في ردهة المشفى العامة تقف نهاد بين زملائها. عيناها تلمعان بالتركيز، شغوفتان بكل ما يحدث حولها. هذه أولى زياراتها الميدانية كطالبة في السنة الثانية من كلية الطب. ارتدت معطفها الأبيض وأسدلت سماعتها الطبية حول عنقها. برغم أنه لم يَحِن أوان استخدامها بعد، إلا أنها كانت هدية أيوب لها بعد أن نجحت بامتياز في السنة الأولى كطالبة متفوقة طوال سنة الدراسة بشهادة أساتذة الجامعة.
اليوم هناك شيءٌ تغير في هذه الزيارة القصيرة. لم تكن مجرد طالبة تحفظ التشخيصات والأدوية من الكتب، بل أصبحت ترى الطب بعيون مختلفة. أخرجت دفترها وراحت تدون ملاحظاتها عن بعض الحالات التي تراها وتعليقات طبية من أستاذها الوقور. بدأت تسير في الممر بين زملائها ورائحة المطهرات الممزوجة بالأدوية تزكم أنفها وتضفي شعورًا غريبًا بين الفرحة والرهبة من مستقبل ينتظرها هنا، في علم تعشق تفاصيله وشغوفة بمعرفة المزيد عنه.
توقفت نهاد فجأة متسعة العينين. وقد تابع زملاؤها والطبيب المشرف عليهم السير. عادت أبرار التي توقفت عندما لاحظت وقوف صديقتها. تقدمت منها أبرار تسألها بقلق: "في إيه يانهاد؟ وقفتي ليه؟ نظرت نهاد إلى غرفة الطوارئ المفتوحة. صفوف الأسرّة مصطفة، بعضها مشغول بمرضى تخطوا مرحلة الخطر، بينما هناك القليل في حالة طارئة يعانون من الجروح والنزيف. وهو...
هو واحد منهم. مصاب بطعنة في جانبه الأيسر. قميصه ملطخ بالدماء، يئن متألمًا مستنجدًا بأي أحد يوقف نزيفه ويسكن ألمه. انطلقت نحوه دون تردد يقودها قلبها الخافق بالوجع بعد رؤيته بهذا الشكل جريحًا متألمًا، ملابسه مليئة بالدماء. "سلامة...
توقف عن التأوه وهو يدرك وجودها أمامه في أشد وأصعب اللحظات ألمًا وضعفًا. طلت عليه بهية الطلة، حسنة الشكل بمعطفها الأبيض الهفهاف وسماعتها الطبية حول عنقها ووشاح رأسها الملتف بأناقة يضفي سحرًا خاصًا عليها. "مين عمل فيك كده؟ وفين الدكتور؟ تساءلت نهاد وهي تجلس على حافة الفراش بجواره، ثم مدت يدها تفتح أزرار قميصه بتركيز شديد.
توقفت أنفاس سلامة متوجسًا ومحرجًا وهو يراها تتعامل مع الأمر بسلاسة كطبيبة أمام حالة طارئة. هي طبيبة بالفعل، لكنها ما زالت في مرحلة الدراسة ولم تحصل على اللقب بشكل رسمي. لكنها مسألة وقت وصبر. ومن غيرها يستحق أن يكون؟ صاحت أبرار توقفها عما تفعله بعدم رضا: "نهاد بتعملي إيه... غلط كده... لو حد من الدكاترة شافك هتحصل مشكلة."
أخرجت نهاد علبة الإسعافات الصغيرة من حقيبتها وهي تقول بملامح جامدة، رغم أن النظرة في عينيها مرتعبة عليه، لكنها تقاوم. تقاوم مشاعرها بجهاد مع قلبٍ ملتاع في حضرة من يهوى! "هوقف النزيف بس... أصلا الجرح محتاج خياطة... رفعت عينيها عليه تسأله بحنق شديد كأم توبخ ابنها: "مين عمل فيك كده؟ إمتى هتبطل عمايلك دي... حرام عليك بجد نفسك...
لم يرد عليها بل ظل يحدق بها ببلاهة. ورغم الألم الذي يطعن جانبه الأيسر بقسوة أسفل قطنة يدها، كان يشعر أن الجروح تستكين. عيناها عليه كانتا كمسكن يخفف من وطأة الضعف. "مين المتوحش اللي عمل فيك كده؟! سالته فامتنع عن الإجابة. فقالت بشراسة أنثى: "لازم نبلغ... حينها رفض سلامة بالقول: "مش مستاهلة أنا كويس... وقبل أن ترد عليه بتقريع لاذع يعيد إليه عقله الغائب، أتى صوت طبيب الطوارئ الذي صاح مستهجنًا: "بتعملي إيه عندك يا آنسة؟
توقفت نهاد عما تفعل ونهضت من مكانها تبتلع ريقها بارتباك من عواقب تسرعها. قالت بتبرير: "أنا كنت بحاول أوقف نزيف الجرح." تحدث الطبيب بصرامة: "ومين سمح لحضرتك تعملي كده... أنتي شغالة هنا؟ هزت رأسها نفيًا. فدقق النظر بها ثم قال: "طالبة مش كده؟ أومأت برأسها مؤكدة. فقالت أبرار مساندة لصديقتها: "معلش يادكتور... أصل مـ.... قاطع سلامة الحديث بصوتٍ خافت متألم قليلا:
"أنا اللي طلبت إنها تساعدني. صعبت عليها فعملت كده. أنا آسف يا آنسة لو سببتلك مشكلة." نظرت له نهاد بغضب. فقال الطبيب بقلة صبر: "يا ريت تتفضلوا انتوا الاتنين تلحقوا زمايلكم والدكتور اللي بيشرف عليكم." أومأت أبرار بالموافقة دون اعتراض وتحركت قبل صديقتها. بينما اقتربت نهاد من سلامة وعلى مرأى عينَي الطبيب المراقب باستهجان.
مالت على سلامة تقول بجرأة لطالما انهزم أمامها وكأنه لم يلهو يومًا مع جنسها. لكنها نهاد ويكفي أن يكون أمامها كطفل شقي، كتلميذ مشاغب، كشاب مرتبك، كرجل خجول أمام النساء. غريب الأطوار في حضرتها! "هجيلك تاني... ساعة بالظبط وهتلاقيني عندك." ابتعدت بعدها ومعها هاجرت خفقات قلبه وجفّت الدماء من وجهه. وبقي جافلًا في مكانه كزرع يابس.
بعد ساعتين تقريبًا كانت تطل عليه بابتسامة جميلة وعينين رغم صفائهما إلا أن العتاب فيهما بحر يبتلعه. جلست بالقرب منه على المقعد. أخرجت علبة من العصير وقدمتها له قائلة: "اشرب ده عشان الدم اللي نزل منك... الدكتور طمني عنك." ثم برمت شفتيها مستنكرة: "بس طول ما انت ماشي في السكة دي أنا عمري ما هطمن." ظل يحدق بها دون تعليق. فقالت بعد مرضا: "مش ناوي تقولي مين عمل فيك كده؟ رد عليها بنبرة متوعدة: "واحد حمار...
مطمرش فيه العيش والملح. بس مصيري هردها ليه... وبالقوي." قالت بصوتٍ اختلط فيه العتاب بخيبة الأمل: "وانت بقا اللي طمر فيك العيش والملح؟ أخرج زفرة ثقيلة من صدره وهو يبعد عيناه عنها قائلاً بعذاب: "متزوديش عليا يادكتورة... أنا عارف غلطي وقريت بيه." قالت بقسوة: "وهيفيد بإيه بعد اللي حصل." تاففت بحنق وهي تشير على العلبة التي بين يده: "اشرب العصير." رفض وهو ينظر إلى العلبة التي كان يمسكها: "مش عايز."
نظرت نهاد إليه بحنق وعيناها تتفحصان جذعه الملفوف بالشاش وجسده الضعيف المنهك الراقد على فراش المشفى بلا حول ولا قوة. "متعندش ياسلامة أنا بنصحك لمصلحتك... لنفسك مش ليا." صاح سلامة واجمًا: "كانت غلطة... غلطة وعمرها ما هتتكرر." توسعت عيناها وهي تسأله بشك: "بجد... يعني مش هتمشي في السكة دي تاني." قال سلامة بعينين تترجيان السماح منها ومن قلبها الملام عليه: "توبت... والله العظيم توبت...
بعد اللي حصل لأيوب بسببي حلفت يمين بالله عمري ما هرجع للسكة دي تاني مهما حصلي. صفحة وقفتها... وربنا يسامحني ويرضى عني." قالت نهاد بابتسامة حانية: "هيسامحك لو بجد هتتغير... زي ما بتقول." أوما براسه بحرارة: "هتغير يادكتورة... المهم تصدقيني." خفق قلبها بين أضلعها خفقةً تختلف عن خفقات الحب في حضرة الحبيب! بلّلت شفتيها تسأل بنظرة قلقة من الإجابة رغم لهفتها لسماعها، أو حتى التلميح بها: "وليه المهم أصدقك؟
ارتبك أكثر منها وهو يدرك أنه تسرع في ردة فعله. فقال بتلعثم: "علشان... علشان أنتِ... أنتِ مهمة أوي عندي... زي... زي أيوب... نفس غلاوته عندي." رفعت حاجبها معقبة بغموض: "نفس غلاوة أيوب! أومأ براسه وهو يغير مجرى الحديث ببراعة قائلاً: "تفتكري هيسامحني بعد اللي حصل ده كله." قالت بتفاؤل بعد تنهيدة طويلة: "بيقولوا تبات نار تصبح رماد... مصيره يصفى من ناحيتك هو بيعزك وكان شايفك أخ ليه." "أديكي بتقولي كان." قالت بنظرة جادة:
"آه... والموضوع متوقف عليك هنا." سألها بعدم فهم: "مش فاهم." قالت بصبرٍ كمعلمة تبسط المعلومة لتلميذها: "يعني لو أثبت فعلا إنك اتغيرت... أكيد هيرجع الود بينكم." "وانتِ... سألها والنظرة في عينيه متأججة بالمشاعر الحارة. أدعت الحيرة بالسؤال: "أنا إيه؟! بلهفة طرح السؤال وصدره يموج بالكثير: "هيرجع الود؟ رفعت حاجبيها بدهشة من كلمات خرجت منه دون تفكير تاركة أثرًا غامضًا بينهما! "قصدي هتصدقي إنّي اتغيرت؟
سحبت نفسًا مرتجفًا تهدئ اضطرابها ثم ردّت بعقلانية: "بالأفعال مش بالكلام أكيد هصدق." قالت وهي تشير على العلبة مرة أخرى: "اشرب بقا العصير... وكفاية رغي عايزين فعل يا أستاذ بس بعد ما تقوم بسلامة إن شاء الله." حدقت به لوهلة ثم قالت بحزم واضح كأم تحذر ابنها من أن يسيء التصرف مرة أخرى: "وياريت ياريت أول حاجة تعملها تشيل من دماغك إنك ترد على اللي عمل فيك كده بنفس أسلوبه. ابعد عن السكة دي بقا وعن كل الناس اللي منها."
عيناها تراقبان ملامحه بحثًا عن أي رد فعل قد يكشف ما يدور في رأسه... لكنه ظل صامتًا محتفظًا بجموده لا يمنحها إجابة مريحة. وضع كوب الشاي جانبًا ثم نظر إلى بضاعته المفروشة في السوق المزدحم والتي عُلِّق بعضها أمام الزبائن. هناك من يدخل يُلقي نظرة يسأل عن السعر ثم يخرج، وهناك من يبدأ وصلة الفصال التي تُشبه حربًا كلامية بينه وبين الزبون.
الناس تمر من أمامه، منهم من يُلقي نظرة عابرة باردة وآخرون بوجوه مهمومة قانطة. الجميع في حلقات مغلقة، يَدورون داخلها مُرغمين، مُكبَّلين... تفترسهم الكآبة وتُثقِلهم الهموم بوجوه مُجهَدة... وقلوب مُرهَقة. شرد الذهن فيما حدث معه منذ يومين عندما أتى (كمال الموجي) إلى عقر داره يسأله عن ابنته بنظرات قلقة لا تخلو من الاتهام. "فين بنتي يا أيوب؟ "موجودة اتفضل."
ابتعد أيوب عن الباب يشير له بالدخول. بالفعل دلف كمال الموجي إلى الداخل على الكرسي المتحرك الكهربائي ثم أشار للسائق أن ينتظره بالخارج. "تحب تشرب إيه؟ رفض كمال بوجهٍ مكفهر: "مش عايز حاجة أنا عايز أشوف نغم... نغم بنتي... هي فين بالظبط؟ وقبل ان ينطق أيوب بحرف ظهرت نغم بوجهٍ مصدوم من وجود أبيها هنا. "بابا...
بلهفة نادى عليها بعينيه القلقتين ويده تدعوها للاقتراب. ففعلت، ووجهها مذهول، وعيناها تسألان أيوب عما يحدث هنا. ضمها والدها إلى صدره ثم قبلها فوق خصلات شعرها هامسًا بحشرجة: "الحمدلله إنك بخير... الحمدلله إنك ما حصليش حاجة. إزاي تخرجي من غير حرس؟ هو ده اللي اتفقنا عليه من آخر مرة؟ سألها بنبرة لا تخلو من العتاب فاحمر وجهها على إثره بحرج وابتعدت عنه معتذرة: "أنا كويسة يابابا... امتقع وجه والدها موبخًا: "إزاي كويسة؟
أيوب اتصل بيا وحكالي على كل حاجة." "أيوب؟! اتصل بيك؟ إدارة رأسها إليه مشدوهة توجه له نظرة غاضبة بعتب. تابع والدها بضيق بالغ: "مكنش المفروض تخرجي يانغم إزاي تستهتري بحياتك. انتي مش عارفه أنا كان هيجرالي إيه في الساعتين اللي عدوا دول. أنا كنت هموت من الخوف عليكي يابنتي." عادت بعينيها الرماديتين إلى والدها تقول بحنو: "بعد الشر عليك يابابا أنا كويسة والحمدلله ما حصلش حاجة." "دا ستر من ربنا...
وللمرة التانية يكون أيوب السبب." أشار كمال إلى أيوب بنظرة تقدير وامتنان حقيقي لهذا الشاب الذي ظهر في حياتهما من العدم، وحافظ على حياة ابنته مرتين على التوالي. "أنا مش عارف أقولك إيه يا أيوب بس انت أنقذت حياتي أنا مرتين مش هي... لأن من الواضح إن بنتي عايزة تنتحر بس بطريقة غير مباشرة." ألقى نظرة معاتبة عليها مما جعلها تنكمش على نفسها وهي تقف قائلة بحزم: "بابا ارجوك... نتكلم في البيت وعاتبني زي ما انت عايز."
علق والدها بنظرة ثاقبة: "وقت العتاب انتهى يانغم... أنا هنفذ اللي بفكر فيه وجيت عشانه." سألته بريبة: "يعني إيه؟ شعر أيوب بعدم الارتياح لوجوده هنا بينهما فقال منسحبًا بلباقة: "طب أسيبكم تاخدوا راحتكم في الكلام على ما أجيب أنا حاجة تشربوها." رفض والدها بأمر: "خليك يا أيوب أنا عايزك." "خير يا كمال بيه."
جلس أيوب على الأريكة بالقرب منه وجلست نغم على الطرف الآخر من الأريكة متأهبة للقادم بعدم ارتياح. فتلك النظرة في عيني والدها تعرفها جيدًا. سيستخدم السلطة والمال كبطاقة رابحة للوصول إلى مبتغاه. وما مبتغاه إذًا؟ "انت شغال إيه يا أيوب حاليًا؟ سؤال غريب ولم تفهم بعض المغزى منه. سمعت أيوب يجيب بسلاسة: "ببيع هدوم في سوق (... . فارِش على الرصيف وكده. خير؟ لمعة عينا والدها بظفر فالإجابة سهلة الكثير عليه:
"أنا عايزك تشتغل معايا... وبالمرتب اللي تطلبه... حط الأصفار اللي انت عايزها وأنا موافق عليها." اتسعت عينا أيوب بصدمة سائلا: "اشتغل إيه بالظبط... أنا آخري في الهدوم أبيعها ما بعرفش أخيط ولا أصمم." نظرت له نغم بصدمة. لماذا ينكر الأمر بهذه السرعة دون أدنى تردد؟ أخبرتها نهاد أنه كان يتعلم هذا المجال خصوصًا تصاميم والدها! "لا مش في الشركة... تشتغل مع نغم... تكون الحارس الشخصي بتاعها." قفزت من مكانها تصيح بدهشة: "إيه؟!!!
مين ده؟ بابا؟!!! أشار والدها إليها بالسكوت بينما تجاهل أيوب استنكرها وهو يقول: "بس أنا بفهمش في الحاجات دي ومش أي حد ينفع يبقى بودي جارد." وضح والدها الأمر من منظوره: "مش هتكون بودي جارد بالمعنى الحرفي للكلمة لأن كده كده هي عندها حراسة شخصية ودول لا غنى عنهم بس أنا عايز شخص موثق فيه يبقى معاها طول الوقت زي ضلها... حد عنده ضمير يفديها برقبه لو وصلت لكده ميترددش لحظة. وأنا مش لاقي حاليًا حد مناسب للمهمة دي غيرك."
صاحت نغم برفض قاطع: "بابا انت بتقول إيه... مستحيل." هتف والدها بنبرة حازمة جادة: "المستحيل إني أسيبك تكرري غلطتك تاني ساعتها التمن هيكون عمرك. وأنا مش متنازل عنك." ارتاب أيوب من كلاهما فسأل مستفسرًا: "مش فاهم بالظبط... مين الناس اللي بتجري وراها دي؟ وعايزة منها إيه؟ هتف والدها بكلمات تحمل عرضًا مغريًا: "من حقك تفهم... بس قبل ما ترفض... فكر فيها زي ما قولتلك. المرتب اللي تطلبه...
صاحبك قال قبل كده إن كان حلمكم السفر برا والشغل هناك... لو اشتغلت معايا هتاخد ضعف المرتب أربع مرات ومعنديش مشكلة أقابضك بالدولار." لم يعقب أيوب بل ظل يراقب حديثه محاولًا فك شفرات المغزى من هذا العرض السخي. تحدث والدها بمنتهى البساطة والصراحة بينما هي تقف بينهما تتابع ما يحدث بوجه خالٍ من التعبير. "اسمع يا أيوب بنتي اتورطت في شبهة جنائية...
في واحد كان معجب بيها من أيام الجامعة وهي اتعملت معاه كزميل مش أكتر لكن كان مُصر على الارتباط بيها... رفضته أكتر من مرة لمدة تمان سنين في الآخر من كام شهر اكتشفنا إنه مات منتحر وكتب في الرسالة إنها كانت سبب انتحاره. النيابة حققت حوالين الموضوع ومزالت القضية مفتوحة وشكين إنها ممكن تكون جريمة قتل واللي عملها حد عايز يخلص من نغم... زي ما خلص من أسر العزبي."
"مش عايز أدخلك في تفاصيل أكتر بس اللي أقدر أقوله إن أسر العزبي بشهادة كل الناس اللي تعرفه وبالتذكرة اللي اشتراها مع صحابه لحفلة كان ناوي يحضرها في نفس ليلة وفاته كلها أدلة تثبت إنها قضية قتل مش انتحار عشان كده القضية لسه مفتوحة... نغم مالهاش مسألة قانونية... لكن المجنون أبو الولد مصمم إنها سبب موته فعلاً عشان كده بقالنا شهور في الوضع ده." علق أيوب وهو ينظر نحو نغم: "يعني عايز يقتلها؟
التوى فك نغم متشنجًا فهذه هي الحقيقة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب. رد والدها نيابة عنها قائلاً بوجه تغير لونه إلى الغضب والضيق: "شكري العزبي مش غبي عشان يلبس نفسه في الحيط لأن لو ده حصل فعلاً هو المتهم الوحيد قدامهم... لأننا عملين أكتر من محضر بسبب جنانه ده... دا غير إن القضية لسه مفتوحة وفيه جاني... لكن هو مقتنع إن الجاني هي بنتي عشان كده ماشي في طريق الابتزاز والترهيب." قالت نغم دون مقدمات بنبرة
خالية من الحياة والتعبير: "لحد ما العين تبعد عنه... ساعتها مش هيتردد ياخد بتار ابنه." صاح والدها رافضًا وهو يقول: "مش هيحصل... القضية تخلص وهتسافري وهتبعدي عن هنا خالص... أنا رتبت كل حاجة." ثم عاد إلى أيوب شارد الفكر عنهما: "أنا عايزك تشتغل معايا يا أيوب لحد بس ما القضية تتقفل... عايزك تكون السواق والحارس الشخصي لـ نغم... وهيبقى معاك حراسة تحت إيدك كمان... عايزك تكون زي ضلها... الفترة دي بس وبالمرتب اللي تطلبه."
رفض أيوب بقلق واضح: "الموضوع فيه دم ياباشا... وأنا ماشي جمب الحيط... ومليش غير أمي وإخواتي البنات." أخرج كمال زفرة استياء وهو يقول بإقناع: "شكري العزبي ميهمهوش غير بنتي... وجودك جمبها مش هيأثر عليك بالعكس دا شغل زي أي شغل... وزي ما فهمتك العزبي صعب يرفع سلاحه على أي حد لا من بعيد ولا من قريب." ترجاه بعيني أب قد تجرد من النفوذ الذي كان يتباهى به منذ بداية الجلسة: "دي مسألة وقت يا أيوب على ما القضية تخلص."
لم يرد عليه أيوب فهو يشعر أنه يقف على حبل رفيع والنار من الأسفل كألسنة من لهب. لا يعرف أي القرار الصحيح يسلك... هل يحصل على أموال طائلة من مهمة لن تطول مدتها، أم يكتفي بحياته البسيطة وعائلته ولا يجازف بكليهما؟ عيل صبر نغم فاقتربت من مقعد والدها تنهي الأمر بصوتٍ محتد: "أرجوك يابابا كفاية كده... خلينا نروح البيت ونتكلم." تجاهل كمال ابنته وهو يقول لأيوب بنبرة ذات معنى:
"خد وقتك يا أيوب في التفكير أنا مش مستعجل على الرد دلوقتي... بس افتكر إنها فرصة العمر... فرصة مش هتتكرر تاني."
ترجلت من سيارتها وحدها كالعادة. خرجت دون علم والدها. اخترقت القوانين، قوانين وُضعت حديثًا لتكبل حريتها وتربط سيرها ومشاويرها برجال مفتولي العضلات يتبعونها أينما ذهبت. لا تلوم والدها فما يفعله بدافع الحب والحفاظ على حياتها، لكنها سئمت هذه الحياة. لا الموت يأتيها وينهي الأمر ولا طوق النجاة يجدها. الأمر معقد والأكثر تعقيدًا دخول أيوب عبد العظيم في عالمها. لماذا هو؟ ولماذا يصر والدها عليه؟
وما هذه الثقة المزعومة التي يضعها في رجل غريب؟ غريب؟! حقًا أصبح نطق هذه الكلمة هو الأغرب يا نغم. متى وكيف تسلل إليها بهذه السرعة؟! سارت في السوق المزدحم والذي يعج بالناس والبائعين. لأول مرة تدلف إلى سوق شعبي...
وفعلتها. رأت أن البعض يتابعها بعينيه، فحدقت في ملابسها تتأكد أنها ارتدت طاقمًا أنيقًا وساترًا لتفاصيل جسدها. ليست من عادتها ارتداء هذه الملابس، فهي نغم الموجي، ابنة مصمم الأزياء المعروف. عاشت حياتها تنتقي الثياب العصرية، ولم تفرق معها سوى القصّات والشكل، لكنها تعلمت أيضًا أن لكل مكان ملابسه الخاصة، وأن المرأة قادرة على التنوع شكلًا وطلة في كل مكان تدلف إليه. لذلك اختارت ملابس مناسبة لهذا السوق الشعبي، وتركت شعرها منسابًا على ظهرها، وأخفت ملامحها بنظارة شمسية بنية باهظة، واكتفت بمرطب شفاه.
لكن يبدو أنها لفتت الانتباه، وهالة الثراء تشع منها مهما حاولت إخفاءها! عادت عيناها تدور حول السوق مجددًا تتأمل تفاصيله. إن المكان نابض بالحياة، والناس في كل مكان حولها... مُحاط بمباني قديمة من زمن ولى مع أصحابه. كذلك يحمل عبقًا مختلفًا للزائر، من توابل تفوح منها روائح زكية، إلى أقمشة ملوّنة تتلألأ تحت أشعة الشمس، تُغري الناظر...
عطر الأشياء الجديدة مع رائحة البخور الآتية من مكان لا تعلمه بعد. وملابس هنا وهناك مختلفة الشكل والتفاصيل، وكل محل مخصص لفئة معينة. كذلك أصحاب المحلات ينادون على الزبائن في الشارع: "تعالى شوف عندي حتة حلوة هتعجبك... "تعالى اتفرج ولا انت عايزة... وهناك من يصيح وهو يقف على أعلى الطاولة وخلفه ملابس معروضة للبيع وقد كُتب عليها سعر رمزي بالنسبة لها: "أوكزيون يا هانم أوكزيون يا بيه مش هتلاقي غير هنا....
قربي وشوفي يا مدام... انتفضت مستديرة إلى من كان يصيح بالقرب منها: "أي كوتشي بمية وخمسين جني عروض محصلتش قرب وشوف... عادت عيناها إلى رجلٍ يمشي بين المحلات، يحمل مبخرةً نحاسية تفوح منها رائحة العود والمسك، في خيوط دخانٍ كثيفة تتصاعد منها. حرّك المبخرة قليلًا فملأ المكان برائحة البخور. "صلي على اللي هيشفع فيك...... يارب..... صاح بها الرجل وهو يدلف إلى محلٍ مجاور لمكان وقوفها فقال صاحب المحل بوجهٍ بشوش:
"عليه أفضل الصلاة والسلام... بخّر حلو يا رجل يا طيب خلي البركة والرزق يهلوا علينا." زمجر رجلاً على فرش آخر وهو يضرب صبي في عمر الثانية عشر على مؤخرة عنقه: "اصطبحنا وصبح الملك لله مش قولتلك متسبش الفرش لوحده...... شاب آخر هدر بغضب في وجه زبونة ثرثارة: "أختي انتي هتشتري ولا هتتعبني معاكي ما قولنا مفيش فصال." رأت شابة تقاربها عمرًا تمر من جوارها تخفي جسدها بعباءة سوداء ووشاح رأس مماثل. تضع أكواب الشاي أمام رجلين.
"الشاي يا بهوات..... شكرها احدهم قائلا بملاطفة: "تسلم ايدك يا ست البنات.... أحلى واحدة تعمل شاي..... ومن خلفها نادى عليها بائع الأحذية: "عزة..... عايز فنجان قهوة سادة..... أومأت برأسها رغم الإجهاد الظاهر في زوايا عينيها إلا أن الابتسامة لم تفارق وجهها: "من عنيا.... ما هذا العالم وكيف يعيشون داخل طحونة الحياة مبتسمون راضون.... وكأنهم اعتادوا على هذه الحياة والسعي خلف القليل.... القليل فقط....
كيف تسمي مشكلتها مشكلة كبرى وعظمة وهي هنا ترى وتسمع كيف يسعى الإنسان فقط للعيش وليس للترفيه! امتلات رئتاها برائحة البخور فبدأت تسعل بقوة محمرة الوجه: "اتشهدي ياحبيبتي.... خدي بوء ميه..... نفس الشابة التي تخفي جسدها بالسواد اقتربت منها وهي تحمل كوب الماء. رفضت نغم تناول الماء وهي تسعل بشدة: "لا شكرًا مش عايزة.... قالت عزة بسرعة: "مغسول والله وزي الفل خدي بوء ميه....
تلاقي زورك حرقك من ريحة المبخرة تعالي بعيد عنها اقفي في الهوا." أخذت نغم رشفة من الكوب ثم تركته. بينما سألتها عزة بفضول: "بالف هنا.... شكلك جديدة هنا.... أنا أول مرة ألمحك؟ انعقد حاجبي نغم بتساؤل: "وانتي تعرفي كل اللي بيجوا هنا؟ أجابتها عزة بنبرة عادية: "الكذب خيبة.... السوق كبير وبيجوا زباين من كل حتة بس زباين عن زباين تفرق..... يعني انتي مختلفة شويتين فـ عشان كده سألتك..... "جاية تشتري تُحف.... ولا صيغة؟ وقبل ان
ترد نغم قالت عزة بنباهة: "تكونيش بتدوري على شارع الصاوي واللي يوصفلك وصف غلط...... قالت نغم بعد تنهيدة صبر: "أنا مش متوهة عن شارع الصاوي. ماما الله يرحمها كانت زبونة هناك.... وأنا من بعضها.... بس أنا بدور على حد شغال في سوق هنا.... "مين؟ "أيوب.... أيوب عبد العظيم تعرفيه بيقولوا إنه بيبيع هدوم هنا." قالتها وعيناها تبحثان في أرجاء السوق وكأنه طفل تائه منها. أو ربما هي التي تاهت منه... الوضع غريب.... غريب جدًا بينهما!
"سي أيوب... طبعًا عرفاه مين يتوه عنه.... تعالي معايا ياحبيبتي نوصلوكي لحد عنده.... قالتها عزة وهي تشير إليها نحو أحد الاتجاهات ثم تقدمت أمامها بينما تابعتها مترقبة رؤيته ومكان عمله. وصلت نغم أمام زاوية معينة يعرض فيها الملابس بسعر منخفض معروضة بشكل مرتب عكس غيرها كما أنها مختارة بعناية من حيث الشكل والألوان وتنسيق بعض الأطقم. في هذا المكان شيء مختلف عن الجميع هنا...
وكأن صاحب البضائع على دراية بقيمة كل قطعة، ويضع لمسة سحرية تشد انتباه الزبائن! انتبهت إلى اسم اللافتة البسيطة (أوكزيون) واسم (أيوب عبد العظيم) أعلى الكلمة. "أهو ده سي أيوب..... أشارت عليه عزة لتراه. نغم يقف في آخر تلك الزاوية من الداخل بين بضاعته المعلقة يقف جانبًا ولم يرها بعد. كان يتحدث مع الزبونة يناغشها بالكلمات والنظرات العابثة. ليس عابثًا لكن عيناه في اللهو تلمع بالفطرة وابتسامته الرجولية تشع جاذبية... مـ....
مستفزة! سألته الزبونة مبتسمة: "طب انت أي رأيك.... أنهو لون هيليق عليا." قال أيوب مقترحًا بعد ان نظر إلى لون بشرتها: "أنا من رايي الألوان الدافية هي اللي هتليق عليكي أكتر..... سألتها بحاجب مرفوع: "زي إيه الألوان الدافية؟ مد أيوب يده واختار واحدة من بين السترات الملونة أمامهم ثم نظر إلى لونها المميز وقال بهدوء: "زي ده مثلا جربي كده....
ارتدت الزبونة السترة فوق ملابسها ثم التفتت نحو المرآة المجاورة تتأمل انعكاسها. متفحصة اللون والخامة كيف تبدو عليها ثم ابتسمت برضا تام بعد لحظات من التأمل لتقول: "يجنن بجد... يلهوي عليك عرفت إزاي.... ابتسم أيوب بظفر قائلا بغرور: "لا دا سر الصنعة... أنا دارس برا وجوا خدي بالك." ضحكت ضحكة رقيعة وهي تقول باعجاب: "دمك خفيف... وذوقك يجنن.... يارب كل البايعين اللي في السوق يكونوا زيك كده خليني أكمل حاجتي.... هاخده عجبني....
قالتها وهي تخلع السترة. أخذها منها أيوب ووضعها في الكيس البلاستيكي قائلاً: "مبروك عليكي.... أخذ ثمن القطعة ثم رحلت الزبونة وظل هو منشغلًا بين قطع الملابس يرتبها ويتفحصها كأنها أحد صغاره! "سي أيوب في ناس عايزينك..... استدار أيوب إليها بتساؤل: "مين يـاعـزة؟ اتسعت عيناه وهو يراها ماثلة أمامه. عيناها الشتويتان...
شتاء يأتي في كل الفصول تخفيهما أسفل نظارة بنية أنيقة. شعرها مسترسل على ظهرها بخصلات متناغمة بين البني والأشقر. ترتدي طاقمًا أنيقًا ملائمًا للمكان من حولهما. ابنة الذوات... كل ما بها يدل على ذلك دون مجهود يذكر! لكن لماذا أتت إلى هنا؟ ما هو الأمر العاجل الذي يجعلها تطأ بقدميها هنا؟ "نــغــم؟! توترت نغم من نظراته المدققة عليها فلم ترد وهي تنظر إلى عزة التي تراقب ما يحدث بتطفل. تنحنحت عزة بعد نظرات نغم وقالت قبل أن ترحل:
"هروح أنا أشوف نصبة الشاي.... فوتكم بعافية.... تبادلت نغم معه النظرات بصمت مبهم وعيناها تنتقلان بينه وبين المكان من حوله لتسمع صوت المذياع من محل مجاور يبيع الأنتيكات والتحف القديمة: (في يوم وليلة... في يوم وليلة خذنا حلاوة الحب كله في يوم وليلة أنا وحبيبي... أنا وحبيبي دوبنا عمر الحب كله في يوم وليلة...
خفق قلب نغم فجأة كجرس إنذار. بلعت ريقها متوجسة وهو يقترب منها بخطوات هادئة بينما كانت أذناها تلتقط كلمات الأغنية بتركيز رغمًا عنها. كانت عيناها عليه وكلمات الأغنية تضرب على الوتر... وتر لا تعرف مكانه بالضبط لكنه عند موضع القلب، لذلك شعرت بخفقاته تعلو بشكل غريب... ومريب. (عمري ما شوفته ولا قابلته وياما... ياما شاغلني طيفه وفي يوم لقيته... لقيته هو هو اللي كنت بتمنى أشوفه...
نسيت الدنيا وجريت عليه سبقني هو وفتح إيديه... عندما وقف أمامها مدَّ يده مرحبًا بها. فرفرفت بأهدابها ببلاهة وهي تضع يدها في يده بأطراف باردة وكأنها أصابتها حالة من اللاوعي. (سبقني هو وفتح إيديه... لقينا روحنا على بحر شوق نزلنا نشرب ودبنا فيه ومين يصدق يجرى ده كله في يوم وليلة....... أشار لها أيوب بالجلوس على أحد المقاعد ففعلت وجلس هو في المقعد المقابل لها منتظرًا دون أن يسألها بكلماته. عينيه فعلت ذلك ببساطة.
رتبت نغم الكلمات بعناية في عقلها ثم قالت بهدوء: "أنا جيت عشان اللي حصل آخر مرة... عن شغلك معايا." رد أيوب بنظرة مشتعلة: "أنا لسه مدتش كلمة في الموضوع ده... هو انتي جايه لوحدك؟ اكتفت بايماءة مؤكدة فقال باهتياج: "آه إزاي انتي مبتسمعيش الكلام مش خايفة حاجة تحصلك.... وازاي أبوكي يسيبك تخرجي كده." ردت ببرود: "هو ما يعرفش.... ارتفع حاجباه معًا تزامنًا مع استهجانه: "يعني عملتيها من وراه تاني...
عنده حق يدور على حد تاني طالما الحراسة مش مالية عينك." توسعت عيناها الرماديتان بدهشة ثم انتفخ أنفها غضبًا كاظمة غيظها وهي ترفع أنفها بغرورٍ أنثويٍّ راقٍ مجيبةً بتعالٍ يليق بها: "أولاً مبحبش الأسلوب ده في الكلام وبعدين أنا مش صغيرة..... ثانيًا انت أو غيرك محدش يقدر يفرض نفسه عليا..... طالما عايزة أخرج لوحدي من غير حرس هعمل كده مش هستأذن يعني.... قارعها أيوب باعتداد: "لو أنا معاكي هتستأذني....
وبرضو مش هتخرجي غير معايا." التوت البسمة على فمها ساخرة: "في أحلامك...... انت متعرفش مين هي نغم الموجي؟ (واحدة مناخيرها مرفوعة في السما... مصيبة واتحدفت عليا.... قال انطباعه عنها دون النطق به إليها. ثم أجابها بعجرفة: "انتي كمان متعرفيش.... أيوب عبد العظيم." نزعت النظارة عن عينيها وهي تقول بصلف: "مش عايزة أعرفه... أنا جيت لحد هنا عشان أعرض عليك عرض." ضاقت عيناه المشتعلتان بنفاد الصبر: "عروضكم كترت يا عيلة الموجي...
أي هو العرض الجديد يا هانم؟ سحبت نفسًا مرتجفًا إلى رئتيها ثم نظرت إلى عينيه وقالت بحزم: "ترفض الشغل معايا وهديك المبلغ اللي تطلبه... بس ده يبقى بيني وبينك بابا ما يعرفش حاجة... الرفض يجي من عندك." مط فمه سائلاً بخبث: "وليه ميجيش من عندك انتي؟ امتقع وجهها بالحنق سائلة بغيظ: "هو انت ناوي تقبل بجد؟! انت مش فاهم انت داخل على إيه... بلاش تجازف بحياتك عشان الفلوس.... أنا هديهالك... بس أرجوك ارفض."
حرك كتفيه بعدم اكتراث قائلاً: "كلامك محسسني إني داخل على حرب... أهي شغلانة زي أي شغلانة." "بالبساطة دي؟ أوما بتاكيد ببسمة مستفزة: "آه أنا موافق مبدئيًا طالما هقبض بالدولار." هتفت بانفعال: "انت مادي بقا؟! عاد يهز راسه مستمتعًا باستفزازها: "أوي وما بصدق كمان...... راشق في أي مصلحة... هنبدأ إمتى؟ ضربت على ذراع المقعد بعصبية مزمجرة: "مش هنبدأ أنا مش موافقة نهائي." علق بسخرية سوداء: "وليه تقطعي بعيشي..... يرضيكي...
دا كمال بيه بنفسه أكدلي إني ممكن أبيع روحي بالدولار وانت لسه أكدالي إني ممكن أخلع بـ... توقف سائلاً ببرود: "متفقناش هاخد الفلوس بعملة إيه؟ كان الغضب يغلي في عينيه رغم أن وجهه جامد التعبير وصوته بارد غير مبالي إلا أن عينيه تشي بالكثير مما يخفيه. لذلك لفظت اسمه بترفق بصوتٍ أنثوي ناعم كالناي: "أيوب.... صاح فجأة محتدًا عليها: "انتي خليتي فيها أيوب.... امشي يا نـغـم."
وقف يشير إليها بالخروج فبقيت واقفة أمامه لم تتحرك خطوة واحدة. تابع هو بنبرة مستهجنة: "انتي وابوكي عمالين تشتروا وتبيعوا فيا مستغلين الفقر والحاجة... أبوكي الأول وانت دلوقتي.... أبعد عيناه عنها قائلاً بسخط: "بدفع تمن جدعنتي قلة قيمة من الكل... أنا مبحرمش.... واستاهل.... اقتربت منه خطوة واحدة: "ممكن تهدى." عاد إليها بنظرة حادة سائلاً بخشونة: "انتي عايزة إيه بالظبط جيتي هنا ليه." قالت بجسارة تجادله:
"عشان مش عايزك توافق.... مش عايزة أورطك معايا في حياتي ومشاكلي." اشتد الجدال بينهما عندما قال: "مش لسه هتورطيني أنا متورط معاكي من أول يوم شوفتك فيه." سألته متوجسة: "يعني إيه؟ "يعني يلا عشان أوصلك مش هسيبك تمشي لوحدك." أشار لها بالخروج فقالت دون ان تتحرك خطوة: "أنا مش فاهمة حاجة... انت موافق تشتغل معايا؟ التوى فكه بتشنج ملحوظ وهو يقول باستقباح: "اشتغل عندك بقا..... مانا هبقى سواق وبودي جارد الهانم....
زي ما كمال بيه ما قال." رفضت بعناد: "أنا مش موافقة." عقدت ذراعيها تبدي رفضًا قاطع. أجابها ببرود أقرب للصقيع: "ارفضي من ناحيتك... وأنا مش ممانع بس من ناحيتي أنا هبلغه بموافقتي." جمدها الرد فقالت باستنكار: "كل ده عشان الفلوس؟! تثر حفيظته وهو يؤكد بفتور: "أكيد مش عشان عيونك.... انتي عارفة الدولار بقى بكام دلوقتي؟
استقلت سيارتها وجلست في مقعد القيادة بينما هي بجواره بوجه مكفهر. طوال طريق السير في السوق كانت ترفض اصطحابه لها بالسيارة وهو لم يرد مكتفيًا بالصمت والتجاهل. لم تُعامل نغم الموجي يومًا بهذا الأسلوب الفظ.. خصوصًا من الرجال الذين كانوا يعاملونها كملكة متوجة... ما تريده مقبول وما لا تريده مقبول أيضًا دون نقاش. كيف يجرؤ على التصرف معها بهذا الشكل؟ "لو مجتش بكرة الساعة تسعة الصبح اعرفي إني رجعت لعقلي ورفضت."
قالها أيوب وهو يدير محرك السيارة ويخرج بها من زحام السوق. سألت على مضض: "ولو جيت؟ "مش محتاجة كلام هبقى موافق على الإعارة... طالما هقبض بالاخضر." عندما وصلا أمام الفيلا خرج هو من السيارة الفارهة وأشار لها أن تتابع الدخول بسيارتها بعد أن انفتحت الأبواب لها. فقالت نغم بوجوم: "هتندم... افتكر إني نصحتك... وانت الفلوس عامتك." رد عليها بعدم اكتراث قبل أن يرحل ويتركها: "مانا بقولك..... راشق في أي مصلحة... ودي فرصة العمر....
على رأي الوالد." جلس على مقعده في مكانه المفضل أمام النافذة التي يرفرف الهواء ستائرها برفق وصوت الجيتار يداعب الصمت. أحيانًا، يضرب على الأوتار بأنامل مترددة، فيخرج منها أنين خافت، كشكوى مكتومة، حروفها متلاشية، سطورها منسية، كلماتها متفككة. وأحيانًا أخرى، يضرب بعنف، فتندفع النغمات كصرخة تخترق السكون، كالرمح يشق الصمت... والروح... والقلب.
عقله دار في زوبعات الماضي مجددًا تذكر حين عاش وحيدًا مع والده حينها لم يجد رفيقًا أفضل منها يشاركه جزءًا من وجيعة القلب... والطفولة المسلوبة. طفولة لم يعشها سوى خطفًا مع صغيرةٍ بعيونٍ سوداوان براقتين كمجرة الليل... وشعرٍ أملسَ أسودٍ طويلٍ يتدلّل على ظهرها كفرسٍ عربيٍّ أصيل... شقيّة، حنونة، لطيفة، وجميلة. أبرار صالح الشافعي... ابنة العم... والصديقة المقرّبة... والحبّـ...
يبدو أن قيد الهوى اختار قلبي دون سواه أم أنتِ فنجوتِ من الهوى؟ حرةٌ أنتِ، طليقة، أما أنا... فالقيد اشتدّ، ويصعب الفكاك منه. (شكلك بتعيط؟ ..... سألته الصغيرة أبرار حينها لم تكن قد تجاوزت السادسة من عمرها. رفعت عينيها إليه ببراءة تنتظر جوابًا. أجابها بعناد وهو يجلس فوق الأرجوحة يدفعها بقدميه بخفة وعيناه شاردتان في السماء الصافية. كانا حينها فوق سطح البيت حيث اعتادا قضاء معظم أوقاتهما معًا. (مش بعيط ليه هعيط؟
قالت أبرار بتردد: (عشان مامتك..... قالوا إنها اتجوزت تاني..... انكمشت ملامحه بتشنج واضح ثم أنكر بكراهية: (عادي... أنا مش متهم خليها تجوز... أنا بكرهها) زمت أبرار فمها ببراءة وهي تسأله عن مخاوفها: (ياسين هو انت ممكن تروح تعيش معاها وتسبني؟ صاح مستنكرًا: (إزاي هعيش معاها بقولك بكرهها) قالت بعفوية: (بس دي مامتك..... حرام..... حدثها باهتياج: (الحرام إنها تسبني..... تسبني أنا وبابا وتمشي..... ربتت أبرار
على كتفه تواسيه بصفاء: (متزعلش يا ياسين أنا معاك أنا وماما.... ماما بتحبك أوي والله..... (مين جايب سيرتي أنا باجي على السيرة..) رنّ الصوت الحنون على بُعد خطوات لامرأة صافية القلب جميلة الطلّة والروح، كاسمها تمامًا (جميلة) والدة أبرار بثوبها الأزرق الطويل كلون السماء الممتدة فوقهما وحجابها الملتفّ حول وجهها البهيّ. كانت كنسمة ناعمة تحمل عبق الدفء والحنان وعطف الأمومة يفيض بالفطرة من حولها. (ماما.....
نادت عليها أبرار بوجهٍ مبتسم مشتاق! كانت هي وأمها كيانًا واحدًا تشبهها إلى حد كبير، وتقلّدها في كل شيء لتصبح نسخة عنها، شكلًا ومضمونًا. وكانت والدتها متعلّقة بها تعلقًا شديدًا حتى إن صالح كان أحيانًا يشعر بالغيرة من قوة الرابط بينهما! اقتربت منهم جميلة مبتسمة تحمل بين يديها كوبين من العصير الأحمر: (جبتلكم عصير الرمان..... فرطته بإيدي واحدة واحدة عشان عارفه ياسين بيحب يشربه من إيدي.... مش كده ياسينو.....
ناولت أحدهما لابنتها والآخر لياسين ثم جلست بينهما على الأرجوحة الكبيرة. ارتشف ياسين من الكوب ثم قال بلطف: (تسلم إيدك يامرات عمي..... مررت يدها على شعره بمحبة: (بالف هنا ياحبيبي..... فقالت أبرار بملاحظة: (بس كان عايز سكر ياماما..... ضاقت عينا جميلة وهي تقول بمشاكسة: (نسيت إن السُكر بتاعي بيحب الحاجة عسل نحل..... دغدغتها أمها فضحكت أبرار بينما ظل ياسين يشرب دون ان ينطق بكلمة. وعندما رأته هكذا أعطته كل تركيزها وهي
تقول بنبرة حنونة متفهمة: (أنا مش عايزك تزعل نفسك ياسين وانسى أي حاجة سمعتها تحت..... إحنا كلنا معاك وبنحبك باباك وتيتة أبرار وعمك صالح.... وأنا وبرتي القمرة كلنا جنبك.... وبنحبك أوي أوي كمان..... أوما ياسين برأسه وهو يقول بشجاعة بريئة: (أنا عارف يامرات عمي ومش زعلان.... اللي زعلان بيعيط وأنا مش بعيط حتى شوفي.....
فتح عينيه بقوة يريها شجاعته وقوة تحمله فارتجف قلبها بالوجع عليه وهي ترى ما سُطّر في عيناه من أنين مكتوم ودموع متخفية بين جفونه تنتظر تصريح الخروج من سجن مشدد كُتب عليها مبكرًا. قالت جميلة بنشيج حزين: (انت شجاع وقوي.... وشاطر جدًا كمان بس... بس عارف مفيهاش حاجة لو عيط.... أوقات بيكون العياط وسيلة نخفف بيها عن وجعنا... فهمني ياسينو..... (مش فاهم؟ ..... (تعالى في حضني وأنت هتفهم.....
ضمّته إلى صدرها برفق فارتاح بين ذراعيها لثوانٍ ثم بدأت الدموع تتجمع في عينيه وتهطل وصوت بكائه يتعالى وشعوره يتضاعف كلما شعر بيدها تربّت على ظهره. لماذا يبكي؟ هو لا يريد أن يبكي... لماذا يتألم؟ قد اعتاد على هذا الألم، فلماذا يشعر بأنه كالسوط يضربه بلا رحمة... نزلت دموع أبرار تزامنًا مع بكائه فاقتربت منه، ترمي نفسها على ظهره باكية تشاركه الوجع. رغم أنها تجهل كل ما يحدث من حولها، لكنها تتألم معه...
تتألم بشدة ولا تعرف سوى سبب واحد أنها تحبه كأخٍ لم تلده أمها وكصديقٍ أهدته لها الحياة. فلماذا لا تبكي حزنًا عليه؟! بعد دقائق من البكاء وإفراغ ما يعتمل في صدره في أحضان زوجة عمه، انتبه إلى صوتها وهي تسأله بصدمة وقلق: (إيه اللي عوّر إيدك كده؟ .... ابتعدت أبرار عنه ومسحت دموعها وهي تشير عليه: (كان بيلعب بكيس الملاكمة ياماما..... نظرت إلى يديه المصابتين بالجروح ثم إلى عينيه وقالت بعتاب: (ليه كده ياسين تأذي نفسك؟ أخبرها
بحرج وهو يمسح دموعه: (لما ببقى مضايق بروح ألعب ملاكمة.... فبرتاح..... قالت جميلة بعد تفكير: (ممكن نخرج الغضب بطريقة تانية نمارس رياضة مختلفة غير الملاكمة المؤذية دي..... رفض بملامح عابسة: (أنا مش بحب الرياضة ولا حتى السباحة ولا بحب أروح النادي..... سألته جميلة برفق: (طب قولي إيه أكتر حاجة بتحبها؟ ردت أبرار بقفزة حماس: (الموسيقى..... أوما ياسين مؤكدًا فقالت جميلة مقترحة:
(طب كويس أوي ليه مثلا منستخدمش الطاقة السلبية اللي جوانا دي في العزف مثلا على آلة معينة تختارها بنفسك..... (ممكن؟ ..... أكدت مبتسمة بتشجيع ومساندة: (ممكن جدًا وتبدع فيها كمان..... أنا هكلم باباك وهقنعه يجبلك الآلة اللي تحب تتعلم عليها.. أي رأيك..... أعطاها قبلة على خدها وهو يقول بامتنان: (موافق طبعًا..... شكرًا يامرات عمي..... تعلق أبرار في رقبتها قائلة بفخر: (ماما أحسن أم في الدنيا..... قبلتها أمها قائلة بجذل:
(عشان انتي أحسن بنت في الدنيا..... قال ياسين ببسمة يتيم محروم من هذه المشاعر الجميلة والنادرة: (أبرار عندها حق.... انتي أحسن أم في الدنيا..) (عشان انتوا ولادي بس..... قالت وهي تنهض من مكانها: (استنى هجيب علبة الإسعافات.... نعالج الجروح دي.. ومتـقربش من كيس الملاكمة تاني اتفقنا..... أومأ برأسه مبتسمًا وعيناه تتابعان خُطاها وكأن قلبه المتعلّق يخاف أن يفقد أثرها كما فعلت أمه معه... لكن زوجة عمه حنونة وتحبهما...
ولن تتركهما أبدًا. (بتعملي إيه يا أبرار..... سألها ياسين متوجسًا وهو يراها تمسك كف يده وتقربه من فمها الصغير. قالت أبرار بنظرة جميلة نقية تفيض بالحنان كأمها تمامًا: (ماما لما بتشوفني متعورة بتعمل كده... بتنفخ ثلاث نفخات وتبوس التعويرة ثلاث بوسات.. وهتخف على طول..... ده سحر.....
قالتها باقتناع شديد إن الجروح ستلتئم طالما نفخت بها وقبلتها بالقبل السحرية. وهو اقتنع بحديثها حتى كبرت الصغيرة ونسيت القبلات السحرية وعلاج الجروح بها فكان شعور الفقد قد اقتحم حياتها بوحشية وأخذ منها الغالية ورحلت. والدتها جميلة رحلت.. وكانت أبرار حينها في عمر التاسعة بينما هو قد بلغ الخامسة عشر من عمره. يتذكر هذا اليوم جيدًا، كان كئيبًا، خيم عليه الحزن والوجع، والنساء متشحات بالسواد وعيونهن لا تجف... رحلت الغالية
(جميلة) ، نسمة البيت، الجارة الودودة الكريمة، وزوجة الابن المطيعة الصبورة، الزوجة المخلصة المحبة، والأم الحنونة بعطاء دائم. (راحة فين يا أبرار..... إشارت على باب الغرفة بنشيج: (راحة لماما..... ماما هنا...... خدواها هنا.... ماما مش ميتة دول بيكذبوا.. بيكذبوا يا ياسين..... حاول ياسين منعها من الوصول للطابق الأرضي والذي أصبح على بُعد خطوات منهم. (أبرار خلينا نطلع...
عمي صالح هيزعقلي أنا لو شافك هنا هو نبه عليا منزلنيش من فوق... خلينا نطلع بالله عليكي..... رفضت وهي تترجاه بالدموع: (بالله عليك انت خليني أشوفها.... ماما عايشة..... قال ياسين وهو يبتلع ريقه بألم كمن يبتلع شفرة حادة: (مش عايشة... هي راحت عند ربنا... ادعيلها لو بتحبيها ادعيلها..... صرخت بغضب مستنكرة: (انت ليه مش بتفهم بقولك ماما عايشة... انتوا كلكم بقيتوا كدابين كده ليه..... ماما عايشة.. أنا عايزة أشوفها.....
(خليني أشوفها يا ياسين عشان خاطري... بالله عليك.... لو بتحبني.... ظلت تترجاه لدقائق وهي تمسك بكلتا ذراعيه متشبثة به كأنه الأمل الأخير لها: (خليني أشوفها آخر مرة.. آخر مرة يا ياسين.....
أومأ لها برأسه وخرجا من الباب الخلفي حيث نافذة المطبخ في الطابق الأرضي والذي كان يوضع فيها جثمان أمها بعيدًا عنهما بأوامر من عمه صالح الذي نبهه بعدم النزول للأسفل وإلهاء أبرار عن الأمر حتى يتم الصلاة عليها ودفنها بعدها. لكن أبرار كانت أعند من الانصياع لحديث أحد طالما أن الأمر يخص والدتها الحبيبة فقد تسللت من غرفتها إلى الأسفل حيث الشقة القابعة في الطابق الأرضي وهو لحق بها قبل أن تدلف للشقة والآن هو من يساعدها للدخول لتراها دون أن يراهم أحد.
قفزا من نافذة المطبخ ليكونا في قلب الشقة مباشرة. مسكت أبرار ذراعه وأصبحت خلفه في حمايته، بينما هو أمامها يسير ببطء وحرص شديد، يفتش بعينيه في أرجاء الشقة حتى وصل إلى الغرفة المغلقة على جثمان أمها. وبالفعل رآها فدخل وهي معه ثم أغلق الباب بخفة وعندما رفع عينيه... رأى أبرار وقفت مكانها متجمدة الأطراف وعيناها تحدقان في الجثمان المغطى بالأبيض. وجه أمها الشاحب...
فتحات أنفها مغلقة بالقطن، وكذلك أذناها. مغمضة العينين جسد جامد بلا حراك... هل... ماتت بالفعل؟! هل تركتها أمها ورحلت..... بلعت ريقها بصعوبة وتقلصت رئتاها من شدّة الوجع وزاد نشيج صدرها ألمًا. قلبها يتسارع يلتوي على جمر الفقد، وقد أدركت الحقيقة المفجعة..... الموت. أتى الموت وأخذ أمّها دون مقدمات رحلت دون وداع... وعدتها بالبقاء فضمنت وجودها فأتى حكم الله ليعلمها أنه لا ضامن سواه... خطت أبرار خطوة إلى الأمام...
ثم نادته بصوتٍ ضعيفٍ مبحوح، يكاد لا يُسمع: "ماما؟ لم تجبه لم تتحرك ولم تفتح عينيها مبتسمة كما كانت تفعل دائمًا حين تناديها. امتلأت عيناها بالدموع ثم ركضت نحوها وقد أصبحت على يقين أنه اللقاء الأخير. (ماما..... ماما ردي عليا... ماما هتسبيني لمين طيب..... ماما انتي وعدتيني إنك هتفضلي معايا.... ماما إزاي تسبيني وتمشي... طب خديني معايا... خديني معايا متسبنيش هنا... اصحي يا ماما..... اصحي عشان خاطري.....
حاول ياسين أن يبعدها وشعور الذنب يلتف حول حلقه بعدما طاوعها وأتى بها إلى هنا. (كفاية يا أبرار..... بالله عليكي كفاية..... قالت أبرار والدموع تغرق وجهها الصغير: (ماما ماتت ياسين.... ماتت وسابتني لوحدي..) رفعت يدها لتري أمها جرحًا حديثًا: (ماما ايدي اتعورت..... ماما قومي.... قومي.. قومي ياماما... عشان خاطري متسبنيش ياماااااامااااااا...... نزلت دموعها بغزارة وهي تنفخ في جرح يدها وتقبله هامسةً بوهن مرير:
(بنفخ ثلاث نفخات.... وتلات بوسات..... رفعت جرح يدها النابض بالوجع إلى وجه أمها الساكن ككل ما بها وقالت بخفوت وآهٍ، وهي تنقل عينيها بين أمها وياسين الواقف خلفها عاجزًا عن منعها وعاجزًا عن الاقتراب مثلها: (مش بتخف.... مش بتخف يا ياسين.... عشان ماما ماتت خلاص..... ماما.... ماتـ..... وقعت مغشيًا عليها على جثمان أمّها فصرخ ياسين مفجوعًا ينادي عليها بصدمة وذعر: (أبرار.... أبرار.....
دلف في تلك الأوقات عمه صالح فتفاجأ بوجودهم وبوقوع ابنته على جثمان زوجته. هوى قلبه بهلع وهو يقترب منها مسرعًا حاملاً ابنته بين ذراعيه محاولًا إفاقتها وعيناه تنتقلان بينها وبين ابن أخيه ثم صرخ بغضب مشتعل باللوم: (إيه اللي حصل؟ .... وإيه اللي نزلكم هنا... دخلتوا إزاي... هو أنا مش قولتلك متنزلهاش تحت..... رد ياسين بقلق عليها: (هي كانت عايزة تشوفها.... معرفتش أعمل إيه..... (معرفتش أعمل إيه ؟! ... أبعد عن وشي...
أبعد بقولك..... لفظ صالح كلماته الأخيرة بنفاد صبر ثم دفعه بعنف نحو الحائط وخرج بابنته مسرعًا إلى أقرب مشفى. حينها علم أنها تعرضت لصدمة عصبية شديدة جعلتها تلتزم الصمت التام.. واستمر صمتها لعامين كاملين تزامنًا مع علاج نفسي مكثف خضعت له. في ذلك الوقت ظل عمه يُحمّله مسؤولية ما حدث وكان هذا الحدث المفجع أول صدع في علاقتهما... ومن هنا بدأت العلاقة تتصدع وتزداد تعقيدًا.
وحسبَ قواعدِ الحبّ فإنّ الشخصَ العازف عن الهوى هو الأكثر عُرضةً للسقوط في الهوى بنسبةِ مائةٍ في المائة! صدحَ جرسُ الباب تزامنًا مع خروجِ صالح من بابِ غرفتِه: (افتح الباب يا صالح..... الله يخليك..... قالتها والدته وهي في المطبخ تُنهي إعداد الطعام. فتح صالح الباب وارتفع حاجباه قليلًا في دهشة من وجودها هنا... خفق قلب شروق بتوتر بعد رؤية ابن الخالة أبرار الابن الأكبر... الشيخ صاحب عطر العود القوي.
عدّلت من وضع حجابها الذي تضعه بعشوائية فوق رأسها ثم ألقت لمحة خاطفة على عباءتها السوداء التي تُغطي قدّها الملتف فارع الطول. عادت إلى عينيه الخضراوين ثم قالت ببحة خافتة: "السلام عليكم...... أجاب بهدوء وهو يغض بصره عنها: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." "هي خالتي أبرار جوا؟ أتت عليهم والدته مسرعة الخطى تُبعده عن الباب بخفة بينما تسحب شروق مرحبًا بها بحفاوة: "تعالي ياشروق ياحبيبتي.....
عرفتي المكان أهو مش قولتلك عنوانا ميتوهش.... "ادخلي..... ادخلي واقفة كده ليه..... ثم ضمتها إلى صدرها وقالت بحرارة: "عاملة إيه... وبنتك عاملة إيه مجبتهاش معاكي ليه." نظرت شروق بطرف عينيها إلى من يقف بجوار الباب يقارنه طولًا بينما يفرض حضوره المهيب كعطره تمامًا. أجابت السيدة بخفر: "الحمدلله.... هي لسه في المدرسة دلوقتي..... قالت والدته بمحبة وحنو: "هتطلع إمتى أنا عاملة حسابي إنك هتتغدي معانا انتي وهي.....
رفضت شروق بحياء وهي تجلس على الأريكة وبجوارها السيدة أبرار: "كتر خيرك يا خالتي.... يجعله عامر.... أنا بس.... نظرت إليه في لمحة سريعة ثم عادت تحدق في الأرض فتنحنح صالح بتفهم قائلاً بهدوء: "أنا هروح أعملكم حاجة تشربوها..... انتفضت شروق في جلستها رافضه: "لا ميصحش شكرًا مش عايزة.... ببشاشة نظر لها قائلا بترفق: "خليكي مكانك يا أم ملك..... انتي ضيفة عندنا.... ربتت عليها والدته قائلة: "هو سبنا عشان تكلمي براحتك....
مش عايز يحرجك...... في لمحة تقدير واعجاب قالت شروق: "ماشاء الله ربنا يباركلك فيه يا خالتي.... هو ابنك الوحيد؟ لمعة عيون السيدة بالحزن وهي تقول بوح: "كان فيه فاروق البكري أبو ياسين.... بس الله يرحمه مات من خمس سنين.... ومفضلش غير صالح ربنا يحفظه ويخليه لينا.... راجل البيت وسندنا من بعد أبوه وأخوه...... سألتها ونبتة الفضول تتعطش لمعرفة المزيد عن صاحب العطر القوي: "هو متجوز صح....
قولتي قبل كده لأمي إنه عنده بنت اسمها أبرار سماها على اسمك..... أومات والدته وهي تقول باستفاضة: "آه كان متجوز بنت حلال كانت ساكنة قدامنا اسمها جميلة..... بس الله يرحمها ماتت من عشر سنين وسابت أبرار وهي يدوب تسع سنين فربيتها مع ياسين...... "أصل فاروق طلق مراته وياسين صغير وكره الجواز والستات وقتها... وأنا اللي تكفلت برعاية ياسين أنا وجميلة مرات صالح.... لحد ما هي كمان سبتني وبقيت أم للاتنين.....
أنهت والدته الحديث بتنهيدة حزن بينما حاولت شروق مواساتها بكلمات طيبة. "الحمل عليكي تقيل أوي يا خالتي ربنا يجعله في ميزان حسناتك..... قالت والدته بتأثر: "الحمدلله يابنتي هنعمل إيه.... أهي سنة الحياة.... تعرفي نفسي في إيه ياشروق؟ تبسمت شروق قائلة: "نفسك تفرحي بأحفادك أكيد..... هزت والدته رأسها نفيًا وقالت بتمني: "قبل أحفادي نفسي أفرح باللي العمر بيعدي حواليه وهو ولا سأل.....
وواجع قلبي ومش مكفيه العشر سنين اللي ضاعوا من عمره..... تكسرت البسمة على وجه شروق وهي تقول بمراعاة: "يمكن لسه بيحبها يا خالتي..... أكدت والدته دون أدنى تردد: "مش يمكن هو روحه فيها.... تحسي إنها خدت قلبه معاها...... علت أمارات الدهشة وجه شروق ونبتة الفضول يابسة لم ترتوي كفاية عنه. كيف يكون الحب مع شخصية كالشيخ (صالح الشافعي) بعيدًا عن عطره الذي يأخذ الحيز الأكبر عند حضوره؟!
ولا هيئته المربكة ولا عينيه الخضراوين الحادتين بعيدًا عن أنه لا ينظر إلى المرء لدقيقة كاملة؟ بعيدًا عن الأشياء الغريبة التي لم تراها في رجل يومًا؟ كيف يكون الحب مع رجل مثله؟ محظوظة تلك الزوجة التي حصلت على حب شيخ بشخصية فريدة من نوعها ووفاء أرمل بعد موتها... عزف عن النساء والهوى في غيابها. فماذا كان معها يا ترى؟ علقت شروق بعد لحظات من الصمت مشدوهة: "لدرجادي كان بيحبها..... قالت السيدة بلوعة أم: "وأكتر.....
هقولك إيه بس دا أنا عملت محاولات العشر سنين اللي فاتوا دول عشان يفكر بس في الجواز وهو ولا هنا كاني بكلم نفسي.... قالت شروق ببسمة مطمئنة: "ساعة النصيب ما يجي يا خالتي.... مفيش حد هيقدر يعترض..... ولا حتى هو...... "على رأيك.... ربنا يعجل بالفرح..... وشوفه مرتاح في بيته مع بنت الحلال..... ثم استأنفت الحديث قائلة: "الكلام خدنا..... كنتي عايزة تقولي حاجة وصالح واقف خير ياحبيبتي.... محتاجة فلوس..... قالت شروق بحرج:
"لا يا خالتي مستورة والحمدلله..... "يابت متكسفيش قولي عايزة إيه..... بللت شروق شفتيها بحرج أكبر وهي تقول بتردد: "بصراحة يا خالتي أنا لما الدنيا ضاقت بيا ملقتش غيرك أخبط على بابه.... امتقع وجه والدته بقلق: "وغوشتي قلبي ياشروق..... في إيه يابنتي.... قالت شروق بإسهاب موضحة الأمر الذي جعلها تأتي إلى هنا بعد أن حصلت على العنوان من الجدة أبرار للوصول: "صاحب البيت اللي قاعدة فيه عايز يخرجني من السكن عشان ابنه هيتجوز فيه....
وأنا..... "أنا مش عارفة ألاقي شقة إيجار بسرعة دي إزاي انتي عارفة.... مفيش حاجة حواليَّنا.... ولو روحت مكان بعيد هضطر أنقل ملك في مدرسة قريبة وده صعب دلوقتي..... "ولو مش كده يبقى هتبهدل في المواصلات الصبح وبصراحة ملك كل يوم بتروح لوحدها عشان شغلي الصبح بدري فمش معقول هسيبها تركب مواصلات لوحدها كمان...... فانا طالبة منك تشوفي ليا حد بيأجر قريب من المنطقة اللي أنا فيها أو الشيخ صالح يشوف حد لو يعرف يبقى كتر خيركم....
ربتت السيدة على كتفها وقالت بمؤازرة: "على إيه دا كله هاتي عفشك وتعالي اسكني في الشقة اللي تحت..... وهي هتبقى قريبة من مدرسة بنتك برضه مش بعيدة... مواصلة صغيرة توصلها للمدرسة...... اتسعت عينا شروق وهي ترفض سريعًا: "لا يا خالتي أجي أسكن عندك؟ ..... لا أزاي؟! ..... ضربتها على كتفها صائحة بتوبيخ: "إيه المشكلة يابت ما الشقة فاضية تحت محدش قاعد فيها......
كانت شقتي زمان بس بعد طلاق فاروق من مراته طلعت قعدت معاه هو وابنه أرعاهم وقفلت الشقة اللي تحت من ساعتها...... رفضت شروق بضيق وحيرة أكبر: "برضو يا خالتي قعد معاكم بصفتي إيه... الناس تقول إيه..... مش هينفع..... صمتت والدته لبرهة ثم قالت باقناع: "هنقول إنك مهاجرة مننا..... وأن إحنا زهقنا من قفلتها كده فقولنا نستثمر فيها.... ليها تصريفة يعني ملكيش دعوة بالناس..... عضت شروق على شفتيها بعجز وحرج: "بس يا خالتي.....
رفعت عنها الحرج متابعة بمساندة الأم: "مش بس تع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!