الفصل 33 | من 70 فصل

رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دعاء احمد

المشاهدات
20
كلمة
8,164
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

بعد يومان بعد عودتهم إلى الإسكندرية، دخل صالح شقته بعد يوم طويل من العمل يشعر بالإجهاد والتعب، خاصة أنه يبحث خلف "رشاد" وعن عمليات التزوير التي يقوم بها من قبل حتى أن يتزوج من صوفيا. عندما كان يعمل بمكتب المحاماة، وجد أكثر من عملية تزوير قام بها لبعض الأشخاص ووجد بعض الأدلة تدينه، ولا يزال يبحث خلفه حتى يتخلص منها نهائياً، فهو لا يرغب بشيء أكثر من ذلك.

أغلق الباب خلفه بهدوء لترتسم فوق وجهه ابتسامة واسعة عندما وقعت عيناه على تلك الجالسة فوق الفراش تعقد شعرها بكعكة مبعثرة فوق رأسها، بينما ترتدي بيجامة قطنية تظهر استدارة بطنها التي بدأت بالبروز، فقد كانت في بداية شهرها الرابع من الحمل. لا يعلم كيف مر عليه المدة الماضية بعد خروجها من المشفى، فقد كان يشعر بالرعب والخوف عليها بسبب توعكها المستمر، فقد كانت لا تفارق الفراش إلا قليلاً تتقيأ كل ما تتناوله، تشعر بالغثيان والدوران. لكن تلك الأعراض اختفت أخيرًا منذ ما يزيد من أسبوعين، لكن خوفه هو لم يختفِ، لا يعلم كيف سيستطيع أن يتحمل تلك الشهور الباقية.

تقدم لداخل الغرفة لكنه تنهد بحنق عندما لاحظ كم الحلويات المتناثرة فوق الفراش، حيث كان هناك العديد والعديد منها بالإضافة إلى أنواع مختلفة من المقرمشات غير الصحية بالمرة، التي أصبحت لا تكف عن تناولها منذ أن انتهت موجات غثيانها تلك.

اقترب منها ببطء مستغلاً انشغالها بالتلفاز الذي تشاهده بحماس وتتابع الكرتون كعادتها، قام بنزع من يدها سريعًا لوح الشوكولاتة الذي كان بيدها الأخرى تتناول منه، مما جعلها تشهق بقوة فازعة. لكن فور رؤيتها له هدأت فزعها هذا، لكنها أدركت من التعبير المرتسم فوق وجهه بأنه سيعنفها بسبب تناولها للشوكولاتة والمقرمشات، فقد أصبحت تأكلها يوميًا بشكل غير طبيعي وكان هو يمنعها عنها، لكنها فور مغادرته للعمل تجلب ما تريده قائلة بأن هذا وحم ويجب عليها إرضاؤه حتى لا يتأذى طفلها، وقد أكدت على ذلك وكانت "حياء" تساعدها في كثير بتهريب القليل منهم إلى غرفتها دون علمه.

رسمت ابتسامة جعلتها بريئة قدر الإمكان فوق وجهها، بينما تمد يدها نحوه تنوي أخذ لوح الشوكولاتة، لكنه زمجر بحده بينما يبعد يده عنها. "لا." تغضن وجهها بينما تهتف بغضب. "علشان خاطري يا صالح.. طيب هاكل حتة صغيرة بس." اقترب منها مما جعلها تبتسم ظنًا منها بأنه سوف يعطيه لها، لكنه فاجأها عندما اتجه نحو الفراش وقام بجمع كل تلك الحلويات المتناثرة فوق، قائلاً بحزم وغضب. "برضو لأ…. وآخر مرة يا زينب أشوفك بتاكلي القرف ده."

تراجعت فوق الفراش محاولة منعه من أخذ آخر قطعة شوكولاتة غفل عنها، لكنه انتبه إليها وأسرع ملتقطًا إياها، مما جعلها تهتف بغضب. "على فكرة ده اسمه وحم… يعني مش بمزاجي." هز كتفيه قائلاً ببرود. "انتي بقالك أسبوع بتاكلي في شوكولاتة وشيبسي وكل الحاجات دي مش صحية." القي ما بيده فوق إحدى المقاعد قبل أن يتجه نحوها مرة أخرى ويجلس بجانبها، لكن عند رؤيته للحزن الذي ارتسم فوق وجهها، أحاط وجهها بحنان بيديه رافعاً رأسها إليه.

"يا حبيبتي أنا خايف عليكي، كل المواد الحافظة دي غلط عليكي… ده غير أنها بتسد نفسك عن الأكل… والمفروض تهتمي بأكلك عشان صحتك.. وأنا مبقاش فيا أعصاب إنك تتعبي تاني." أومأت "زينب" برأسها بصمت ولا يزال ذات التعبير الحزين مرتسم فوق وجهها، مما جعله يزفر باستسلام قبل أن ينهض ويتجه نحو المقعد يلتقط إحدى الأكياس من ثم عاد إليها واضعًا إياه بين يديها قائلاً. "خلاص.. كلي… بس اعملي حسابك مفيش غيره ده هتاكليه."

هزت رأسها رافضة أخذه بصمت وقد ترقرق الدموع في عينيها. غمغم بصبر وهدوء فقد كان يعلم بأنها منذ حملها وأبسط الأشياء تبكيها. "لا ليه يا زينب؟! مش انتي بتحبيها…" همست بصوت مرتجف ضعيف. "خالص ماليش نفس، متزعلش مني أنا عارفة إني بضغط عليك كتير….." رد بهدوء قائلاً. "انتي مش بتضغطي عليا ولا حاجة.. وعمري ما أزعل منك، أنا عارف ومقدر التعب اللي انتي فيه…" حركت رأسها موافقة لتجده يتحدث بهدوء.

"طب مدام كدا بقى قومي ياله غيري وتعالي ننزل نتمشى شوية." اعتدلت في جلستها بحماس قائلة. "بجد بس الوقت اتأخر والساعة دلوقتي اتنين." مال عليها قائلاً بخبث. "طب والنبي إيه لازمته الجواز لو مش هنخرج في وقت متأخر ياله قومي الجو دلوقتي هادي جدا." ردت عليه بنبرة هادئة. "هو أنا أصلًا مش فاهمة حاجة بس ماشي هدخل أغير." أومأ لها موافقًا متابعًا انسحابها سريعًا.

استقامت بسرعة وهي تتجه نحو الخزانة لتأخذ ثيابها تبدلها، حيث ارتدت هودي أبيض وجيب سوداء، وضعت حجاب رمادي فوق شعرها. بعد مدة. كانا يسيران معًا في الطرقات. استنشقت الهواء بارتياح، فكم كانت تحتاج له في ذلك الوقت. في صباح اليوم في منزله. كانت نائمة بارتياح، فين حين كان يعمل على حاسوبه باحترافية، يضغط على الأزرار بحرفية ومهارة عالية. ابتسم بعبث وهو يضغط على آخر زر بحماس، تزامنًا مع رنين جرس الباب.

وضع الحاسوب على الطاولة أمامه بينما اتجه ليفتح الباب ليجد "عفت" تقف أمامه قائلة بهدوء ونبرة انكسار زائفة. "أستاذ صالح، حياء هانم قالتلي أطلع أشوفكم لو محتاجين حاجة." رد "صالح" بجدية قائلاً. "آه يا عفت تعالي جهزي الفطار." أومأت له وهي تدلف للشقة، بينما أغلق الباب وجلس مرة أخرى يعمل على حاسوبه. بعد مرور لحظات، آتاه اتصال ليجيب قائلاً.

"أيوه يا علي، المزاد ده لازم يبقى من نصيبنا، انت عارف مهم إزاي بالنسبة ليا ومراهن على كل فلوسي قصاده، لازم أخده وإلا هيبقى فيه خسائر كتير أوي وساعتها هيبقى تعويض الخساير دي صعبة أوي، انت عارف الوكالة بتخسر إزاي في الأيام اللي فاتت، لازم نعوض الخسائر دي، تمام المهم إنك سجلت اسمي فيه ودفعت الفلوس، تمام نتقابل في الشادر ونتكلم في التفاصيل." أغلق الهاتف واضعًا إياه جانبًا ليعود إلى عمله مرة أخرى. بعد نصف ساعة.

"هتفت "عفت" بجدية قائلة." "الفطار جاهز يا بشمهندس، تؤمرني بحاجة تانية." رد بينما لا يزال ينظر لحاسوبه. "لا يا عفت انزلي انتي دلوقتي يمكن ماما تحتاجك." ردت بجدية قائلة. "طب مش عايزني أصحّي المدام؟ رفع بصره لها قائلاً بحدة. "قلتلك لا يا عفت وياله انزلي وبطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش." حاولت التبرير لكنه قاطعها بنبرة مقررة قائلاً. "مش عايز أسمع حاجة وياله انزلي ورايا شغل مش فاضيلك."

أومأت له وهي تتجه نحو الباب مغادرة الشقة، بينما نظر لها صالح بحنق قائلاً. "اصبري عليا……." *** في المنصورة. استيقظت "بيلا" بكسل لتتجه نحو الحمام ببطء ونوم. خرجت بعد دقائق لتقف تصفف شعرها بالمجفف. ارتدت ثيابها وغادرت الغرفة. نزلت الدرج برفق، شاعرة بشيء مختلف منذ أن جاء إلى المنصورة قبل يومين. فقد شعرت بأنه أعاد لحياتها رونقها، رغم أنهما لا يتحدثا كثيرًا وحديثهما يكون بحدود معينة، لكن رغم ذلك، أعطاها مذاقًا مختلفًا.

دلفت إلى المطبخ، لتنصدم بوجوده يقف أمام الموقد يقوم بصنع فنجان قهوة. يقف يبدو شارد الذهن، يرتدي قميص أبيض يشمر كمه، بنطال كحلي. تـتـحـنـحـن بحرج قائلة. "صباح الخير." ابتسم بهدوء قائلاً. "صباح النور، آسف لو اقتحم البيت بس كنت محتاج فنجان قهوة." أيمــاءة بسيطة قامت بها قائلة. "البيت بيتك يا بشمهندس." سكب القهوة بالفنجان وأخذ يرتشف منه وهو ينظر لها تقوم بسكب كأس من العصير، ليسألها بهدوء.

"صحيح يا بيلا انتي اختفيتي فين زمان؟ قلتي إنك هتتجوزي، اتجوزتي؟ ولا سافرتي فرنسا؟ وضعت الكوب جانبًا وهي تبتسم بمرارة قائلة بكذب. "سافرت، العريس اللي اتقدملي مكنش مناسب ليا وحسيت إني عايزة أسافر وأخد وقت مع نفسي أسافر وأغير جو." رفع حاجبه باستنكار قائلاً بحدة. "ياترى غيرتي جو؟ في تلك اللحظة تذكرت أدوية الاكتئاب وجلسات الكهرباء التي تعرضت لها في المصحة، لتجيب بهدوء ولمعة دموع.

"طبعًا يا عمر غيرت جو وانبسطت جدًا، رميت كل حاجة ورا ضهري." تمنى لو يمسكها بعنف يهزها بغضب متذكر كيف تحول بعد افتراقهما وما عاناه، وكيف تحولت حياته من بعدها، ليجيب ببرود. "يا بختك يا بيلا، يا بختك بس ليه مقولتيش لحد إنك في فرنسا على الأقل صفا." حدثته بجدية قائلة. "عمر انت عايز إيه؟ أجوبة الأسئلة دي هتفرق معاك… أظن إن الموضوع انتهى بعد إذنك." غادرت المطبخ لتصعد لغرفتها مرة أخرى.

في نفس الوقت نزلت صفا وقد تحسنت حالتها، لتجده يقف كما تركته. "عمر." بجدية. "بقيتي أحسن دلوقتي؟ ابتسمت أخته قائلة. "آه الحمد لله بقيت أحسن، أومال فين بيلا؟ زفر هو بحنق قائلاً. "طلعت أوضتها، هنرجع القاهرة النهاردة ياريت تجهزي." "صفا." بحنان. "عمر… خلينا شوية بيلا لوحدها بقالها كتير ومحدش بيجي يزورها." سألها "عمر" بجدية قائلاً. "لسه ومريم ومحمود فين؟ ابتسمت بسخرية قائلة. "مريم ومحمود!!

أنا هطلع أغير وأسلم على بيلا علشان نمشي." لم يهتم كثيرًا أو مثل ذلك بمهارة وهو يرتشف من فنجانه قائلاً. "ياريت متتأخريش علشان نلحق نرجع عندي شغل مهم في المجموعة." زفرت بحنق وهي تصعد الدرج لتقوم بتبديل ثيابها وتوديع بيلا للمغادرة. بعد نصف ساعة من مغادرتهم. في سيارة عمر. سألها مجددًا بهدوء ولهفة قائلاً. "برضو مقولتيليش ليه مريم ومحمود مش بييجوا يزوروها." ردت "صفا" بحزن قائلة.

"كل واحد مشغول في حياته ومحدش منهم بيسأل فيها إلا كل فين وفين البنت اللي اسمها زينب دي هي اللي كانت معاها الأسبوعين اللي فاتوا…" همس "عمر" قائلاً. "زينب." لتمتزج نبرته بالوحدة والغضب قائلاً. "على العموم مش لازم يقلقوا على الهانم هي برضو ميتخافش عليها بتسافر وبتعيش حياتها." ضيقت صفا المسافة بين حاجبيها قائلة. "مين دي اللي بتسافر؟! بيلا!! "هو في غيرها؟ ردت صفا بغضب وضيق لتبرأ صديقتها قائلة بغضب.

"عمر لو سمحت مسمحلكش تتكلم عنها كده، وبعيد عن أي حاجة كانت بينكم بيلا صحبتي ومش هسملك تقلل منها يا أخي حرام عليك كفاية اللي هي مرت بيه." رد بغضب قائلاً. "مرت بيه؟ هو إيه ده إن شاء الله اللي مرت بيه؟ سافرت وبعدت ونسيت أي حاجة." احمر وجهها قائلة.

"كذب وافتراء، بلاش أنت يا عمر بلاش أنت كمان تيجي عليها، لو انت اتوجعت للحظة فهي عاشت في جحيم وبعدين مين اداك الحق تتكلم عنها كده، دي واحدة خسرت كل حاجة، حياتها وشغلها وأبوها وجدتها وبنتها، انت بجد بتفكر إزاي يا عمر." سألها باهتمام وخوف قائلاً. "تقصد إيه يا صفا، أومال اختفت فين سبع سنين أنا دورت عليها في كل حتة في مصر وهي فص ملح." ردت ببساطة ساخرة.

"يمكن لأن المكان اللي هي كانت فيه حضرتك مدورتش فيه، دورت في المصحات النفسية، دورت في المستشفيات وقت ما كانت بتموت." تجمعت الدموع في عينيه قائلاً. "بتموت؟! ردت صفا بجدية وحزن قائلة.

"هي كانت واخدة مني وعد إني مقولش لحد بس خالص أنا تعبت وانت لازم تعرف عشان متظلمهاش انت كمان يا عمر، في حد وصل قسيمة الجواز لسالم باشا وكمان كان فيه صور لبيلا وهي حامل طبعًا هو كان عارف إنها مع جدتها في إسكندرية لكن انصدم من موضوع جوازكم وطبعًا سافر إسكندرية فورًا، وراح المستشفى اللي هي ولدت فيها ورجعها معه المنصورة، في نفس الوقت اللي انت كنت جايب البنت وجاي المنصورة عشان تحاول ترضيه بأي تمن وطبعًا عملت الحادثة.

لما أبوها جابها إسكندرية مكنش مصدق إنها عملت كده من وراه، ضربها وقال كلام وحش أوي في حقها، رغم إن محمود كان شاهد على جوازكم لكن مقدرش يلحقها من إيديه ولا قدر يتكلم ويقول إن هو وجدتها نبيلة كانوا شاهدين على الجواز عند المأذون. فقدت الوعي وخصوصًا إنها كانت لسه خارجة من عملية الولادة وأخذوها على المستشفى وبعد حوالي تلات أيام فاقت.

كانت دائمًا بتكرر إنك هتيجي وهتقول لأبوها إنك اتجوزتها عشان بتحبها فعلاً، مش عشان الخزعبلات اللي في دماغه اللي تخص الشغل اللي بينكم وجو الانتقام والكلام ده. فضلت مستنياك وبتقول عمر هيرجع لكن اللي حصل إنك كنت عملت الحادثة ودخلت في غيبوبة والبنت لقوها ميتة. مريم حاولت تبلغها الخبر لكن متقبلتوش وفضلت تقول إنك هترجع وإنها عايزة تشوف بنتها لكن للأسف انت فضلت ست شهور في الغيبوبة.

جدتها نبيلة طبعًا مسكتتش لأبوها على عمله فيها وضربه ليها وقالتله إنه السبب في كل حاجة لأنه رفض موضوع جوازكم بالشكل اللي حصل في حفلة الخطوبة ورفضه لموضوعكم. وإنها هي اللي جابتك إسكندرية وأقنعت بيلا إنكم تتجوزوا بالطريقة دي، وإن أخوها وأختها كانوا عارفين. لكن نبيلة هانم الله يرحمها كانت متأكدة إنه لا يمكن يوافق عليك عشان كده أقنعت بيلا إنكم تتجوزوا من وراه. سالم وقتها نشف دماغه ومكنش متقبل إنه يسمع من أي حد.

بعد شهرين من الحادثة نبيلة تعبت وللأسف ماتت… بيلا حسّت إنه خسرت كل حاجة وبدأت تدخل في حالة اكتئاب وكانت هتموت وتخرج من القصر عشان تطمن عليك لكن أبوها كان منعها من الخروج. وللأسف وقتها كانت بتاخد أدوية اكتئاب وأدوية مهدئة. بعد أربع شهور حالتها زادت سوء وخصوصًا إنها كانت دائمًا لوحدها ومحبوسة في أوضتها.. مريم ومحمود حاولوا يخرجوها من حالتها دي لكن كانت بتكرر سؤال واحد.

"هو أنا وحشة للدرجة دي عشان ربنا يحرمني من بنتي ومش أشوفها إلا مرة واحدة." وساعات كانت بتصحي تصرخ وتعيط بهستيريا لدرجة إن الجيران بقوا يستغربوا لأن بيلا طول عمرها بنت رقيقة وهادية مكنش حد بيسمع صوتها إلا في الهزار والضحك. كانت وقتها فاقت من الغيبوبة وعرفِت اللي حصل. ومريم بلغت بيلا إنك فوقت كانت عايزة تخرج بأي شكل وتشوفك لكن مقدرتش. سالم وقتها كان معاه الموبيل بتاعها وكان بيشوف اتصالاتك المتكررة.

ولما انت روحت قصر الدمنهوري عشان تشوفها كنت لسه انت كمان في حالة الصدمة ومرضك مكنتش اتعافيت منه. وقتها صمتت إنك تشوفها ولما سالم رفض بلغت البوليس وقلت إنه بيمنعك من رؤية مراتك بس وقتها دورت على القسيمة وللأسف مكنتش معاك لأن زي ما قلتلك في حد وصلها لسالم. والبوليس مفادكش بحاجة وسالم أنكر إنكم اتجوزتوا أصلاً عشان الفضايح. لكن وافق بعد أسبوعين إنك تشوفها." صمتت للحظات ليتابع عمر بدموع قائلاً.

"وقتها قابلتني وقالت إنها بتكرهك وإني قتلت بنتنا عشان أقطع أي علاقة بينا وإني كنت بعمل كل ده عشان أكسر عيلتها ولما حاولت أفهمها صرخت وبقيت تقول كلام غريب وإنها عايزة تتطلق وإنها بتكرهني. وقالت إنها هتسافر وتسيب مصر وهتتجوز تاني وتخلف وهتنساني." بكت صفا بقهر قائلة. "في اليوم ده سالم هو اللي قالها تعمل كده وقالت في حقك كلام تاني كتير بشع عشان تخليك تطلقها وانت فعلًا طلقتها وسافر لندن سنة ونص."

سألها عمر برعب ودموع قائلاً. "وهي كانت فين؟ وإيه اللي حصل؟ "في مصحة." "بعد ما انت طلقتها تعبت أكتر وبقيت لوحدها ودايمًا بتقول كلام مش منطقي ومبقتش تقدر تجمع الكلام ودايمًا تصرخ وتعيط.

سالم سافر القاهرة وخدها معاه وقتها الدكتور قاله إن للأسف حالتها اتأخرت أوي ووصلت لمرحلة إنها كانت بتتعالج بجلسات كهربا وأدوية كتير جدًا ودايمًا تكرر نفس السؤال عن بنتها وإنها نفسها تشوفها وتحضنها ولو لمرة واحدة بس وبعدها مش عايزة حاجة تانية.

في مرة سرقت شريط كامل من أدوية الاكتئاب من الممرض وبعد ما خرجوا أخدتها كلها لكن لحقوا عليها لآخر لحظة وأدخلوها المستشفى وبعدها لما رجعت المصحة تاني فضلت ساكتة ومن بعدها مبقتش تتكلم خالص. لدرجة إن سالم نفسه تعب وهو شايف أجمل واحدة في أولاده وإنهم بيتعرض لكل ده. وقتها حس إنه السبب لما بعدكم أول مرة يوم الخطوبة وتاني مرة لما أجبرها تطلب الطلاق منكم. وأوصى أخواتها عليها.

عرفت من مريم إن قبل ما يموت بكم يوم راحلها المستشفى وفضل يتكلم معاها وهي ساكتة وبتعيط لحد ما حضنها. وقتها بقت منهارة وهي بتحضنه بقوة وبتكرر جملة واحدة. "أنا تعبت يا بابا خليك حضني والنبي…" مريم قالتلي إنهم في اليوم ده معرفش يبعد عنها لحد ما نامت، فضل بايت معاها في المستشفى. وبعدها بكم يوم توفي.

بعد سبع سنين في المصحة خرجت من المستشفى بعد ما بان إنها كويسة، كان عندها تلاتين سنة.. أنا كنت بدور عليها ومحدش راضي يقول أي معلومة عن اختفائها إلا لما خرجت…. وقتها مريم كلمتني وقالتلي بيلا رجعت ومحتاجة تتكلم معاكِ، طبعًا سبت كل حاجة ومهتمتش أقولك إلا لما أقابلها وأفهمها على اختفائها ده.

لكن لما روحت القصر شفت بنت تانية هادية ومستسلمة، آه بتبتسم وهادية جدًا لكن مش بيلا اللي بتضحك دايمًا لدرجة إن كل اللي قالوها كانوا بيقعوا في عشق ضحكتها. قعدت معاها وبدأت أتكلم معاها وطلبت منها تحكيلي اللي حصل معاها لكنها كانت بتعيط ويبان عليها التشنج. وقتها مريم أخدتني وحكتلي كل اللي حصل بالتفصيل وإزاي اتحولت بالشكل ده. وبعد كم مقابلة بدأت تتكلم معايا وتقولي إن المكان وحشها وبدأت تتكلم بهدوء جدًا.

وقتها قولتلها إنك متجوزتش وإنك في القاهرة ونقلت كل حاجة تبع شغلك للقاهرة ومن وقت اللي حصل مجتش المنصورة ولا مرة. قالتلي إنها مبسوطة بيك وفرحانة لنجاحك وواضح إنها كانت بتتابع أخبارك من مريم والجرائد. لكن طلبت مني إن مقولش أي حاجة عنها خالص ووعدتها إني مش هحكيلك. وفضلت أقابلها كل مدة لكن هي للأسف مكنتش اتعافت ولا لحد دلوقتي اتعافت.

حتى الخادمة وفردوس الممرضة بيقولوا إنها لسه بتصحى بكوابيس وفزع وخصوصًا إنها كانت عايشة لوحدها. لكن الكوابيس دي كانت بتقل لما بتقابل ناس زي زينب دي لما كانت بتبات معاها كانت بتفضل نايمة وقت طويل براحة. مريم اتجوزت ومحمود اتجوز وسافروا القاهرة بقى هو اللي يدير الشغل هو وجوز مريم. وانت سافرت وبدأت تشتغل وتجاهلت كل اللي حصل وقدرت تبني نفسك وتكبر المجموعة.

وبيلا خسرت كل حاجة حتى حلمها إنها تكون من مصممين أعمال الخزف خسرته، كل ده بسبب الحب….. تعرف بيلا كانت دايمًا تقول إنها هتبقى أفضل مصممة خزف في الشرق الأوسط وهيبقى عندها معارض كتير جدًا وتعرض شغلها في كل مكان في العالم. وقتها لما قالت كده كل الدفعة كانوا واثقين إنها هتحقق حلمها لأنها كانت أشطر واحدة في الدفعة وحماسها كان غريب ومميز. لكن إيه اللي حصل؟

خسرت كل حاجة….. وانت دلوقتي تقولي بتسافر وتغير جو، والله يبقى حرام عليك يا عمر." كان يستمع لها بقلب منفطر وعيون باكية يحاول استيعاب كل هذا، فكيف هي من تعرضت له. "عمر." بغضب. "غبية غبية غبية." ترجل من السيارة وهو يصفق الباب خلفه بغضب. لتنزل صفا بسرعة قائلة. "رايح فين يا عمر مش هنسافر." هتف بحدة للسائق قائلاً. "وصلها للبيت ارجعي معاه." "وانت رايح فين؟ نظر للطريق الطويل أمامه قائلاً بدموع. "هـلـحـق اللي ضاع من عمرنا."

أوقف عربة نقل كبيرة كانت على الطريق ليصعد بها في طريقه لها، وآه من لوعة العشق. *** كانت تجلس في جنينة القصر بعدما أجرت اتصال بزينب لتطمئن عليها كعادته منذ أن غادرا. أغمضت عينيها وهي تبتسم بمرارة وتتذكر أجمل لحظة بعمرها. **************** عودة لإحدى ذكريات الماضي. خرجت بيلا من القصر بعد حفلة الخطوبة المشؤومة تلك مع جدتها وهي تنوي ترك المنصورة والسفر للإسكندرية. ابتسمت نبيلة قائلة. "ممكن تفكي التكشيرة دي."

أومأت لها بابتسامة قائلة بطيبة. "هدخل أسلم على بابا." ابتسمت نبيلة قائلة. "طول عمرك قلبك أبيض يا بيلا ياله سلمي عليه." تركت جدتها لتتجه نحو مكتب والدها. أطرقت على الباب بخفة ليسمح لها بالدخول. تـحـنـحـن بهدوء قائلة. "أنا خلاص هسافر مع تيتة." أومأ لها بجدية ولم ينظر لها حتى، شاعر بالضيق من نفسه ومن رفضه لعمر بتلك الطريقة المهينة وكسر فرحتها. ابتسمت وهي تقترب منه وتجلس أرضًا قائلة بلهفة.

"بابا أنا خلاص هسافر… معقول مش هتبص لي حتى." نظر لها ولعيونها الحمراء أثر البكاء بالمدة السابقة وحزنها بعد ما حدث، لكن رغم ذلك كانت تبتسم. احتضنها سالم قائلاً. "ما بلاش تسافري يا بيلا بلاش عشان خاطري." انسابت دموعها لتقول. "مش هقدر أفضل هنا معلش يا بابا مش هقدر، هروح مع تيتة نبيلة." أومأ لها بالموافقة لتغادر القصر بعدها تاركة المنصورة. بعد يومان في الإسكندرية. فغرت بيلا شفتيها بصدمة وهي تستمع لجدتها. "بيلا."

"إنتي بتقولي إيه يا تيتة؟ أنا وعمر نتجوز إزاي يعني وبابا مش موافق وبعدين هو بعد اللي حصل ده عمر هيطيق يبص في وشي بابا؟ أهاناه أوي وسط الضيوف." ابتسمت نبيلة بحماس وحب قائلة. "بس عمر فعلًا بيحبك وبعد ما انتي كلمتيه وقولتيله إنك هتسيبي المنصورة أنا قابلته وفهمته إنك مكنتيش تعرفي حاجة عن اللي أبوكي عملها. وهو صدقني بسرعة لأن انتي كنتي كلمتيه أصلًا وهو تقريبًا كده فهم من نبرة صوتك.

ودلوقتي هو فعلًا عايز يتجوزك ومفيش غير الحل ده." ارتفع حاجب بيلا بحنق وضيق قائلة. "إنتي عايزاني أتجوزه عرفي يا تيتة؟ لا طبعًا لا يمكن أعمل كده." ضربتها على كتفها بخفة. "عرفي إيه يا هبلة ده جواز على سنة الله ورسوله وبعدين أنا وأخوكي وأختك هنكون شاهدين عليه وفترة ونقول لبابا هو طبعًا هيتعصب ويرفض لكن هيبقى قدام أمر واقع… فاهمه؟ هزت بيلا رأسها بالرفض قائلة بتوتر. "يا تيتة بابا هيـقـتـلـنـي لو عرف، أنا الصراحة خايفة."

ابتسمت نبيلة قائلة. "إحنا معاكي يا بيلا خايفة من إيه يا حبيبتي، انتي بتحبيه صح." أخفضت رأسها بخجل وارتباك قائلة. "اصل.. يعني.. أنا…" ابتسمت وهي تحتضنها قائلة. "بلاش الخوف ده أنا الصراحة واثقة في عمر وإنه راجل بجد وهيحافظ عليك." ابتسمت بسعادة قائلة. "ربنا يستر يا تيتة." بعد مرور وقت. وضع عمر يديه بيد محمود وبجوارها المأذون ليتم كتب الكتاب. كانت تجلس بجوار مريم بسعادة رغم أنها سعادة ناقصة بعدم وجود والدها.

أنهى المأذون كتب الكتاب لتطلق مريم زغاريد بسعادة. بينما ابتسم عمر وهو ينظر لها. احتضنها قائلاً بهمس. "بحبك أوي يا بيلا ربنا يقدرني وأسعدك." *** عودة للوقت الحالي. أفاقت من شرودها وهي تبتسم برقة، لكن ما إن رأته يأتي من الخارج يدلف داخل القصر. استقامت عاقدة ما بين حاجبيها قائلة. "بشمهندس عمر نسيت حا…." قبل أن تكمل جملتها جذبها بالقوة لداخل أحضانه قائلاً بصوت متحشرج.

"غبية غبية غبية يا بيلا وحشتني أوي ليه عملتي كده ليه حرام عليكي." حاولت دفعه بارتباك والابتعاد عنه قائلة. "عمر ابعد مينفعش كده." لكنه لم يبتعد شبرًا واحدًا بل شدد على احتضانها قائلاً. "لو عشت عمري كله أعتذرلك على اللي حصل مش هيوفيك حقك، ياريتك كلمتيني ليه عملتي كده." هدأت بداخل أحضانه قائلة بخوف. "قصدك إيه يا عمر." ابتعد وهو يحاوط وجهها بيديه قائلاً.

"اتعرضتي لكل ده لوحدك وأنا السبب وطول السنين دي كنت فاكر إنك بتكرهيني لكن حقيقي أثبتيلي إني أغبي مخلوق على وش الأرض…. بس خالص مش هسيبك تاني انتي فاهمة معدش ينفع تبعدي تاني عني يا بيلا." ذرفت دموعها بتأثر قائلة. "انت تقصد إيه؟ مش هتمشي صح مش هتسبني تاني يا عمر." جذبها بقوة لداخل أحضانه قائلاً.

"كفاية بُعد وفراق يا بيلا كفاية مش هعرف أبعد تاني أنا عشت عشرين سنة في دوامة حيرة وخوف كنت لوحدي… أنا هكلم المأذون دلوقتي حالا مش هسيبك تاني خالص." كاد أن يبتعد لكنها تمسكت به تبكي بهستيريا وكم تفتقد الأمان. حاول تهدئتها لكنها كانت تبكي بعنف شهقات عالية. "ياه يا بيلا إزاي سكتي وشيلتي كل ده لوحدك إزاي قدرتي تتحملي إزاي يا بيلا." لم تستطع التحدث ليربت على ظهرها بحماية وحنان.

"عارفة هنعمل المرة دي هعملك فرح انتي كنتي نفسك في فرح وفستان أبيض هعملك كل اللي اتمنيتيه يا بيلا حقك عليا، حقك عليا." تزامنا مع دخول صفا بسعادة. "ياااه أخيرًا والله لو الواحد يعرف كان تعب لكم مخصوص." لم تبتعد عنه وما زالت تبكي، لم تتوقع أن يحدث ذلك وتخشى أن يكون أحد أحلامها والتي ستستيقظ منه بعد قليل لتجده يهمس قائلاً. "مش حلم يا بيلا صدقيني مش حلم." رفعت رأسها تنظر له بينما تنساب دموعها.

تنهد بارتياح وهو يخرج هاتفه يجري اتصالًا بشخص ما ليجلب المأذون. *** في القاهرة. هبت عصمت بصدمة وهي تبتلع ما بحلقها بصدمة قائلة. "يعني إيه بيكتبوا الكتاب دلوقتي انت بتهزر." أتاها الرد من شخص ما يراقب عمر ليقول. "ده اللي حصل أنا شايف المأذون خارج ولما سألته قال إنه كتب كتاب عمر الرشيد وبيلا الدمنهوري." وكان الصدمة لجمت لسانها حتى أنها لم تستطيع التحدث.

"عمر أكيد عرف الحقيقة لو عرف إن أنا اللي سرقت قسيمة الجواز منه زمان وإن بابا هو اللي دبرله الحادثة والبنت اللي ماتت يلهوي دا ممكن يمحيني." أتاها رد والدتها بحزم قائلة. "البنت بنته لازم تعرفي مكانها لو حصل أي حاجة هتكون هي الكارت اللي لازم نستخدمه." ردت عصمت بخوف قائلة.

"ملك في واحد زمان هو اللي خدها بعد ما رميتها جنب سلة الزبالة ياريتني كنت قتلتها لو كنت أعرف إن بابا مخطط إنه يفك فرامل عربيته عمري ما كنت هبدل ملك وكنت هسيبها تموت معاه." ردت تفيدة بشر قائلة. "أبوكي زمان كان عايز يخلص من عمر ابن أخوه كان عايز ياخد كل حاجة ولما فشل إنك تتجوزيه راح عمل اللي عمله، بس دلوقتي نحمد ربنا إن البنت لسه عايشة لأنها هتكون الكارت الوحيد اللي في إيدينا المهم لازم تعرفي كل المعلومات عنها فاهمة."

أومأت لها بالإيجاب قبل أن تخرج من غرفتها. *** على متن الطائرة العائدة من روسيا إلى مطار القاهرة الدولي. كانت نور تجلس بجوار باسل وهي تتحدث عن حياتها بارتياح، فقد أصبح الاثنان أصدقاء جدًا في الفترة الأخيرة. ابتسم باسل وهو يستمع لها بشغف ليقول بجدية. "بس كده وبعدها بقى اتصاحبت أنا وزينب وتقريبًا مكنش عندي صحاب غيرها.

لأنها طيبة أوي بس للأسف الناس مكنتش بترحمها بس دلوقتي اتجوزت وبتحب جوزها أوي وحامل في الشهر الرابع بس هي أجمل مني بكتير وهادية إنما أنا بتاع مشاكل." ابتسم ليقول بتسلية. "من ناحية المشاكل فإنتي أستاذة مشاكل الصراحة." "يا واد يا بريء." هتفت بتلك الكلمة بمرح لتكمل. "وانت ملاك مبتعملش مشاكل." همس برفق قائلاً. "الطيور على أشكالها تقع." ***

ضلعي الثاني أنت يا صديق عمري، لم تكن رفيق دربي فقط، لكنك كنت الأخ والسند، فسلام إلى روحك الجميلة التي شاركتني ما مر بي في حياتي، وسلام على صداقتنا…. في وقت متأخر من الليل. في منزل آل "الشهاوي" صدح رنين الهاتف معلنًا عن اتصال هام جدًا، عدة مرات لم يتوقف الهاتف وكأن المتصل لن يبارح مكانه حتى يبلغ رسالتها.

استيقظت "حياء" بفزع لتنظر للجانب الآخر من الفراش، لكن وجدته فارغًا، بينما باب الغرفة مفتوح، ينبعث إليها ضوء من الصالة. نهضت من فوق الفراش بكسل وهي تراه يقف في الصالة. نظرت له بينما يتحدث في الهاتف لتسأله "حياء" بتوتر قائلة. "فيه إيه يا جلال؟ مين بيتكلم في الوقت ده." لم تتلقى منه إجابة في حين تصاعد الخوف لقلبها، وهي تنظر لعينيه المتلألئة بالدموع لتُعيد سؤالها عليه مرة أخرى بتوجس. "فيه إيه يا جلال؟

حاول جاهداً التحدث قائلاً بنبرة يتخللها بعض الثبات. "جمال اتنقل المستشفى وبيقولوا حالته صعبة، أنا لازم أروحله استر يارب." تركها تقف مكانها دون أن ترمش وعيناها مثبتة عليه، تدرك كم أن الأمر صعب عليه، "جمال" هو صديقه المخلص وهي الشاهدة على ذلك منذ زمان طويل. منذ بضعة أشهر توفت "فاطمة" زوجة "جمال"، لابد أن الأمر لم يكن هيناً عليه. خرج بعد دقائق وقد بدل ثيابه وعلامات الخوف والارتباك جلية على وجهه.

هتف بنبرة مهزوزة قائلاً بتوتر. "لو حصل أي حاجة ابقي كلميني، لا الأحسن تطلعي تباتي مع زينب لأن أنا هبات معاه في المستشفى، متستنينيش." لم ترد عليه وهي تقترب منه تحتضنه وهي تربت على ظهره بخوف بنبرة باكية. "هون عليك يا جلال، إن شاء الله مفيش حاجة بس أرجوك متعملش في نفسك كده." أغمض عينيه وهو يُلقي بمخاوفه خلفه، أخذ نفس عميق ابتعد قائلاً. "متخافيش يا حياء إن شاء الله خير… ياله تعالي اطلعي لزينب، ياله الله يرضا عليك."

أومأت له بجدية لتراه يخرج من الشقة بسرعة، جلست على الأريكة وهي تردد آيات من الذكر الحكيم. *** وصل "جلال" بسيارته إلى المستشفى المتواجد بها صديقه. صف سيارته ثم ترجل منها بهدوء عكس ما بداخله. وصل إلى الغرفة في حين وجد "غرام" و "عائشة" ابنتا "جمال" يقفان أمامها بينما تحتضن "غرام" "عائشة"، وهي تبكي بضعف. ما إن رأت "غرام" جلال يدلف للمستشفى حتى ركضت نحوه بسرعة قائلة. "بابا تعبان أوي يا عمي واحنا مش عارفين نعمل إيه."

ابتلع "جلال" الغصة التي تشكلت في حلقه وهو يربت على كتفها باهتمام قائلاً. "متخافيش يا غرام خدي اختك واقعدوا بلاش تقفوا كده ياله وأنا هفضل موجود." تراكمت الدموع بمقلتيها وهي تنظر له، في حين أومأ له برأسه لتغادر. تركته أمسكت بيد أختها وتغادر ذلك المكان. في حين نظر هو باتجاه الباب الذي يرقد صديقه خلفه. خرجت الطبيبة ليسألها بسرعة ولهفة. "جمال حالته إيه يا دكتورة؟ هزت الطبيبة رأسها بانكسار وضعف.

"أستاذ جمال عايز يشوفك يا جلال بيه." تلك النبرة المنكسرة لم تكن إلا إنذار، دلف إلى الغرفة بخطوات ثقال، وهو ينظر لجمال النائم على فراشه وموصول بجسده عدة أجهزة وجسده في حال من الضعف، ووجهه شاحب، بينما يفتح عينيه بضعف. لم يستطع "جلال" التحمل، في حين انسابت دموعه بقوة وضعف. جلس بجواره على الكرسي الموضوع بجانب الفراش، ليهتف بضعف وبكاء. "جمال إيه يا جدع، بقى شوية تعب يعملوا فيك كده، قوم يا جمال الله يرضا عليك."

ابتسم الآخر بمرارة وهزلان قائلاً. "خالص يا جلال، جلال بناتي أمانة في رقبتك هما غلابة ومالهمش حد غيري أنا وانت بعد ربنا……" زادت ضربات قلبه بعنف، دموعه تنهمر وهو يهز رأسه برفض قائلاً. "لا مش هيحصل، انت وعدتني هنفضل مع بعض ضهر في ضهر… مش هتخون وعدك ليا يا جمال." حاول ابتلاع ما بعنقه قائلاً باشتياق. "أمر… الله… يا جلال أمر الله، أنا مش عارف أعيش من غير فاطمة، هي أكيد مستنياني…. وصيتي بناتي يا جلال بناتي أمانة في رقبتك."

أومأ له جلال بضعف ليضيف بتأكيد. "بناتك في الحفظ والصون، سلملنا على الحبايب قول لأيوب وأمي وأبويا إننا هنقابل عن قريب إن شاء الله." وضع يديه موضع قلبه وهو يبكي وكأنه طفل فقد أمه ليهتف بصوت أجش. "سلام يا أخويا سلام، متغلش روحنا على اللي خلقنا ارتاح يا جمال." غادر الغرفة بقلب منفطر وعيون حمراء، وهو يحاول تجميع شتات نفسه لأجل الفتاتان. ما إن خرج حتى وجد "صالح" يقابله وهو يركض نحوه قائلاً. "فيه إيه يا بابا؟

عمي جمال ماله." ربت جلال على كتف ابنه قائلاً. "أمانة وبتـرجـع لـصـاحـبـهــا……." جلس على أحد المقاعد وهو يشعر بأن قدمه لم تعد تسعفه على الوقوف أكثر من ذلك، تنهار حصونه مع كل لحظة تمر. بعد عدة ساعات. "البقاء لله أستاذ جلال، الحج جمال تعيش أنت." تفوهت الممرضة بتلك الكلمات بانكسار ونبرة مهتزة وهي تنظر لابنتيه مما جعل "عائشة" تذرف دموعها عند صراخ "غرام" تقول بصوت عالٍ.

"لا لا انتي كدابة، بابا مش هيسبني لا انت كدابة متصدقيهاش يا غرام والله بتكدب بابا ب……" عند تلك الكلمات التي خرجت منها بصوت متهدج سقطت مغشيًا عليها، وكأنها ترفض تصديق ذلك الواقع الأليم الذي صدمها بموت أعز الناس على قلوبهم. أما "غرام" فبعد ما صرخت باسمها مرارًا ببكاء حملتها على الأريكة بمساعدة الممرضة. في حين جلس جلال يشعر وكأن شل من الصدمة والألم لتسقط دموعه بمرارة قاتلة.

لكن دون جدوى لم ينتبه لأي مما يصير حوله حتى وجد عائلة جمال بأكملها مجتمعة حوله وصرخات النساء تعلو تزامنًا مع بكائهم، فكان المشهد يتقطع له نياط القلوب. ويالها من لحظة تقشعر لها الأبدان. ركضت "غرام" إلى غرفة حيث يوجد جثمان والدها تزيل الغطاء عن وجهه وهي تقول بصراخ وانهيار.

"لا يا بابا بلاش تسيبنا والله ما هعرف أعيش من غيرك، ما هو حرام انت وماما تموتوا وتسيبونا بجد حرام.. متمشيش وتسيبني.. والله مش هزعلك تاني والله… متسبنيش لوحدي… بلاش تكسرنا ببُعدك يا بابا.." صرخت بجملتها الأخيرة فوجدت جلال يحتضنها وهو يبكي أيضًا، فوجدها تتشبث به بقوة وهي تقول ببكاء.

"سابنا يا عمي… سابونا بابا وماما… طب كان يستنى معانا شوية لحد ما نفوق من وجعنا على ماما…. هو كان نفسه يشوف عائشة مهندسة و الله قربت يا عمي كان يستنى بس نقوله إننا بنحبه أوي.. يا بابا والنبي… تقوم أبوس إيدك." دلف إلى الغرفة زوجها "نبيل" ليحملها برفق وهو يخرج من الغرفة، بينما انهارت كل حصون "جلال" وهو يضع الغطاء على وجه صديقه قائلاً بابتسامة انكسار. "مع السلامة يا أغلى الناس." "في الاستعلامات."

وقف "علي" بجوار "صالح" يتحدثان مع أحد الموظفين. "صالح." بجدية ولا تخلو نبرته من الحزن. "لو سمحت عايزين نبدأ في الإجراءات وعايزين نطلع تصريح بالدفن." رد الطبيب بجدية. "تمام يا بشمهندس، البقاء لله." تنهد صالح بارهاق قائلاً بهدوء. "ونعم بالله." *** بعد مرور وقت. في منزل "جمال" كان الوضع صعب للغاية.

النساء في العائلة يقمن بتجهيز مراسم الدفن، والرجال كل منهم يحاولون ملاقاة الوقت حتى يتم تشييع جثمان الفقيد في الصباح الباكر. ابنته "عائشة" فقدت الوعي في المستشفى فقامت أختها وزوجها بجلبها للمنزل وهي على نفس الحالة. الكل يبكي، لم يكن مجرد صديق، ولا مجرد أب لابنتين، ولا مجرد رجل، كان كل هذا.. أب وصديق ورجل. حقًا يأتي الموت ويأخذ اعز الأشخاص على قلوبنا. أما "جلال" فكان مع الرجال يقوم بالترتيبات اللازمة.

صعدت "حياء" إلى النساء بعيون حمراء باكية فوجدتهن في حالة صعبة، حيث كانت أعينهن منتفخة أثر البكاء. وجدت غرام تخرج من غرفة أبيها وكانت تودعه للمرة الأخيرة، ارتمت بين ذراعي حياء قائلة بصوت متقطع مهزوز. "ليه يارب ليه الاتنين يروحوا مننا." بكت برهبة من الموقف حولها لتقول بعقلانية. "استغفري يا غرام وادعيله، الله يرحمك يا جمال كنت ونعم الأخ."

ترحل وتغادر المكان لكن يبقى الأثر، أما خير وسيرة طيبة تأتي عند ذكر اسمك أو شر ونفور، فلعلنا نزرع الخير الآن لتكن لنا شفيعًا في الآخرة. بعد فترة. تجهزوا جميعًا حتى يتم تشييع الجثمان. دلف جلال إلى المنزل ليأخذوه حتى يتم وضعه في الصندوق الخشبي الذي تنتهي به الحياة، لكن ما إن دخلوا للغرفة الموجود بها، حتى خرجت "عائشة" من الغرفة بصراخ وفزع تمسكت بجلال قائلة برعب.

"لا يا عمي والنبي بلاش تاخدوه، والله ما هعرف أعيش من غيره، طب غرام وعندها بيتها وولادها هتلاقي الونس، لكن هو كان ونسي… يا بابا ليه سبتني." رد جلال بتعب وجدية قائلاً. "اهدي يا بنتي، خديها يا شهد خديها." أومأت له وهي تحاول سحبها من الغرفة، فوجدها تصرخ به بهياج وهي تقول له. "أنا هروح معاكم، مش هسيبها، فاهم هاجي معاكم." تنهد بتعب قائلاً. "ماشي يا عائشة ياله يا جماعة."

بعد مدة خرجت من المنزل تلحق بالجميع بعدما خرجوا من الشقة. أما جلال فركب بسيارة "الجثمان" وأثر التعب جلّي على وجهه متوجهين إلى المدافن حيث آخر مكان تسكن به الجثمان…. بعد وقت طويل في منزل "جمال" جلس "جلال" على كرسيه، وهو يغطي وجهه بيديه. جلست حياء أرضًا لتمسك بيديه قائلة بحزن. "هون عليك يا جلال، ده ارتاح والله العظيم، راح للحبايب انت عارف إنه كان بيحب فاطمة أد إيه راحلها…." رد بعد صمت طويل قائلاً.

"سند العمر يا حياء كان أوفى من أيوب جدع ورجل بجد، إن لله وإن إليه راجعون……." "حياء." بابتسامة حزينة. "الموت لما بيختار بياخد أجمل الناس وأعزهم علينا وربك أخد أمانته قوم ارتاح يا جلال لسه العزا بليل وصالح وعلي تحت بيوضبوا كل حاجة ياله." ساعدته حتى ينهض لتجده يقول. ردت "حياء" بهدوء. "مع زينب فوق ربنا يكون في عونها كانت قريبة منه." هز رأسه قائلاً. "هتفضل معانا البنت مش هتستحمل ترجع البيت دلوقتي." "حياء." بجدية.

"متقلقش أنا أصلًا مش هسيبها تمشي ياله ادخل ارتاح شوية انت من بليل وانت واقف ياله." دلف إلى الغرفة بهدوء متجها للحمام توضأ وخرج يصلي ركعتين لله وهنا كان الانهيار لكل الحصون فوالله كان أخًا وصديقًا. وسلام على كل روح طيبة……

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...