استيقظ من نومه في وقت مبكر بسبب رنين المنبه العالي والذي تكاسل عن إغلاقه. توقف عن الرنين بعد ثوانٍ، فاعتدل في جلسته على الفراش وحرك أنامله بين خصلات شعره السوداء وهو ينظر إلى الساعة بعينين ناعستين. وقف بتكاسل بعد وقت احتاج فيه استيعاب ما عليه فعله، ثم اتجه إلى الحمام ليستحم ويصلي صلاة الفجر قبل أن يبدأ في الاستعداد للذهاب إلى العمل.
انتهى من صلاته بعد وقت ليس بقصير، ثم اتجه ناحية الباب وهم بفتحه، لكن رؤيته لقصاصة صغيرة ملقاة تحته منعته عن ذلك. عض شفتيه محاولًا ألا يبتسم، لكنه فشل في ذلك واتسعت ابتسامته رغما عنه. انحنى ليحملها، ثم اتجه ناحية أحد الأدراج وفتحه ليظهر فيه عدد كبير من القصاصات المشابهة.
أخرج بعضًا منهم ووضعهم فوق المكتب يحدق بهم بابتسامته التي فشل في محوها. كانت قصاصات مميزة باللون الزهري صنعت من الورق المقوى وذات رائحة زكية، تضع منها بدور كل ليلة قصاصة أسفل باب غرفته منذ ذلك اليوم. وفي كل قصاصة كتبت فيها جملة قصيرة تدفعه إلى الابتسام رغما عنه. "ابتسامتك حلوة أوي على فكرة! "ابتسم وأنا هديلك شوكولاتة، وعد! "شوفتك النهاردة وانت بتحاول تداري ضحكتك لما غمزتلك من البلكونة." "ما تبتسم يا قمر انت!
"بيقولوا إن ممكن يجرالي حاجة لو مبتسمتش، يرضيك يجرالي حاجة؟ "الأبيض لايق عليك على فكرة." "انت عارف إنك لو مبتسمتش النهاردة أنا هعمل إيه؟ هعيط!
كان يعيد قراءة ما كتب على بعض تلك القصاصات، لكنه توقف عندما وصل إلى تلك الجملة الأخيرة. ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يذكر ذلك اليوم الذي قالت له فيه تلك الجملة عندما كانت تتصرف معه بغيظ طفولي بسبب صراخه غير المقصود بوجهها. مرت شهور منذ ذلك اليوم لم تحدثه فيهم ثانية، وكانت فقط تكتفي بتلويح يدها له كلما رأته. وهو أيضًا لم يخاطبها أبدًا، حتى أنه لم يبارك لها تخرجها من الجامعة. ورغم ذلك، فقد كانت هي تحاول جاهدة رسم الابتسامة على ثغره عبر وضع قصاصة من تلك القصاصات تحت باب غرفته كل ليلة. ولا ينكر أنها نجحت في ذلك حقًا.
وضع القصاصة التي التقطها قبل قليل على المكتب ليقرأ ما كتبته هذه المرة: "شفت صورك وانت صغير في ألبوم الصور في أوضة بابا، كنت كيووت أوي وكانت عندك غمازة صغننة على خدك الشمال." رفع حاجبيه بضحكة ثم التفت إلى مرآة معلقة بزاوية ما بالغرفة. ابتسم ليلاحظ حقًا أن لديه غمازة على خده الأيسر. وضع كفه على رأسه وعض على شفته السفلى هامسًا: "مش مصدق إن هبلة زيها عملت فيا كل ده!
أعاد جميع القصاصات إلى الدرج ثم خرج من غرفته لينزل إلى غرفة الطعام. توقف أمام غرفتها لبرهة وهو يطالع بابها بشرود. ابتسم بعد ثوانٍ ثم تابع نزوله وهو يفكر في شيء ما كان قد علق بباله منذ أيام. دخلت غرفة الطعام بعد استيقاظها في وقت متأخر على غير عادتها، فوجدت عائشة وبراءة تجلسان معًا وتتناولان طعام الإفطار. ابتسمت لهما قائلة: "صباح الخير." "صباح النور." غابت قليلًا داخل المطبخ ثم عادت وبيدها كوب من الحليب الساخن
وجلست بجانبهما مردفة: "رحمة رنت عليا وقالت إنها هتجي النهاردة هي وأخوها الصغير سيف." طالعتها عائشة بحاجبين مرفوعين هاتفة بحماس: "هتجيبه بجد؟ أنا متحمسة عشان أشوفه." "وانتِ يا بيرو؟ مش متحمسة عشان تشوفيه؟ تساءلت بدور مخاطبة براءة، فهزت الثانية كتفيها بعدم اهتمام قائلة: "مش أوي، أنا عايزة أصاحب بنات في سني وهو ولد وأكبر مني بأربعة سنين." ضيقت عينيها بشك وتمتمت: "هنشوف! ارتشفت قليلًا من كوب الحليب ثم أردفت بتفكير:
"وبما إن أمجد فاضي النهاردة، إيه رأيك نقوله يودينا الملاهي مثلًا؟ أومأت عائشة باستحسان: "فكرة حلوة، بس لو مش هنضايقه طبعًا." "لا لا متقلقيش مش هيتضايق، أمجد ده أطيب خلق الله وهيوافق على طول، مش زي بعض الناس في أم العيلة دي! "خالد برضه طيب على فكرة هو بس هو مشغول، وياسين كمان طيب! همست عائشة بتذمر، فلوت الأخرى شفتيها معقبة بسخرية: "طبيعي هيبقوا طيبين بس معاكِ انتِ وبس، لأن الأولِ أخوكِ والتاني جوزك."
أخفضت عائشة رأسها بخجل عند سماع كلمتها الأخيرة، فرفعت بدور أحد حاجبيها مصطنعة الصدمة وهتفت: "إيه ده؟ انتو مخطوبين من خمسة شهور وكاتبين كتابكم امبارح وانتِ لسه بتتكسفي لما تسمعي اسمه؟ زمت شفتيها وهي تضيف بحسرة: "والله ياسين صعبان عليا أوي، مش عارفة هتعملي فيه إيه تاني بعد الفرح، بس تصدقي؟ متوقعتش يبقى هو أول حد يتجوز من العيلة بس عرف يختار." ختمت كلامها ببسمة، فبادلتها عائشة ببسمة صغيرة وتمتمت: "عقبالك انتِ ورسلان."
طالعتها بدور بصدمة وتحدثت بتلعثم ووجه متورد: "رسلان إيه يا بنتي؟ انتِ بتهبدي في إيه؟ غمزت لها الثانية بخبث قائلة: "فاكراني مش شايفة نظراتك ليه كل ما تشوفيه؟ لم تستطع بدور الإنكار أو حتى إجابتها، فاكتفت بالإشارة لها بعينيها إلى براءة، لكنها تفاجأت بهذه الأخيرة تقول ببرود دون أن تنظر إليها: "عادي عادي، خليها تقول اللي هي عايزاه، أنا برضه ملاحظة نظراتك ليه وبابا برضه ملاحظ." اتسعت عينا بدور بدهشة،
بينما أضافت براءة بتفكير: "أعتقد إن عمو رسلان برضه ملاحظ، والكل عارف تقريبًا إن في حاجة بينكم." "مفيش حاجة والله! صاحت بدور باندفاع، لكنها فوجئت بعائشة ترمقها بنظرات ماكرة وتقول: "يعني بتنكري إنك بتحبيه؟ "نفيت برأسها سريعًا: لا طبعًا، بحبه إيه ده أخويا! "كلنا عارفين إنه مش أخوكِ متحاوليش تنكري، ده حتى مريم لاحظت غيرتك عليه من أول مرة جت فيها هنا." زفرت بدور بتذمر وصاحت:
"قولتك مش غيرة ولا حتى حب انتِ ليه مش عايزة تفهمي؟ أنا شايفاه زي أخويا وبس! ابتسمت عائشة باستمتاع ولم تكد تتحدث حتى لاحظت دخول أمجد وهو يلقي عليهم تحية الصباح: "صباح الخير." "صباح النور." جلس بجانب بدور ثم وضع رأسه فوق ذراعيه على الطاولة وأغمض عينيه في استعداد تام منه للعودة إلى النوم. طالعته بدور باستغراب ووكزت ذراعه قائلة: "أمجد؟ انت كويس؟ "تمتم دون رفع رأسه: أيوه، بس منمتش كويس امبارح." أومأت بتفهم ثم أردفت:
"طب مين اللي هيودينا للملاهي دلوقتي؟ لم تتلق أي رد فقد غط في النوم في ثوانٍ، أخفضت بدور رأسها بيأس وهمست مخاطبة عائشة وبراءة: "للأسف، مفيش ملاهي... دخلت القصر وهي تمسك بيد شقيقها الصغير عندما وجدت والدتها تتجه نحوهما ثم تنحني لتقبل وجنة ابنها هاتفة: "سفسف حبيب ماما عامل إيه؟ "ابتسم لها قائلاً بتذمر: إسمي سيف يا ماما، سيييف مش سفسف." ضربت رحمة مؤخرة رأسه قائلة: "احمد ربك إنها بتعبرك أصلاً!
أنا بنتها الكبيرة والأولى ومش بتعبرني زي ما بتعمل معاك." ضحكت كريمة ووقفت لتعانقها قائلة بحب: "بنتي الغيورة رحومة عاملة إيه؟ "بادلتها العناق وهي تجيب: الحمد لله يا ماما، المهم بقى أنا رايحة للبنات، هما فين؟ قالت الأخيرة بحماس، فأشارت لها والدتها إلى قاعة الجلوس لتمسك بيد شقيقها ثانية وتتجه به إلى الداخل مردفة: "طيب أشوفك بعدين يا حبيبتي." لمحت الفتيات تجلسن بقاعة الجلوس فصاحت: "صبااح الخير يا قمرات! التفتت ثلاثتهن
إليها ثم رددن بصوت واحد: "صباح النور." اقتربت منهن وهي تشير إلى أخيها: "ده أخويا الصغنن اللي حكيتلكم عنه، سيف." حك سيف رأسه ببعض الإحراج وتوردت وجنتاه رغما عنه، ثم رفع رأسه مستعدًا لإلقاء التحية، لكنه وجد بدور تجلس أمامه ثم تقرص وجنتيه وتصيح رافضة تركهما: "احلفي؟ ده كيوت خاالث هو وخدوده الحمرا اللي أنا عايزة أكلها دي! أبعد يديها عنه وصاح بتذمر: "أنا مش صغير عشان تعمليلي كده على فكرة، أنا عندي عشرة سنين."
كتمت بدور ضحكتها على طريقته ودنت منه عائشة قائلة: "فكك منها يابني، بدور دي بتعامل الكل كده." أنهت كلامها وهي تقف أمامه وتنحني لتصل إلى مستواه مردفة: "أنا عائشة." مد يده ليصافحها كالكبار، فسحبت خاصتها بعد ثوانٍ وأضافت مشيرة إلى براءة: "ودي براءة." طالع تلك الفتاة الصغيرة التي تشير إليها عائشة، فهم بالحديث وإلقاء التحية، لكن براءة أشاحت بوجهها قائلة: "أنا مش بسلم على ولاد على فكرة." لوى شفتيه بقرف وتحدث:
"وأنا مكلمتكش أصلاً." اغتظت منه لكنها حافظت على برودها ولم تجب، بينما كانت الفتيات تتبادلن نظرات الاستغراب بينهن، ثم انفجرن في الضحك. زفرت براءة بضيق منهن ووقفت لتذهب إلى غرفتها التي خصصت لها، لكنها توقفت وهي ترى سيدة تدخل القصر، فركضت نحوها صائحة: "دادة سمااح! اتأخرت ليه النهاردة؟
استلقى على فراشه بتعب فور عودته إلى البيت ونظر إلى سقف غرفته بشرود. كان يفكر في تلك التي سلبت عقله منذ سنين، والتي لم يتقدم لخطبتها سوى منذ ثلاثة أشهر بعد أن أخبر والده بإرادته تلك. ولكنها رفضته! زفر بهم وهو يذكر عندما أخبره خالها بأنها رفضت رؤيته حتى. لكنه لم يستسلم وقام بخطبتها ثانية، وها هو يتلقى الرفض الثاني.
مسح على وجهه وكأنه يحاول إزالة همه عندما وجد ابن عمه يفتح الباب فجأة ويدخل الغرفة دون استئذان. اعتدل يامن في جلسته على السرير هاتفا بضيق: "كام مرة هفضل أقولك استأذن قبل ما تدخل يا آدم؟ تجاهل آدم كلامه وهو يقترب منه ثم جلس بجانبه قائلاً: "رفضتك تاني؟ "أومأ يامن بتنهيدة، فزم الآخر بضيق وأردف: ما تفكك منها يابني؟ دي رفضتك مرتين مش مرة؟ "كنت متأكد إنها هترفضني أصلاً." رفع آدم أحد حاجبيه باستغراب وتساءل: "ليه؟
"لأنها لما شافتني أول مرة هنا كانت فاكرة إني كنت عايز اتسلى بيها." زم شفتيه بتفكير ثم قال: "طب ما تتكلم معاها؟ أنا متأكد إنها لو عرفت إنك بتحبها من وانت صغير مش هترفضك." شرد يامن في كلامه ثم أومأ باستحسان قائلاً: "فكرة برضه.. بس يا ريت توافق تسمعني!
كانت عائشة تقف في شرفة غرفتها الجديدة بعد مغادرة رحمة، وتراقب ذلك الذي أصبح زوجها منذ البارحة وهو يجلس في ذلك المكان الذي خصصه لنفسه للرسم، ولم تكن تعلم بأنه رغم أنه كان يوليها ظهره إلا أنه شعر بوجودها وابتسم رغما عنه. ابتعدت بعد ثوانٍ عندما استمعت إلى صوت شقيقها يطلب منها الإذن بالدخول، فصاحت: "ادخل يا خالد." دخل خالد ببسمة مزيفة رسمها على ثغره فور رؤيتها، فشعرت بالقلق وتساءلت: "مالك يا خالد؟ انت كويس؟
أغلق الباب واتجه ليجلس على سريرها بعد أن قام بمحو تلك الابتسامة وتمتم: "في حاجة عايز أقولهالك." جلست بجواره وقد اعتلت ملامح الحيرة وجهها وانتظرت منه المبادرة في الحديث. أخذ نفسًا عميقًا ثم حاول إخراج الحروف من حلقه لكنه عجز عن ذلك، جاعلًا القلق يتسرب إلى قلبها أكثر. نطق أخيرًا بعد ثوانٍ بهدوء: "أبوكِ دخل السجن يا عائشة."
قال ذلك ثم طالعها بطرف عينه مترقبًا لردة فعلها، لكنه تفاجأ بهدوئها رغم لمعة الحزن التي ظهرت بعينها للحظة. ظن أنها لم تسمعه، فكرر كلامه بقلق: "عائشة، بقولك أبوكِ دخل السجن! أومأت برأسها مؤكدة له سماعها لما قال، أغمضت عينيها غافلة عن تلك الدمعة التي نزلت على خدها وهمست بهدوء عكس حالتها: "كنت عارفة إن ده هيبقى مصيره، ربنا يهديه بس مش عارفة أقول إيه غير كده." تنهد بحزن ثم سحبها ليحتضنها وأخذ يربت على ظهرها بحنان، حتى
تحدثت هي بعد بضع دقائق: "وماما؟ "اتطلقت منه خلاص." أومأت بتفهم ولم تنطق بحرف. عم الصمت بينهما لبعض الوقت قبل أن يقطعه صوت طرقات على الباب. ابتعدت عن شقيقها باستغراب ثم هتفت بعد تبادلها النظرات معه: "ادخل." فتح الباب ليظهر منه ياسين بابتسامته الهادئة، ثم دخل وهو يلقي السلام قبل أن ينظر إليهما باستغراب لوضعهما. أخفضت عائشة رأسها بخجل يسيطر عليها كلما رأته، بينما رمقه خالد بحاجب مرفوع وصاح: "عايز إيه من أختي يالا؟
تجاهله ياسين وهو يجلس إلى جانبها من الناحية الثانية، ثم قدم لها ورقة كانت بيده محافظًا على نفس بسمته وهمس: "بصي رسمتلك إيه؟ أمسكت بها بتردد ونظرت إليها قليلاً قبل أن تتورد وجنتاها بخجل وتخفض رأسها هامسة هي الأخرى بصوت يكاد يسمع: "ش.. شكراً."
اختطف خالد نظرة نحو الرسمة رغم غيظه من تجاهل ابن عمه له، لكنه تفاجأ به قد رسم أخته وهي تجلس في ركن من الحديقة وتلاعب طفلاً كانت ملامحه مشابهة لملامح ياسين تمامًا. تجاهل أمر الطفل وهتف بحدة مخاطبًا إياه: "انت لحقت تحفظ ملامح وشها امتى عشان ترسمها من غير صورة ليها؟ أجابه بهدوء مستفز وهو يمسك بيدها متسببًا في إحراجها أكثر: "كانت خطيبتي ودلوقتي بقت مراتي، يعني يحقلي أبصلها زي ما أنا عايز."
عقد خالد حاجبيه بغيظ وفتح فاه بنية الصراخ في وجهه، لكنه صمت وهو يرى ياسين الذي تجاهله تمامًا وهو يحدث أخته بلطف قائلاً: "طب هتعلقيها فين دي؟ قال ذلك ثم رفع رأسه ينظر إلى جدران الغرفة التي امتلأت بالصور التي كان يرسمها لها في فترة خطوبتهما وأردف: "إحنا لازم نلاقي لها مكان مميز هنا." اغتظ خالد بشدة وهو يرى تقربه منها وإمساكه ليدها ثم طريقة حديثه معها، فوقف بغضب واتجه نحوه ثم سحبه ليقف بمواجهته قائلاً: "تعالى."
حاول سحبه للخروج، لكن ياسين أبعد يده عنه متسائلاً باستغراب: "في إيه؟ "محتاج أتكلم معاك في موضوع مهم." قال ذلك وهو يسحبه ثانية إلى أن وصل إلى الباب، لكن ياسين أبعد يده عنه ثانية وهتف: "دقيقة واحدة!
عاد بخطوات سريعة إلى تلك التي لا تزال تجلس مكانها وتنظر إليهما باستغراب، ثم أمسك ذقنها بكف يده اليمنى وانحنى قليلاً مقربًا شفتيه من خدها الأيمن ليقبله بخفة. اتسعت عينا عائشة بصدمة وإحراج كما فعل خالد، لكنه اتجه إليه بغضب وأمسك بياقة قميصه مزمجرًا: "انت بتعمل إيه يا... قطع كلامه وهو يختطف نظرة إلى تلك التي تضع يدها على خدها بإحراج، ثم عاد بنظره إلى ياسين الذي يطالعه ببراءة وصاح وهو يسحبه من ياقته للخروج:
"تعالى ياخويا تعالى، في حسابات كتيرة لازم أصفّيها معاك! أنهى كلامه وهو يخرج به ويصفع باب الغرفة بغضب، تاركًا شقيقته على نفس وضعها، تضع كفها على خدها وكأنها تحاول منع تلك القبلة من الهروب، وقد بدأت ابتسامة حمقاء بالارتسام على شفتيها بالفعل. "بس ده واد مستفز أوي يا بابا!
كان أدهم يستمع إلى حديث ابنته عن ذلك الضيف الذي يدعى سيف باهتمام. رغم أنه كان موضوعًا تافهًا بالنسبة له، إلا أن حديثها معه بطريقتها المحببة له يزيد من رغبته في الاستماع إلى كل ما تقول. أنهت هي التعبير عن شدة حنقها منه، لكن أعقبت حديثها بجملة أثارت انتباهه: "بس أنا بحسده بصراحة! عقد حاجبيه باستغراب وقلق وهو يرى بريق حزن في عينيها، فتساءل: "ليه؟ "لأن مامته بتحبه أوي، وفضلت معاه كتير وهي كل شوية تسأله محتاج حاجة؟ جعان؟
زهقان؟ ومسابتوش لوحده خالص." أردفت بنبرة آلمته وهي تلوى شفتها السفلى بتساؤل: "هو أنا ليه معنديش ماما زيه؟ أخفض بصره للأرض وتنهد بضيق، ثم رفعه ثانية وهمس: "آسف! عقدت حاجبيها باستغراب وهمت بالاستفسار عن سبب اعتذاره، لكنها وجدت عينيه تتسعان فجأة وكأنه اكتشف أمرًا مهما للتو وأسرع يقول: "يعني انتِ عايزة يبقى عندك ماما؟ أومأت بعدم فهم وترقب، فأضاف بتردد: "أنا ممكن أتزوج.. وحدة ممكن تعتبريها مامتك." سكتت قليلاً
تطالعه بتفكير ثم تساءلت: "يعني مرات بابا؟ زي الأفلام؟ رفع أحد حاجبيه بعدم فهم وتابعها وهي تقوس شفتيها باعتراض قائلة: "لا لا! أنا مش عايزة وحدة شريرة زي اللي في سندريلا! ابتسم على براءتها وقال: "مش كلهم كده على فكرة." ثم رفع رأسه بتفكير قبل أن يخفضه ثانية مردفًا بمرح: "إيه رأيك تختاريها لي أنا؟ "إزاي؟ بدا مترددًا قليلاً لكنه اتخذ قراره فتحدث: "مين أكتر وحدة من البنات حاسة إنك مرتاحة معاها؟ "أجابت دون تردد: بدور."
"غير بدور؟ فكرت قليلاً ثم قالت: "عائشة." "غير عائشة برضه، دي مرات ياسين وأنا عايز وحدة مش متجوزة." فكرت أكثر ثم أردفت: "رحمة! ضيّق أدهم عينيه قليلاً يحاول تذكر صاحبة الاسم لكنه لم يستطع. تطلع إلى براءة بحيرة متمتما: "أعتقد إني معرفهاش بس مش مهم.. المهم إن انتِ موافقة تبقى مامتك؟ تساءلت بحاجب مرفوع: "رحمة؟ تبقى ماما؟ ضيّقت عينيها بتفكير ثم نفت سريعًا:
"لا لا مش موافقة، كده الواد المستفز اللي حكيتلك عنه هيبقى خالي وأنا مش عايزة كده! زم شفتيه بحيرة ثم تساءل: "طب مين أكتر واحدة مرتاحة معاها غير بدور وعائشة ورحمة دي؟ فكرت للمرة الثالثة قبل أن تجيب: "سيرين." امتعض وجهه ولم يكلف نفسه عناء التفكير وهو ينفي برأسه معترضًا: "لا لا غير سيرين، أنا مش بطيقها." "إيلين طيب؟ رغم إني مش قادرة أتخيل إنها ماما." نفى برأسه ثانية قائلاً: "دي برضه مش بطيقها." أخفضت براءة رأسها بحيرة،
ثم رفعته ثانية متمتمة: "كنت هقولك دينا، بس دي تخص عمو يامن." زفر بقلة حيلة ثم تساءل: "والباقي طيب؟ مش مرتاحة معاهم؟ نفت برأسها مجيبة: "مش بالظبط، مريم وحدة بتحب الخناقات كتير وأنا بصراحة بنت هادية ومبحبش المشاكل، وهناء بخاف منها ومن هدوئها ساعات وأنا أصلاً متكلمتش معاها خالص ومش عارفة هيبقى تعاملها معايا إزاي لو اتجوزتها. ده لو وافقت أصلاً! ضرب أدهم رأسها من الخلف بخفة قائلاً بتذمر مصطنع: "وهترفض ليه؟
متخلقتش لسه اللي ترفضني، أبوكِ مجنن البنات كلهم لو مش عارفة." قال كلمته الأخيرة وهو يمرر يده على شعره بغرور، فضحكت براءة بخفوت ثم تساءلت بعد ثوانٍ من الصمت: "ممكن أعرف انت مش بتطيق سيرين ليه؟ ألقى عليها نظرة سريعة ثم نظر أمامه وقد تغيرت تعابير وجهه وأجاب: "لأنها مستفزة، ده غير إنها بتحشر مناخيرها في حاجات متخصهاش! رفعت حاجبيها باستغراب متمتمة: "بس دي طيوبة خالص معايا وأنا بحبها!
لوى جانب شفتيه بضيق ولم يعلق. أردفت براءة بعد ثوانٍ بحماس: "إيه رأيك تصالحها وتتجوزها؟ وقفت أمام الباب تنتظر أي أحد يفتح لها حتى فتح أخيرًا وظهر من خلفه رجل يبدو في الأربعينات لكنه ما زال يحافظ على وسامته. نظر إليها باستغراب فأسرعت تهتف بتوتر: "آء، أنا آسفة لأني جيت من غير معاد.. أنا بدور صاحبة دينا وكنت عايزة أشوفها! ابتسم لها بهدوء ثم أفسح لها المجال للدخول مرحبًا:
"اتفضلي يا بنتي، انتِ مش محتاجة معاد عشان تجي أصلاً." ابتسمت له بدورها وسارت معه إلى الداخل متسائلة: "انت خالها صح؟ "أومأ برأسه مجيبًا: أيوه، تعالي معايا عشان أوريكِ أوضتها." تمتمت سريعًا: "أنا جيت هنا قبل كده وعارفة مكانها، ممكن أروح لها لوحدي.. لو مش هسببلك إزعاج يعني! همست بجملتها الأخيرة بصوت منخفض وإحراج، فنفى برأسه قائلاً: "ولا إزعاج ولا حاجة، اتفضلي البيت بيتك."
اكتفت بإيماءة صغيرة ثم تركته وصعدت سريعًا نحو غرفة صديقتها. طرقت بابها وانتظرت قليلاً حتى سمعت صوتها يأذن لها بالدخول. دخلت بهدوء ثم أغلقت الباب وهي تنظر إلى تلك المستلقية على فراشها بملل. اعتدلت دينا في جلستها عند رؤيتها لها وهتفت بترحيب: "أهلاً وسهلاً، اتفضلي اقعدي." قالت ذلك مشيرة إلى السرير، فاقتربت بدور منها وجلست حيث أشارت متمتمة بمرح: "متقوليليش إنك نايمة كده طول اليوم من غير ما تعملي حاجة؟ قوست
دينا شفتيها بملل وقالت: "امال عايزاني أعمل إيه؟ من أول ما اتخرجت وأنا مش لاقية حاجة أعدي بيها يومي.. حتى الفون زهقت منه! "ما تدوري على شغل طيب؟ نفت دينا برأسها وهي تهز كتفيها برفض مجيبة: "مش عايزة أشتغل بصراحة.. على الأقل مش دلوقتي." أومأت بدور برأسها بتفهم وعقبت: "أنا برضه مش عايزة أشتغل، أنا عايزة أتزوج! ضحكت دينا بخفة ولم تعلق. عم الصمت بينهما لثوانٍ حتى قطعته بدور فجأة بقولها: "ممكن أعرف انتِ رافضة يامن ليه؟
ظهرت ملامح الاعتراض على وجه دينا قبل أن تتمتم بملل: "وهو لازم يبقى في سبب عشان أرفض؟ "أجابت الثانية بغيظ: آه لازم! لما يبقى في حد متمسك بيكِ بالطريقة دي وانتِ رافضة يبقى أكيد في سبب! قلبت دينا عينيها بضيق ثم سكتت قليلاً تنظر إلى الفراغ بشرود. رفعت بدور أحد حاجبيها باستغراب وهمت بالسؤال عما يشغل بالها، لكنها تفاجأت بها تهمس فجأة: "لأني بحب حد تاني!
كان يسير باتجاه غرفته فور عودته من العمل. توقف فجأة عندما وضع يده على مقبض الباب وهم بفتحه. نظر إلى باب غرفتها بطرف عينيه بنظرات غامضة وبدا أنه يفكر في شيء ما شغل تفكيره ومنعه عن الانتباه لعدد الدقائق التي مرت وهو يقف بنفس وضعيته أمام الباب. أفاق من شروده على يد وضعت على كتفه تلاها صوت خلفه يهتف بقلق: "مالك يا رسلان؟ انت كويس؟ التفت برأسه إلى صاحب الصوت ثم أومأ بهدوء مطمئنًا إياه: "أنا كويس يا أمجد متقلقش." ثم عاد
ينظر أمامه بتفكير وأردف: "بس في حاجة شاغلة تفكيري وعايز أعملها النهاردة قبل بكرة! رفع أمجد أحد حاجبيه باستغراب وتساءل: "هي إيه؟ أرخى رسلان يده من قبضة الباب والتفت إلى أمجد بكامل جسده متسائلاً: "بابا فين؟ "في أوضته أعتقد.. بس في إيه يا رسلان؟ انتظر إجابته لكنه تفاجأ به يبتسم بهدوء ويتمتم وهو يبتعد عنه متجها ناحية غرفة أكرم: "هتعرف قريب!
رفع أمجد كتفيه بقلة ثم نزل تاركًا رسلان يدخل غرفة أكرم بعد استماعه للإذن بالدخول. وجده يستند على ظهر فراشه ويفرد ساقيه واضعًا حاسوبه على فخذيه ويبدو منهمكًا في العمل. أغلق الباب واتجه ليجلس بجانبه على السرير دون أن ينطق بحرف. رفع أكرم حاجبيه باستغراب ونظر إليه متسائلاً باهتمام: "في حاجة يابني؟ الآخر عنقه بتوتر متمتما: "آه.. أنا محتاج أتكلم معاك في موضوع.."
أغلق أكرم الحاسوب ووضعه على الجانب الآخر من السرير ثم اعتدل في جلسته وولاه كامل اهتمامه قائلاً: "اتكلم.. سامعك." حاول رسلان الحديث وحرك شفتيه محاولًا إخراج الحروف من حلقه، لكن الاحمرار بدأ يسيطر على وجهه مما جعل أكرم يرمقه بقلق وريبة. أخذ نفسًا عميقًا ثم أسرع يقول بنبرة بدت.. محرجة: "أنا عايزك تجوزني بنتك!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!