحت الغيوم وأهلت بنورها المشرق بحياته المظلمة. همس بحالمية بنبرته الحنونة التي تدركها جيدًا لتطرب آذانها بصوته ناطقًا باسمها. يوسف: ورد. تجمدت في مكانها، فمجرد سماع همسته باسمها عرفته على الفور من صوته دون حتى النظر إليه.
ظنت أنها تحلم لتجيبه بهمس مشتاقة كما لو تتحدث مع نفسها. ورد: يوسف. رفعت رأسها لتتأكد مما سمعته لتجده أمامها مرتديا بذلته السوداء التي أظهرت وسامته الطاغية التي أذابت قلبها. دقات قلبها المتسارعة وتنفسها غير المنتظم كانتا أول من رد على نداءه. ورد باضطراب: يوسف. كم اشتاقت له. ولصوته الهادئ مناديًا باسمها. كم تمنى قلبها رؤيته. لكن كيف؟ بمجرد سماع اسمها من شفتيه وقد ذابت حباً وتناست ما هربت من أجله. نعم إنها فعلاً تحبه.
أكمل يوسف معاتبًا بحنان. يوسف: سبتينى ليه؟ ورد بحزن: مكنش ينفع نكمل يا يوسف. إنت... قاطعها يوسف: اششش. كفايه. كل مرة بتتكلمى. إسمعينى أنا المرة دي. عشان مش حأسيبك تضيعى من إيدي تاني. ورد: إسمعنى إنت يا يوسف. يوسف: لأ. المرة اللي فاتت قطعتيني واللي حصل خلاني مقدرتش أكلمك وأقولك على كل حاجة جوايا. ومعنديش استعداد أستحمل إنك تسيبيني وتهربي مني تاني. ورد بحزن: كان لازم أمشي.
يوسف: أنتي فاهمه غلط. يمكن باباكِ طلب مني الطلب ده. لكن مش ده السبب إني اتجوزتك. ورد: أمال إيه؟ دنا منها يوسف أكثر ليتطلع بعشق في بحور عينيها الزرقاء وأمسك بيديها بلهفة يضمهما إلى قلبه باشتياق متيم. يوسف: أنا بحبك. بحبك من أول يوم شفتك فيه. من أول نظرة بينا. من أول ما جت عيني في عينك. من ساعتها وأنتي جوه قلبي. ورد: بس أنت...
يوسف مقاطعًا: فيه حاجات كتير أوي حصلت. وناس كانت عايزة تبعدنا عن بعض. وأنا فعلًا اتغيرت. ومش عايز من الدنيا غيرك. ورد صدقيني أنا فعلًا بحبك. ومش قادر أعيش من غيرك. ولا عايز أعيش من غيرك. إنتي مراتي وحبيبتي وحتفضلي طول عمرك مراتي وحبيبتي. ورد بدهشة: إنت مطلقتنيش زي ما طلبت منك؟ يوسف: لا طبعًا. حد يموت روحه بإيده. ابتسمت ورد بسعادة. فأخيرًا تفتحت الورود. أخيرًا انتهت الأشواك.
أعاد يوسف برفق إحدى خصلات شعرها الذهبي للخلف ناظرًا في بحور عينيها قائلًا بهمس. يوسف: أخيرًا رجعتي بيتك جوه قلبي. ومش حأسيبك أبدًا تبعدي عني تاني. كفايه تعيشي جوة الأشواك. ورد بحب: وأنا عمري ما حبعد عن بيتي ده تاني. عمري ما حبعد عن حبك تاني. بحبك بجد يا يوسف. أمسك يوسف بكفها الرقيق وسارا بعيدًا عن كل ما يحيط بهما، فقط سارا في طريق سعادتهما التي طالما انتظرها طويلاً.
فلتبدأ حياة الحب والأمان وتنتهي حياة الألم والأشواك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!