"ليه قتل؟ ليه أطفال بتموت؟ ليه في ناس بتتولد في فقر وجوع، وناس تانية بتتولد في قصور؟ ليه حروب؟ ليه ظلم؟ ليه كل ده؟ رفعت حاجبها بسخرية. "فين الرحمة اللي بتتكلم عنها؟ ولو ربنا قادر زي ما قولت من شوية، ليه مبيمنعش الشر؟ ولو مش قادر، يبقى مش إله أصلاً. ولو قادر ومش بيمنعه، يبقى مش رحيم أصلاً." فارس بلع ريقه بهدوء، سكت لحظة ومال شوية لقدام وقال بصوت واطي جداً فيه ثقة.
"علشان إحنا في دنيا، لو كل اللي بتقولي عليه حصل كانت هتبقى جنة مش دنيا، الدنيا زي امتحان مكتوب على الكل لا محالة، وعلى حسب أخطائك هتتعاقبي، وفي الآخر يا إما هتدخلي جنة وتكون زي ما بتقولي كده لا فقر، ولا شر، ولا جوع... يا إما نار، ودي مبتَرحمش." لارا بلعت ريقها بخوف رغم أنها بتبين أن كلامه مهزهاش وقالت. "يعني... الكويس يدخل الجنة، والوحش يدخل النار؟ صح كده؟
فارس هزّ رأسه بإيجاب، فقالت فوراً كأنها لقت الثغرة اللي كانت بتدور عليها. "طب خلاص... واضحة، مفيش بقى إيمان ولا أي حاجة من دي، كل الكويس يدخل الجنة، وكل الوحش يدخل النار." فارس ضحك ضحكة صغيرة فيها سخرية باينة. "لوحده يعني ولا إيه؟ لارا رفعت أكتافها وهزت راسها. "أه... طالما هو كويس." هنا فارس رفع حاجبه وقال بسخرية أعمق. "مين اللي هيدخلهم بقا؟ مكتب التنسيق؟
لارا سكتت ثواني وهي بتحاول تحلل جملته الغريبة اللي في الآخر. فارس أنهى الحوار وهو بيقول. "كفاية اللي سمعتيه النهارده، مش لازم تعرفي كل حاجة في نفس اليوم، بس بما إنك مسافرة بكرة، ومش هعرف أشوفك تاني... مد إيده ليها بكتاب صغير. "خلي ده معاكي، اقرأيه وبعدها كلميني وقوليلي وصلتي لإيه." لارا أخدت الكتاب وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصلها، قالت بتلقائية. "إنت عملت فيا إيه؟! فارس رفع إيده. "أنا قاعد ساكت أهو."
لارا زفرت وقالت بنبرة أقرب للاعتراف. "بس إنت بتجذب أي حد، مش عارفة السبب طريقتك... ولا جاذبيتك... ولا شكلك... بس أنا بتشدّ ليك كل مرة بتكلم فيها معاك." فارس بص قدامه وقال بنبرة هادية. "ده كلام كبير يا لارا، بس يارب ربنا يجعلنا سبب في إيمان حد بيه يوماً ما." لارا سألت وهي مش مصدقاه. "متأكد... إني هؤمن بالله؟! رد عليها من غير أي ذرة تردد. "واثق." اتنهدت وقالت.
"تعرف، أنا حتى معرفش ديانتك إيه، إحنا عندنا ديانات كتير في العالم، بس أشهر ديانة في إسبانيا هي المسيحية." فارس فكر لحظة وبعدين قال ببساطة. "وأنا مسيحي." لارا مالت شوية لقدام وقالت. "ممم... هو ممكن تكلمني عنك؟ فارس سأل. "عايزة تعرفي إيه؟ قالت وهي بتبصله بتركيز. "عايزة أعرف عن فارس كل حاجة." هزّ راسه وسأل. "وليه عايزة تعرفي كل حاجة؟ لارا لعبت في شعرها بإيديها وهي بتقول. "مش عارفة... وأظن ده سؤال مينفعش يتسأل."
فارس ابتسم ابتسامة خفيفة وقال. "أنا فارس... ٢٩ سنة، خريج آثار، عندي أختين، والدي متوفي وماما ربنا يخليها." لارا رفعت حاجبها وسألت. "دي بس عيلتك؟ فارس ضحك وقال. "لأ، إحنا كتير ما شاء الله، ماما ليها أخين، واحد عنده اتنين، والتاني خلّف عشرة وقريب هيبقوا اتناشر." لارا خبّت صدمتها بابتسامة واسعة. "ممم... حلو قوي." سألته بعد لحظة صمت. "إنتو يعني بتتجمعوا كتير؟ فارس ضحك بخفة. "كل يوم خميس، دي طقوس." لارا ضحكت وقالت.
"أنا مش عندي غير أخت واحدة وبشوفها بالصدفة أساساً، حلو إنكوا بتتجمعوا." فارس قال ببساطة. "متعودين من زمان." سكتت لحظة وردت بخفوت. "في حاجات كتير أوي عندك مختلفة تماماً عندنا، عمري ما شفت حد زيك، بس نفسي في يوم أكون زيك." فارس رد بهدوء. "مش لازم تكوني زيي، ومش لازم تفكري زينا، كل واحد مختلف عن التاني، الاختلاف حلو." لارا عضّت شفايفها بتوتر خفيف وبعدين قالت. "طب... ينفع أسأل سؤال... آخر واحد النهارده؟ فارس قال.
"اسألي." لارا سألت بجدية. "لو... لو رجعت بلدي ومبقتش أشوفك ولا أسألك أي حاجة عايزالها إجابة، هل ده معناه إني مش هعرف أكمل الطريق اللي بدأته؟ فارس لثواني بصلها يقيس مدى جديتها وبعدين قال. "هتكملي، وأنا موجود دايماً لو احتاجتي أي حاجة." لارا اتنهدت بارتياح، بس سألت بخوف. "يعني... حتى لو مشوفتكش تاني ممكن... أوصل لحاجة؟ فارس قال بثقة. "هتوصلّي." لارا ابتسمت وقالت. "ارتاحت شوية." فارس رد.
"دي حاجة كويسة، يارب دايماً تكوني مرتاحة." ابتسمت بامتنان وهو قال وهو بيبص في الساعة. "الوقت اتأخر، لازم تروحي دلوقتي." هزت راسها بإيجاب وقاموا مع بعض لبره. بصتله بصة أخيرة وقالت. "فارس؟ لفلها وقال. "نعم؟ ردت بنبرة ناعمة. "أنا مش هقدر أنساك." فارس بصلها بابتسامة صغيرة ورد. "ربنا يوفقك يا لارا، أشوف وشك على خير." تاني يوم.
نزلت السلم بخطوات هادية وهي شايلة طبق متغطي وعلى وشها ابتسامة خبيثة. وصلت للباب وخبطت برجليها جامد. شيري فتحت الباب بسرعة باستغراب. "إيه ده؟ تيا رفعت حواجبها وقالت. "انتي لسه ملبستيش؟ شيري ردت بضيق. "ألبس إيه انتي كمان؟! انتي عايزاني ألبس تيشيرت الأهلي؟! أقسم بالله لو عندي تيشيرت زمالك كنت لبسته علشان خاطره." تيا دخلت وهي بتهز راسها بغيظ مصطنع وقالت. "صداع... صداع من كتر الإخلاص." عين شيري راحت على الطبق وسألت بفضول.
"إيه ده؟ تيا بصتلها بخبث وقالت. "مش هقولك، هتعرفي بعدين." شيري قربت وقالت بإلحاح ممزوج بفضول. "لأ هتقولي دلوقتي إيه ده؟! تيا رجعت خطوتين لورا وهي بتقول. "والله ما هقولك، افتحي التليفزيون على ما ييجوا يلا." شيري قالت ببرود. "لما يبقوا ييجوا بقى." تيا ضحكت بشر وقالت بثقة. "هجهز الجو على ما ييجوا، أصل الخسارة النهاردة هتبقى ساحقة ع الزوز." شيري قالت بغيظ. "إن شاء الله الزمالك يكسب علشان تنبطي." تيا ابتسمت بثقة.
"الأهلي هيكسب باكتساح." شيري غمغمت. "مستفزة." حطت تيا الطبق على الترابيزة وفتحت التليفزيون على قناة الماتش، سألت وهي بتغمز. "عاملة حاجة على شرف الزوز النهارده؟ شيري ردت بسرعة. "طبعاً... تيا كتمت ضحكتها وقالت. "يا بختُه أقسم بالله." شيري قالت بنبرة حزينة. "وياريته حاسس... تيا قربت منها ومسكت إيديها بحنية وقالت. "هييجي يوم ويحس، بس انتي خليكي نغّشة." شيري بصتلها باستغراب وقالت. "نغّشة؟ تيا قالت بخبث.
"آه، أصل الرجالة بيحبوا الست النغّشة... اسأليني أنا." شيري قالت وهي بتتنهد. "ربنا يهديكي." سلمى جت وهي لابسة تيشيرت الأهلي وبتقول بحماس. "الماتش بدأ! تيا بصت لها وقالت. "لسه قدامه ربع ساعة، البشوات لسه مجوش." سلمى قالت وهي بتلم شعرها. "على ما نجهز القعدة يكونوا جم." وبصت لشيري من فوق لتحت وقالت. "يلا يا شيري ملبستيش ليه؟ شيري قالت برفض. "مش هلبس أنا." سلمى رفعت حاجبها وسألت. "خايفة على مشاعره وكده يعني؟
كملت بنبرة ضغط. "ما هو كده عمره ما هيبصلك." شيري سألت باستنكار. "علشان خايفة على مشاعره." سلمى قالت بحدة. "لأ علشان ملكيش وجود أصلاً، خلي ليكي وجود، انتي أهلاوية زينا، يبقى افرحي معانا، متبقيش قاعدة بصالة كده بصعبانية." تيا قالت وهي قاعدة على الكنبة وفارده رجليها. "والله ريقي نشف من كتر ما بقولها كده، بس هي فاكرة إنها كده حلوة." شيري قالت وهي بتبصلهم بتوتر. "حرام عليكوا لما تعملوا رباطية عليه فعلاً."
سلمى قربت منها وقالت بتحذير. "شاطرة يا شيري... خليكي كده بقى لحد ما يضيع من إيديكي." شيري بصت في الأرض وقالت. "على أساس هو في إيدي أوي." تيا ضحكت جامد وقالت. "ما هو الطريق لقلب الراجل معدته، وإنتي دي ماسكاها." سلمى قالت بغضب. "بس مش كل حاجة أكل! مش علطول ألاقيك بتفكري يا ترى ورق العنب لو عملته كده هيكون أحلى ولا لأ، ويا ترى لو عملت كنافة بالمهلبية هتعجبه ولا لأ، في حاجات أهم." تيا قطعت الكلام.
"الربع ساعة عدت على فكرة والماتش خلاص بيبدأ، فكّك منها وتعالي نضبط الدنيا." سلمى هزت راسها وبدأوا يظبطوا القعدة. بعد ما خلصوا لقوا شيري قدامهم بالتيشيرت. تيا قالت بانتصار. "الكلام بيجيب نتيجة أهو." سلمى قربت منها وقالت بحزم لطيف. "غيري بقى لفة الطرحة دي." ظبطتلها الطرحة وقالت. "بس كده، تحفة." ثواني والباب كان بيخبط. فتحت تيا الباب وهي مبتسمة وقالت. "ده يا مرحب والله! زيزو بصلها وقال بخوف تمثيلي. "خايف أدخل."
تيا قالت وهي بتفتح الباب أكتر. "التحفيل بعد الماتش." تيام عدّى جنبها وضربها قفا. "اهدِي بقى." تيا قالت وهي بتبصله بغيظ. "سمِج." فارس دخل وادّاها هو كمان قفا وقال. "معلش يا صغنن، أصغر واحدة فينا بقى." تيا زعقت بغيظ واضح. "انتوا اتفقتوا عليّا! دخلوا التلاتة وزيزو شاف الجو وقال. " يارب انصرني النهاردة، مش هسلم منكم أنا عارف." تيا قالت بسخرية. "هي أول مرة." زيزو بص لشيري وقال. " شكلك اتفقتي عليا معاهم."
الجملة طلعت منه بسيطة جداً بس وقعت قلب شيري. شدت التيشيرت من تحت بخجل وبصّت للأرض ثانية. قلبها كان بيدق بجنون. حاولت تبتسم وقالت بنبرة شبه هامسة. "قررت أشارك النهارده... بس كده." زيزو رفع حاجبيه بدهشة خفيفة وراح ناحية الكنبة وقعد. وقبل ما يظبط قعدته، تيا جت بسرعة وحطت قدامه الطبق وهي مبتسمة بخبث واضح. زيزو ضيق عينه وقال بريبة. "إيه ده؟ تيا شبكت إيديها وقالت ببراءة مزيفة. "شوف إنت."
الكل بقى مركز ومستنيه يطلع الطبق من الكيس. زيزو شال الكيس برفق وتيا بتقوله. "بالراحة." خرج الطبق ولقا بليلة. ثانيتين صمت... وبعدين الضحك انفجر في الصالة كلها. زيزو رفع الطبق وشاف شكله وقال بقرف واضح. "حد قالك قبل كده إنك أومليت؟ تيا قعدت وهي بتقول بلامبالاة. "يااااه... كتير... زيزو قال وهو بيقرب الطبق منها. "هطفحهولِك بعد الماتش." تيا ردّت. "قول حاجة تقدر تعملها يا عم." سلمى ركزت وقالت. "بااااس... الماتش بدأ."
الكل وجه عينه للتليفزيون وبدأوا يركزوا ما عدا تيام وشيري. تيام كان كل شوية يبص لسلمى... وسلمى مركزة جداً في الماتش، بس رغم تركيزها كانت حاسة بنظراته ومطنّشاه تماماً. أما شيري، كانت بتبص لزيزو كل دقيقة.... وبسرعة ترجع عينيها للتليفزيون كأنها مش مركزة معاه هو ومركزة مع الماتش. الأجواء كانت لطيفة في الأول. ضحك... تحفيل خفيف... وتشجيع. كل ما الأهلي يقرب من جول الزمالك، زيزو يعدّل قعدته ويبص بترقب وهو بيقول.
"إن شاء الله لاء... تيا شربت عصيرها بهدوء مستفز وقالت. "ارتاح يا حبيبي... ارتاح، الجول جاي." زيزو بصلها بحدة وضيّق عينيه. "الثقة دي وحشة أنا عارفها." تيا رفعت كتافها وقالت. "معلش... هنشوف في الآخر." بعد دقائق بسيطة جه جول للأهلي. تيا قامت من مكانها وصرخت بحماس. "توحفـــــــــــــه! سلمى اتنفست وقالت. "اللحظات اللي بحبهااا! فارس قال وهو بيبص لإعادة الجول. "حلوه... حلوه دي!
شيري اتخضت حرفياً منهم بالرغم من أنها واخده على كده، وتيام كان قاعد مش فارقله (أهلاوي بالاسم) أما زيزو كان واقف وهو مركز في إعادة الجول تاني. تيا قربت منه وهي ماسكة ضحكتها بالعافية وقالت. "بتحب البليلة سخنة ولا باردة؟ زيزو بصلها وبعدين عدّل هدومه وقال بمنتهى الثقة. "خلصتوا؟ متفرحوش أوي... ده تسلل يا عسل إنت وهيّا."
الكل اتجمد وبصّوا للتليفزيون تاني بسرعة، لأن بالرغم من إنه زملكاوي، بس هو أكتر واحد فيهم فاهم كورة. كلهم ركزوا وبصوا بترقب وزيزو واقف بيبصلهم بشماتة وهما مستنيين الحكم النهائي. الحكم أعلن أنه تسلل فعلاً فتيا زعقت بغضب. "يا نهار أسود! سلمى مسكت راسها وقالت. "لييه" فارس قعد وقال. "خسارة والله." زيزو بصلهم بشماتة وقال. "قتلتكوا دي عارف." تيا صرخت. "الأهلي هيجيب جول تاني دلوقتي وغصب عنك!
زيزو رد وهو قاعد وبيرفع رجله على الترابيزة. "طب اقعدي ساكتة ليطقلك عرق." رجعوا يركزوا تاني في الماتش لحد ما الشوط الأول خلص والنتيجة تعادل زي ما هي. في الطيّارة. بعد ما لارا قعدت في كرسيها وربطت الحزام والطيارة أقلعت واستقرت في قعدتها، فتحت الشنطة الصغيرة بتاعتها وطلعت الكتاب اللي فارس ادّاهولها. لمسته بإيديها الأول وهي بتقرأ العنوان وبتكرره كذا مرة وبدأت تقلب أول صفحة.
أول سطر قرأته وكان عادي، خلصت أول صفحة وتاني صفحة، ولما بدأت تقرأ جمل خلت عقلها يشتغل، اتعدلت في قعدتها وفتحت النوتة الصغيرة بتاعتها وبدأت تكتب من غير ما تفكر كل اللي في دماغها في اللحظة دي بعد ما قرأت كذا صفحة وفهمتهم كويس. بعد ما كتبت إحساسها رجعت تقرأ تاني. الكتاب بيتكلم عن وجود قوة أعظم، مش بطريقة دينية مباشرة... لكن بطريقة تخاطب عقلها الملحد.
بيقارن بين الظواهر العلمية، بين الدقة في الكون، بين قوانين الفيزياء، وبين استحالة إن كل ده يكون "صدفة". كل صفحة كانت بتسحبها لجوه أكتر، كل أسئلتها ليها إجابات، وإجابات مقنعة تماماً. حاجبها اتعقد... قلبت الصفحة اللي بعدها.... وقربت الكتاب أكتر من عينيها. "لو كان الكون بلا معنى، فلماذا يبحث الإنسان بالفطرة عن معنى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!