طالت المسافة في الرحلة وازداد شعور فرحة بضيق وألم وخوف من أن تكون سبية أخرى تباع في سوق الجواري من أجل إخلاء المكان والمسؤولية منها فقط. وبدأت رحلتها مع الرعب خاصة بعدما رأت عزام الشاب الصارم، وموضوع يبدو على وجهه قسوة تفزع القلب. جلست فرحة منكمشة في أمها تتوارى من نظراته المتفحصة التي لم تستحِ. عينها السوداء وأهدابها السوداء تتحرك بقلق يغريه دون قصد منها. عباءتها السوداء البالية أضافت لها جمالاً في عينهم.
"ماما عايزة أروح الحمام." "ماشي يا فرحة روحي وتعالي." خرجت فرحة وهي تتلفت في قلق واتجهت نحو باب الكافتيريا وخرجت مسرعة. لم تكن تعلم وجهة سوى الفرار، تفر من مقتلها الحتمي الذي رأته الآن. *** في الكافتيريا. مضى وقت ليس بالقليل على غيابها. ساور القلق العريس، أو اشتاق إليها. فتنحنح بصوت أجش وتساءل: "أومال فرحة غابت كدا لي؟ "زينات هقوم أشوفها." نهضت زينات وبحثت داخل الحمام، ولكن كان فارغاً. انقبض قلبها
على الفور وهي تصرخ باسمها: "فرحة! فرحة! أتى على الفور أبناء عمها وتساءلوا في قلق: "جري إيه يا عمة؟ "حصل إيه؟ وضعت زينات يدها على صدرها وراحت تربت بقوة وتبكي. صاح بها فتح الله بإنفعال: "ما تقوليلي إيه يا ولية يا بومة.. بتك فين؟ استطاعت بصعوبة نطق الكلمات وأجابت محزونة: "بنتي مش في الحمام! صاح فتح الله بإنفعال: "يعني إيه؟ راحت فين بت المركوب دي؟
تلألأت عين عزام بشرارة خطرة وراح يوزع نظره في المكان الضيق بضيق، حتى أمسك بالجرسون من كتفه وسأله في غلظة: "كان فيه واحدة لابسة عباية سودة وطرحة سودة وصغيرة ما شفتهاش؟ "آه يا أفندم، كانت بتجري برة الكافتيريا." هتف عثمان وإسماعيل بصوت واحد: "يا واجعة مرار! خرج الثلاثة بحثاً عن العروس الهاربة، والتي استطاع بسهولة تحديد مكانها، فكانت تركض بعيداً. كانت فرحة تركض بكل ما أوتيت من قوة، ولكن لم تغب صورة الكافتيريا عن نظرها.
في مكان مكشوف كانت تلتفت بين حين وآخر لتتأكد من أن لا أحد يلاحقها. ولكن حدث ما كانت تخشاه، رأتهم يلاحقونها ويركضون نحوها. ازدادت هي سرعة وأخذت تتعرق وجف حلقها. وعبرت الطريق السريع إلى الجهة الأخرى بلا وعي، غير عابئة بتوقف السيارات المفاجئ والذي كان على وشك حدوث كارثة. وصارت تركض بعشوائية، كل ما ترغب به الآن أن تختفي عن أنظارهم وأن تستطيع الفرار من تلاحقهم.
ولم يتوقفوا لحظة، بل ازدادوا سرعة نحوها وعبروا الطريق محدثين ضجة مماثلة لما هي أحدثتها. واقتربت المسافة بينهم، جعل فرحة تصرخ بجنون وتزيد من سرعتها الواهية. ولكن هيهات، تلاشت المسافة وأمسكوا بها. سيقتلونها بلا محالة ولا أحد سيكترث لأمرها بإختلاف الأسباب، سواء أن تزوجت من عزام أو لا، جزاء فعلتها التي لا تغتفر. صاحت هي عالياً بكل قوة لعل أحد يستمع لها، ولكنه جذبها إسماعيل من شعرها بعنف وصاح بإنفعال
شديد وهو يدفعها نحو عزام: "الفاجرة عايزة تهرب قبل فرحها.. خد اغسل عارك." ما كان من عزام إلا أن هوى على وجهها بصفعة قوية أدمت وجنتها. وزاد وجهه بريقاً من الشر جعله تماماً كهيئة وحش مخيف: "كنتي عايزة تهربي ليه؟ خايفة من إيه! "يلا يا عزام خدها لأبوها.. واسأله." صرخت بهلع: "مش هروح معاك." هوى عزام بصفعة أخرى على وجهها صارخاً تحذيراً: "اكتبي لا أدنك صاحية." أجاب إسماعيل ساخراً: "ادي آخرت تربية البندر."
تسللت من قبضته القوية في محاولة أخيرة لإنقاذ نفسها من براثنهما الشرسة. أمسكا بها بسهولة، فأبت التحرك وجلست في الأرض رافضةً على الوقوف. وتحدث إليها عزام من بين أسنانه: "بس أما نرجع البلد هتشوفي أيام أسود من قرون الخروب، والله لأعلمك الأدب." وجذبها عنوة من ذراعيها بكل عنف، ولكنها خارت قواها وما عادت تحملها قدمها. هتف إسماعيل بحنق: "ما تخلصينا يا بنت الناس قومي بدل ما ندفنك صاحية."
وكزها في كتفها بغل، وناوله عثمان أيضاً وكزة مماثلة في الكتف الآخر. بدت بائسة بين أيديهم. حملها أبناء عمها كالجوال وأمسكوها من يدها وقدمها عنوة وتحركوا بها عائدين إلى الكافتيريا غير مبالين بصراخها. فجأة أوقفهم طلق ناري في الهواء. كان من شاب يقف خارج سيارته الفارهة دفاعاً عن تلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة. فقد تابع المشهد من بعيد. "القوها جانباً بإهمال واتجهوا نحو الشاب بغضب شديد."
اندفعوا نحوه بشر يعاظم وبدأوا في الاشتباك معه، ولكن هو صار يناولهم اللكمات بحرفية. صاح ذلك الغريب وهو ينظر إلى فرحة الملقاة على الأرض تتابع المشهد بقلق: "روحي على العربية." وزعت نظراتها بين الباب المفتوح وبين أبناء عمها وهم يتناولون اللكمات، فابتسمت بشماتة. هدر عزام وهو يتخلص من قبضة ذلك المجهول: "ارجعي يا بت، أوعاكي تروحي." وأسرعت نحو السيارة بلا تفكير. وناوله لكمة شديدة طرحته أرضاً.
استرسل ذلك المجهول مناولتهم اللكمات بحرفية ولقنهم درساً جيداً وتركهم أرضاً فاقدين للوعي. جلست فرحة في الكرسي الأمامي وشعرت بشيء غريب لا تستطيع تفسيره، طمأنينة. أم فرح، لقد ظهر من العدم منقذ لها. لحظات وعاد هو إلى السيارة وانطلق مصدراً صريراً عالياً تاركاً من خلفه ثلاثة رجال أشداء فاقدين للوعي تماماً. لم ينظر تجاههم اطلاقاً وبدى غير مهتم. ساد الصمت لبرهة حتى تحدث هو بصوت خالي من أي تعبير:
"أول ما نوصل حتة عمر هنزلك عند أول قسم تبلغي عن اللي حصلك وهناك يسلموكي لأهلك." جحظت عيناها بفزع وأدارت وجهها نحوه: "لا لا، اوعى ترجعني تاني، ارجوك." استرسل هو بتساؤل: "انتي منين؟ ورايحة فين؟ ازداد توترها وبدأت تتعلثم وهتفت بأنفاس متقطعة: "اااا... ايه... انا... كنت... اااا" توقف فجأة عن السير جعلتها تنصدم بالتابلوه وعادت مكانها مرة أخرى. هدر هو بعنف بالغ: "نعم.. انتي كنتي... وكنا..... انتي مين يا بت انتي."
أجابت بتوتر: "فرحة.... انا اااا فرحة." ونظر إليها وتفحص وجهها البريء بدقة. وضع يداً فوق أخرى ثم هدر ساخراً: "حصلنا الشرف." أحدثت نبرة صوته وعلى صوته وتساءل في حدة بالغة: "هو أنا عايز أتعرف عليكي؟ إنتي حكايتك إيه يا بت الناس؟ مين اللي كانوا بيضربوكي دول؟ شنجت خوفاً وازدادت توتراً وهتفت باكية برجاء: "انا... مش عايزة أرجع المكان دا تاني... وديني أي حتة بعيدة عنهم." وبدت صادقة تماماً في نظراته وتساءل:
"أوديكي القسم تبلغي عنهم ويرجعك لأهلك يتصرفوا." "هتفت مقاطعة." "لا.. دول... يبقوا... أهلي... ولاد عمي." "ياماشاء الله.. وأنا ناقص ورايط... انتي طلعلي منين." قاطعته هي: "والله ما هعملك مشاكل..، مشيني من هنا ارجوك.. وابعدني عنهم وأنا هدعيلك ليل نهار." كان ذلك المجهول يحدق في المرآة الجانبية بدقة وبدا وكأنه لم يسمعها. أدار المحرك في عجل وانطلق مسرعاً. ابتهجت فرحة إذ شعرت أنها أخيراً شارفت على النجاة وراحت تشكره بحرارة:
"ربنا يخليك ويسترك وما يشمت عدو فيك و..... قاطعها هو بعنف: "بس خلاص، هو إيه راديو واتفتح." التزمت فرحة الصمت ولكن السرعة المفرطة في القيادة جعلتها تتأرجح وشعرت أن هناك خطب مريب يجعله يلوذ هو أيضاً بالفرار إذ لمحت طيف عدة سيارات تلاحقهم في المرآة. صرخت عالياً: "مين دول؟ تقلص وجهه وأخرج من جيبه مسدساً لامعاً. ازداد صراخها عالياً: "لا لا." جذبها عنوة من رأسها ووضعها تحت التابلوه وصرخ بانفعال: "أوعك تطلعي من هنا فاهمة."
وضعت كفيها على أذنها بهلع وراحت تهتز بقوة عند سماع صوت إطلاق النار والذي بدا متبادل بينه وبين آخرين. أغمضت عينيها بقوة ووضعت يدها على أذنها أكثر كي لا تسمع صوتاً. وراح يدور في رأسها صور حول نهايتها المأساوية. وراحت تهمس عالياً: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!