الفصل 36 | من 41 فصل

رواية بحر ثائر الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اية العربي

المشاهدات
15
كلمة
4,704
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

أخشى الحياة بدونك... أخشى قلبي فارغًا منك... أخشى روحي من بعدك.. أخشى كل شعور أنت لست فيه.. حياتي دونك حرب.. أنت سلامي قلبي.. لم يتنفس قلبي الحياة إلا من أنفاسك... روحي سجينة جراح لا زالت تؤلمني.. وأنت فقط دوائي... كوني لي ما ليس لي... وصل إلى بيته يئن ويصعد الدرج بملامح منكمشة متوعدًا لها ولذلك الغريب ولشقيقها.

تزوجت.. كيف ومتى.. إلى الآن لا يستوعب أنها فعلتها.. كيف تتعامل معه.. وهل تمتلك من المشاعر ما يكفيه.. يتمنى ألا تكفيه لحظة ليطلقها وحينها ستعترف بأن كمال الوراق رجل ليس كمثله رجل. طرق باب شقته فلم تفتح له زينة لذا اعتدل بصعوبة ودس يده في جيبه يخرج مفتاحه ويفتح الباب ويدلف.

نظر حوله ليجد المكان هادئًا فظنها نائمة لذا زفر براحة وتقدم يجلس على المقعد ليستريح ولكنها ظهرت من غرفتها تقف على عتبتها وتطالعه بغضب بعدما غفا صغيرها. نظراتها ممتلئة بالشك والتوعد ولم تمهله الكثير حينما تساءلت: -كنت فين؟ شعر بالغيظ ونظر لها شزرًا يجيبها: -وانت مالك؟ توسعت حدقتاها فزفر مستغفرًا يبعد نظره عنها ثم رآها تتقدم وجلست أمامه ثم قامت بقرصه من منطقة الفخذ بإصبعيها المتحكمان فتألم ينزع يدها عنه قائلًا:

-يخربيت تقل إيدك يا شيخة هو أنا ناقص! طالعته بغضب عاصف ونطقت من بين أسنانها حتى لا يستيقظ صغيرها: -انطق كنت فين وراجع متني كده ليه؟ اوعى تكون عملت اللي في بالي؟ شعر بالتوتر يداهمه من نظراتها وقرر مصارحتها ولكن بطريقته الملتوية فنطق مشدوهًا: -أيوة هو اللي في بالك.. أومال عايزاني أسكت وأسيبها تعمل اللي هي عايزاه؟ طب أهو طلع جوزها. كانت تنوي تعنيفه ولكن كلمته الأخيرة جعلتها تتأهب وتكرر باستنكار: -جوزها!

اتجوزت الراجل ده؟ وقعته إزاي ده؟ هز كتفيه يجيب بشرود: –أيوة جوزها. وقف قدامي وقال لي ديما مراتي. بس ورحمة أمي ماهسيبها تتهنى لحظة. شردت هي الأخرى تفكر. هي امرأة وتفهم جيداً من هي ديما الصابر وما هي قوتها الناعمة التي تميزها. ولكنها لن تظهر ذلك لذا نطقت بخبث: –يمكن غلطت معاه ولا حاجة. مهي كانت في فرنسا بقى. الرك على أخوها اللي سابها تروح تشتغل هناك لوحدها. شرد يفكر في حديثها السام. هل يمكن أن تفعل ديما أمراً كهذا؟

وحينما لم يقتنع أردف بخفوت: –مالهاش هي في الكلام ده لاء. عادت تقرصه بغل مضاعف وتنطق محذرة: –فكر بس تدافع عنها قدامي. قال ملهاش في الكلام ده قال. ليه ياخويا مش ست. كلماتها أحرقته أكثر تزامنًا مع قرصتها لذا انتفض يصيح: –يبقى أنا فعلاً هحرق قلبها ع العيال. وهاخدهم منها. شهقت بحدة تصيح ولم تعد تبالي بصغيرها: –نعـــــــــــــم ياخويا. تاخد مين ياقلبي. اقعد معووج واتكلم عدل يا كمال. عيال مين اللي تاخدهم وتوديهم فين.

تراخى بجسده وبنبرته يحاول امتصاص غضبها قائلاً: –يابت افهمي. دي ورقة ضغط علشان تتعلم الأدب. صاحت بغلظة وعينين متسعتين: –لا ريح انت كدة على جنب ومالكش دعوة. اصبر بس لما أرجع موضوع القناة ده تاني وأنا هعلمهالك الأدب صح. إنما ولادها مالهمش مكان هنا ده بيتي وبيت ابني. انت فاهم.

جلس يطالعها بعجز ويزفر بضيق شديد. هذه المرأة باتت لا تحتمل. تمكنت وتريد السيطرة عليه وعلى منزله وعلى نقوده وكل شيء. يجب أن يجد حلاً لها ولكن دون أن يلفت انتباهها. يجب أن يسترد ما كان له وأولهما هيمنته فهو من يمتلك العصمة وبسهولة يمكنه تطليقها. فقط عليه أن يستجمع شجاعته. منتصف الليل.

نائمة تواليه ظهرها. للمرة الأولى منذ زواجهما تشعر بالخيبة وتنام حزينة وكل ما يشغل بالها هما صغيراها وكيف حالهما الآن. منذ قليل هاتفت والدتها التي طمأنتها عليهما ولكن قلب الأم مازال قلقاً. ماذا ستفعل إن تلاعب بالقانون وأخذ حضانتهما فقط لينتصر عليها؟ هل ستتحمل أن يبتعدا عنها؟ هل ستتحمل أن يعيشا معه ومع تلك المرأة؟

بالطبع لم ولن تتحمل ذلك أبداً ولن تسمح به مهما كلفها الأمر حتى لو كان الثمن خسارة ثائر لذا هي حزينة وخائفة. لقد أحزنها اليوم بطريقته برغم أنه كان مراعيًا لصغيريها ولكن بدا لها كأنه يتعمد استفزاز كمال للدرجة التي جعلت الشيطان يتلاعب بأفكارها لتظن أنه يريدها وحدها. مجردة من طفليها. ثم تعود لرشدها وتتذكر اهتمامه بهما ثم تتخبط بأفكار سيئة تجبرها على رؤية وجه آخر له. وجه أناني لم ترَ منه بعد.

التزمت الصمت طوال طريق العودة وهو كذلك وحتى أمام والديه كانت تتحدث إليهما وتجاهلته وهو كذلك. يرى أن من غير المنطقي خوفها من ذلك الرجل. لا يرى مبرراً لهذا خاصة وأنها معه. ردة فعلها حينما رأته تؤرقه ولكنه لم يستطع إلا أن يراضيها ويطمئنها ويسكن إليها لإنها الوحيدة القادرة على إعطائه جرعات السعادة اللازمة لهدم مخاوفه.

تواليه ظهرها وترتدي قميصاً في ظاهره يبدو عادياً ولكنه أشعل فتيل رغبته بها حيث ملمسه الحريري الذي لامس جسدها فأظهر تفاصيله أمام عينيه. خصلاتها تستريح على الوسادة وتكشف عن عنقها الناعم والعطر الذي تضعه كان جندياً شرساً هجم بسطوته على جبهة قلبه المتآكلة نحوها.

كل ما بها يجذبه بطريقة أو بأخرى لتصبح هي الوحيدة القادرة على ذلك خاصة مع تضاعف حجم مشاعره بها لذا ازدرد ريقه وزحف بجسده قليلاً نحوها ثم مد يده يلفها حول خصرها فشعر بها تتصلب أسفل لمسته لذا زحف مجدداً حتى التصق بها وقرب شفتيه من عنقها يطبع قبلة عليه ويغرق فيه وما لبث أن يثمل عشقاً حتى تفاجأ بها تبتعد عنه وتلتفت تطالعه بعيون لامعة ومحذرة تنطق بخفوت: –ثائر بلاش الطريقة دي لو سمحت. تجمد يطالعها باستفهام لثوان

قبل أن يتساءل بتحشرج: –طريقة إيه؟ زفرت بقوة واعتدلت تجلس على الفراش. طبيعتها كأنثى تختلف عنه. هي تفضل أن تبوح عما يعتري داخلها من شحنات وأفكار ثم تذهب إلى العلاقة بذهن صافٍ حتى تستمتع. وهو يفضل أن تنتشله العلاقة من بؤر أفكاره. وبرغم علمه بطبيعتها إلا أن حبه لها وثقته بحبها أوهماه أن هذه الطريقة يمكنها أن تجدي نفعاً. نطقت توضح له وتتمنى ألا يخيب ظنها به:

–إنت عارف إني عايزة اتكلم. فيه جوايا حاجات كتير لازم اكلمك فيها وفي نفس الوقت إنت مش عندك استعداد تسمع أو تجاوب. بس أنا مش زيك يا ثائر. ماقدرش اكتم جوايا كل ده وخصوصاً معاك إنت. أنا مش عايزة أعيش ده معاك إنت. علشان خاطري ماتخلنيش اكتم أحساسي معاك. أديني مجال ومساحة إنك تسمعني وتطمني.

كانت تحادثه برجاء. يدرك أن معها كل الحق. لقد وقع في خطأ لا يجب أن يقع فيه ولكن ربما هذا لكثرة الأوزان التي يحملها لذا زفر واعتدل في جلسته يلتفت إليها ويردف مباشرة بعتاب لتفصح عما بها: –تمام يا ديما. ممكن أفهم ليه خوفتي لما شوفتي الواطي ده؟ ليه أصلًا تشوفيه؟ ليه خوفتي لما جه عندكوا؟ ليه تبينيله ضعفك بسهولة كدة؟ معقول ديما الصابر تتعامل كدة؟ وضعها أمام نفسها لتضغط بكفيها على عقلها لثوان ثم ترفع وجهها وتجيبه بصدق:

–لما الأمر يتعلق بأولادي اللي هما نقطة ضعفي أيوة. هيختل توازن ديما الصابر غصب عني وهخاف. ده قانونيًا أبوهم وأنا قانونيًا اتجوزت. ده غير انه خبيث وممكن يتحايل بكذا طريقة. كلماتها زادته غضباً ولكنه تحكم به يردف موضحاً بملامح وجه مشدودة: –بصي يا ديما وحطي الكلام ده في دماغك كويس جداً. أولادك هيفضلوا معاكي مهما حصل ونجوم السما أقربله منهم. دققت النظر في عينيه لترى الصدق فيهما ولكنها نطقت باستفزاز عله يفصح عما به:

–وده هيتم إزاي يا ثائر؟ ولا هتستخدم سلطتك المخابراتية اللي طلعت مش حقيقة؟ أدرك نواياها لذا تجاهل سؤالها واستطرد بهيمنة تليق به: –مرة تانية لما تشوفي الجبان ده في مكان اعتبريه كإنه شفاف. هوا مش موجود. أوعي تحسسيه إنك اتأثرتي بوجوده لحظة. تعمقت فيه لثوان ثم استطردت توضح:

–مهو للأسف يا ثائر اتنين مش هتقدر تنساهم طول حياتك. واحد عيشك في محنة واستعمل كل أسلحته علشان يدمرك. وواحد تاني طلعك منها واستعمل كل أسلحته علشان يبنيك من تاني. إنت قرأت قصتي وعرفت اللي مريت بيه خلال جوازي منه بس الأذى النفسي صعب أتخطاه خصوصًا لما بتعيش مرحلة التعافي وبتلاقي علاجك. بتستغرب إنت إزاي اتحملت كل ده؟

بتزعل على اللي عاش تجربتك وبيشغل بالك وبتفكر هل هو محظوظ زيك وربنا بعتله اللي يحارب علشانه ولا لسة عايش جوة الوجع ولا للأسف انهار من زمان. زفرت مطولاً تسترسل: –أنا حياتي اللي قبلك هي حياة غيري دلوقتي. أنا شوفت منك اللي يخليني أزعل على اللي زيي واحتقر كل واحد بيعاملهم زي البني آدم ده ماكان بيعاملني. تنهيدة حارة معبأة بالكثير صدرت منها لتنظر في عينيه وتسترسل:

–يا ثائر حتى وقوفك معايا النهاردة في المطبخ وانت بتحضر قهوتك دي لوحدها بتستوقفني. دلوقتي حالاً لما قلتلك بلاش الطريقة دي للحظة أنا خوفت تتعصب عليا ولما لاقيتك هتسمعني استغربت. اللي عملته وبتعمله علشان ولادي بيفرحني جدا وفي نفس الوقت بخاف يكون وراه حاجة. أنا لسة بخاف يا ثائر برغم إن قلبي شايف اللي جواك وعارفة إنك مختلف تمامًا. وعارفة إنك شايل حمل تقيــــــــل جداً أكبر مني ومنك بس أنا غصب عني بخاف علشان كدة مش عايزة ولادي يخافوا أبداً. الخوف ده عندي من وانا صغيرة وبسبب بابا وانا معاك بحاول انتصر عليه وانزعه من حياة ولادي. لو سمحت ساعدني أعمل ده.

حينما وجدته يسمعها ويطالعها فقط تابعت آخر ما يؤرقها: –لما قولتلي انزل على بيت أهلك وافقت مع إني كنت هموت واشوفهم واخدهم في حضني بس ضغطت على نفسي وقبلت وقلت لما ترجع هروح أقعد معاهم كام يوم وأعوض غيابي عنهم. النهاردة إنت خذلتني. ماعرفش ليه بس أتمنى السبب يكون قوي ويستاهل.

تأملت أنه سيبوح بعد حديثها هذا. توقعت أنه سيخبرها بما يؤرقه كما فعل من قبل وأخبرها بسره. انتظرت أن يفصح عما به كما فعلت ولكنه نطق بملامح ثابتة معتذراً: –معلش أنا يمكن انفعلت شوية بسبب ال**** ده وتضايقت أكتر من خوفك منه علشان كدة ماقدرتش اسيبك تنامي هناك. دي حاجة خارج نطاق طاقتي. خاب ظنها وأيقنت أن ما يخفيه عظيم. لذا زفرت بقوة توميء مراراً وأرادت أن تخفف عنه مثلما فعل لتوه وسمح لها أن تبوح بما يؤرقها لذا

أردفت بنبرتها المسالمة: –تمام. حصل خير. يالا ننام. ترقبها حينما مالت قليلاً تطفيء إضاءة المصباح الجانبي ثم عادت إليه تطالعه عبر الضوء الخافت المنكسر من خلف زجاج الشرفة وسمحت لمشاعرها أن تحركها فزحفت إليه ودثرت نفسها فيه تلف ذراعها حول جسده وتضع رأسها على صدره. تصنم للحظات تفاجأ بها. تعانقه بعدما باحت بكل ما تشعر به!

جزء جديد يكتشفه بها وهي الطفولة. إنها تشبه الأطفال بعدما يتم مصالحتهم. بسيطة وتعطي أكثر مما تأخذ. هو فقط استمع إليها وأعطاها مساحتها لذا تكافئه. تنفس بعمق فتضاعفت بنيته فاحتواها كلياً ومال يقبلها ويحتضنها فاستقبلته الآن دون تذمر بل بترحاب جعله يخلع ثوب همومه.

قبلة ناعمة تلو قبلة احتواء يليه قبلة هجومية ملغمة بالعشق تتبعها لمسات من يدين خبيرتين في إشعال حواسها وهمسات بكلمات الحب والغزل والطمأنينة والوعود الصادقة لتشعر معه أنها حاكمة وطنه الخاص وما مشاعره وحواسه إلا شعباً سعيداً يقدم لها فروض الولاء والطاعة. منذ أن علمت بعودة ثائر من والدتها وهي تتلوى. هل سيستقر في مصر بعد كل تلك السنوات؟ وماذا عن مارتينا؟ ألم يعود إليها منذ أيام؟ فقط؟ هل سيطلقها؟ وما سبب عودته؟

لولا القطيعة التي بين والدتها وعمتها لكانت علمت كل شيء عنه. زفرت بضيق وتناولت هاتفها تتصفحه علها تصل لشيء ولكن فجأة هبت ديما على عقلها لتتساءل: ( أين ذهبت تلك المرأة؟ هل عادت هي أيضاً؟ تصفحت صفحتها وصفحته ولكن لا شيء يدعو للشك لذا اغتاظت أكثر ورطمت الهاتف على الفراش وزفرت والتفتت تفكر قليلاً. هل تذهب إلى مصر بحجة رؤية عائلتها وتراه؟ هي فقط تريد أن تعلم سبب عودته.

دلف زوجها الغرفة فطالعته بطرف عينيها ثم عادت تستل هاتفها وتعبث به لتنشغل عنه. رآها فشعر بالضيق وقرر تجاهلها كما تفعل لذا تحرك يتمدد على الفراش ويواليها ظهره لينام وهذا الشيء تبغضه لذا تعجبت من تجاهله والتفتت له تتحدث متسائلة بانزعاج: –أحمد انت هتنام وتسيبني كدة؟ ابتسم بسخرية وتذكر كلمات تلك الإعلامية التي بات يشاهدها مؤخراً حينما قالت عبر الشاشة المصرية:

( لن يتوقف من تلحقه عن الركض إلا إذا توقفت أنت أولاً. أنت تستحق من يتخد خطوة لأجلك لا من يركض ليهرب منك متعمدًا.) زفر بقوة وأجابها وهو يغلق عيناه لينام: –أيوة. تصبحي على خير. غفا وتركها تتلظى وتتلوى بأفعالها. متعجبة من تجاهله الذي باتت تلاحظه مؤخراً. هل كان ينقصها تصرفات هذا الأحمد؟ يجب أن تركز على هدف واحد الآن. يجب أن تعلم لماذا عاد ثائر إلى مصر.

المرأة النرجسية أكثر سمية من الذكر النرجسي وأكثر وحشية. تمتاز بالخبث الذي تنثره في طريق ضحيتها. ليصبح القرب منها سقوطاً والبعد عنها غنيمة. وهنيئاً لمن استيقظ من سحرها. بعد عدة أيام. غادر ثائر ليرى الفرع الجديد للمجلة الذي بدأ في تجهيزه لذا مكثت ديما في المنزل ولم تذهب لرؤية صغيريها ككل يوم معه.

خلال الأيام الماضية كانا يذهبان سوياً لرؤية الصغيرين ويصطحبانهما مع معاذ إلى الخارج. لم يتركها تغادر وحدها إطلاقاً. خطوة بخطوة معها ويفرض بعض التحكمات بإصرار فترضخ لأوامره طواعية. ولكنها باتت لا ترى داع لهذا. الأوضاع آمنة ولا شيء يهدد حياتهما فلـم يفعل ذلك؟ حتى سؤالها عن طلاقه من تلك المارتينا لم يريحها في إجابته وأخبرها أنه يحاول أخذ حضانة صغيره أولاً.

تتألم منه نهاراً ولكنه يأتي ليلاً ويحتويها ويسمعها ويعطيها مالا تريد سماعه ولكنها تقتنع به للدرجة التي جعلتها تتعجب من نفسها. معاملته مع طفليها تجعلها تتناسى تسلطه وتحكمه. عزاءها الوحيد هذه الفترة أنه يحمل سر كبير للدرجة التي تجعلها حينما تنظر في عينيه تجد فيهما طلب المساعدة منها فتحاول أن تسانده وتعينه حتى يتجاوز ما به ولكنها لن تصمد إن لم يفسر لها.

انتهت من ترتيب المنزل وتولت علياء مهمة الطبخ لذا جلست في ركن في الصالة تتكور على الأريكة وتحمل فوق ساقيها حاسوبها لتبدأ في كتابة كتاب جديد بعنوان ( اعترافات ضحايا المرضى النفسيين )

كتاب سيخرج للنور بعد بحث وتعامل مع سيدات قررن أن تراسلنها حتى يبحن بمشاكلهن. منهن من تخطت ومنهن من مازالت تعاني وكلاهما كانتا ضحايا لمرضى نفسيين أوهموهن أنهن المرضى. لذا قررت أن تكتب دون ذكر أي اسم منهن عل رسائلهن تفيد مراهقات وفتيات يخدعهن الحب وتوهمهن العلاقات. أخبرها ثائر أنها ستتولى معه إدارة فرع المجلة حينما ينتهي منها. عليها أن تبذل قصارى جهدها كي تكون عند حسن ظنه وحسن ظن من طلبن مساعدتها.

مسؤوليتها تتضخم يوماً عن يوم وترى أنه يجب عليها تنظيم وقتها جيداً حتى لا تعاني ولكن كيف ذلك وهي على يقين أنه يخفي شيئاً. وقف ثائر في مكان هادئ أمام سيارته يجاوره اللواء رشدي. يقفان ينظران للبعيد أحدهما يشبك كفيه خلف ظهره والآخر يتكتف ليقطع رشدي الصمت الذي طال ويردف بترقب: –توماس هيوصل القاهرة بعد كام ساعة. بس مش جاي لوحده.

أغمض جفونه بتعب وإرهاق. وطنيته لا يمكن أن يشكك فيها أحد ولكنه كان يريد أن يرتاح قليلاً مع زوجته والصغار كأي رجل انقضت سنواته في المهام. لقد اقترب من الخامسة والأربعين من عمره وبات يحمل هموم لا يستطيع حملها عشرة من الرجال لذا التقط نفساً قوياً ثم زفره بهدوء وفتح عينيه يتأهب ويستشف قائلاً بتجهم: –مارتينا! أومأ رشدي يستطرد بجدية: –بالظبط. وطبعاً إنت عارف هي جاية ليه؟

هما دلوقتي شاكين فيك وإنت لازم تبعد عنك أي شكوك. لازم تعرف تتعامل مع مارتينا من غير ما تسرقك عواطفك تجاه ديما. عاد يغمض عينيه لثوان ويجاهد ليسترق أنفاسه من الطبيعة ولكنه بات يتنفس من ثقب إبرة فكيف سيواجه كل هذا والأكثر من ذلك كيف ستتحمل ديما هذه المعاناة معه ودون أي تفسير. –قلتلك نقولها. ده هيهون عليك كتير. قالها رشدي الذي يشعر به جيداً ويدرك معاناته لذا ابتسم ثائر بألم يجيبه: –نقولها؟

وتتجند وتحاول توقع توماس مش كدة؟ ماعملتهاش انت ليه يا باشا؟ تألم رشدي وتذكر زوجته الغالية وحبيبته الأبدية التي قتلت على يد الأوغاد بعدما أنقذت حياته حينما علمت هويته في آخر يوم لها عن طريق قاتليها لذا أجابه بصدق وألم: –لو رجع بيا الزمن هعملها. كنت هوافق أعرفها وتساعدنا. أنا الغيرة هي اللي اتحكمت فيا وخسرت حب عمري بسبب كده. رفض ثائر حديثه واسترسل موضحاً:

–لاء يا رشدي بيه مش الغيرة. الخوف. إنت عايزني اختار بين أمرين نهايتهم واحدة وده مش أسلوبي. تنفس وصمت لثوان ثم تابع: –خليني اطمنك إني مش هكرر نفس غلطتك لإننا مختلفين عن بعض. ولازم أصارحك وأقولك إن زوجتك الله يرحمها غير ديما مراتي. النتيجة هتكون مختلفة بس ماتطلبش مني إني اقبل إنها تدخل محيط توماس وإنت عارف كويس مين هو ونواياه إيه. شعر رشدي بالقهر والحزن فهو يعلم أنه أخطأ في الماضي ولكن ما يهم الآن هو مسؤوليته تجاه

وطنه لذا تساءل بتركيز: –ممكن افهم هتعرف تتعامل مع توماس ومارتينا إزاي؟ خصوصاً دلوقتي؟ مارتينا مش هتكون تحت طوعك زي الأول ومش هتعرف تستغلها. ده غير إن توماس فاهم كويس في شغل العصابات والمخابرات كمان وإلا كان زمانك جايب راسه تحت رجلينا. يدرك ذلك جيداً ويعلم أن مهمته شبه مستحيلة ولكنه أجاب بثبات: –يبقى لازم تفكر معايا ونحط خطة مضبوطة بعيدة عن ديما. وماتنساش إن صقر وخالد معانا. زفر رشدي وشرد يفكر وبرغم

عدم اقتناعه إلا أنه أردف: –تمام. خليني أشوف مركز العمليات وأرجعلك. بس استعد كويس للي جاي. تساءل بترقب: –ليه مابعتش حد شقة رحمة يزرع فيها أجهزة تصنت؟ انزعج رشدي من تهور ثائر الجديد كلياً عليه ونطق بتعنيف مستتر: –بقولك توماس فاهم كويس الحركات دي. ودي أول حاجة هيدور عليها أول ما يدخل بيت رحمة. إنت عارف لو اكتشف ده هيعملوا فيك إيه؟

ركز شوية يا ثائر لإنك مش عاجبني. احنا عملنا ده في الفندق اللي حجزوا فيه انما في بيت رحمة كدة جنان رسمي. أغمض عيناه يحاول التفكير في مخرج لهذا الأمر. يدرك جيداً أن التجسس على توماس لن يكون هيناً على الإطلاق. كعادتهما. يجلسان سوياً يتناقشان عن مشروعهما وينجزان الكثير مما هو مطلوب منهما. قرر داغر أن يشغل عقله في العمل. ووقته أيضاً. منذ أن لاحظ اهتمامها المضاعف بنهوض شركتها وقد تعهد ألا يشغلها بأمرهما الآن.

لا ينكر أن داخله حزين وكان يخطط لشيء أكثر عاطفية معها ولكنه سينتظر ويرى. العمال يباشرون العمل في الشقة التي اتخذها مسكناً لهما ولكنه لم يعد يذهب إلى المنزل إلا ليلاً. حتى أنه يتناول طعامه مع صالح في موقع مصنعهما. ربما انتظر منها اتصالاً. اهتماماً. ولكنها لم تفعل بل كان هو من يهاتفها ويطمئن عليها كما يفعل مع شقيقته ووالدته. زفر ونظر إلى صالح الشارد يفكر لذا تساءل بترقب: –مالك يا صالح بتفكر في إيه؟

منذ أيام وهو يريد التحدث ولكن إنهاكهما في العمل جعله ينتظر قليلاً والآن قد حانت اللحظة لذا أجابه بتريث: –شو رأيك ياخو لو نقرأ الفاتحة؟ أومأ داغر مؤيداً يجيبه بقبول: –أكيد لازم نقرأ الفاتحة. إيه رأيك الجمعة الجاية؟ انشرح قلب صالح وابتسم يجيبه بنبرة فرحة: –على بركة الله. بس بلغ آنسة دينا. قالها بحرج ليبتسم داغر ويجيبه بإيماءة وخبث: –هقولها. ولا إيه رأيك تبلغها إنت علشان ماتفكرش إني غاصبها ولا حاجة.

يبدو أن داغر يقرأ أفكاره بسهولة لذا ازدرد صالح ريقه ونطق بتوتر برغم ثقته وجديته: –تسلم ياخو. بكرة إن شاء الله راح أبلغا. نهض داغر يومئ له وأردف بغيرة تلقائية: –تمام رن على تليفوني الصبح وأنا هخليك تكلمها. صمت صالح قليلاً يخفي احتفاظه لرقمها في عقله لذا أومأ وتساءل مراوغاً: –بدك تروح؟ تنهد داغر مطولاً وأجابه بنبرة حزينة: –أيوة يالا تصبح على خير. تحرك خطوتان ليوقفه صالح مردفاً بتريث بعدما أدرك حزنه:

–احكي معاها يا داغر. وماتنسى إنها سيدة أعمال وبنت رجل أعمال وصاحبة شركة إلها وضعها. هي بتحبك كتير وناطرة منك تتفهم ظروفها. معلش خليك صابر لما أمورها تنحل ووقتها تقرر. نظر داغر إليه بعمق. هذا ما يقوله داخله ويغلبه عليه صوت مشاعره لها ليصبح بين فكين مسنونين أحدهما حبه لها والآخر حقيقة وضعها. خرجت تجلس بينهما بعقل شارد.

مر يومها بطيئاً ومملاً بدونه برغم أنه مزدحم بالأحداث فقد هاتفت صغيريها وساعدت علياء في ترتيب المنزل وكتبت القليل في روايتها وقرأت القليل من أحد الكتب التي ابتاعتها وهاتفت يسرا واطمأنت عليها ووعدتها بزيارة قريبة وهاتفت ليان وتحدثت معها قليلاً… فعلت كل هذا علها تتوقف عن التفكير ولكن هذا لم يحدث خاصة حينما حاولت الاتصال به ولكنه لم يجب عليها.

هذا القلق الذي يأكل أفكارها تريد أن تسحقه. عليهما أن يتحدثان عله يخبرها أي شيء. دلف المنزل يلقي السلام عليهم. بنظرة خاطفة لمحها تتفحصه ليلتفت لابنه يرحب به ويتهرب منها برغم أنه قرر في طريق عودته أن يتحدث معها عن قدوم مارتينا. كانت علياء تجهز العشاء وديما تجهز المائدة وأمجد يجلس يتصفح هاتفه فاتجه يجلس جواره ويرتد على المقعد بملامح مجهدة وشرود فامتدت يد أمجد تربت على ساقه ويلتفت له محدقاً به بنظرة عميقة ثم

همس بالقرب من أذنه بتشجيع: –شد حيلك يا بطل. قول يارب. كلمة بسيطة ولكن معناها كبير جداً لذا أومأ لوالده ونطق بعد تنهيدة حارة وغصة سكنت حلقه: –يـــــــــارب. جاءته فكرة قضاء ركعتين لذا نهض يردف بهدوء: –هغسل وشي وأصلي لحد ما تحضروا العشا. توجه نحو غرفته ومنها إلى الحمام ليغسل وجهه ويتوضأ ويؤدي ركعتين يطلب فيهما من ربه أن يعينه على ما هو مقبل عليه.

ودت ديما أن تلحق به ولكنها تعلم أنه لن يخبرها شيئاً وكالعادة سيراوغ لذا زفرت بضيق وأكملت مساعدتها لعلياء التي تحضر الطعام بحماس ليتذوقه ابنها الغالي والبقية. دلف داغر المنزل الساكن ليعلم أن الجميع قد غفا. هل ما زالت تنتظره ليعود ثم تنام كما أخبرته دينا أم أن المجهود الذي تبذله في العمل يجعلها تغفو باكراً؟

زفر وتحرك نحو الحمام ليغسل وجهه ثم اتجه إلى غرفته ودلف يخطو نحو علاقة الملابس يستل منها منامته ويبدلها لينام. هو متعب ومنهك للغاية. تمدد على فراشه وقرر ألا يفكر وليغفو قليلاً حيث سيستقيظ باكراً وبالفعل أغلق جفناه ونام بعد ثوان. جاءته تتحرك بحذر ودلفت تتطلع عليه وهو نائم لذا ابتسمت على ملامحه وتحركت تجلس قبالته وامتدت يدها تتحسس ملامحه بحب وتناديه: –داغر. وحشتني.

برغم تصاعد مشاعره بشكل صاروخي إلا أنه عزم أن يدعي النوم ليرى ماذا هي بفاعلة. ولكنها فهمت ادعائه للنوم لذا ابتسمت وعادت تتحسس صدغه وتهمس بنعومة وأنفاسها تلفح وجهه: –إنت زعلان مني صح؟ طيب مش إنت قولتلي إنك هتساعدني؟ مش قولت هتقف معايا علطول؟

شعر أنه سيستجيب لهمسها لذا أسرع يلف جسده للجهة الأخرى ويواليها ظهره مدعياً الحزن ليرى ماذا لديها أكثر لتقدمه لذا زفرت وشعرت بالحزن ولكنها قررت أن تجاوره وبالفعل تمددت بجانبه ولفت ذراعها على خصره والصقت رأسها عند كتفه تسترسل بنبرة لينة ويديها تدلك موضع قلبه بنعومة: –واضح إنك زعلت مني جامد وانا ماقدرش على زعلك يا داغر وانت عارف كدة كويس. أوعدك أول ما احل المشكلة دي هعملك كل اللي إنت عايزه. مش هتبص لي بقى؟

ظل على وضعه مستمتعاً بقربها وهمسها له ومنعته مشاعره أن يلتفت لها لذا انزعجت وتذمرت بطفولية لتستطرد وهي تنهض من جواره: –ماشي يا داغر دي غلطتي إني جيتلك أصلًا. تحركت تعود من حيث أتت لينتفض من نومه ويلتفت يناديها بلهفة: –بسمة؟ ولكنه تفاجأ أن ما حدث كان مجرد حلم. حلم تمناه وحققه له عقله الباطن عله يستريح ولكنه زاده عليه أكثر. لم تكن هنا. لم تأتِ لتراضيه. لم تبرر تجاهلها له.

مسح على وجهه بحزن واستغفر وأدرك أنه غفا ونسي صلاته لذا نهض مجدداً يتجه نحو الحمام ليتوضأ ويصلي قيام الليل. وصل أمام الحمام ومد يده يفتح الباب تزامنًا مع بسمة التي تفتح من الداخل ليصطدما ببعضهما وعلى الفور وتلقائياً وكالعادة لف يديه حولها ووضعت يديها على صدره. كليهما بحاجة احتواء وكشف ذلك تفاعل أطرافهما مع الوضع. ازدردت ريقها وحاولت التململ تردف بحرج وتوتر: –داغر! كنت بغسل أسناني عشان أنام، فكرتك نمت.

تأكد أنها كانت تنتظره، لذا حطّم كل ظنونه السيئة وابتسم يجيبها وعيناه تسافر عبر ملامحها التي اشتاق لها: –أنا نمت فعلًا بس فيه حلم حلو أوي صحاني، قومت اتوضأ وأصلي قيام الليل وأدعي إنه يتحقق. توترت حينما لاحظت نظراته على شفتيها، لذا تملصت من بين ذراعيه وابتعدت قليلًا تتساءل بتوتر من قربه وقلق من استيقاظ منال أو دينا: –خير، حلمت بإيه؟ تنهد بحرارة وابتلع لعابه يهدئ من سطوة مشاعره ليجيبها بهدوء وهو يتكتف:

–حلمت بينا طبعًا، هحكيلك بس خلينا نتوضأ ونصلي سوا قيام الليل. تعجبت قليلًا، فهي تؤدي الفروض فقط، لم تكن ملتزمة بشكل جيد ولكنها تحاول، لذا أومأت تبتسم وتجيبه بهدوء: –تمام، اتوضأ إنت الأول وأنا هجيب اسدال من جوة وراجعة. أومأ لها، فتحركت نحو الغرفة وخطا هو نحو الحمام ليتوضأ. بعد دقيقتين، وقفا سويًا في ركن خاص بالصلاة، يتقدمها بخطوة ويؤمها وهي تصلي خلفه بسكينة تامة. دامت صلاتهما لدقائق، ثم سلما والتفت يطالعها

ويردف بنبرة مطمئنة هادئة: –هدعي وإنتِ أمني ورايا. أومأ له، فرفع يده وبدأ يدعو بما تتمناه وبما يتمناه هو أيضًا، حتى انتهى والتفت يطالعها مبتسمًا ويردف بمناغشة: –عقبال ما نصلي ركعتين الفرح. ابتسمت وتوردت وجنتاها وعادت تطالعه بثقة وتردف بترقب: –مش هتقولي حلمت بإيه؟ معقول لحقت تحلم بسرعة كده؟ أومأ وأجابها بصدق: –أيوه، عشان بفكر فيكي علطول، حلمت إنك جيتي ورايا الأوضة واتكلمتي معايا ولما حسيتي إني زعلان نمتي جنبي.

شهقت مصدومة وهزت رأسها تردف باستنكار: –لا، أنا ماعملش كده أبدًا، وبعدين إنت اللي زعلان؟ المفروض أنا اللي أزعل على فكرة. تأهب واعتدل في جلسته وتبخرت آخر قطرة من نعاسه، فتساءل باهتمام: –ليه تزعلي؟ احكيلي ولو أنا غلطان أتحاسب. تنهدت وقررت أن تتحدث معه عما يعكر صفوها منذ أيام، لذا قالت بوضوح: –أيوه إنت غلطان، عشان حسستني آخر مرة إن كلامي وصلك بمعنى تاني مع إنك إنت عارف كويس قصدي. تعجب من إدراكها لفهمه وتساءل:

–وليه حسستك بده؟ أنا ماقولتش أي حاجة أصلًا. أومأت تجيبه: –بالظبط، إنت ماتكلمتش بس بعدت، اتعمدت تنشغل يا داغر وحتى الغدا مابقتش تيجي البيت، حتى مكالمتك ليا حسيتها روتينية جدًا، وطبعًا أنا فهمت إن المعاملة دي بسبب كلامنا الأخير سوا. نكس رأسه وشعر بالضيق، فهل يخبرها بما يؤرقه أم لا يفصح عنه؟ وإن أخبرها بمشاعره هل ستتفهمها أم ستظنه أنانيًا ومتسلطًا؟ تفاجأت بها تقترب منه وتتمسك بكفيه، فرفع رأسه يبصر في عينيها

التي ابتسمت تستطرد بصدق: –أنا بحبك جدًا يا داغر، إنت علمتني حاجات كتير أوي وأولها إني لازم أرفع راسي وسط أعدائي وانتصر عليهم، أنا دلوقتي في مرحلة تنفيذ تعليماتك ليا، اديني شوية وقت بس. قبض قبضة حنونة على كفيها ولم يعد يشعر بحزنه، هي تلين بسهولة مع أحبابه، لذا تساءل باهتمام بعدما نجحت في تأنيب ضميره: –طب قوليلي وصلتي لفين؟ ابتسمت وبدأت تخبره آخر المستجدات عن شركتها، وهو يستمع لها بإنصات ويستفيد من وسائلها كسيدة أعمال.

اكتملت المائدة وانتظروا مجيء ثائر الذي غاب لدقائق عدة، وكانت ديما تنوي الذهاب إليه لتراه، ولكن رن جرس الباب فتعجبوا وكاد أمجد أن ينهض ولكنها أوقفته تردف وهي تلتقط حجابها: –خليك يا بابا أنا هفتح. تحركت تلفه حول رأسها وامتدت يدها نحو المقبض تزامنًا مع خروج ثائر مسرعًا من غرفته يمنعها قائلًا: –استني يا ديما.

ولكنها كانت قد فتحت وانقضى الأمر لترى أمامها آخر امرأة تود رؤيتها، وقفتا وتوقف الزمان لثوانٍ قبل أن تطالعها مارتينا بغلٍ صريح لم تخفّه ابتسامتها ونبرتها حينما نطقت: –أوه، إنتِ هنا؟ إذاً خدعني ثائر. اندفع ثائر يقف أمام ديما ويبعدها عنها متصديًا لها يردف بغلظة متعمدًا: –ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟

وقفت أمامه متجمدة إلا نظراتها التي تخترقه، ثم قررت أن تنفذ خطتها، حيث تخلت عن جنونها في فرنسا وابتاعت عقلًا ليس لها من مطار القاهرة لتبتسم وتجيبه وهي تبحث عن معاذ بعينيها: –جئت لأرى ابني، وآخذه. نطقتها وعادت تنظر في عيني ثائر بتحدٍ سافر، لذا ابتسم وتساءل بتهديد مبطن وهو يشير نحو ابنه الذي شعر بالخوف من ظهورها وانكمش يجاور جده: –هل تقصدين معاذ ابني؟

تجاهلت نبرته وعادت تنظر نحو صغيرها وتمد له يدها قائلة بترقب وابتسامة شرٍ صنعت لها: –ماذا معاذ، ألم تشتاق إلي يا صغيري؟ كانت ديما تقف تتابع ما يحدث وداخلها طاقة غضبٍ قصوى من تلك المتسلطة، خاصةً حينما رأت خوف معاذ الذي نهض يتجه نحوها بخطواتٍ ثقيلة خشيةً من أن تأخذه كما قالت، وقبل أن يصل لها التقطته ديما من رسغه تعانقه تحت أنظارهم وتردف بنبرة شرسة لا تعلم كيف تملكتها وهي تواجهها:

–كيف يشتاق وهو لم يرَ الاشتياق في عينيكِ؟ ليس لكِ صغارٌ هنا وإن أتيتِ لتشعلي حربًا فنحن أهلٌ لها، هيا غادري. تفاجأ ثائر من ردة فعل ديما كما صعقت مارتينا بعدم استيعاب لثوانٍ، ولكن أكثرهم حماسًا كانت علياء التي تآزرها في شراستها هذه، وكذلك أمجد الذي ابتسم داخله لاختيار ابنه المناسب، وأما معاذ فاتخذ من ديما درعًا واقيًا من هذه المجنونة.

التفتت مارتينا تنظر إلى ثائر منتظرة حديثه الذي طال، لذا أرادت أن تخلع ثوب التعقل فأردفت بحقدٍ ظاهر وابتسامة متوعدة: –الحرب لم تشتعل بعد أيتها الفرعونية، لا تأملي أن تأخذي أشياء ليست لكِ، سأسترد منكِ ابني و ـــ زوجي. نطقتها وهي تبدل ملامحها من الحقد للتملك بسرعة عالية كالحرباء واستطردت وعينيها عليه: –لا تنسى ثائر، نحن ما زلنا زوجان ولدي حقوقٌ مثلها، أليس هذا شرعكم؟

–سننفصل مارتينا، وستتنازلين عن معاذ لي، أنتِ لم ولن تصبحي أمًا له. هكذا أجابها بثباتٍ وفخرٍ اكتسبه من ثقة ديما، لتبتسم وتقترب منه ورفعت يدها لتضعها على صدره فابتعد خطوة للخلف، فتوقفت يدها في طريقها لتسحبها بإهانة وتتنفس بقوة، ثم أرادت أن تلقي قنبلة قبل أن تغادر فنطقت بوقاحة واستفزاز جريء: –أوه، يبدو أنك تخشاها ثائر، أتبتعد عن لمساتي الآن ومنذ أيامٍ فقط كانت تشعلك؟ ألم تخبرها عن ليلتنا آنذاك حينما كنت بين يداي؟

من المؤكد لن تستطيع الحصول على مثيلها منها، فأنا مميزة وأنت تعلم. تركت ديما معاذ جانبًا وتحركت لتقف أمام ثائر وقبالتها، تكتفت تبتسم وتجيبها بثقة عالية وثبات: –لن تفلح معي ألاعيبك الحمقاء هذه، خذي ما جئتِ به أيتها الطفلة الغبية وغادري، هيــــــا.

نطقتها وصفعت الباب بعدها ووقفت تتنفس بقوة تحاول تجاوز ما تشعر به وإطفاء تلك النيران المشتعلة، لا تنكر أن كلمات تلك المارتينا تلاعبت بها وعليها أن تتأكد، لذا التفتت تواجهه فتطلع عليها بفخرٍ كبير وابتسم لها بحبٍ أكبر، ولكن مخاوفه تضاعفت وأحماله زادت بمجيء توماس ومارتينا ودخولها عالمًا مختلفًا لا يشبه عالمها كاختلاف الليل والنهار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...