ظل الهدوء حليفها رغم كلماته التي أشعلت رأسها، إلا أن ابتسامتها الساخرة مع بريق عينيها القوي كانا عاملاً بأن يشعر الأخير أنه يجلس مع فتاة خطيرة جدًا، ليس من السهل التلاعب معها. رفعت ذقنها قليلاً وهي تخبره بمنتهى الهدوء: -إنك بالتأكيد تمزح؟ مراد الحسيني شخص صارم، ليس من السهل الاقتراب منه، بل قتله بمنتهى البساطة التي تتحدث عنها. أجابها ببرود قاتل: -ولكنك ستفعلين ذلك يا لينا، ستجلبين لي رأسه، أتعلمين السبب؟
نظرت له بحاجبين معقودين منتظرة حديثه في شيء من التوتر، ليخبرها بثقة: -يوجد لدي معلومات مؤكدة مئة بالمئة أنه يحبك بل يعشقك يا عزيزتي، وأنتِ أيضاً تحبينه، لذلك ستقتلينه بنفسك مع قطع رأسه ووضعها تحت أقدامي، أفهمتِ؟ صمت طويل دام قبل أن تخبره "لينا" بهدوء بارد: -فهمت، على أي حال أنه سيأتي إلى بريطانيا، كي يلحق بي، فإنه يعتقد أنني عدت إلى مكان نشأتي، لا يعلم بسفري إلى ألمانيا. أومأ برأسه وهو يتمتم بجدية:
-وأنا سأسافر اليوم، ستلحقين بي، وستنفذين تلك المهمة هناك. وثبت واقفة وهي تبتسم له بعملية، ابتسامة جانبية تنبئ له بالشر الدفين، أولت له ظهرها كي تخرج من ذلك المكان وعيناها السوداوان تبتسمان بقساوة مميتة، تليق بها.. كثيراً. ***
قبل أن تخرج من ذلك المنزل التي قامت بإيجاره منذ فترة لا بأس بها، شهقت بفزع وهي تراه يقف أمامها بطوله الفارع، وذراعيه المفتولين بالعضلات كانا يعقدهما أمام صدره الضخم ينظر لها بعينين حادتين صامتين. ألتمعت عيناها بخوف وهي تنظر حولها بقلق قبل أن تسأله: -آريان!! أنت عرفت مكاني إزاي؟ -كنتِ بتهربي مني ليه؟
ألقى عليها السؤال بهدوء زائف محاولاً تمالك أعصابه، بلعت ريقها بخوف وهي تتراجع للخلف قبل أن يدنو منها بخطى ثابتة ولكن عيناه لمعت بهما بريق من الغضب وهو يقول: -4 أيام مش بتردي عليا واليوم الخامس سبتي الأوتيل!!! ليه عملتي كدا؟ أجابته بصوت متحشرج: -كنت محتاجة أبعد. -تبعدي ليه؟ في إيه حصل بالضبط يا مريم؟ أجابته بصوت شارد وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه:
-طول عمري بخاف من القرب، بخاف أتعود على الناس لدرجة إني أحب وجودهم بشكل يومي، أنا لو اتعودت على حد هتعلق بيه بشكل مرضي، هيكون كلامي عنه، رغم جمال التخيل، لكنه في نفس الوقت مرعب، لو الشخص ده مقدرش يكمل، ومشي.. هعمل إيه؟ نظرت له تلك المرة وهي تقول بخفوت: -أنا غير صالحة للعلاقات، عايزة أعيش سعيدة حتى وإن كنت لوحدي. قطب جبينه بقوة وهو يتحرك نحوها قائلاً بصوته القوي:
-إنتي عيشتيني في رعب يا مريم، أنا اتعودت على وجودك، متعمليش كدا تاني يا مريم. -مش هقدر. صمت قليلاً وهو يسألها بهدوء مرح: -طب ياستي، إيه يزعلك وأنا أعمله؟ رفعت حاجبها وهي تقول: -لا أنا، لحظة الجملة دي معكوسة. -لا هي صح كدا، أنا مش عارف أزعلك إزاي بجد. -وتزعلني ليه يا رينو؟ ربنا ما يجيب زعل. هنا اتسعت ابتسامته الجذابة بعد أن رأى بسمتها الصغيرة، تنهد بحرارة قبل أن يخبئها: -وحشتيني. صمت قليلاً، في حين لمعت عيناها
بالدموع قبل أن يضيف: -روتين ممل، ليالي كنت فيها لوحدي من غير ما أسمع صوتك، كنت فاكر أن الحاجات دي عادية ومش فارقة، لكن صوت ضحكتك وهزارك وعينيكي اللي بتلمع لما بجيب لك حاجة حلوة، كل ده افتقدته، أوقات كنت بعاملك مش كصاحبتي، لأ.. كبنتي! مفهمتش الكلام ده إلا لما بعدتي. أتخبره أنها كانت تموت ألماً من كثرة اشتياقها، لا تعلم كيف مرت سبعة أيام بأكملها دون سماع صوته، ولكن كيف تبتعد، وذلك الحب اللعين قد زرع في قلبها اتجاهه.
أولت له ظهرها وهي تسأله بارتباك: -أنت عرفت مكاني إزاي؟ -من سواق الفندق اللي وصلك، كنت قدرت أوصله، وأول ما عرفت هو وصلك فين مقدرتش أستنى لحظة. قبض على كف يدها، فألتفتت برأسها تحدق في عمق عينيهِ، اتسعت بسمته الحنونة وهو يخبرها: -أوعدك يا مريم، الاعتراف اللي انتي مستنياه مني، هقوله أول ما أضمن الأمان ليا وليكي، مش هقدر أخليكي جنبي وأنا عارف الخطر ورايا دايماً وحواليا، متيأسيش وأستنيني.
قال كلماته بلهجة يقطرها ألماً قبل أن يرفع يدها نحو فمه يقبله برقة، ثم أرخى يده عنها يوليها ظهره، توجه بخطى سريعة نحو باب المنزل، يغادر من المكان بأكمله تاركاً إياها في حالة من الدهشة. ***
ترجلت "لينا" من سيارة الأجرة بعدما أعطت النقود إلى السائق، لينطلق بعدها مبتعداً عن المكان. دخلت "لينا" منزلها وقد اشتاقت إليه دفئه كثيراً ولكن ما أن أشعلت الأضواء وألتفتت بجسدها حتى شهقت بصدمة وهي ترى رجلاً ذا الجسد العضلي يجلس بكل أريحية على الأريكة، يبتسم لها وهو يقول بلكنته: -مرحباً، حوريتي الصغيرة. -إنت مين؟
قالتها بصدمة وهي تشعر بشيء من القلق من ذلك الغريب الذي اقتحم منزلها في الليل، كان شاباً وسيماً ذا شعر كستنائي وبشرة بيضاء وعينين خضراوين، يجلس بمنتهى البرود رغم نظراته التي بها الكثير والكثير من الهيام والغضب! هب واقفاً وهو يتحرك نحوها قائلاً بلهجة غريبة.. مريبة: -إلى أين ذهبتي طوال تلك الفترة؟ أتعلمين كم من الأيام والليالي انتظرتك. اتسعت عيونها بصدمة وهي تهدر فيه بغضب:
-من أنت أيها الأحمق، كيف اقتحمت منزلي بتلك البساطة؟ أشار بيده وهو يقول بهدوء رغم نظراته الحادة والمخيفة: -أنا ديف، جارك في الجهة المقابلة. تنهد بجنون قبل أن يصرخ فجأة: -لم تجيبيني بعد؟ بالله عليكي كيف تتركي المنزل بتلك البساطة؟ أتعلمين ماذا سأفعل بكِ؟ ظلت عيونها متسعة وهي ترى ذلك المختل عقلياً يقول بجنون غاضب: -تسافرين معه؟ هل لأنه وسيم وغني تسافرين معه وتعودين بعد تلك الأيام الطويلة دون أن يحاسبك أحد؟ همست "لينا"
بصوت غير مسموع: -ينهار أسود على حظي النحس. لم تتحمل الصمت طويلاً وهي تصرخ بغضب جامح: -من أنت أيها المجنون المعتوه؟ أخرج من هنا وإلا ستندم على ردة فعلي، آآ.. لم تكمل كلماتها بعد أن رفع يده عالياً يصفعها بعنف على وجنتها، حتى جرحت شفتها من قوة الصفعة، نظرت له بذهول وهي تتحسس تلك النقطة من الدم التي هبطت من على شفتها بألم، هدر بها بوحشية:
-هل وصل بكِ الأمر إلى التبجح، لالا يا حوريتي الصغيرة، أنتي ملكي كما أخبرتك من قبل، يجب أن تكون خطواتك خلف خطواتي لا العكس. عقد حاجبيه بقوة وهو يرى شفتها يهبط منها نقطة دم أخرى، ليقترب منها سريعاً وهو يقول بذعر: -آسف، آسف يا حوريتي لم أقصد جرحك بتلك الطريقة القاسية، ولكنك جرحتيني. صرخت فيه بعصبية قبل أن يقرب يديه نحوها: -أبعد يديك القذرتين عني أيها المجنون.
قبل أن يهدر فيها بغضب، صمت مفاجئ خيم المكان ما أن استمعوا إلى صوت رنين جرس المنزل، قبض على ذراعها بعنف يسألها بحدة: -هل تنتظرين أحد؟ أرتعشت شفتيها لوهلة وهي تقول: -لا، دعني أعلم من الطارق.
أرخى قبضة يده عنها قبل أن يتحرك نحو إحدى الغرف الموجودة بالمنزل يختبئ، في حين تحركت بخطى مرتجفة قليلاً من كم الصدمات التي تعاني منها، فتحت باب منزلها بقوة وقد نست أمر شفتها تماماً فغرت شفتيها قليلاً وهي ترى "مراد" يقف أمامها بشموخه. رغم ذلك التنكر الذي أخفى به معالم وجهه، إلا عينيه القاسيتين ازدادت ظلاماً وهو يرى شفتها والنقطة الدماء الجافة، همس "مراد" بوحشية خافتة مرعبة: -مين معاكي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!