"في أي يا أيوب؟ ... بتزعق ليه على الصبح؟ سألها أيوب وهو يبعد الغطاء عنه. "مش أنا قولتلك اظبطي المنبه قبل ما أنام." قالت نهاد ببراءة. "وعملت كده فعلا... صدح الهاتف مجددًا بالنغمة السخيفة، فأشار لها بنظرة حادة قائلاً: "ودي نغمة تحطيها... عشان تصحيني؟! قالت بإبتسامة صفراء: "دي النغمة اللي بحطها لنفسي... وبعدين مالو مراد وشوشني؟ "أنا غلطان أصلا إني قولتلك اعملي حاجة... بكلم عيلة."
قالها وهو يخرج من الغرفة متجهًا إلى الحمام. قالت من خلفه بترفع أنثوي: "العيلة دي كلها كام سنة وتتخرج وتبقى دكتورة قد الدنيا... ثم نظرت إلى توأمها قائلة: "بذمتك النغمة فيها حاجة يا ندى؟ قالت ندى بمناكفة: "بصراحة بصراحة... انتي مش نافعة في حاجة." صفعت كتفها قائلة: "يعني انتي اللي نافعة؟ آخر مرة ظبطيلي المنبه حطيتي سرينة المطافي." قالت ندى بفخر: "بس يومها صحي منطور من على السرير... افتكر البيت بيولع."
ابتسمت نهاد وهي تتذكر الموقف. لطالما كانا مصدر إزعاج كبير لأخيهم الأكبر وكثرة مشاكلهن ومقالبهن السخيفة بالنسبة له. أما بالنسبة لهن فهي الأظرف والأمتع بينهن. "طب يلا نروح نساعد ماما لحسن يولع فينا أنا وأنتي... سألتها ندى بتذكر. "مش هتكلمي أبرار... على خطوبة لمياء؟ عايزين نحضر لها... ونجيب فساتين." سألتها نهاد بتشكيك. "انتي معاكي فلوس؟ هزت ندى رأسها مصرحة ببساطة: "لا... ناخد من أيوب." رفضت نهاد بحرج قائلة بحزم:
"يابنتي خلي عندك دم! هيكفينا منين ولا منين... كفاية درستنا اللي متكفل بيها من يوم ما وعينا على الدنيا." زمت ندى فمها بوجوم: "أيوا يعني احنا هنحضر بإيه." أخبرتها نهاد بجدية يشوبها الشدة: "بالموجود... بالموجود يا ندى... يلا بينا عشان نلحق نفطر وننزل للجامعة." خرج أيوب من الحمام وهو يجفف وجهه بالمنشفة الملتفة حول عنقه. رأى والدته تنتظره على طاولة الإفطار والفتاتان يأكلان واقفين على عجلة كالعادة. قالت الأم بزفرة استياء:
"قعدوا كلوا... اللقمة هتتهضم إزاي كده." أجابوا سويًا بنفس واحد: "متأخرين ولسه... هنعدي على أبرار." "انتوا علطول متأخرين." قالها أيوب وهو يميل على أمه مقبل كتفها. "صباح الخير يا صفصف." ابتسمت والدته (صفية) وقالت بمحبة: "صباح النور يا حبيبي... اقعد افطر قبل ما تنزل انت كمان." جلس أيوب مستجيبًا لها وهو يبدأ بتناول الفطور. بينما جلست صفية بالقرب منه على المقعد هامسة بحرج: "أيوب كنت عايزة أقولك على ا...
وقبل أن تكمل أخبرها وهو يمضغ الطعام بهدوء: "على الجمعية حطيتها في درج الكومودينو... أنا عارف معادها... بس اتأخرت اليومين دول عشان أجمعها... ما انتي عارفة السوق مريح حبتين." قالت صفية بعيون لامعة بالامتنان: "إن شاء الله ربنا يخليك ليا ويرزقك من فضله... وتفضل سندنا وضهرنا... معلش أنا متقلة عليك بس انت عارف لم نقبضها هنسد من اللي علينا." قال أيوب بتفهم حانٍ: "متشيليش هم يا صفصف... مستورة والحمد لله." "احنا ماشيين."
تحركا التوأم نحو الباب. فقال أيوب بتشكيك وهو يوقف تحركهن: "ماشيين كده من غير المصروف؟ تتحسدوا ولا تكونوا بتحوشوا من ورايا؟ استدارت إليه ندى قائلة بتنهيدة: "ياريت... دا حتى الموصلات غليت والشاورما في العالي." لكزتها نهاد بنظرة صارمة. فراجعت ندى قائلة بصعوبة: "قصدي مستورة... والحمد لله." أشار لها أيوب وهو يخرج المال من جيبه: "تعالي يا حاجة مستورة خدي مصروفك." تقدمت ندى منه سريعًا تخطف الأوراق من يده:
"حبيبي من يد ما نعدمها... عقبال ما تنزل بالزيادة." بدأت تعد المبلغ قائلة بلؤم: "هي صحيح هتنزل امتى؟ هز أيوب رأسه مبتسمًا: "أهوه ادعيلنا بتساهيل." قالت صفية بتوبيخ: "من يومك يا ندى لمضة وعينك فرغة... مجتيش حاجة جمب نهاد." قالت ندى بملامح متجهمة: "أيوا قعدي دفعيلها... دفعيلها... ماهي الدكتورة لكن أنا مش عاجباكي... الكلية بتاعتي مش جايه معاكي سكة." لوت صفية فمها مصرحة: "ولا عمرها هتيجي يا أختي... قال رسامة قال...
بعد دا كله... ترسمي لوح وتملي أوضتك كركيب." قالت ندى بفخر وهي تدس الأموال في جيبها: "الرسم ده فن هادف... بالك انتي لو اتعرفت يا أم أيوب... هكسر الدنيا... هيبيعوا لوحاتي في أفخم المعارض في مصر وبرا مصر." قالت أمها متنهدة: "طيب أما نشوف." نظر أيوب إلى نهاد بمزاح: "وانتي مش ناوية تيجي تاخدي مصروفك يا مراد وشوشني؟ "ما خلصنا بقى يا أيوب." قالتها نهاد بحرج وهي تقترب منه وتأخذ المال. "خلصنا فعلا... اللي يطلب منك حاجة تاني."
ثم مسك نصف البيضة المسلوقة وقضم منه ليشعر بشيءٍ مطاطي أسفل أسنانه. أخرج ما بفمه بملامح منكمشة بالقرف ليرى بين إصبعه صرصور أسود لعبة مطاطية الملمس. "ندااااااااا....... نهااااااااااااا......... وجدهن يخرجن من باب الشقة بسرعة خائفين منه. فضحكت والدته وهي توقفه عن اللحاق بهم: "خلاص يا أيوب... سيبهم لما يرجعوا أنا هشدلك ودانهم." زمجر بحنق من أفعالهن الشيطانية: "عيالك خدوا عليا أوي." لكزته أمه بمحبة قائلة:
"يا واد بيحبوك... وبيحبوا ينكشوك... هما ليهم مين غيرك بعد أبوك الله يرحمه... دا انت أخوهم... وأبوهم... وصحابهم... ربنا يخليك ليهم يا ابني." مال على يد أمه قائلاً بحنو: "ويباركلي فيكي يا صفصف... وميحرمنيش منك أبدا." فإن سألتني وما هي أثمن الأشياء لديك أخبرك أمي... وماذا بعد؟! وجه أمي... ضحكات أمي... حضن أمي... دعاء أمي... وجود أمي... أمي هي الحياة وأنا مستمر لأنها بها.
خرج من باب الشقة وهبط على السلالم المتهالكة وهو يمرر أصابعه على شعره الأسود الغزير ويطلق صفير من بين شفتيه بلحن شعبي قديم. "سي أيوب... الحمد لله إني لحقتك." اليوم بدأ بوجه السيدة (هنادي) يتوقع أنه سيكون يومًا حافل في العمل ما بين جدال الزبائن على عشرون جنيهاً خصم على قطعة ملابس أو ضريبة سيدفعها لرجال الحي حتى يتركوا له البضائع يبيعها بسلام.
نظر إليها بعينيه السوداوين عيون رغم حدتها تلمع بالعبث الصريح. وكأنه لا يفعل شيئًا إلا اللهو مع جنس حواء. لكن في الحقيقة حياته رتيبة لا يعرف من النساء إلا والدته والتوأمان والسيدة هنادي بالطبع. وقف أمامها بطوله الفارع والجسد الرياضي. شاب يضخ رجولة وشباب في كل شبرًا منه. فـتذوب تلك السيدة الأربعينية مسلمة الراية. "صباح الخير يا ست هنادي." "صباح الورد يا أجمل ما رأت عيني."
قالتها هنادي بابتسامة لعوبة وعيون ترسل رسائل غرامية وقحة. ابتسم أيوب وهو يعرف أن أزمة منتصف العمر تخرج عليه هو دون غيره! "خير يا ست هنادي... في حاجة أصل أنا متأخر." قالت بصوت ناعم مائع: "انت علطول متأخر كده... ما تدخل أعملك لقمة." رفض دون النظر إليها: "أكلت مع أمي وأخواتي... ربنا يجعله عامر." قالت السيدة بصوت متلجلج وكأنه تألف حكاية للتو: "طيب أنا كنت عايزة...
تشوف لي حد يصلح التكييف ما انت عارفني وحدانية وأخاف أجيب حد هنا وأنا لوحدي... فقولت لو تعرف حد مضمون تيجي وتوقف معاه." أومأ أيوب بغلاظة: "من عنيا يا ست هنادي... انتي زي أمي." رفعت شفتيها للأعلى: "أمي؟!!! اخص عليك." أخبرها أيوب بلؤم: "مش قصدي في السن... قصدي معزتكم واحدة... دا انتي اللي مربياني." "مانا لو مربياك مش هتقول كده... عمتاً انت الخسران."
أغلقت الباب في وجهه دون مقدمات. فرفع أيوب حاجبه وعلت ملامحه أمارات الضجر. إلى متى سيتحمل تقلبات السيدة هنادي وحركات الإغواء التي تصيبه بالاشمئزاز منها ومن العالم أجمع. هل نهايته ستكون مع السيدة هنادي بعد كل هذا الصبر؟ أدار محرك السيارة الصغيرة النصف نقل والتي تحمل بضائع الملابس الذي يقف بها في أحد الأسواق المعروفة بالقرب من موقع البحر.
فتح الباب قبل أن تنطلق السيارة واستقل بجواره شاب أسمر البشرة نحيف الجسد وسيم الملامح بشعر أسود غزير يلامس مؤخرة عنقه فيجعل من هيئته الفوضوية سارق محتال. أو قاتل مأجور. في النهاية هو كأشخاص معينة لا تود أن تصادفهم في الحياة مرتين فرؤيتهم غير مريحة للنفس. وحتى إن كانوا أبرياء من هذه الاتهامات يظل المظهر الخارجي العملة التي تشترى في عالمنا! "اتأخرت عليك يا أبو الصحاب." رد أيوب على مضض: "علطول متأخر عادتك ولا هتشتريها."
أشار له صديقه بنزق: "طب اطلع بينا يلا خلينا نلحق نفرش البضاعة... ربنا يتوب علينا." انطلق أيوب بالسيارة قائلاً: "بكرة يتوب... نجمع بس فلوس السفر وساعتها ربنا هيكرمنا من وسع." مط الآخر فمه هازئًا: "موت يا حمار... منين واللي جاي على قد اللي رايح... انت بس لو تسمع مني." نظر له أيوب بحدة وضاقت عيناه بالشك: "تاني يا سلامة... ناوي تمشي في العواء تاني؟ هتف سلامة محاولًا التأثير عليه:
"والله العظيم الشغلة دي بيجي من وراها أحلى فلوس... طلعة بس... طلعة بس يا أيوب ونجمع فلوس السفر ونسافر وسنتين وتبعث لأهلك يعيشوا معاك ونسيب البلد اللي مبقتش بتاعتنا دي يا جدع." رفض أيوب بتعنت قائلاً: "مش هعمل كده... مبأكلش أمي وأخواتي حرام... وبعدين انت مش توبة ووعدتني إنك مش هترجع للسكة دي تاني." هتف سلامة بتنهيدة طويلة تحمل أطنان من الأماني المعلقة: "أصل فيه سبوبة لوز اللوز... وعايزك معايا." قال أيوب بنبرة مبهمة:
"قولي بس هتروح فين... وهتعمل إيه وملكش دعوة بالباقي." اتسعت عينا سلامة مبتهجًا: "بجد هتيجي معايا؟ أومأ أيوب قائلاً بصدق: "لا هبلغ عنك يا حلاوة... عشان السجن يصلح حالك طالما أنا فشلت." انطفأت ملامح سلامة ولوح بيده مغتاظًا: "يا عم ليه السيرة دي... خلاص أنا توبة أصلا." نظر له أيوب بشك متوعدًا: "والله ما باين وشكلك لسه ماشي في السكة دي...
بس أنا مصيري قاطع عليك وساعتها ورحمة أبويا والعيش والملح اللي أكلناه ما هرحمك وقتها." أشاح الآخر بعينيه للنافذة: "طب بص قدامك خلينا نوصل بالسلامة الأول." انطلقت السيارة في أحد الأسواق الشعبية المعروفة والقريبة من البحر. تشم رائحة اليود والهواء المنعش هنا. بدأ أيوب وسلامة بفرش البضائع في المكان المخصص لهما ثم تم وضع تسعيرة بمبلغ مناسب يجذب الزبائن والعرض كالعادة لديهم هو (أوكزيون... معروف في السوق أن (أيوب عبد العظيم)
أفضل بائع وأفضل عروض تأتي من خلاله وأنه لبق في التعامل مع السيدات وله سحر خاص عليهن. بدأ الصياح على لقمة العيش وهو يرفع السترة الشتوية للمارة قائلاً: "أوكزيون يا هانم... أوكازيون يا بيه... بمتين جني... الجاكت ده بمتين جني... اتفرج وشوف العروض عند أيوب عبد العظيم ملك العروض." أتت واحدة من الزبائن تسأله وهي تلمس الملابس المعلقة أمامها: "بكام ده." أجاب بصبر: "بمتين يا ست." قالت المرأة بنصح: "مش غالي... طب وعشاني."
أجاب أيوب بالجمل التي اعتاد قولها منذ أن وقف في السوق: "من غير فلوس... بس الحتة دي لو روحتي جبتيها من بره هتلاقيها بأربع نمر." "بجد طب أشوفها."
قالتها المرأة وهي ترتدي السترة وتنظر للمرآة المجاورة لصورتها المنعكسة عليها. وظل اليوم يسير بهذا الشكل ما بين زبونة وأخرى وإقناع تلك والفصال مع ذاك حتى ينتهي اليوم الطويل برجل مجهد محطم من العالم والجميع. وعجلة الحياة تدور بلا توقف ونحن نسرع الخطى خلفها لاهثين وراء لقمة العيش. فلا تسألني عن الأحلام ففي بلادنا الحلم الوحيد الذي نسعى إليه هو الستر.
أصبحت الأيام تعاد في حياتها كمسلسل تلفزيوني قديم حفظت حلقاته على ظهر قلبها ولكنه يظل المفضل لديها. فهي تكره كل ما هو جديد غريب. متمسكة بزمن ولى من حولها كم ولى عمرها معه وغزى الشيب شعرها ورسم الزمن خطوطًا عريضة على وجهها المنير. لكن عينيها تلمع بالحياة والحنان. الحنان الذي أغرقت به أولادها وأحفادها من بعدهم. فكانت الأم في جميع مراحل حياتها عمود البيت المسؤولة كما يراها الجميع. "الفطار...
صالح يلا يا ابني الفطار اتحط." قالتها بقنوط وهي تجلس منتظرة مجيئه. خرج ابنها. هذا ولدها الثاني والوحيد بعد وفاة أخيه الأكبر. رجل في سن الثالثة والأربعون عام. كبير عائلته بعد موت والده وأخيه منذ سنوات. رجل يشع هالة من الرجولة شكيمة ووقار. طويل القامة ضخم البنية وعريض المنكبين. له عينان خضراوان حادتان ورثهما عن والدته. شعر أسود غزير يغزو الشيب بعض الخصلات المتفرقة. ولحية مشذبة تزيد ملامحه الرجولية شموخ وجاذبية مضاعفة.
"يلا يا صالح... كل ده بتكلم في التلفون." قالتها السيدة (أبرار) صاحبة الوجه البشوش والابتسامة الحانية. سألها وهو يتخذ مقعدًا: "انتي عارفه الشغل عمره ما خلص... في ياسين مطلعش معاكي برضو؟ قالت متنهدة بحسرة: "نايم... رجع النهاردة وش الفجر." تافف قبل أن تصل اللقمة إلى فمه تركها وهو يسألها بملامح ممتعضة: "تاني؟ وليه مرنتيش عليا كنت نزلت كسرت دماغه." نظرت له والدته بعتاب: "تاني يا صالح... هتبقى انت والأيام عليا يا ابني."
على صوته نسبيًا وهو يحاول التحكم في غضبه: "أنا والأيام إيه بس يا حاجة... امتى هيعقل ويطلع الهبل ده من دماغه." قالت والدته بحنانها الفطري: "غصب عنه أنا عاذراه... هو اتصرف يا حبة عيني بقلبه... حنين وهي استغلت ده." علت الصدمة وجه صالح وتشدق بازدراء: "وهو أول مرة يتلدع منها؟ ما ياما عملت فيا وفي أبوه." أسدلت أهدابها تنظر للطعام بشهية مفقودة فمرارة حلقها تقتل أي رغبة الآن. "كله عند ربنا... حسبي الله ونعم الوكيل فيها...
أنا خايفة يعمل حاجة في نفسه." سألها صالح بقلق: "انتي متأكدة إنه مش بيشرب حاجة؟ أومات برأسها بتوتر ملحوظ: "آه... هكدب عليكي ليه." نظر لها صالح بقوة يترجاها بصبر نافذ: "يا أمي... لو في حاجة أنا ابنك... وأنا مكان أبوة هنا... خلينا نلحقه." هربت من عيناه مجددًا: "دماغك متروحش لبعيد... هو بس بيشرب سجاير." عقب مرتابًا: "سجاير؟ ... متأكدة؟! "هكدب يعني يا صالح اخص عليك." هتف صالح بعقلانية:
"مش قصدي إنك بتكدبي بس بيسهر فين كل يوم وبيعمل إيه... طالما هي سجاير بس؟ "مع ناس صحابه." ثم نظرت له وقالت برجاء حانٍ: "راضية يا صالح... وخليه يرجع يشتغل تاني معاك في المصنع دا ماله برضو يا ابني وورث أبوه... ليه فيه زيك تمام." اهتز فك صالح وأوشك على الانفعال. فرمقه بعتاب قائلاً: "كلامك محسسني إني واكل حقه... ما على ايدك آخر مرة اتصرف من دماغه وسحب مبلغ واداها له." "مش حرام؟ هي الفلوس دي بتيجي من الهوا."
قالت والدته برفق: "عندك حق... هو يستاهل كل اللي يحصلوا... بس كفاية كده دانتوا بقالكم شهر مش بتكلموا بعض... راضية يا صالح... وخليه يرجع يشتغل في المصنع تاني معاك." رفع حاجب مكفهر: "أنا اللي أرضيه؟ أومات بتأكيد: "وماله دا ابن أخوك... وصغير." جاشت مراجل صدره وهو يخبرها من بين أسنانه: "ياسين مش صغير يا أمي...
دا عنده خمسة وعشرين سنة. أنا وأنا في سنه كنت متجوز ومعايا أبرار. فبلاش تبرري له الغلط عشان هو سايق فيها معايا وأنا زهقت." نادت برجاء: "يا صالح... "أجلي الموضوع يا أمي أنا متأخر وعندي شغل." نهض من مكانه ولم يضع لقمة في فمه فمعدته امتلأت كالعادة بالحديث عن ابن أخيه الطائش والذي كثرت أخطاؤه عنده ولم يعد يتحمل. يكفيه همومه هو ومشاكله التي لا تنتهي. "أي يابو الكباتن... واقف كده ليه... لحقت تفطر."
رن هذا الصوت الأنثوي الرقيق فأشرق صدره بألوان الطيف كالعادة عند سماع صوتها. الشيء الوحيد الذي يجعل للحياة معنى. أبرار صالح الشافعي... ابنته الوحيدة حبيبة قلبه والهدية التي أنعم الله عليه بها. والأمانة التي تركتها أمها في حوزته ورحلت!
اقتربت منه ابنته صاحبة التسعة عشر عامًا. شابة جميلة تنطق عيناها السوداوان بالحياة والشقاوة. لمعتهما قوية تسحر المطلع فتجعلك تريد أن تحلق في سعة فضائها. ابتسامتها تقطر شهدًا. زواجها مشرق بملامح صغيرة تجمع ما بين الطفولة المتشبثة بها بقوة إلى الأنوثة التي طافت عليها مزيج رائع بين كلاهما يجعل جمالها مميز منفرد. أرجعت خصلة من شعرها الأسود الناعم للخلف وهي تقول: "ماشي من غير ما تديني مصروفي؟ غضن وجهه بسأم وزم فمه قائلاً:
"وانا اللي بقول أبرار اتغيرت وبقت خايفة على أبوها ينزل من غير فطار." قالت بغلاظة ثقيلة: "أكيد مش هيحصلك حاجة... أنا مبفطرش من ساعة ما ولدت أصلا." نظر لها بتقريع: "ما عشان كده... بروح المستشفيات في نص الليالي أعلقلك محاليل... اقعدي افطري." قالت وهي تمرر يدها على معدتها الصغيرة المختفية أسفل ملابسها: "بس أنا مش عايزة أفطر... معدتي بتوجعني لما باكل الصبح." قالت والدته بأمر: "تعالي يا أبرار وبطلي دلع." تأتأت أبرار
وهي تدبدب على الأرض بسأم: "يا تيتة مية مرة أقولك اسمي بيري... بيري إنتوا مصعبنها ليه... أنا من ساعة ما وعيت على الاسم ده وأنا بقولكم اسمي بيري... دلعي بيري." قالت والدته بشفاه مقلوبة: "دا دلع ماسخ... وبعدين أبرار مش عاجبك ده على اسمي! أومات وهي تؤكد بحزن: "شوفتي على اسمك... يعني قديم... قديم أوي... أنا عايزة أغيره." نظرت إلى والدها فسألها بمزاح خفي: "وعايزة تسمي نفسك إيه بقى يا ست بيري." قالت بخيلاء وهي
تبعد خصلاته للخلف مستعرضة: "هسمي نفسي إشكي." ضربت والدته يداها ببعضهما قائلة بتوبيخ: "أكتر من كده؟ ... انتي مش مبطلة شكوى." فلتت الضحكة من صالح بينما نظرت لها أبرار بملامح مصدومة قائلة بضيق: "شكوى إيه يا تيتة... بقولك إشكي... إشكي ناز." برمت والدته فمها قائلة بملل: "ونبي أسمك برقبة الإسم المكعبل ده... اسكتي وتعالي كلي... لحسن يغمى عليكي تاني." زفرت أبرار وهي تنظر إلى والدها الذي ربت على وجنتها قائلاً بأمر حانٍ:
"كلي كويس وخدي علاجك... ماشي يا حبيبتي." "حاضر." ثم رأته يخرج مبلغ من المال كما طلبت منه فقالت بشجاعة وهي ترمي قذيفة عليه غير متوقعة: "بابا عايزة أجدد باقة النت." "دي تالت مرة يا أبرار؟ قالها صالح وهو ينظر لها بعدم رضا. قالت ببراءة مؤثرة على قلبه: "يا بابا ما أنا شغلي كله عليه... وانت عارف الدراسة والجامعة." أوقفها صالح بقنوط: "هش خلاص... الكلمتين اللي مش حافظه غيرهم... هشحنه لما أنزل عايزة حاجة تانية."
"عايزة حضن وبوسة... يا أحلى أب في الدنيا." قالتها وهي تلقي نفسها في أحضانه تشبع حاجتها منه فهو لها كل شيء منذ أن وعيت على الحياة. أصبح لها الأب والأخ والصديق. أما حنان الأم فالجدة (أبرار) لم تبخل في مشاعر الأمومة معها يومًا لكنها في أعماقها ما زالت تتجرع مرارة اليتم. فالأم لا تعوض وإن أتى مكانها ألف يظل شعور الحرمان يحوم بين ثنايا الروح والقلب يرنو شوقًا وحزنًا إلى تلك المشاعر الخاصة التي يحظى بها البعض.
"ماشي يا بكاشة... نازلة الجامعة؟ سألها والدها وهو يفصل العناق بينهما. فاومات بتأكيد: "آه نهاد وندى... هيعدوا عليا." "طيب خدي بالك من نفسك كلميني لما تنزلي." "عيوني يا أبو الكباتن." نظر إلى أمه قبل أن يرحل: "عايزة حاجة يا أمي." "لا يا حبيبي... في رعاية الله." عندما أغلق صالح الباب خلفه نادت جدتها عليها بنظرة معاتبة: "يلا يا أبرار تعالي افطري." "مش عايزة يا تيتة." "هتاكلي غصب عنك قعدي عشان العلاج اللي بتاخديه."
قالتها بأمر حازم. فرضخت أبرار على مضض. وقبل أن تأكل أبرار قالت الجدة بغيظ وهي تكلزها: "بقى مش عاجبك اسمي... طيب يا أبرار عارفة ورق العنب اللي كنت ناوية أعملهولك... مش هعمله." نظرت لها أبرار بقوة مضحكة: "لا متهزريش... أنا نقطة ضعفي الورق العنب." لوت الجدة فمها وهي تنظر إلى جسد حفيدتها النحيف: "اللي يسمعك يقول إيه البت أكيلة أوي... مش شايفة جسمك راح في داهية إزاي." قالت أبرار بترجي: "ياتيتة بقى متغيريش الموضوع...
عايزة ورق عنب." نظرت لها الجدة بلؤم قائلة بعد تفكير: "أنا ممكن أعمله وأنسى كلامك البايخ عن اسمي... بس بشرط." قالت أبرار بابتسامة واسعة: "عيوني ليكي قولي." قالت الجدة بحنو: "تنزل تنادي على ياسين يطلع يفطر معانا." انكمشت ملامحها وغابت الابتسامة عن شفتيها وهي تصيح برفض قاطع: "لا... مش عايزة أكل ورق عنب... أنا هطلب بيتزا." "كده يا أبرار... انتي يابت." راتها تبتعد عنها بضجر وهي تمتم بصوت مسموع: "استحالة أنسي...
انتي جاية تحطي النار جنب البنزين... لا ابعديني عنه دا عيل تنح." عادت الجدة تناديها بلوعة: "يابت يا أبرار... يابت... طب تعالي افطري." قالت وهي تغلق باب غرفتها: "نفسي اتسدت أكتر ماهي مسدودة... قال نادي ياسين يفطر قال." "ماشي يا أبرار... راسك ناشفة زي أبوكي." ثم وضعت يدها على خدها تنظر إلى الإفطار بحسرة، والذي لم يمسه أحد بسبب اختيارها لأحاديث لا تصلح وقت تناول الطعام! "والفطار ده هيروح فين... كله غضب عليه كده."
تسير في الشارع من زقاق إلى أضيق منه بجسد مجهد وساقان تتحركان بصعوبة. أهلكت نفسها في العمل ككل يوم حتى تحصل على القليل. القليل الذي يسد احتياجاتها هي وابنتها. وأمها. "شروق." توقفت عن السير مستديرة بكليتها إلى مصدر الصوت لترى السيدة (أم سمير) جارتها الودودة. الود الزائد عن حده متحولًا إلى فضول لعين يشعرها بالاختناق وعدم الارتياح بالحديث معها. "عاملة إيه يا شروق... عشت ومشفتش يابنتي ولا كاننا جيران."
بداية الاستطلاع والتدخل فيما لا يعنيك تبدأ بمقدمة ودودة عن كيف الحال. لماذا أنت مختفي عن الكرة الأرضية؟ هل تسافر إلى المريخ بين الحين والآخر لذلك لا نراك معنا؟ ابتسمت شروق بصعوبة تخبرها بوئام زائف: "آهوه الدنيا تلاهي ما انتي عارفه الشغل... عاملة إيه يا خالتي أم سمير." ضاقت عينا السيدة بمناورة تسألها: "الحمد لله... هو انتي بتشتغلي إيه يا شروق محدش يعني يعرف لحد دلوقتي... بتشتغلي إيه؟
أصبح الجو خانق مع كثرة الأسئلة الغير مجبورة على إجابتها. ومع ذلك تمسكت بزمام الصبر قائلة بهدوء: "واقفه في محل عطور... تحبي أديكي العنوان." لمعة عينا السيدة الفضولية: "أحب أوي... فين بالضبط؟ "في سموحة." قالتها شروق في إجابة مختصرة وغير محددة. ظهر الحنق على وجه السيدة فقالت بإهانة مستترة: "فين في سموحة... سموحة كبيرة وكلها محلات... وعماير برضو." رفعت شروق حاجبًا محتد تسألها بعينين تنفثان نارًا: "تقصدي إيه يا أم سمير."
تراجعت السيدة عن المتابعة وخشت أن تتلقى حتفها بسبب لسانها السليط: "ولا حاجة... المهم أمك عاملة إيه... وبنتك." مطت شروق فمها مجيبة: "الحمد لله... كلنا بخير." سألتها السيدة بفضول: "مش بتروحي زيارة لجوزك." رمقتها شروق بتحذير: "قصدك طليقي." قالت الأخرى بلؤم: "يووه نسيت إنك خلعتيه." اهتز خصر شروق بانفعال ملحوظ وقالت بنقم: "خلعاه من تلات سنين وكل ما أقابليني تكرري كلامك... يكونش الزهايمر جالك وأنا معرفش." قالت السيدة بخوف:
"بعد الشر عليا إن شاء الله عدويني." تاففت شروق وهي تنوي المغادرة فاوقفتها أم سمير قائلة بلوعة زائفة: "بس برضو البت بنته ولازم يشوفها." ردت عليها شروق بدفاع: "البت بنتي... ومصلحتها إنها تبعد عن أبوها ومصايبه." علت الدهشة وجه السيدة قائلة بحيرة: "يالهوي يا شروق اللي يسمعك كده يقول كرهتيه... دا كان حب عمرك يابنت دا انتي وقفتي قصاد أبوكي الله يرحمه وأمك عشان تجوزيه."
ضاق صدرها مع تذكر الخيبة الكبرى التي اختارتها بملء إرادتها كالحمقاء. ركضت خلف الحب حتى جرفها إلى الهاوية دون رحمة. قالت بنبرة نادمة تقطر قهرًا: "كنت مغفلة... عيلة ومش عارفة مصلحتي... ياريتني سمعت كلامهم مكنش ده بقى حالي." قالت السيدة بشفقة عليها: "حنش كمان كان بيحبك ويتمنالك الرضا ترضي... بس هو اللي كان ماشي ورا شيطانه ومطوعه." التوى فكها ألمًا وهي تشعر بأنها تمضغ الكلمات بقسوة كالحصى:
"وخدت إيه من الحب غير وجع القلب والدماغ... دا انتي كنتي بتطلعي على صوتنا يا أم سمير تحوشيني من تحت إيده... بهدلة ومرمطة ومن النيابة دي للنيابة دي والبت على دراعي بلف بيها." ضحكت ضحكة مريرة تعبر عن مدى سذاجتها وثقتها في شخصًا شقي يتقامر مع الشيطان ويضع حياتهما رهن المخاطر والتي لا تنتهي أبدًا معه.
"وكل مرة يوعدني إنه هيبطل عواء وهيمشي عدل ميعديش شهر وأسمع مصيبة جديدة عملها ولفي ورايا تاني يا شروق من المحكمة دي للمحكمة دي وتحيلي على المحامي الفلاني ده... وبوسي إيد أمين الشرطة ده... اسكتي يا أم سمير سبيني حطه جوايا وسكتي." تنهدت السيدة تنهيدة كبيرة ثم سألتها بفضول لا ينضب: "وتفتكري هو هيسكت بعد ما كسبتي قضية الخلع؟ تشرست الكلمات على شفتيها وهي تقول بعنفًا: "أعلى ما في خيله يركبه...
معدش فارق معايا رجوعي له بموتي... الحمد لله إني خلصت منه... وبنتي هربيها لوحدي وهكبرها وهطلعها أحسن من وهي معاه." صعدت إلى الطابق الثاني فتحت باب الشقة بالمفتاح. ثم نزعت الدبوس من وشاح رأسها فانسدل شعرها الأسود منساب بنعومة خلف ظهرها. نظرت للمرآة المنعكسة لصورتها وشردت بـنيتاها الغائمة بالحزن للبعيد تفكر في حديث أم سمير. هل حقًا سينتقم منها (حنش) عند خروجه من السجن؟
مزال الوقت مبكرًا للخروج. لماذا تفكر في شيء سابق لأوانه. سمعت نشيج خافت يأتي من غرفة أمها فهوى قلبها أرضًا بقلق وهي تقترب من الغرفة بخطوات متعثرة بالخوف لترى ابنتها الصغيرة تخرج والدموع تغرق مقلتاها. اقتربت منها شروق وجثت على ركبتيها أمامها في مستواها تسألها بلهفة: "مالك يا ملك؟ ... في إيه؟ قالت الصغيرة بنبرة متقطعة بالبكاء: "تيتة مش بترد عليا يا ماما... فتحت عينها بس مش بترد."
توسعت عينا شروق وشعرت أن خفقات قلبها توقفت. ربما توقف الزمن عند حقيقة ملموسة تصديقها يعد نهاية محتومة لا مجال للتغير أو التنائي عنه. "انتي بتقولي إيه يا ملك؟ سألتها شروق برهبة والدموع تجريان على وجنتيها بعدم تصديق ونظرات تتنقل بين ابنتها وباب الغرفة الموارب. خلف الباب أمها... أو ربما جسد أمها فقط... حتى التأكد من الأمر يتطلب منها شجاعة عظيمة. "أنا روحت جبتلها الماية زي ما قالتلي رجعت لقيتها كده." قالتها ابنتها (ملك)
بنشيج مؤلم. فالطفلة التي أتمت التسع سنوات من عمرها تعيش أول صدمة وحقيقة في الحياة. الموت. الموت الحقيقة التي مازلنا نستنكر وجودها بيننا ونراها أبعد من الوصول إلينا حتى تصفعنا على حين غرة ونجد أنفسنا عرضة للمواجهة الكبرى. نهضت شروق بهلع وبقلب يرتجف بزعر فتحت الباب تقطع الشك باليقين. "أمه."
كانت آخر كلمة نطقت بها قبل أن تقع أرضًا صارخة صرخة الفقد. صرخة أتت من الأعماق تتمزق معها أحبالها الصوتية مثلما تمزق قلبها من هول الصدمة. أخذها الموت دون وداع مسبق. أو نهاية يدركها العقل. حتى نهايات الموت أقرب للخيال. فهو شيء غير متوقع إلا بعد الحدوث! "الشاي يا سي أيوب." أتت عليه شابة قصيرة القامة نحيفة الجسد ترتدي عباءة سوداء تخفي جسدها ووشاح تلفه حول رأسها بطريقة محكمة. أخذ أيوب منها الكوب قائلاً بود:
"تسلم إيدك يا عزة... عقبال ما نشرب شربات فرحك." "ادعيلي ألاقي ابن الحلال اللي يستتني ويرحمني من المرمطة." قالتها بصوت مجهد مشيرة على ناصبة الشاي التي تعمل عليها لتعيل نفسها. فهي بمفردها في هذه الحياة. أتت الدنيا مسئولة عن نفسها منذ أن كانت طفلة. وفي الشارع عمل المرأة يصبح كساحة حروب مبطنة فأنت مطمع للجميع وكذلك مصدر للسخرية والإهانة من البعض الآخر. قال أيوب بمودة: "إن شاء الله... ييجي."
أقترب سلامة منهما قائلاً بعد أن وضع باقي العدة في السيارة بعد أن انتهى اليوم الحافل بالعمل والصياح في السوق. "أيوب أنا قفلت... عايز حاجة تانية." سأله أيوب متعجبًا: "مش هتروح معايا... آخدك على سكتي." "لا أنا هروح أسهر مع ناس صحابي." ثم نظر إلى عزة قائلاً بملاطفة: "إزيك يا وزة." ردت عزة مبتسمة: "إن شاء الله تسلم... يا سي سلامة... بخير الحمد لله... فوتكم بعافية." "استني خدي الكوباية."
أوقفها أيوب وهو يأخذ رشفة من كوب الشاي الساخن ثم أعاده إلى الصنية ومعه ثمن المشروبات الساخنة التي شربها طول اليوم. قالت عزة بحرج: "بزيادة دا يا سي أيوب." ابتسم أيوب ببشاشة: "ولا زيادة ولا حاجة... يلا على أكل عيشك." عندما ابتعدت غمز له سلامة قائلاً بمكر: "إيه... الصنارة غمزت." نظر له أيوب مستنكرًا: "هتغمز مع عزة؟!!! دي عندي زي نهاد وندى... ربنا يصلح حالها." تم سار نحو السيارة استقل مقعد القيادة قائلاً بتذكر:
"يلا نتقابل بكرة الصبح... عايزين نعدي على مصنع الملابس الأول... صالح الشافعي كلمني وعايزني معرفش عايز إيه." "ماشي بكرة نشوف." لوح له سلامة بالوداع ثم سار عكس الاتجاه بينما انطلق أيوب بسيارته مغادرًا. أثناء القيادة وعلى الطريق السريع، طريق مظلم شبه منقطع حدث المتوقع من سيارته الخردة المتهالكة من كثرة الاستعمال فقد وقفت فجأة. "أنا عارف يوم مش باين من أوله... مش اصطبحت بوش الست هنادي."
ترجل من السيارة زافرًا بغضب وهو يفحص صندوق السيارة الأمامي ويفحص أين العطل. فمن كثرة أعطال السيارة أصبح خبير في الإصلاح خصوصًا في الطوارئ المشابهة كالان مثلا. طريق مقطوع وهو واحد مع سيارة خردة معطلة. "امال لو مكنش عليكي قسط كنتي عملتي فيا إيه." حدث السيارة وهو يجز على أسنانه محاولًا إصلاحها حتى يصل لأقرب ميكانيكي فيبدو العطل أكبر من المستطاع فعله. رفع الهاتف على أذنه قائلاً بعد أن فتح الخط: "أي ياسطا...
العربية عملتها تاني... وفي حتة مقطوعة." التوى فك أيوب ساخطًا منه: "هو إيه اللي عملتها إزاي... عملتها على جنب متصحصح معايا... العربية عطلت بيا مش راضية تتحرك تعالى وهات عدتك ولا هات حد يسحبها وأنا هحاسبك." "ماشي يا حلاوة متتأخرش."
أغلق الخط ثم وضع السجارة في فمه مشعلها وهو يزفر دخانها بتعب ناظرًا إلى السماء السوداء اللامعة بالنجوم والأرض الواسعة أمام عيناه. ليت الطريق في حياته واسعًا وممتد كهذا المكان. يشعر أنه يختنق كل يوم عن السابق وكأنه يعيش في ثقب إبرة كل شيء محدد بصورة تجعلك تعيد حساباتك بالهروب من هذا الوطن.
ربما الهجرة تأتي بالنفع ويدخر الأموال ويعود لفتح باب رزق أفضل من الوقوف في الشوارع والصياح على قروش في زمانًا باتت الألف جنيهًا لا تساوي شيء. شعر بالملل من كثرة الوقوف والتفكير ففتح مذياع السيارة يسمع أغنيته المفضلة للمطرب المفضل لديه. "كل ما تعطل أديها حكيم." قالها بيقين وهو يشعر أن أغاني حكيم وضجيج الموسيقى الناتج معها ينهي ضجيج أفكاره لبعد الوقت.
انتبه أيوب لسيارتان تسيران بسرعة كبيرة أمامه ثم توقفا على نسبة بعيدة منه لكن تلمحها عيناه التي رأت رجال مفتولي العضلات يخرجوا شخصًا من السيارة الأخرى التي داهماها منذ لحظات. اتضح أن الشخص امرأة تصيح فيهما بعناد أن يتركوها. أغلق أيوب المذياع وسحب عمود حديدي من العدة واقترب من موقعهم بخطوات حذرة. سمع أحد الرجال يخبر المرأة المقيدة بين أيديهم: "الباشا عايزك... تعالي معانا." رفضت وهي تصرخ بجنون: "مش جايه معاكم في حتة...
ابعدوا عني... سيبوني... سيبوني... سيبوا دراعي." حاولت التملص منهم بكل قوة تمتلكها لكن القوة الجسمانية لدى الرجال تفوقها. فبدأت تصرخ معافرة بين أيديهم حتى يحلوا وثاقها وكان هذا مستحيل. "مش عيب تستقوى على واحدة ست." قالها أيوب وهو يظهر لهما من العدم لذا جفل الرجال لبرهة مما جعلها تخلص نفسها باعجوبة من قبضة أيديهم. "اتكل على الله يا جدع انت... لحسن الجاي مش هيعجبك." أردف أيوب بجسارة: "ولا هيعجبك يا حلاوة."
"انتي كويسة يا ست." سألها أيوب وهو يستعد بالعمود الحديدي. أومات المرأة برأسها وعينيها الرمادية تحكي قصة ماساوية عاشتها للتو. أو منذ مدة!
أقترب منه أحد الرجال ينوي البطش به. فرفع أيوب الحديدة وضرب بها عدة مرات في أماكن متفرقة من جسد الرجل حتى انبطح عند قدمه فاقد الوعي. أما الثاني فاخذ ضربة واحدة ثم أمسك العمود الحديدي بيد. وباليد الحرة مسك ذراع أيوب يشل حركاته ودفاعه فلم يجد أيوب إلا أفضل سلاح يستخدمه في الأوقات الحرجة كالان. خبط رأسه برأس الرجل خمس مرات متتالية بقوة فوقع الرجل فاقد الوعي وجرح أيوب رأسه جرح سطحي.
بصق أيوب عليه وهو يمسح الدماء من رأسه. ثم رفع عيناه عليها بأنفاس عالية متحشرجة بعد أن خرج للتو من معركة غير متكافئة.
ظهرت أمامه تلك المرأة والتي دقق فيها عن كثب الآن. شابة جميلة بعيون رمادية. بشرة بيضاء وشعر تندمج خصلاته الناعمة ما بين الأشقر والبني صانع مزيج رائع مع ملامحها الأنثوية. قصيرة القامة قليلاً اتضح هذا عندما وقفت أمامه على بعد خطوات. رشيقة القوام ترتدي ملابس فخمة أنيقة. إن كل ما بها يحكي عن ثراء وفخامة. من أول عبق عطرها الذي داهم أنفه منذ أن اقترب من هنا حتى ملابسها ونظرة الاستعلاء. عفوًا هل تنظر إليه بتعالٍ بعد أن أنقذ حياتها أم يتوهم الأمر؟
"شكرًا... اتفضل." الآن تأكد أنه لا يفتري عليها. رفع أيوب حاجبيه سائلًا وهو ينظر إلى المبلغ الذي تقدمه إليه: "إيه ده؟ قالت بترفع: "دي حاجة بسيطة بعد اللي عملته." نظر للأموال باستخفاف: "بس أنا معملتش كده عشان آخد دول." "عايز أكتر... استنى." قالتها وهي تتجه إلى سيارتها. أوقفها أيوب قائلاً بنفاذ صبر: "استني انتي... أنا عملت كده عشان دا الصح. الرجولة والشهامة بيقولوا كده. ومينفعش أشوف موقف زي ده وأسكت." سألته بتململ:
"يعني مش هتاخد الفلوس." صرح برفض قاطع: "لا طبعًا." لوحت بيدها بغيظ قائلة بتكبر: "انت هتشيلني جميل ولا إيه... خد عرقك وخلصني." امتقع وجه أيوب وفارة الدماء في عروقه: "دا انتي قليلة الذوق بقى." اتسعت عينيها الرمادية بصدمة. فاقترب هو منها خطوة فتراجعت للخلف خطوتين. فصاح أيوب متجهمًا: "هو محدش علمك في البيت الأصول... ولا إزاي تتعاملي مع الناس... سابوكي كده ترازي في الخلق وتشتري وتبيعي فيهم." فغرت شفتيها بصدمة أكبر:
"أفندم." ضرب أيوب على صندوق السيارة الفارهة بعصبية قائلاً: "أفندمين تلاتة... اركبي عربيتك واتكلي على الله لحسن يفوقوا ويقوموا عليكي وساعتها والله ما هلحقك تستاهلي اللي يجرا فيكي." أدار وجهه عنها فصاحت بشجاعة من خلفه تزجره بغضب: "انت بتشتري وتبيع فيا بتاع إيه يا جدع انت تكونش واصي عليا... وبعدين أنا مطلبتش مساعدتك انت اللي اتحشرت." "أنا اللي اتحشرت؟
استدار إليها جاحظ العينين بغضب هائل منها. فاغلقت فمها بيدها كطفلة أخطأت دون قصد. قال أيوب بعد لحظتين من الصمت والنظر إليها بطريقة أرعبتها منه خصوصًا أنها تقف في طريق شبه مقطوع والسيارات نادرًا ما تمر به: "أنا هروح أجيب مايه أفوقهم ونعيد من الأول ولو شوفتيني هويت ناحيتك ابقى تعالي حاسبيني." لمح في سيارتها زجاجة ماء ففتح الباب وأخذها مستعدًا للتنفيذ. فمسكت الزجاجة بقلب مذعور وهي تمنعه: "انت بتعمل إيه."
ظلت يدها متعلقة بزجاجة وهو كذلك وشنت حرب شعواء من النظرات المستمرة بينهما. وعندما رأت التحدي والجدية مرتسمة على ملامحه سألته ببلاهة: "انت بتكلم جد؟ هتف أيوب بتهديد صريح: "أمال بهزر... هتمشي ولا أفوقهم ونعيد تاني." جزت على أسنانها وهي تسحب زجاجة الماء منه: "همشي وبمزاجي على فكرة." سمعت فجأة صوت نباح ياتي من الطريق المظلم فعادت بعينيها الرمادية إليه بخوف: "إيه الصوت ده؟ "سلعوة." تشدقت بصوت مرتجف: "إيه سلعوة؟
مط أيوب فمه هازئًا: "خايفة من إيه... هو انتوا مش من نفس السلالة." نظرت إليه بضيق بالغ: "أحترم نفسك يا... ألقى عليها ابتسامة سمجة ملوحًا لها وهو يبتعد عنها متجهًا إلى سيارته البعيدة نسبيًا عنها: "أيوب... أيوب عبد العظيم... أتمنى مقابلكيش تاني... نهائي... طريقك أخضر." صاحت في الهواء الطلق بحرقة: "قال أنا اللي هموت وأقابلك تاني... فيداهيه."
استدار أيوب ونظر لها بقوة مما جعلها تفتح باب السيارة سريعًا وتدير محركها ثم تنطلق بها بعد دقيقتين. "جبانة." قالها أيوب وهو يتابع السير نحو السيارة رافع الهاتف على أذنه: "انت فين ياسطا... بقالي ساعتين مستني." هناك صدفة تجمعك بمن تحب وصدفة تجمعك بروحك الغائبة وصدفة أخرى أشد وطأة تكون بداية انقلاب حياتك رأسًا على عقب! يتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!