في العيادة كانت سلمى واقفة جنبه وهو بيشتغل، بتناوله الأدوات قبل ما يطلبها حتى، شغلها مظبوط جداً كأنها روبوت. تيام كان بيبصلها كل شوية، ملامحها ثابتة، شكلها مرهق، وعينيها مفيهاش الحياة اللي متعود عليها. أول ما المريض خلص وخرج بدأت ترتب الأدوات من غير ما تستنى منه كلمة. سأل: "سلمى... في حاجة؟ من غير ما تبصله ردت: "لأ يا دكتور كله تمام." بعد ما خلصت بصتله وقالت: "استأذن دقيقة يا دكتور."
خرجت من الأوضة بسرعة قبل ما يرد بخطوات سريعة، رجعت بعد دقايق وهي غاسلة وشها وعينيها فيها احمرار. بصلها ونده بهدوء: "سلمى." رفعت عينها وبصوت هادي شبه خالي ردت: "نعم يا دكتور؟ سأل بترقب: "إنتي متغيّرة، في إيه؟ ردت بسرعة: "مفيش." زفر وقال بضيق: "مفيش إزاي؟ ردّت ببرود: "زي ما سمعت." بصلها من غير ما يتكلم وهيا لما لاحظت نظراته قالت: "أكيد لو في حاجة تخص الشغل هقول." وقفت لحظة قبل ما تكمل ببرود مؤلم: "غير كده مفيش."
زيزو كان قاعد في الصالة مستني فارس يغير هدومه علشان ينزل معاه، كان مغمّض عينيه ورايح في النوم ورجله فوق الترابيزة. تيا قربت منه بخطوات هادية، مسكت كوباية مية صغيرة وبدأت تصب على شعره بالراحة كأنها بتسقي زرعة مثلاً. زيزو فجأة اتنفض وقام وقف بسرعة، بصّلها بصدمة وكان على وشك يشتمها شتيمة تقيلة بس هي سبقت وقالت وهي بتضحك جامد: "إيه إيه؟! قال وهو بينفض شعره: "أقسم بالله هتخرجيني عن الملة!
ضحكت أكتر وقالت: "لقيتك شوية وهتدخل تريح قولت أفوقك." قال بغيظ: "مستفزة." ردت ببرود: "من بعض من عندكم." شيري جت وهي شايلة صينية عليها كوباية قهوة. مدتله الصينية، أخد الكوباية وقال بلطف عكس ما كان مع تيا: "شكراً يا شيري... تسلم إيدِك." ردت بابتسامة: "بالهنا." بص لتيا وقال: "شايفة؟ مش زي ناس." ردت بسخرية: "هه؟ أدخل أعملك غدا يعني ولا إيه؟ قال ببرود وهو بيشرب من القهوة: "لأ لسه مفطرتش."
شيري قالت بلهفة: "في فطار جوه، هدخل.... قاطعها بسرعة: "لأ لأ أنا بهزر، مش بفطر دلوقتي أكيد، شكراً على اهتمامك." شيري قالت بجدية: "بتكلم بجد والله." زيزو قال بابتسامة خفيفة: "تسلمي ربنا يخليكي." تيا بصتله وقالت: "عيل طِفس أصلاً." شيري بصتلها بتحذير، فتيا قالت: "بكذب أنا يعني؟! زيزو هز أكتافه وقال: "لأ مش بتكذبي، أنا فعلاً طفس مش معلومة جديدة." شيري قالت: "عيب يا تيا."
زيزو ضحك: "لأ عادي، واخد على قلة ذوقها، هيا أول مرة يعني؟ تيا شهقت: "أنا قليلة الذوق؟! قال وهو بيشرب من كوباية القهوة بمنتهى الاستفزاز: "آه." تيا اتقمصت فوراً وقالت: "ماااشي... شكرًا." راحت قعدت على الكنبة البعيدة وهو بصوت عالي قال: "بس بحبها." تيا بصتله باستغراب فصحح: "قلة ذوقك يعني." لفت وشها فقال: "هو أنا أقدر أعيش من غيرها؟ بصتله فقال: "قلة ذوقك برضو." ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفها،
أول ما شافها قال: "ضحكت يعني قلبها مال." كل ده تحت أنظار شيري اللي كانت بتبصلهم بنظرة شك واضحة جداً. خلص اليوم وسلمى نزلت بسرعة من العيادة استنته ينزل، كان ماشي بهدوء لحد ما وصل للعربية، فتحلها الباب زي كل يوم وهيا قعدت وقالت برسمية: "شكراً." من غير ما تبصله ولا حتى لمحت إنه واقف مستني نظرتها، ركب هو كمان وبصلها وقال بنفاذ صبر: "سلمى... هو أنا عملتلك حاجة؟ ضايقتك؟ ردت فوراً: "أبدا، معملتليش حاجة." سأل بسرعة: "أومال؟
قالت ببساطة: "مفيش... أنا بس تعبانة شوية." يصلها شوية يقيس مدى جديتها بس في الآخر قال: "لأ ألف سلامة." شغّل العربية واتحرك، الصمت كان عامم ليهم حول الطريق لحد ما وصلوا. أول ما وصلوا البيت، مسكت شنطتها بسرعة وقالت قبل ما تنزل: "شكراً." ونزلت بسرعة من غير ما تستنى ثانية زيادة. تيام فضل قاعد في العربية، إيده لسه على الدريكسيون، وعينه على البوابة اللي دخلت منها، وفي الآخر ركن عربيته ونزل.
عدى كام يوم مثلاً، شيري واقفة في مطبخ كبير جداً وسط ريحة الأكل المختلطة اللي في المطبخ، صوت السكاكين بيخبط في الطراطير، والشيفات رايحين جايين بسرعة. أول يوم شغل رسمي ليها في المطعم ده، كانت واقفة في مكانها مركزة أوي وهي بتجهز الأكلة الجديدة اللي اتطلبت منها، ايديها بتتحرك بثبات رغم التوتر الخفيف اللي حاسة بيه. فجأة وقف حد جنبها، شيف شكله كبير شوية في المكان، له هيبة كده من غير ما يتكلم.
بصلها وقال بنبرة لطيفة: "شكلك جديدة هنا." شيري رفعت عينيها بسرعة، مسكت السكينة اللي كانت هتقع منها بإحكام وقالت بهدوء: "آه فعلاً." ابتسم بخفة وعرف نفسه: "أنا آسر." شيري بادلته الابتسامة: "أنا شيري." "اتشرفنا يا شيري، لو مفيهاش رخامة ممكن تقوليلي بتحضري إيه؟ اتنهدت من السؤال اللي فعلياً شايفاه طبيعي في الشغل وقالت: "لأ عادي، بس المفروض ده مطلوب يعني." قرأ الطلب المكتوب وبصلها بسرعة: "لحمة فيليه مشوية بصوص المشروم؟
ضيق حواجبه وقال: "هتعرفي تعمليه؟ شيري رفعت حواجبها بنظرة كلها ثقة ممزوجة بلمحة تحدي وقالت: "أومال أنا موجودة هنا ليه؟ إن شاء الله هعمله." آسر رد بابتسامة خفيفة: "بالتوفيق طبعاً... ولو احتاجتي أي حاجة أنا جنبك هنا." شيري اكتفت بهزة بسيطة من رأسها: "شكرًا." رجعت تكمل شغلها، ابتسامة خفيفة اترسمت على شفايفها.
آخر اليوم سلمى وقفت قدام تيام وهي بتبصله وقررت تتكلم معاه أخيراً، اليوم كله وهي بتحاول تهرب من عينيه ومن وجوده ومن كل اللي بيجمعهم غصب عنها. قعدت قدامه، رفعت عينيها ليه لأول مرة من أيام، عينيها كانت هادية بس وراها حاجات كتير. قالت بنبرة مستقرة لكن جواها ارتباك: "عايزة أتكلم معاك." تيام رفع راسه ليها، بس في عيونها اللي وحشته وقال بهدوء: "اتفضلي." سلمى بلعت ريقها وقالت: "أنا خلاص...
خلاص مش، مش عايزة أجي معاك هنا تاني." شيري خلصت شغلها في المطبخ أخيراً بعد يوم طويل وشاق بالنسبة ليها، بالرغم من تعبها بس كانت حاسة أنها خفيفة جداً، كفاية أنها قدرت تعمل حاجة هي بتحبها فعلاً وكأنها لقت مكانها المناسب. كانت ماشية جنب مروة اللي كانت بتتكلم وهيا مركزتش في معظم كلامها. مروة قالت بنبرة هادية
فيها طبطبة وخبرة شغل: "طبيعي تكوني أبطأ مننا لأنه أول يوم، بكرة هتتعودي وتكوني أحسن كمان، وكمان هتعرفي تعملي المنيو كله بسهولة، كلنا كنا كده بس اتعودنا، متقلقيش انتي شاطرة جداً وبتستوعبي بسرعة." شيري ابتسمت بخفة وهي بتعدل شنطتها على كتفها: "أديكي قولتي أول يوم، وأنا مش مستعجلة إني أكون بيرفكت يعني، أنا نازلة رفاهية أكتر من شغل."
مروة بصتلها وقالت بحب: "وبرغم كده نفسك في الأكل لا يُعلى عليه، متعرفيش أنا كشيف بحب آكل من إيدك قد إيه، إنتي بتعملي الأكل بكل حب." ضحكت شيري وقالت: "بالهنا على قلبك." مروة نكزتها بخفة وقالت: "طب ما قولتيش، انبسطتي؟ شيري رفعت أكتافها وقالت بصراحة: "يعني، حسيت إني مرتاحة شوية، بصراحة أحسن من البيت." مروة ضحكت وقالت: "ولسه! صدقيني هتحسي الشغل ده جزء مهم أوي من يومك." شيري ردت: "اممم، يمكن."
وبعد صمت بسيط سألت: "مين شيف آسر؟ مروة ابتسمت كأنها مستنية السؤال: "شيف آسر ده صاحب المطعم، بس بيحب الطبخ أكتر من أي حاجة تانية، بيحب أوي يتعامل مع الشيفات، تقدري تقولي الأكل هي لغته، لدرجة إنه مش بس بيشرف علينا لاء، زي ما شوفتي بيطبخ زينا كمان." شيري سرحت لحظة وقالت بصوت واطي: "حلو إن يكون عندك مطعم بتاعك، تطبخي فيه براحتك ويكون ملكك، شعور حلو مش كده؟ مروة ردت وهي بتتنهّد
تنهيدة طويلة: "ده أكبر أحلامي بجد، بس للأسف صعب." شيري بصتلها وقالت: "أهي أحلام، والأحلام مش بفلوس يا مروة." مروة ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: "على رأيك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!