تحميل رواية «أسير عينيها» PDF
بقلم دينا جمال
الفصل 8 — رواية أسير عينيها الفصل الثامن 8 - بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
«عائلة البطل» خالد محمود السويسي: 30 سنة، عقيد شرطة. طويل القامة، مفتول العضلات، دائمًا ما يمارس التدريبات الشاقة منذ صغره. شعره أسود كثيف، عيناه بلون البندق الغامق. قاسٍ، مغرور، متعجرف، عنيد، يكره جميع النساء إلا هي. محمود السويسي: 58 عامًا. طويل القامة، بشوش الوجه، يمتلك مصنعًا لصناعة الأقمشة. زينب محفوظ: والدة خالد. كل ما يقال عنها أنها أم مصرية أصيلة بكل ما تحمله من طيبة وعطف على أبنائها. 50 عامًا. ياسمين السويسي: 27 عامًا. خريجة كلية آداب قسم لغة إنجليزية، تعمل مترجمة. مخطوبة لدكتور أنور مح...
رواية أسير عينيها الفصل الثامن 8 - بقلم دينا جمال
خالد بصوت ضعيف ومتقطع: محمد، قوّلها إنّي بحبّها أوي.
ثم أغلق عينيه ليتهاوى جسده أرضًا.
محمد صارخًا: يوسف، شيلوه معايا يا يوسف، بسرعة نودّيه على المستشفى.
وبالفعل تولّى بعض الضباط العناية بالرهائن في إحدى السيارات الكبيرة.
أمّا خالد، فوضعه محمد ويوسف في سيارة صغيرة. ركب محمد بجانبه على الكنبة الخلفية، واستقلّ يوسف مقعد القيادة، يشقّ غبار الطريق من سرعتهما.
محمد صارخًا بغضب: بسرعة يا يوسف.
يوسف صارخًا: أسرع من كده، العربية هاتتقلب، لا هو هايعيش ولا إحنا هانعيش، بص حواليك، شوف أي مستشفى نقف عندها.
محمد سريعًا: اطلع على مستشفى الحياة.
يوسف بدهشة: اشمعنى يعني؟
محمد غاضبًا: اسمع الكلام يا يوسف، أنا عارف أنا بعمل إيه.
هزّ يوسف رأسه إيجابًا سريعًا ليضغط على دواسة البنزين بقوة، لتصرخ السيارة من شدّة سرعته.
محمد بحدّة: اجمد يا خالد.
فتح الأخير عينيه بضعف وابتسم ابتسامة صغيرة شاحبة، وبدأ يحرك شفتيه يتحدث بصوت ضعيف متقطع: أش…هد…إن…لا…إله…إلا…الله.
محمد صارخًا: لأ يا خالد، أنت مش هتموت، أنت فاهم؟ مش هتموت. بسرعة يا يوسف.
يوسف سريعًا: وصلنا خلاص أهو.
***
في فيلا محمود السويسي.
استيقظت زينب فزعة من نومها تصرخ وتنادي باسم ابنها.
زينب صارخة: خاااالد، لالالا، ابني!
قال محمود جالسًا يهتف بقلق: مالك يا زينب؟ بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه؟
التفتت له تهتف بقلق تجلّى بوضوح على قسمات وجهها.
زينب بقلق: خالد، خالد يا محمود، خالد مش كويس، في حاجة حصلت له، قلبي حاسس ابني جراله حاجة.
ثم بدأت بالنحيب.
محمود سريعًا وهو يربت على كتفها: استهدي بالله يا زينب، ما تفاوليش على الواد، إن شاء الله هو كويس، مش أول مرّة يعني يطلع عملية.
زينب باكية: طب بالله عليك كلمهم.
محمود: أكلمهم إزاي يا زينب، انتي ناسية إنّه منبّه إن ما حدش يكلمه وهو في مهمة، استهدي بالله كده وارجعي نامي، وهو إن شاء الله كويس.
استسلمت زينب لأوامر زوجها وعادت لتستلقي على الفراش، ولكنها لم تنم، فقلبها يعرف أن هناك شيئًا سيئًا حدث لابنها.
زينب بقلق: لالالا، أنا مش مطمنة، أنا هقوم أصلي، يمكن قلبي يرتاح شوية.
***
في مستشفى الحياة.
ساعدت الممرضات محمد ويوسف على وضع خالد على السرير النقال.
محمد صارخًا بغضب: فين الزفت الدكاترة اللي هنا؟ ما تقفوش كده، نادوا الدكاترة بسرعة.
ركضت الممرضات ناحية غرف الأطباء، وذهبت واحدة منهم ناحية غرفة لينا. اقتحمت غرفتها تهتف سريعًا: الحقي يا دكتورة.
لينا: في إيه يا سماح؟ إيه الدوشة اللي تحت دي؟
الممرضة سريعًا: الحقي يا دكتورة، في حالة خطيرة تحت، اتنقلت على أوضة الطوارئ، ودكتور عصام راح هناك و…
لم تقف لتستمع إلى باقي حديثها. من بداية تلك الليلة وهي تشعر بقلق غير مبرر. نزلت تركض على سلم المستشفى بقلق، دقات قلبها تصرخ من القلق لسبب مجهول. ما إن وصلت إلى حجرة الطوارئ وجدت محمد يقف أمامها. اتسعت عينيها بفزع. لا، لا، ليس هو بالتأكيد، شخص آخر. اقتربت منه وهي تهز رأسها نفيًا بعنف، تنفي تلك الفكرة من مجرد التجوال في عقله.
محمد باكياً: لأ، هو خالد بيموت يا لينا، الحقيه أبوس إيدك. صرخ في وجهها: خالد لو مات، مش هاسامحك أبدًا، أنا عملت كل ده عشانه عشان يرجع يعيش تاني.
لم تفهم حرفًا واحدًا مما قال، سوى أن حياته في خطر. هرعت إلى غرفة الطوارئ وهي تشعر في تلك اللحظة أنها نسيت كل ما تعرفه عن هذه المهنة.
***
في فيلا جاسم الشريف.
وضع جاسم مفتاحه الخاص في قفل الباب. فتح الباب بهدوء ودخل ليجد زوجته جالسة على أريكة كبيرة في غرفة الصالون، من المفترض أنها تشاهد التلفاز.
جاسم مبتسمًا: مساء الخير يا فيري.
فريدة مبتسمة بقلق: مساء النور يا جاسم.
تهاوى جاسم على الأريكة بجانبها يهتف بتعب: هلكااااان، النهاردة كان عندي قضايا وعمل كتير أوي.
فريدة مبتسمة برفق: ربنا يقويك يا حبيبي.
جذب كف يدها برفق ليلثمه بقبلة حانية: ويخليكي ليا يا حبيبتي، قوليلي، البت لينا فينا؟
درقت فريدة ريقها بذعر لترد بتوتر حاولت إخفاءه: لوليتا نايمة من بدري، جت من الشغل تعبانة ونامت.
جاسم: أوعي تكوني سبتيها تنام من غير ما تاكل؟
فريدة بعتاب: دي بنتي أنا كمان على فكرة، يعني أكيد مش هسيبها من غير أكل.
جاسم مبتسمًا: طب يا حبيبتي، أنا هروح آخد دش وأنام، مش هتيجي تنامي؟
فريدة مبتسمة بتوتر: هخلص الفيلم وأحصلك.
جاسم: ماشي يا حبيبتي، تصبحي على خير.
فريدة: وأنت من أهله.
راقبته وهو يصعد بقلق حتى اختفى عن ناظريه، لتتنهد بارتياح: الحمد لله، ربنا يستر، جاسم لو عرف إن لينا مش بايتة في البيت، هيقلب الدنيا على دماغنا، استرها يا رب.
***
في داخل غرفة العمليات.
لينا سريعًا: عملية، نبضه ضعيف أوي، وليد بسرعة، عايزة أعرف فصيلة دمه إيه.
وليد سريعًا: حاضر يا دكتورة، ثواني.
عصام: الحمد لله، طلعنا الرصاصة ووقفنا النزيف، بس إحنا محتاجين دم بسرعة.
وليد بتوتر: دكتورة لينا، في مشكلة، فصيلة دمه O negative.
اتسعت عينيها بفزع: يا دي الليلة البيضة! الفصيلة الوحيدة اللي مش موجودة. حد يجيب كانيولا بسرعة.
بعد ساعة تقريبًا، خرجت لينا من غرفة العمليات ومعها عصام ووليد وبعض الممرضات يجرون الفراش الناقل إلى غرفة العناية المركزة.
محمد سريعًا: خالد بقى كويس، صح؟ ها يعيش، مش كده؟
يوسف برجاء: طمنّينا، أرجوكي.
لينا بابتسامة متعبة: ما تقلقوش، هو الحمد لله بقى كويس، والعملية نجحت وحالته استقرت. خالد بنيته قوية أصلًا، عشان كده قدر يعدي منها.
محمد بقلق: بجد بقى كويس؟
لينا مبتسمة برسمية: والله العظيم بقى زي الفل، هيحتاج بس يفضل يومين تحت الملاحظة وبعد كده هيخرج.
تنهد محمد بارتياح: ربنا يطمنك يا رب. روح أنت يا يوسف، وأنا هفضل معاه.
يوسف بضيق: وأروح أنا ليه؟ ما تروح أنت، وأنا أفضل معاهم.
محمد غاضبًا: يوسف، اسمع الكلام.
يوسف بحدة: إحنا برة الشغل يا محمد باشا، وأنا مش هامشي من هنا.
لينا سريعًا: بس بس، انتوا ناسين إنكم هنا في مستشفى وفيها مرضى. أنا عندي ليكم حل كويس، انتوا لسه راجعين من عملية واكيد مجهدين، فالأحسن إنكم تروحوا ترتاحوا، وأنا هخليه تحت عنيا طول الليل، والصبح من بدري تعالوا.
محمد باعتراض: لأ طبعًا، ما ينفعش.
لينا مقاطعة بضيق: من غير لأ يا حضرة الظابط، صدقني ده أفضل حل. مش مسموح غير بمرافق واحد بس. هتفضلوا تتخانقوا طول الليل، مين فيكم اللي هيبات معاه.
نظرت محمد لها للحظات ليرى نظرة تحدي وعناد تلمع في عينيها، فابتسم بداخله على محبوبة أخيه. هز رأسه إيجابًا باستسلام، وأخذ يوسف ورحل. بينما نزلت لينا لغرفة العناية المركزة. دخلت، فوجدت عصام يفحص حالته.
لينا باهتمام: ها يا عصام، حالته عاملة إيه دلوقتي؟
عصام: الحمد لله، الحالة مستقرة. النبض طبيعي، والتنفس منتظم، وأعضائه الحيوية شغالة بصورة طبيعية.
تنهدت بارتياح: طب الحمد لله.
نظر لها عصام نظرة غريبة، نظرة تجسد فيها الألم والحزن والغضب، ليهتف بضيق حاول إخفاءه: لولاكي، كان مات.
لينا بلهجة حادة: عصام، ما تجيبش سيرة الموضوع ده تاني، ماشي؟ واتفضل روح على شغلك، وأنا هتابع حالته.
عصام بضيق: تمام، يا دكتورة، اجيبلك حاجة تشربيها؟ انتي اتبرعتيله بدم كتير أوي.
لينا بحدة: لو سمحت يا عصام، اتفضل، مش عايزة حاجة.
زفر بضيق ليهز رأسه إيجابًا، خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.
***
في منزل محمد.
وصل محمد إلى منزله في ساعة متأخرة، فوجد زوجته ما زالت مستيقظة تجوب غرفة النوم بقلق.
محمد بدهشة: رانيا، انتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟
لم ترد عليه، بل أسرعت ورمت نفسها بين ذراعيه وبدأت تبكي بقوة.
( رانيا النشار، زوجة محمد منذ ثلاث سنوات، لديها ابنة صغيرة اسمها لوجين).
رانيا باكية: كنت قلقانة عليك أوي يا محمد، الحمد لله إنك بخير.
مسد محمد على شعرها بحنان: بس يا حبيبتي، اهدي، أنا كويس والله، ما تخافيش.
ابتعدت عنه تمسح دموعها سريعًا.
رانيا مبتسمة: الحمد لله، الحمد لله يا رب. ثواني وهحضرلك العشا.
محمد بتعب: معلش يا رانيا، ماليش نفس.
ثم تركها وجلس على الفراش وبدأ يخلع حذاءه.
فذهبت وجلست بجانبه تربت على يده بحنان: مالك يا محمد؟
رمى رأسه على كتفها وبدأ يبكي: خالد يا رانيا، خالد اتصاب وكان هايموت.
شهقت بفزع، مدت يديها سريعًا تحتضن رأسه بحنان ليكمل هو باكياً: كان هايموت زي زيدان، زيدان مات قدام عيني، وخالد كان ها يحصله، كنت حاسس إني هتجنن وهو بيتشاهد وبيغمض عينيه زي زيدان.
انسابت دموعها بألم على حالته: اهدي يا محمد، اهدي يا حبيبي، مش هو، الحمد لله بقى كويس.
هز رأسه إيجابًا، فاكملت بحنان وهي تمسد على شعره برفق: الحمد لله يا حبيبي، ما تعملش في نفسك كده عشان خاطري.
رفع رأسه ينظر لها بحب، دنّت برأسها تقبّل جبينها: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
***
أمّا في منزل الرائد يوسف.
دخل يوسف إلى منزله يفرد ذراعيه بتعب، اتسعت عينيه بدهشة عندما وجد والدته وخطيبته في انتظاره.
يوسف بدهشة: ساندرا، انتي بتعملي إيه هنا؟
ساندرا بضيق: بقي دي طريقة تكلم بيها خطيبتك؟ طب أنا زعلانة منك، وأنا غلطانة أصلًا إني كنت قلقانة عليك.
يوسف سريعًا: مش قصدي يا ساندرا، قصدي إن الوقت اتأخر، هتروحي إزاي دلوقتي؟
ذهبت والدته إليه وعانقته بحنان.
والدة يوسف: وحشتيني أوي يا حبيبي، الحمد لله إنك رجعت بالسلامة. وإن كان على ساندرا، ما تقلقش، هتبات معانا هنا، أنا اتفقت مع خالتك على كده.
تنهد يوسف بارتياح: طب كويس، أدخل أنا أنام بقى عشان جاي هلكان، تصبحوا على خير.
ثم تركهم وذهب إلى غرفته.
ساندرا: شوفتي يا طنط، ابنك بيعاملني إزاي؟ وأنا قلقانة عليه وسهرانه طول الليل مستنياه.
والدة يوسف: معلش يا حبيبتي، انتي عارفة إنه بيبقى جاي من شغله تعبان وما بيصدق يرتاح شوية. يلا، إحنا كمان نروح ننام، تصبحي على خير يا حبيبتي.
ساندرا: وأنتِ من أهله يا طنط.
دخلت والدة يوسف إلى غرفتها، وذهبت ساندرا إلى غرفة الضيوف التي ستقضي فيها ليلتها. ما إن دخلت وأغلقت الباب، حتى شعرت بظل يتحرك خلفها.
فزعت ساندرا وبدأت تصرخ: حرررا…
وضع يوسف يده على فمها سريعًا: يخربيتك، هتفضحينا. حرامي مين؟ أنا يوسف. ثم أكمل بنبرة رومانسية حالمة: وحشتيني.
دفعه ساندرا بضيق: عبّ وشك! قطعتلي الخلف.
قطّب يوسف حاجبيه بصدمة: يا نهار أبيض على دا لسان!
وضعت يدها على خصرها تنظر له بضيق: والله يا سي، ولسه فاكر تقولي وحشتيني؟
يوسف بحزن: معلش بقى يا ساندرا، ما انتي ما تعرفيش اللي حصل.
لوت ساندرا جانب شفتيها بضيق: هعرف لو انت قلت لي.
يوسف بضيق: يخربيت لمضتك! أنا اللي جبته لنفسي. خالد يا ستي، انضرب بالرصاص، وهو دلوقتي في المستشفى.
ساندرا بحزن: أنا آسفة يا حبيبي، ما كنتش أعرف. طب هو حالته عاملة إيه دلوقتي؟
يوسف: الحمد لله، الدكتورة قالت إن حالته استقرت.
ساندرا وهي تدفعه إلى خارج الغرفة: طب يلا بقى يا حبيبي، روح نام عشان نلحق نروح له الصبح بدري.
يوسف بمرح: طب ما تزوقيش. تصبحي على خير يا حبيبتي.
ساندرا: وأنت من أهله.
يوسف بمشاكسة: حاف كده؟
ساندرا: أيوه، ده اللي عندي. اتفضل بقى، روح نام.
أخرجته من الغرفة وأغلقت الباب في وجهه.
يوسف بضيق: منك لله يا ساندرا، يا بنت أم ساندرا. كشّفت رأسي ودعيت عليكي بالعربي وبالإنجليزي وبكل اللغات. ثم صاح بضيق: عايز أتجوّز يا نااااااس.
بينما تقف ساندرا خلف الباب المغلق منهارة من الضحك على أفعال حبيبها المجنونة مثله.
***
في المستشفى.
كان ممددًا على الفراش، الكثير من الأجهزة الطبية متصلة بجسده. اقتربت منه ببطء، تجول بعينيها بين تلك الأجهزة وملامح وجهه المستكينة.
أمسكت رسغ يده تتأكد من انتظام دقات قلبه. أغمضت عينيها، فمر أمامها مشهد طفلة صغيرة تجلس على فراش صغير تبكي لأن دُميتها المفضلة انكسرت، فظهر صبي أكبر منها ببضع سنوات، ذهب إليها وضَمّها بحنان إلى صدره، ومسح دموع عينيها برفق، وأخرج من خلف ظهره عروسة أخرى، فصرخت هذه الصغيرة بفرح وقبّلت الصبي على وجنته.
فتحت عينيها تنظر له بحنين وعتاب عندما تذكرت جملته الساخرة: "ده واضح إن الموضوع كان عاجبك وأنا مش واخد بالي".
وضعت يده برفق بجانبه، ثم ذهبت وجلست على كرسي صغير بجانب الفراش.
***
في صباح اليوم التالي، في فيلا محمود السويسي.
يقف عمر أمام والده وهو يحمل حقيبة سفر صغيرة.
محمود بحدة: يعني إيه مسافر يا عمر؟
عمر سريعًا: يا بابا، ده يوم واحد، عشان خاطري وافق.
محمود: طب وجامعتك يا ابني؟
عمر برجاء: يوم يا بابا وهنرجع بكرة، مش هنتأخر، عشان خاطري، عشان خاطري، عشان خاطري.
زفر محمود بضيق: ماشي يا عمر، بس يوم واحد.
قبّل عمر قلبه على وجنته بفرح: إشطاش يا حج، ربنا يخليك يا رب. أخلع أنا بقى.
ركض إلى خارج منزلهم يستقل سيارة صديقه.
سامر ضاحكًا: أنا ما صدقتش لما اتصلت بيا وقلت إنك طالع معانا الساحل.
عمر: لأ يا سيدي، صدّق.
سامر: طب وهيروح أخوك؟
عمر ضاحكًا: في مأمورية.
سامر ضاحكًا: أيوه يا عم، إن غاب القط، ألعب يا فار.
عمر ضاحكًا: بالظبط، let’s go يا برنس، ده هايبقى أسبوع درمغة يا شقيق.
***
بدأ يفتح عينيه بتعب، يحاول السيطرة على ذلك الشعور الذي يرغمه على الاستسلام لسلطان النوم. أخيرًا استطاع فتح عينيه، تطلع إلى سقف الغرفة الأبيض لبضع لحظات، قبل أن يعقد حاجبيه باستفهام: أين أنا؟
تردد ذلك السؤال في عقله. حرك رأسه يسارًا، فوجد تلك الأجهزة المتصلة به. شعر بتيبس عضلات رقبته، فبدأ يحرك رأسه للجانبين، لتثبت أنظاره عليها وهي نائمة على الكرسي بشكل ملائكي. خطف أنفاسه بدون وعي منه. نزع تلك الأجهزة المتصلة به ليقوم من على الفراش ببطء، متجها إليها.
جثا على ركبتيه بجانب كرسيها ينظر لها بسعادة تنطق من بين قسمات وجهه المرهق.
خالد بصوت منخفض: لينا، لوليتا، اصحي يا لوليت.
تمتمت وهي نائمة بضيق: مش هصحى يا خالد ومش هروح المدرسة النهارده، إجازة.
ضحك عاليًا بشدة، ضحك كما لو لم يضحك من قبل، فتململت هي بانزعاج من صوت ضحكاته. فتحت عينيها بضيق لتتسع عينيها بفزع.
لينا بقلق: خالد، أنت قمت من على السرير وشلت الكانيولا والمحاليل ليه؟ أنت لسه تعبان.
خالد: بس اهدي، أنا كويس.
لينا بضيق: لو سمحت، ارجع لسريرك.
عاد لفراشه يتسطح عليه، فعملت على إعادة توصيل المحلول الوريدي بجسده.
خالد بألم مصطنع: ااااه، الحقيني، مش قادر.
لينا بفزع: في إيه؟ إيه اللي وجعك؟
نظر له بهيام ليهتف بمرح: قلبي بيوجعني أوي، آه يا قلبي.
ضيّقت عينيها ترمقه بغيظ: جاك وجع في قلبك، وقفت قلبي.
ابتسم بمشاكسة: خوفتي عليا؟
نظرت له ببلاهة لتهتف بتلعثم: هااااا، ااه طبعًا، حضرتك مريض ولازم نخاف على حضرتك عشان سمعة المستشفى.
خالد مبتسمًا بسخرية: همشيها سمعة المستشفى. ثم أكمل بجد: هو إيه اللي حصل بالظبط؟
لينا: كل اللي أعرفه إنك اتصبت، ومحمد ويوسف جابوك هنا.
هز رأسه إيجابًا ليكمل: أنا هاخرج امتى؟
لينا: يومين على ما حالتك تستقر خالص، ممكن بقى تستريح عشان أنت لسه تعبان.
خالد بجد: لأ، أنا كويس، وعايز أخرج.
لينا بضيق: تخرج إزاي؟ ما ينفعش، لازم تفضل تحت الملاحظة يومين على الأقل، دي أوامر الطبيب المعالج.
خالد غامزًا بمشاكسة: وأنا تحت أمر الطبيب المعالج.
نفخت خديها المتوردتين من الخجل بغيظ لتهتف بصوت منخفض غاضب: قليل الأدب.
خالد ضاحكًا: سمعتك على فكرة.
سمع صوت دقات على باب الغرفة.
لينا: اتفضل.
دخل يوسف وساندرا.
يوسف بمرح: يا صباح اللي بتغني يا لول، عامل إيه دلوقتي؟
ساندرا مبتسمة: صباح الخير يا خالد، حمد لله على سلامتك.
خالد: الله يسلمك يا ساندرا، ممكن معلش أطلب منك طلب؟
ساندرا: اه طبعًا، اتفضل.
خالد: ما تجيبش الواد ده هنا تاني.
ضحكت ساندرا ولينا ضحكات عالية، فنظر خالد إلى لينا، إحدى نظراته المخيفة، فسكتت عن الضحك.
دخل بعد قليل محمد ورانيا ولوجين، ابنتهما الصغيرة ذات الثلاثة أعوام.
جرت لوجين سريعًا إلى حضن خالد.
لوجين بفرحة: عمو خالد.
خالد ضاحكًا بألم: براحة يا لوجين على عمو خالد.
اتسعت عينيها الصغيرة بدهشة: إيه ده يا عمو؟ أنت متعور؟
خالد: آه يا حبيبتي.
قلّبت الصغيرة شفتيها بحزن: مين اللي عوّرك؟
خالد بحنان وهو يمسد على شعرها: الناس الوحشين اللي بيخوفوا العيال الصغيرة.
لوجين بحماس: وانت قبضت عليهم؟
خالد: آه يا حبيبتي، قبضت عليهم أنا وبابا.
لوجين: مش دول ربنا ها يزعل منهم.
خالد: آه يا حبيبتي.
رانيا: كفاية بقى يا لوجين عشان ما تتعبّيش عمو خالد، حمد لله على سلامتك يا خالد.
خالد مبتسمًا: الله يسلمك يا رانيا.
لوجين: عمو خالد، هو أنا تعبانك؟
خالد: لا يا حبيبتي، أبدًا.
لوجين: شوفتي بقى يا ماما، أهو، مش تعبان.
لمح خالد بطرف عينيه عيني صديقه المليئة بالدموع الذي يحاول إخفائها عن الجميع.
خالد بحدة معنّفًا إياه: انشف يا محمد، من امتى وحد فينا بيعيط؟ وأنا الحمد لله قدامك أهو عايش، ما متّش. لما أبقى موت، ابقى عيط.
محمد سريعًا: بعد الشر عليك.
احتضن محمد وخالد بعضهما، ظل كل منهما يشد على جسد الآخر بقوة. الصداقة بينهما.
خالد بمرح: براحة يا جدع، أنت بتستقوي عليا عشان أنا مريض.
محمد بدموع: ربنا يجعل يومي قبل يومك.
خالد غاضبًا: بعد الشر عليك، أنت اتجننت يا محمد؟ إزاي تدعي على نفسك؟
محمد: أنا ما أقدرش أعيش في اليوم وأنا عارف إنك مش فيه، أنت أخويا وأبويا وصاحبي.
خالد بمرح: أنا بقى أقدر. قوم ياض، هات لمراتك وبنتك وساندرا حاجة يشربوها، وهاتلي سجاير.
لينا بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها: التدخين ممنوع يا أستاذ خالد، حضرتك في مستشفى وما تنساش إن حضرتك مصاب، يعني ما ينفعش.
خالد بابتسامة صفراء: احم، طب ما ينفعش سيجارة واحدة؟
لينا بحدة: لأ، يعني لأ.
تمتم خالد بغيظ: خلاص، ماشي. إيه البت الرخمة دي؟
يوسف بمرح: الحمد لله يا رب، لقينا حد يقول لخالد لأ.
دقّت الممرضة باب الغرفة تهتف بلهفة: دكتورة لينا، دكتور عصام بيقول لحضرتك في عملية مستعجلة.
لينا سريعًا: أنا جاية حالًا، عن إذنكم.
واتركتهم وخرجت من الغرفة سريعًا لمباشرة عملها.
فنظر يوسف لخالد بخبث: يا بختك يا عم، المزة بايته جنبك طول الليل، يا ريتني كنت أنت اللي اتضربت بالرصاص.
لزّته ساندرا في كتفه بغضب: اتلم، اللي بتعاكسها دي صاحبتي.
خالد بحدة: قسما بالله يا يوسف، لو اتكلمت عنها بالطريقة دي تاني، هحققلك أمنيتك وأضربك رصاصتين يخلصونا منّك.
كرن هاتف محمد برقم محمود، والد خالد.
محمد: ده والدك، اتصل بيا كتير بس أنا ما ردتش عليه لحد ما أعرف هتعمل إيه.
خالد: طب هات الموبايل.
ثم نظر للجالسين يهتف بتحذير: مش عايز أسمع صوت.
فتح الخط فرد محمود بلهفة.
محمود بلهفة: أيوه يا محمد يا ابني، ما بتردش ليه؟
خالد: وعليكم السلام يا حج.
محمود: خالد، أنت كويس يا ابني؟
خالد: أيوه يا حج، الحمد لله كويس.
محمود: أومال ما جيتش لحد دلوقتي ليه؟ أنت فين؟
خالد: أنا في الإدارة.
محمود: طب ها تيجي امتى؟
خالد: يومين تلاتة كده يا حج عشان ورايا حاجات مهمة.
محمود بشك: خالد، أنت بجد كويس؟
خالد: آه يا حج…
وقبل أن يكمل كلامه، قاطعه صوت الممرضة وهي تهتف.
الممرضة: خالد باشا، الحركة الزايدة غلط على جرح حضرتك، وده جرح رصاصة يعني ممكن يفتح تاني.
رمقه خالد بغضب أفزعها، بينما صاح فيه والده بحدة.
محمود بصدمة: خالد، أنت اتصبت؟ حرام عليك يا ابني، ومخبي علينا؟ أنا جايلك حالًا، أنت في مستشفى إيه؟
خالد: مستشفى الحياة يا حج.
محمود سريعًا: أنا جايلك حالًا.
أغلق الخط وألقى الهاتف، ليتنفض من على الفراش يقبض على رسغ الممرضة بقسوة يصيح فيها بغضب: انتي إيه اللي جابك هنا؟
الممرضة بخوف: ده، ده، ده ميعاد الدوا بتاع حضرتك.
خالد غاضبًا: مش عايز زفت، اطلعي برة.
الممرضة: أيوه يا أفندم، بس…
أخذ خالد الدواء من يدها: قولتلك اطلعي برة، بررررررة.
ركضت الممرضة من الغرفة سريعًا وهي تبكي لتبحث عن لينا، فعلمت أنها في غرفة العمليات لإجراء جراحة طارئة.
أمّا داخل الغرفة، محمد بهدوء: اهدا يا خالد، خلاص ما حصلش حاجة.
خالد غاضبًا: إزاي يعني ما حصلش حاجة؟ غبية، بسببها والدي عرف اللي حصل.
محمد: ما هو كده كده كان ها يعرف.
خالد غاضبًا: كنت ها أقوله بعد ما اتنيل أخرج من هنا. آه يا كتفي.
محمد سريعًا بقلق: مالك يا خالد؟ أنت كويس؟ أندهلك الدكتور؟
خالد غاضبًا: لأ، أنا كويس. ما تندهش حد، مستشفى كل اللي فيها أغبية.
يوسف بخبث: حتى دكتورة لينا.
خالد غاضبًا: كلهم! اتلم بقى يا يوسف.
تولى محمد ويوسف مهمة تهدئة خالد إلى أن هدأ بعض الشيء، فانسحب الجميع بهدوء ليتركوه يرتاح بعض الشيء.
***
بالكاد انتهت من إجراء جراحة طارئة، ذهبت إلى مكتبها متعبة للغاية، فهي لم تنم منذ الأمس إلا ساعات قليلة. لا تتذكر هل بالفعل تناولت شيئًا منذ الأمس أم لا. تهاوت على كرسيها تفرك عينيها بتعب، عندما سمعت دقات على باب مكتبها.
لينا: ادخل.
دخلت تلك الممرضة تبكي بشدة.
لينا بقلق: مالك يا ألفت؟ إيه اللي حصل؟ بتعيطي ليه؟
قصت ألفت على لينا ما حدث في غرفة خالد وهي تبكي وتنتحب.
لينا برفق: خلاص يا ستي، حقك عليا، أنا ما تزعليش، ومعاكي باقي اليوم إجازة وأسبوعين مكافأة بدل زعل، مرضية كده يا ستي؟
ألفت مبتسمة: أنا متشكرة أوي يا دكتورة، حضرتك طيبة جدًا. عن إذنك.
لينا مبتسمة: اتفضلي.
خرجت ألفت من الغرفة.
لينا بضيق: وبعدين معاك يا خالد؟
خرجت من مكتبها متجهة إلى غرفته. دقت الباب، فسمعت صوته يأذن بالدخول.
لينا بضيق: حمد لله على سلامتك يا حضرة الظابط.
ابتسم بداخله بسخرية، علم لما جاءت قبل أن تتكلم، بالتأكيد تلك الممرضة ذهبت لتشتكي لها منه.
خالد ببرود: الله يسلمك، خير؟
لينا بحدة: بص يا حضرة الظابط، حضرتك هنا في مستشفى محترمة، فياريت حضرتك تلتزم حدودك وانت بتتعامل مع الناس اللي شغالين فيها.
اغتاظ من طريقتها الحادة في الكلام معه، فهتف فيها بغضب.
خالد غاضبًا: أنتي مشغلة عندك شوية أغبية.
لينا غاضبة: ما اسمحلكش تتكلم عنهم بالطريقة دي، دول مش شغالين عندك، دول بيساعدوا حضرتك عشان تبقى تتعالج.
انجمع انفعالها، بدأت تشعر باضطراب، فوضعت يدها على رأسها تحاول التوازن.
تبخر غضبه كله في لحظة، ليهاجم القلق قلبه.
خالد بقلق: مالك يا لينا؟
لينا غاضبة: مالكش دعوة بيا.
كانوا على وشك الجدال من جديد، ولكن قاطعهم دخول والد خالد ووالدته مسرعين إلى الغرفة.
محمود: خالد يا ابني، حمد لله على سلامتك، كده يا ابني عايز تخبي علينا؟
خالد: ما تقلقش يا حج، أنا بقيت كويس، عمر الشقي بقى.
زينب باكية: قلبي كان حاسس إنك مش كويس.
خالد برفق: خلاص يا أمي، والله أنا كويس، ده جرح بسيط، ولا إيه يا دكتورة؟
نظر ناحيتها نظرة تقول لها: قولي فقط نعم، فهزت رأسها إيجابًا سريعًا.
محمود: طب يا ابني، أنا ها سيب والدتك معاك، وأروح أشوف حساب المستشفى.
خرج محمود من الغرفة، بينما جلست زينب جوار ابنها. تحركت لينا خطوة، اثنتين، بدأ الدوار يعصف برأسها من جديد.
التفتت له تتطلع إليه بأعين زائغة، منهكة، ليهب سريعا من فراشه، ولكن سبق السيف العزل، لتسقط أرضًا تحت قدميه فاقدة للوعي، بينما يصرخ هو باسمها بفزع.