الفصل 14 | من 41 فصل

رواية بحر ثائر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية العربي

المشاهدات
24
كلمة
5,372
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 34%
حجم الخط: 18

بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لقد علم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين، اللهم كن لهم عوناً. اللهم إنا لا نملك لغزة وفلسطين إلا الدعاء. وماذا لو التقينا وأشرقت الشمس على غير العادة وتألقت النجمات... على غير العادة ماذا لو التقينا فجأة على غير العادة ماذا لو في اللقاء فر النبض منك إلي ومني إليك ......

ماذا لو التقينا.... ماذا لو تعانقنا... وانتهى اللقاء.... بوعد باللقاء... بعد ثلاثة شهور أخرى ها هو حلمها يركض على هيئة كتب وحفيف الأوراق يطرب الآذان أثناء تمريرها على شريط آلة الطباعة. يتم نسخ الطبعة الثالثة لكتابها الأول (رحلة قائدها الأمل) بعد أن تم بيع الطبعتين الأولى والثانية في وقت قياسي. وأخيراً احتضنها الحظ وربتت على خاطرها السعادة، سعيدة بأول إنجاز حققته لنفسها، راضية تماماً عما كتبته في كتابها.

ولم تنكر مساعدات بسمة لها حيث أنها تكفلت بالإعلانات، رغم عن ديما التي رفضت. نُشر كتابها في مصر والدول العربية ونال إعجاب الكثير من السيدات، خاصة وأن القصة المسرودة بداخله لمست قلوبهن ومشاعرهن. وتساءلن كيف لكاتبة أن تتقن براعة وصف إحساسهن الذي يعشنه؟ طالبوا برؤيتها، لذا قررت الدار عقد ندوة ودعوتها لحضورها مع غيرها من الكتاب، ولكنها كانت الأبرز من بينهم.

تجاور شقيقها الذي يقود بسعادة وكأنها ابنته التي يأخذها لحفل تخرجها، سعيد بما وصلت إليه، يشعر بالفخر بها ولها. التفت يحدق بها حينما وجدها شاردة تفرك كفيها بتوتر، فسألها وهو يعاود النظر للطريق: "إيه يا دمدومة متوترة ليه كدة؟ أنا معاكي أهو، وبعدين هنحضر الندوة وتقولي كلمتك وخلاص كدة؟ عايزك تكوني واثقة من نفسك وراسك مرفوعة لفوق." زفرت بقوة والتفتت تطالعه بابتسامتها وتجيبه بتوتر:

"أنا فعلاً متوترة أوي يا داغر، خايفة لساني يتعوج واغلط في الكلام، أكيد كلهم هنا كتاب مشهورين وحضروا ندوات ومعارض كتير ومتعودين على الظهور على المسرح، بس أنا لأ." أردف بثقة مغلفة بالتشجيع يؤكد: "بس أنا بقى واثق إنك هتقدري تقولي كلمتك زي ما قدرتي تسردي حكايتك بالطريقة اللي أبهرت الناس كلها، يابنتي إنت مش شايفة اللي قصتك عملته؟

دي قالبة الدنيا حرفياً، وخلّيتي واحد زيي مش بيحب يقرأ قرأها وأعجب بيها جداً وكان نفسي أدخل آخد البطلة في حضني." ضحكت برضا وقالت بعدما انقشع توترها من تحفيزه: "هو أي حضن والسلام؟ أومأ يستطرد بمرح: "ياستي سبيني أتخيل، يعني هيبقى لا واقع ولا خيال! التفتت تحدق به وتساءلت بخبث مقنّع: "طب ما نخليه واقع يا داغر؟ مش كفاية عزوبية كدة وتخطب بقى؟ ابتلع لعابه وقطب جبينه يردف بادعاء استعطافي: "أخطب إيه بس يا ديما؟

مين دي اللي تقبل بواحد زيي." "بسمة." نطقتها بدون أي مقدمات وبنظرات ثاقبة نحوه اخترقت دهشته حينما التفت لها، فرفعت حاجبيها وحدقت به تستطرد باستطلاع: "ما تلفش وتدور عليا علشان أنا فاهماك كويس، إنت معجب ببسمة." عاد ينظر أمامه ويزفر بقوة ثم صمت لهنيهة لتسترسل هي: "مش بتصارحها ليه يا داغر؟ قلقان من إيه؟ كيف يصارحها بشيء لم يتقبله بعد؟ كيف له أن يتجاوز الفروقات والطبقات بينهما؟

ماذا إن رفضته لأسباب يدركها ويعلم أنها غير متكافئة؟ أردف بملامح باردة بعدما دخل قوقعة الكتمان: "شكلك كدة اندمجتي في الروايات يا ديما، بسمة إيه بس يابنتي دي واحدة أكبر مني وكمان غنية وأنا عندي فوبيا من الفلوس وانتِ عارفة، أنا باخدها باليمين بصرفها بالشمال يا ديما، المهم اللي حواليا يكونوا مبسوطين."

صمت يترقب ردة فعلها على كلماته ولكنه خشي أن يلتفت لها كي لا تكذبه عيناه، لذا ظل يقود ليجدها صامتة تنتظر هي ردة فعله، حيث أنها تعلمه جيداً، لذا استرسل يخفي سره: "أنا عايز واحدة بنت حلال وحنينة وبتضحك على طول زيك كدة وتكون اصغر مني بكام سنة تدلعني وادلعها وتكون من مستوايا يا ديما، أنا مش عايز واحدة تيجي في يوم تتكبر عليا أو تقولي انت وانت، مش هتحمل أنا الحوارات دي."

كلماته واقعية تميل إلى المنطق، لذا استسلمت لها، ولكنها تدرك جيداً أن وراء جبل هذه الكلمات مدينة مشاعر خضراء لم يكتشفها أحد بعد، لم يعترف لها آنذاك حينما كاد أن يعترف، بل أنه سرد لها قصة عائلتها وخاصة ماجد الذي لم يرتح له، لكنه أبقى مشاعره طي الكتمان. زفرت بقوة وأردفت داعية: "ربنا يرزقك بالزوجة اللي يختارها قلبك يا داغر، إنت تستاهل أحسن واحدة في الدنيا كلها، ده كفاية حنيتك علينا." توقف أمام المكان المنشود

وأردف وهو يستعد للنزول: "طب يالا علشان وصلنا." صافرات الأجهزة نبهت من في الجوار على استيقاظ المريض الذي دامت غيبوبته لأشهر. غادر وتركته غارقاً في دمائه، وبصعوبة بالغة استطاع طلب الإسعاف قبل أن يفقد الوعي، ولكن تطلب وصول الإسعاف إليه وقتاً طويلاً، لذا فكان على وشك الموت، وبرغم أنهم أسعفوه في اللحظات الأخيرة، إلا أنه لم يستيقظ ودخل في غيبوبة طويلة.

نظر حوله بعيون واهنة وملامح ذابلة وجسد هزيل، ليأتيه الطبيب ويفحصه بعناية تحت أنظاره وعقله الذي يحاول الاستيعاب، ليتحدث الطبيب بابتسامة قائلاً: "هيا يا رجل لقد نمت كثيراً." ازدرد لعابه وأسبل جفنيه يهس بنبرة واهنة: "منذ متى وأنا هنا؟ تنهد الطبيب وأجابه: "منذ ثلاثة شهور، إصابتك كانت خطيرة وبصعوبة استطعنا إنقاذك، هل تتذكر شيئاً؟

صمت لبرهة يستعيد عقله ما حدث، ليمر من أمامه كل شيء، لم ينس أي تفصيلة حتى في غيبوبته، وكأن عقله كان ينتظر العودة لينتقم، لذا هز رأسه ببطء يردف بنبرة معتادة: "نعم، مارتينا ارتوا، هي الفاعلة." حدجه الطبيب بنظرة متفحصة لثوانٍ، ثم أشار إلى الممرضة التي تجاوره وقال: "أبلغي الشرطة في الحال."

أسرعت الممرضة تفعل مثلما قال، منذ إصابته والشرطة تتحرى عن الفاعل ولم تصل لشيء، حتى تسجيلات الكاميرات لم تجدها في ذلك المنزل، الفاعل ليس سارق وسلاح الجريمة ليس له وجود، لذا فكان عليهم انتظاره ليستيقظ. وها هو يفعل، يعلم جيداً نفوذ صديقه، لذا أخفى تسجيلات الكاميرات بعيداً ليتحكم بها، خاصة حينما ظن أنه سيتخلص منها آنذاك. يجلس في مكتبه يتابع بعض تفاصيل النشر الجديدة.

هالة الغموض والهيبة التي تحيطه تجعله محط أنظار حتى لأولئك اللاتي يعملن معه، ولكنهن يبتعدن عنه حيطةً من جنون مارتينا الذي وصل إليهن عن طريق الأقاويل المتناقلة. رن هاتف مكتبه فالتقطه دون أن يحيد بأنظاره عن عمله يجيب: "ألو؟ جاءه الرد بنبرة رصينة متقنة للفرنسية، ولكن ناطقها عربي حيث قال: "مرحباً سيد ثائر، معك حسين من دولة الإمارات، هل يمكنني استعارة وقتك لثوانٍ؟ ولاه انتباهه وترك ما في يده يلتفت بمقعده ويردف بترقب:

"أسمعك، تفضل." أجابه حسين بنبرة رسمية: "تعلم أن مؤتمر الشارقة الأدبي للقراءة سيقام بعد أسبوع ويشرفنا حضورك كثيراً، وهذا بناءً على طلب القراء، سيكون من دواعي سرورنا قبول الدعوة لتسرد للشباب قليلاً من خبراتك في مجال الأدب." شرد يفكر لبرهة من الوقت، لا يجب أن يأخذ قراراً كهذا دون اتخاذ الحيطة، ثوانٍ مرت حتى ظن المتصل أنه لن يجيبه، لذا عاد يتساءل بتوتر: "سيد ثائر هل أنت معي؟ "نعم معك." زفر بقوة ثم استرسل برصانة:

"حسناً دعني أفكر في الأمر وسأبلغك قراري." "حسناً كما تريد ولكن نتمنى حضورك، وسأنتظر اتصالك بالتأكيد." أغلق ثائر معه وعاد إلى عمله وبدأ يفكر في الأمر، منذ اثنا عشر عاماً لم يغادر حدود فرنسا قط، يتجول في مدنها ولكنه لا يستطيع مغادرتها، فهل يمكنه السفر إلى الإمارات؟ حن للأمر سريعاً وتمنى لو أنه حضر ذلك المؤتمر ولتجمعه صدفة مع شقيقه، أي صدفة.

بعد أن أخبرته يسرا بما حدث مع تلك الفتاة وهما يلتزمان حدودهما، ولكنهما عاطفيان للدرجة التي جعلتهما يساعدانها، خاصة وأنها دلفت في شهرها الثامن واشتد الحمل عليها. لترضخ يسرا لنداء قلبها وتقرر مساعدتها مع أخذ الحيطة ووافقها دياب في ذلك. وها هي تساندها بعدما عادتا من عند الطبيب الذي طلب منها الراحة التامة خلال هذين الشهرين.

أدخلتها شقتها واتجهت تجلسها لتزفر رحمة بقوة ولم تعد تستطيع التحمل لذا بكت من شدة الألم ورفعت نظرها إلى يسرا التي تطالعها بقلة حيلة لتردف: -مش قادرة يا يسرا، حاسة إني هموت. جلست قبالتها وحاولت طمأنتها ومدت يدها تمسك بكفها قائلة بنبرة تبث فيها الأمل: -وحدي الله بس يا رحمة وبلاش الكلام السلبي ده، كل ده بسبب تعب الحمل وبإذن الله أول ما تولدي هترتاحي.

تنفست بعمق وحاولت التمدد قليلاً لتنهض يسرا وتنظر في ساعتها حيث قارب دياب على العودة لذا استطردت: -خليني أعملك حاجة تاكليها وأروح عشان دياب قرب يرجع. أومأت لها فتحركت نحو المطبخ لتحضر لها طعامًا سريعًا وتمددت الأخرى على الأريكة تستدعي الراحة ولم تفكر في شيء سوى حالتها. ربما التعب تولى سيطرته على أفكارها لذا قررت أن تلد وترى ماذا ستفعل في حياتها البائسة هذه. ***

جلست ليلى في غرفتها تستعيد ذكرى صباح اليوم وكيف وقفت بين المعجبات والكتّاب تحاول مواكبة حديثهم بابتسامتها الودودة. تتذكر كلمتها التي ألقتها أمامهم ولولا وجود داغر وتشجيعه لكانت تلعثمت بكل تأكيد، كانت شاردة تملس على خصلات صغيرتها التي قررت النوم في حضنها الليلة. في يدها الأخرى كتاب تقرأه وبالطبع كان عن كاتبها المفضل والبغيض في آن واحد (ثائر ذو الفقار) لدرجة أنها ظنت أنهما شخصان ولا يمكن أن يكون شخصًا واحدًا.

حينما تقرأ كتبه يلمس روحها ليكون مفضلها وحينما ترى منشوراته تبغضه ليكون عدوها. انتبهت لصوت رسالة عبر الهاتف فأغلقت الكتاب تضعه جانبًا وهي تبتسم ثم استلت هاتفها تنظر إليه وقد صدق حدسها حينما وجدتها ليان تلك الصديقة الخليجية. كانت مكالمة مرئية حيث اعتادت محادثتها بعد أن توطدت علاقتهما كثيرًا في الآونة الأخيرة واستطاعت ليان أن تحتل قلب ديما بعفويتها وجمال روحها وتعهدت بأن تزور مصر في أقرب وقت لتراها.

ضغطت ديما تبتسم لها وتجيبها بهدوء حتى لا يستيقظ صغيراها: -إيه اللي مصحيكي دلوقتي يا لينو؟ كانت نظرات الحيرة والترقب والقلق مرتسمة جميعها على تقاسيم وجه ليان لتنكمش ملامح ديما على أثرها وتتساءل بريبة: -فيه إيه يا ليان مالك؟ طنط كويسة؟ أومأت لها بملامح قلقة لتنطق بحذر اختلط بالسعادة: -ديما أنا سويت شي، بس أعطيني الأمان. -عملتي إيه يا ليان؟ قولي؟ نطقتها ديما وقد تعالت أنفاسها لتنطق ليان بسعادة لم تستطع حجبها:

-إنتِ لازم تيجين الإمارت كمان أسبوع. -نعم؟ آجي الإمارات ازاي؟ سألتها ديما بصدمة فازدرت ريقها واسترسلت موضحة:

-طبعًا تعرفين إن أخو زوجي هو المنظم لمؤتمر الشارقة الأدبي، وإنتِ رفضتي أقدمِك لهم بس أنا قدمت اسمِك في ترشيحات القراء واشتريت روايتِك وعطيتها لاخو زوجي يشوفها ويقيمها بنفسه وبصراحة أهو طلب مني اتواصل معاج وابلغج انج مدعوة للمؤتمر خصوصًا إنج أخدتي المركز الخمسة وعشرين بتصويت القراء من ضمن أفضل 50 كاتب عربي للعام، هم كانوا راح يكلمونج بس أنا طلبت منه أكلمج بنفسي واشرحلج اللي صار علشان لا تزعلين مني.

نظرت لها ببلاهة كأنها لم تسمع ما قالته وأردفت بعدم استيعاب: -مافهمتش حاجة؟ يعني إيه؟ صاحت ليان بجدية وقد تخلت عن حذرها: -أقولج إنج لازم بعد أسبوع تكونين هني في الشارجة يا ديما، يعني يا دوب تحضرين نفسج. -مستحيل، مستحيل يا ليان ماينفعش خالص، إمارات إيه بس مش هعرف، أولادي واخويا و... حاجات كتير أوي، لاء مش هعرف خالص. زفرت ليان بانزعاج منها واستطردت بتروٍ:

-يا ديما يا حبيبتي الله يهديج، الموضوع كله أسبوع وبس، ماكو حتى رفاهية إنج تقعدين وياي لحين ينتهي المعرض، راح تيجين تحضرين المؤتمر واليوم الثاني حفلة توقيع لقرائج والباقي لي بروحي، أبغى أدور وياج الإمارات إمارة إمارة، بالله انج توافقين. نظرت لصغيريها ثم عادت تنظر إلى ليان المجنونة وتفكر كيف يمكنها أن تقبل بهذا الأمر ولكن... هذه فرصة لن تعوض، هي لم تكن تتوقع أن يغمرها ربها بهذا الكم من الكرم والعطاء.

ستذهب ليكرموها وتتوسع دائرة قراءها بشكل أكبر، فرصة لا تحدث مع غيرها بنسبة 1% حتى لذا... أخذت نفسًا قويًا وعادت تنظر إلي ليان وتزدرد ريقها لتحاول ليان إقناعها بطريقة أخرى خاصة وأنها تدرك أحلامها وطموحاتها:

-ديما هذي فرصة ممتازة، الأولاد اتكلمي معاهم وأكيد خالة منال راح تاخذ بالها منهم، ثلاث أيام بس يا ديما، قصتج تستاهل وايد وإنتِ خابرة إنها أثرت فيا وذكرتني بوجع أمي، وبعدين فيه بعد جايزة مالية تقدرين تبدئين فيها مشوارج اللي قولتي عليه، يالا ديما قولي إيه. ها هي المغريات تتراقص أمامها، شهرة وجائزة وحب أناس بدون سعي منها لذا تنهدت بعمق ثم أردفت بحيرة ممتزجة بالسرور: -طيب خليني اتكلم مع ماما وداغر يا ليان وبعدين هكلمك.

أومأت لها مسترسلة: -تمام كلميهم وأنا متأكدة إنهم ما راح يعترضون. *** من قبل كان يعاني كمن آلمه ضرسه فقرر أن يلكمه ويسقطه بدلًا من إصلاحه ظن أنه سيزرع مكانه آخر يحقق له المعادلة الكاملة ولكن ما حدث معه كان العكس فالألم الذي نتج عن أفعاله لم يكن يتوقعه بل أنه انتشر في محيطه بالكامل وأصبح الكمال الذي يتمناه هو كمال معاكس.

إهانة وتسلط وتبجح جعلوه يشعر بأنه لا شيء، وكلما حاول كسب سلطته هاجت وصاحت هادمة فوق رأسه أي سلطة خاصة بعدما حملت وأتقنت دور المدللة بل أنها تنتشل الدلال بالقوة ولم يستطع الاعتراض. جلست على المائدة تفرد ظهرها شاعرة بالتخمة بعدما تناولت وجبتها الدسمة ونهض يجمع الأطباق ويتجه بها نحو المطبخ بنزق وتأفأف لا يلفظه أمامها، يقنع نفسه أنها ستلد ويعود كل شيء لمجراه، هو فقط يساعدها قليلًا وهذا أمر يعتبره جيدًا أو يقنع نفسه بذلك.

عادت ديما تحتل عقله، لقد رأى نجاحها وشهرتها وحديث الناس عنها وهذا يشعله أكثر وأكثر، حصلت على أشياء لا تستحقها، هو من يستحق الخير وليس هي، هو الضحية هنا فكيف تنقلب الأمور؟ ليلازمه سؤالًا يتكرر دومًا على عقله، هل كان عليه اختيار زوجة أفضل؟

ربما معاناته مع ديما جعلت عقله يسارع في البحث ليتعثر في زينة وها هو يجني نتيجة تسرعه أما هي فمن المؤكد تنتظرها أيام الانتقام، يجب أن تعاني من بعده لتدرك أنه كان نعمة في حياتها وسينتظر هذه المعاناة عما قريب. ***

استيقظت باكرًا لتتحدث مع شقيقها قبل ذهابه لعمله، طوال ليلها تفكر في العرض الذي تحدث عنه ليان من قبل ولكنها ظنته حلمًا صعب المنال حتى أنها أخبرت داغر بذلك والآن بعدما أصبح حقيقة باتت متلهفة عليه لذا تحمست لمعرفة رأي داغر ومنال. جلست بينهما وأردفت بترقب وابتهاج:

-ليان صاحبتي اتكلمت معايا بليل وقالت إن جالي دعوة لحضور مؤتمر الشارقة الأدبي وده طبعًا لإن أخو جوزها هو اللي بينظمه، وطلبت مني أسافر الإمارات خلال أسبوع أحضر المؤتمر وارجع علطول، السفر هيكون كام يوم بس. السعادة التي تفشت على ملامحهما جعلتها تتنفس بارتياح وتسكنها البهجة ليتحدث داغر بفرحة وقلق ممتزجان:

-بسم الله ماشاء الله، أنا فخور بيكِ جدًا وعارف إنك تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا، بس موضوع السفر ده جه فاجأة كده، هتسافري إزاي؟ نظر لوالدته كأنه يسألها لتبتسم له بسعادة وتجيبه بسرور: -هتدبر، تسافر وإيه يعني ده السفر للإمارات بقى أسهل من شرم دلوقتي. التفتت تنظر لابنتها واسترسلت بابتهاج: -سافري يا حبيبتي واحضري المؤتمر وحققي أحلامك كلها، اوعي تضيعي أي فرصة تجيلك، ربنا يقدملك كل السعادة اللي في الدنيا.

ابتسامة سطعت منها ثم نهضت تخطو نحو والدتها وتعانقها بقوة لتبادلها الأولى بحنان بالغ وسعادة جعلت داغر يردف بمرح مبطن بالجبر: -اللا لا لا لا لا لا، دانا اتركنت ع الرف بقى. ابتعدت ديما تضحك واتجهت تعانقه فوقف يبادلها بل حملها لترتفع قدميها فضحكت أكثر قائلة بحرج: -لا يا داغر نزلني تقيلة عليك. أنزلها بالفعل وأردف بنبرة استفزازية محاطة بالسعادة: -أيوة فعلا تقيلة وأنا صحتي على أدي. لكمته بخفة فابتسم وتنهد

بارتياح ثم استرسل بجدية: -طيب لو كدة بقى البسي وتعالي معايا نجهز أوراق السفر، الوقت قليل. نظرت لوالدتها التي أومأت لها ولكنها عبست تردف بحيرة: -والولاد؟ تحدثت منال مطمئنة: -الولاد معانا طبعًا، هتقلقي عليهم معايا ولا إيه؟ هزت رأسها بلا وزفرت بعمق وعادت تفكر كيف ستتركهما لينتشلها داغر من تساؤلاتها: -روحي بس البسي يالا يا ديما مافيش وقت. أطاعته وتحركت تبدل ثيابها لتبدأ في إجراءات السفر. ***

استيقظت على نداء والدها المتكرر حيث ينتظرها في الخارج أفراد من الشرطة الذين أتوا للقبض عليها بعدما تبين لهم أنها من حاولت قتل توماس أور ليان وظهر ذلك من خلال تسجيلات الكاميرات التي قدمها المدعي بعدما أخبر أحد رجاله أن يحضرها. نهضت بفزع حينما أخبرها والدها بوجودهم في الأسفل لتصيح بتبجح: -أي شرطة؟ هل جُن هؤلاء؟ أنا لم أقتل أحدًا. كشر عن أنيابه وهو يقبض على معصمها ويردف بغضب عاصف:

-أيتها الغبية، لم لم تخبريني أنكِ من فعلتيها؟ ماذا سأفعل الآن؟ حاولت نزع يدها من قبضته وتلوت تردف باندفاع: -أترك يدي، أنا لم أفعل شيئًا. ترك يدها ونفس عن غضبه واستطرد بغيظ من تهورها الدائم: -حسنًا، أبدلي ثيابكِ ولنذهب ونرى ماذا لديهم.

تحرك يغادر وتركها تقف تطالع أثره بغضب وقلق مما يحدث. لقد ظنت أنها فعلتها وستنجو، خاصة بعدما أخفت السلاح ودلف في غيبوبة لم تتوقع أن يستيقظ منها. ولكن يبدو أن ذلك التوماس بسبع أرواح وعاد لينتقم، وسينكشف أمره معه للعلن ولثائر. *** مر الأسبوع في تجهيزات الأوراق الخاصة بها، وها هي تقف على أعتاب المطار تودع داغر ودينا اللذان أتيا لتوصيلها، بينما صغارها في المنزل مع منال التي ظلت تطمئنها عليهما طوال الأسبوع.

اتجهت تؤدي الإجراءات ثم جلست تنتظر موعد الطائرة، ونبضات قلبها تعزف لحناً من السعادة التي ودت لو يسمعها كل من في المطار. حتى هذه اللحظة لا تستوعب كم الكرم الذي تتنعم به، لدرجة جعلتها تخاف وتخشى من القادم، لتعود سريعاً وتتسلح بالأمل والتفاؤل. *** في الإمارات، كان قد وصل ثائر الذي قرر الذهاب، خاصة بعد القبض على مارتينا. خرج من المطار حيث كان في استقباله حسين وشابان آخران يرحبان به بحفاوة بالغة، ليردف الأول بترقب:

-شكراً لحضورك أستاذ ثائر. الحين راح نروح الفندق وباجر إن شاء الله راح يبدأ المؤتمر الساعة تسعة. تحب كلمتك تكون الافتتاحية ولا في الختام؟ تحدث بثبات وهيبة: -أفضلها الختامية. استقل ثائر السيارة وجاوره حسين والشابان في الأمام، ليسترسل موضحاً برصانة: -لنعطي الأولوية للمواهب الجديدة. أومأ حسين يردف بطاعة: -حسناً، كما تريد. ***

منذ أسبوع يحاول والدها إخراجها بشتى الطرق، ولكن باءت جميع محاولاته بالفشل، حيث أن دليل توماس كان قوياً جداً مما لم يترك مجالاً للشك، لذا كان عليه أن يرضخ للقانون. جلس حزيناً على ابنته، لأول مرة يكون عاجزاً عن إنقاذها، لذا صب اهتمامه على حفيده معاذ بعدما أوصاه ثائر عليه، حيث أخبره بدعوته لحضور ذلك المؤتمر. وبرغم كرهه لثائر، إلا أنه يحب حفيده كثيراً، لذا قرر أن ينشغل معه إلى أن يجد حلاً أو يساوم توماس ليتنازل.

وبالفعل حاول الوصول إليه، ولكن الآخر تسلح برجاله ولم يسمح لأحد أن يساومه على شيء. يكفيه أنه لن يقتلها، بل سيجعلها تتحسر على حياتها وهي في السجن. *** بعد ساعات، وصلت ديما إلى المطار حيث استقبلتها ليان تشير لها بتفاعل حماسي وصل لذروته، لذا أسرعت نحوها تحتضنها ولم تبال بزوجها الذي يقهقه عليها. بادلتها ديما العناق ورحبت بها، وتحركتا سوياً نحو زوجها الذي رحب بوقار، ثم اتجهت معهما تستقل سيارتهما. جلست ليان معها

في الخلف تترجاها بتلقائية: -ديما بليز تعالي عندي، بلاش الفندق بليز. تنهدت ديما وأردفت موضحة بهدوء: -معلش صدقيني مش هكون مرتاحة يا لينو، وبعدين إنتِ قولتي الفندق قريب من بيتك صح؟ أومأت لها ليان باستسلام واسترسلت موضحة: -أيوة قريب جداً، بس معقول تيجين الشارقة وما تقعدين وياي؟ هو أنا كنت اتخيل؟ مدت ديما يدها تربت على كفها وتسترسل بهدوء: -معلش تتعوض إن شاء الله.

قاد زوج ليان حتى وصل إلى الفندق، وصعدت ديما مع ليان إلى الغرفة التي تم حجزها لها، ثم عادتا سوياً إلى الأسفل حيث سيتناولوا الغداء في أحد المطاعم. *** لم يدرك أي منهما أن الآخر يقطن جواره، في ذات الفندق، وفي الطابق نفسه. بينهما فقط عدة غرف. قضت ديما اليوم مع ليان التي عبرت فيه عن سعادتها بوجودها، ثم تركتها لترتاح وستعود لها صباحاً، لتجلس بعدها تتحدث إلى عائلتها وصغيريها بسعادة تحاول أن تقتنصها عنوة.

أما ثائر، فقد استعد للنزول حتى يحتسي كوباً من القهوة في ذلك الكافيه الذي رآه من شرفة غرفته. لأول مرة منذ اثنا عشر عاماً يشعر أنه طليق الإرادة، يفعل شيئاً لنفسه، قريباً من رؤية أفراد عائلته الذين اشتاق لهم حتى جف الشوق في قلبه وتصحر. *** في اليوم التالي، استعد الكتاب والقراء والمنظمون لبدء المؤتمر الحاشد الذي يقام كل عام، يأتيه الناس من كل حدب وصوب.

مؤتمر أدبي يتمنى أبرز الشخصيات الأدبية التواجد به ودعوتهم إليه، لتكون ديما صاحبة الحظ بحضوره، وكأن الله أرسل لها الدعوة كتعويض عما حدث معها من صدمة نفسية أخيرة كادت أن تصيبها بجلطة. أتت مع ليان وزوجها الذي تواصل مع شقيقه يخبره بوجود ديما الصابر معهما ويوصيه بها. على الجهة الأخرى، اصطحب حسين ثائر وقد وصل حماسه إلى ذروته، حيث تحدث باحترام: -أستاذ ثائر اتفضل وياي علشان نرحب بيك ترحيب حار أمام جمهورك.

بنبرة ثابتة غامضة مهيبة أردف وهو يضع كفيه في جيبي المعطف الخاص به ويرتدي نظارة تحجب عينيه عن الجميع، حيث لا يعلم أحد بحضوره بعد وهذا حسب رغبته: -الأفضل أن أكون في الآخر زي ما اتفقنا، خليني اقعد وسطهم من غير ما يعرفوا واتابع الأول، كدة أفضل بالنسبالي. تعجب حسين من رغبته في ذلك وتساءل: -بس حضرتك ضيف الشرف! أجابه بثقة عالية يوضح:

-علشان كدة خليهم مايحسوش بوجودي، خليهم يعبروا بأريحية وأنا هتابع، عايز أشوف المواهب الأدبية الجديدة. برغم أن هذه لم تكن الخطة التي وضعوها لاستقباله، ولكنه أومأ يردف باحترام: -تمام زي ماتحب، اتفضل. اتجه معه حيث المسرح، ثم تحرك بمفرده يجلس في الصف الثاني بين الحضور، منتظراً بدء المؤتمر لتأتي ديما بعد دقائق ومعها ليان وزوجها وشقيقه الذي رحب بها وأخبرها أنها أول من ستلقي كلمتها فلتستعد.

وهذا جعلها تتوتر أكثر وتحاول تنظيم ما نوت قوله في عقلها، وليان تدعمها وتضخ بها ثقتها، لتتجه تجلس في الصف الأمامي وتحديداً في المقعد الأمامي ليصبح ثائر خلفها مباشرة. جلست وجاورتها ليان تحاول تهدأتها، حيث شعرت بتوترها لتنطق: -اهدي يا ديما، إيدج باردة وايد، ليش كل هذا؟ نظرت لها نظرة متوترة واستطردت برهبة من الجموع: -أنا فعلاً اتوترت جداً وحاسة إني هعك الدنيا، شوفي الناس أد إيه؟ أنا هقف قدامهم واقول كلمتي إزاي بس؟

خجولة ومحرجة ومتوترة، وهذا ليس عدم ثقة في ذاتها، بل رهبة من الموقف برمته وخشية من أن تفسد الأمر، لذا استمرت بقول الأذكار وقراءة القرآن. بدأ المؤتمر وبدأت فقراته وتقديم الأعمال الأدبية في كافة المجالات.

بدأ العرض الرائع والذي قدمه أطفال صغار من جميع البلاد العربية وهم يلقون شعراً عن الشرق الأوسط، وكل منهم يتغزل في بلده، واستطاع العرض انتشال التوتر من ديما التي كانت تنظر لهم وتتخيل طفليها وتبتسم. فصاحة لغتهم وسلاسة كلماتهم جعلتها تحفز نفسها وتهمس داخلها: (لقد فعلها الصغار يا ديما هيا لا تكوني جبانة) انتهى العرض بعد دقائق، ووقف مقدم الحفل في منتصف المسرح خلف الطاولة المعدة يردف بنبرة عالية رتيبة:

-أهلاً وسهلاً بكم في مؤتمر الشارقة للقراءة، تشرفنا بحضوركم ككتاب وقراء. تم التصفيق الحار ليتابع المقدم بعدها موضحاً:

-لقد حرص القائمين على المؤتمر اختيار أبرز وأفضل القصص التي أضافت شيئاً للمجتمع وبعثت الأمل فيه، وبتوظيف هيئة مختصة من المراجعين والمدققين استطعنا اختيار عدد هائل من الأعمال التي تم ترشيحها لنا، وتذكروا أننا لا نختار الأكثر إثارة ولكننا نختار الأفضل والأهدف، ولهذا نود أن نرحب معنا بالنخبة الرائعة من كتابنا الكرام حول الوطن العربي، ولنبدأ من أم الدنيا مصر، البلد الذي حصلت على أعلى نسبة قراءة، والبلد الذي عرفت بالحضارة

والسلام والثقافة على مدار سنوات. علمتنا الكثير وصدرت لنا الأدب كما يجب أن يكون قديماً كان مثال الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي رحمه الله، وحديثاً كالشخصيات البارزة الذين أتوا بيننا الآن، ومن بينهم كاتبة شابة وأم مصرية استطاعت من خلال قصتها الأولى أن ترسل رسالة مشفرة إلى المرأة العربية، ليحصل كتابها على اهتمام بلغ صداه حول العالم العربي في فترة وجيزة جداً، ولتكن هذه معجزة العصر والتي سنتحدث عنها معها الآن، لذا دعونا

نرحب بالكاتبة الشابة الأستاذة / ديما الصابر عن روايتها

(رحلة قائدها الأمل) تهاوى قلبها أرضاً ثم ارتفع لحلقها في أقل من ثانية وهي تنهض وسط تصفيق الجميع وتخطو بتشجيع من ليان، ولكنها شاحبة تشعر بالسقوط الحتمي وتمنت في هذه اللحظة لو لم تأتِ أبداً، ولكن هناك شيئاً داخلها دفعها لتتقدم. ألم وقهر وعذاب سنوات دفعوها للأمام وشجعوها لترفع رأسها وتخطو نحو المسرح وألا تنحني مجدداً.

ذكريات مرت كشهب على سماء عقلها ألهمتها ألا تنصر عليها عدواً وتفرح فيها خائناً وألا تهاب شيئاً، فالذي أوصلها إلى هنا سيقف معها للنهاية، لذا همست داخلها: (يارب ساعدني يارب، ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل العقدة من لساني يفقهوا قولي)

لم يمر اسمها مرور الكرام عليه، علق في ذهنه، ديما الصابر، امرأة السلام. لم تفلت من ذاكرته منذ ذلك الوقت، لذا تسلطت عينيه عليها وهي تخطو نحو المسرح، وليتسنى له رؤيتها بشكل أدق، رفع يده ينزع نظارته ويتفحصها بتمعن وتركيز. صعدت على المسرح ورحب بها المقدم، ثم أشار لها بالتوجه نحو مكبر الصوت وإلقاء كلمتها وكيف كانت رحلتها ومن ألهمها لكتابة قصتها.

توجهت تبث العزيمة داخلها حتى وقفت تستند على الطاولة وتتنفس بعمق، ثم أشرقت شمسها على الجميع وهي تبتسم وتردف بتوتر تسعى لإخفائه وبلهجتها قالت: -أهلاً وسهلاً بيكم، يسعدني ويشرفني إني أتواجد بينكم النهاردة وفي المؤتمر العظيم ده، وطبعاً كل الشكر والامتنان لترشيحكم ليا ولكتابي (رحلة قائدها الأمل) تحدث المقدم متسائلاً بنبرة رزينة:

-نحن الأسعد بتواجدك بيننا أستاذة ديما والآن حدثينا عن كتابك وقصته وأهدافك داخله ومن ألهمك كتابته؟ وما هي نصيحتك للشباب خاصة الذين يملكون موهبة مثلك؟ تنهدت بحرارة تحاول سحب الأوكسجين بالقدر المستطاع ثم اتجهت أنظارها نحو صديقتها لتجيب ولكن وقعت عينيها عليه.

تجمدت كلياً فأصبحت كالتمثال وهي تمعن النظر في عينيه اللتان تحدقان بها وترسل إليها سهاماً مخترقة ضربتها كصاعقة سقطت عليها من السماء لتهمس من بين شفتيها متناسية أن مكبر الصوت يعمل ولكن لحسن حظها لم يفسر همسها سواه حينما نطقت: -ثائر ذو الفقار. ابتسامة جانبية زينت محياه لتوقن أنه هو، لا لم تتوهم أنه هو، نعم هذه هي الملامح التي تراها على صفحته، هذه نفسها العيون التي يعرضها فيبدو كأنه ينظر لمتابعيه.

طال صمتها فلوحت لها ليان بأن تتحدث قبل أن يلاحظ الحضور الذين بالفعل لاحظوا وتعجبوا.

بحثت عن شيء تلملم به شتات نفسها لتجد منشوراته عن المرأة العربية هي القشة التي تعلقت بها قبل أن تلتهمها أمواج الصمت وصدمة ظهوره وهيبة حضوره لذا أسرعت تبعد أنظارها عنه وتنظر نحو ليان التي تشجعها بيدها ونظراتها وهمساتها لتسرع في التبسم ثم التقطت نفساً قوياً ورفعت رأسها بشموخ وقررت الانتقام، الانتقام منه أولاً ثم من كل رجل استباح قلب ومشاعر امرأة، من كل ذكر خائن ومن كل شبيه رجال يهين ويقسو ويمارس نرجسيته على المرأة التي أعطاها الله حقوقها كاملة فمن هو لينتشلها بأفعاله لذا نطقت بعدما

أعادت عينيها ثقب عينيه:

-رسالتي موجهة للمرأة لإن كتابي المتواضع هو قصة تحاكي الواقع للأسف. حاولت أعبر فيه وأوصف معاناة المرأة العربية المضطهدة بشكل مؤذي جوة العالم العربي وكمان برا. المرأة العربية اللي بالنسبالي هي أساس المجتمع وأساس الأسرة السليمة واسمحولي أعبر بلهجتي أكثر وأقول إن الست في مجتمعنا بتواجه صعوبات وتحديات صعبة جداً. الست اللي شالت دور مش دورها واتحملت عبء مش ليها أصلاً ولكن ده لإنها مالقتش حد يشيله عنها أو اللي شايل الحمل

بيوقعه. مش شايلة صح لإن أساسه مش سليم. الأم اللي بتربي وتعلم وتكبر وبيكون شغلها الشاغل هو مستقبل أولادها. قوية جداً وبرغم كدة بتكون في أمس الحاجة إنها تسمع حتى لو كلمة بسيطة كتعويض عن حمل كبير. كلمة شكراً لوحدها قادرة تخليها تقدم كتير لو اتقالت واتحست لكن للأسف الطرف التاني بيكون أبخل من إنه يقولها أو يحسسها بيها. وأنا هنا بتكلم عن الست السوية والناضجة والعاقلة. الست اللي بتواجه عنصرية المجتمع العربي لإنها ست واللي

بتواجه عنصرية المجتمع الغربي لإنها عربية. كتابي استهدف الطاقة الموجودة داخل كل ست بتواجه عنف نفسي وضغط وقهر وخيانة وبتكمل في الحياة علشان خاطر أولادها ورسالتي ليها أوعي تفكري إنك ضعيفة أو قليلة الحيلة بالعكس. إنتِ مركز القوة نفسها. إنتِ اللي بيتخاف منك. إنتِ اللي عقله المحدود مش قادر يدرك حجم مميزاتك فاضطر يدور على صفات تناسب مقاس إدراكه. إنتِ مش غبية ولا ساذجة ولا عديمة الفايدة زي ما بيحاولوا يوهموكي بده. بس لازم

تبصي حواليكي وتتأكدي كويس هتلاقيه إن الدايرة المظلمة اللي فكرتيها مقفولة حواليكي ليها قبس نور صغير جداً حاولي تنطلقي منه. خرجي طاقتك ومشاعرك بطريقة تحافظي بيها على مكانتك كأنثى وماتقللش من قيمتك وماتعرضكيش للعنف. والحل السلمي اللي بفضله هو الكتابة. اكتبي وعبري عن كل اللي جواكي على الورق. اسردي قصتك واقرئيها. وردود الأفعال اللي ماقدرتيش تاخديها زمان اكتبيها على الورق. ارجعي لكل موقف معلم جواكي وسايب أثر نفسي وثوري

واغضبي بردو على الورق وارجعي تاني الأم المثالية لأولادك واللي بتجاهدي علشان تعلميهم الصح في زمن انتشرت فيه الفتن. اوعي تختاري طريق الاستسلام. والتقليل من مكانتك. أوعي تسيبي مكانك أو تفلتي من شعاع النور اللي بيجذبك للصح وافتكري دايماً إن ربنا سبحانه وتعالى كرمك وإن الإسلام نصرك واداكي حقوق مش هتلاقيها في المجتمعات الغربية نفسها علشان كدة مهما كانت الظروف خليكي قوية قصاد نفسك علشان لما تبصي لنفسك في المراية تفتخري

باللي حققيتيه حتى لو كانت كل انجازاتك في الحياة هي صبرك على ابتلاء بس لازم تعرفي كويس الفرق بين الصبر والذل.

انتهت ليتعالى صوت التصفيق لها ما عدا هو، يتكتف ويحدق بها ولكنها قررت تجاهله. تنفست الصعداء بل وشعرت بالانتصار في حرب استمرت داخلها لسنوات. بعد التصفيق والتصفير الذي صدر من ليان سألها المقدم مجدداً بترقب: -هل يمكننا معرفة من ملهمك للقصة وهل هي قصة واقعية أم من وحي الخيال؟ وخزة هجمت عليها فجأة ولكنها تظاهرت بالثبات خاصة بعد ما قالته لذا نطقت بعيون كاذبة لم يكتشفها غيره وابتسامة أدرك بها مراوغتها:

-واقعية واتكررت قدامي مع حالات كتير جداً علشان كدة حبيت أكتب عن معاناتهم. وطبعاً أنا فخورة إني قدرت أوصل صوتهم وإحساسهم بالشكل ده لإن كان مهم عندي القارئ يشعر بمعاناة الشريحة الكبيرة دي من نساء العرب وطبعاً حاولت أقدم حلول أهمها إننا نربي ولادنا صح بنت أو ولد. نزرع فيهم الأسس صح. نفتخر قدامهم بعروبتنا وهويتنا الإسلامية مش العكس. ماينفعش أبداً نقلل من نفسنا علشان نرضي مجتمع أسسه غلط.

نطقت جملتها الأخيرة وعينيها مسلطة عليه وكأنها ترسل له رسالة ذات مغزى جعلته يبتسم ساخراً ثم عادت تنظر للمقدم وهو يحييها مرة أخرى قبل أن تغادر المسرح ويقدم غيرها. حيته برأسها وابتسامتها ثم تحركت تعود لمكانها ولكنها تفاجأت بعدم وجوده، مقعده خالياً لتوقن أنه رحل. جلست تجاور ليان التي تعبر لها عن انبهارها بأدائها لتندمج معها. أما ثائر فقرر أن يغادر وفي طريقه قابل حسين الذي أوقفه متعجباً وتساءل: -لوين بس؟

والمؤتمر أستاذ ثائر؟! بنبرة هادئة ثابتة أجابه متظاهراً بالمرح: -دعني أنا في يوم الغد. فهناك من خطفت الأنظار مني. ثم أنني شعرت بالصداع المفاجئ. أعذرني. استسلم حسين لرغبته ليغادر بعدها على الفور ولا أحد يدرك أسبابه سواه. بعد ساعات

انتهى المؤتمر وتم تكريمها أمام الأعين والعدسات التي تذيع الخبر لتخبر العالم أن ديما الصابر نجحت في توصيل صوت المرأة المنكوبة وأخرجتها من بئر الظلمات إلى النور دون أن تحاول زعزعة ثواب المجتمع والتشجيع على الطلاق مثلما تفعلن البعض إلا في حالات نادرة... كحالتها. فالطلاق أبغض الحلال لذا يجب أن يكون آخر السبل مسلكاً. صعدت غرفتها بسعادة ليس لها مثيل. صعدت لتشارك أسرتها سعادتها وتهاتفهم مكالمة مرئية تخبرهم بها ما حدث.

وبالفعل هاتفتهم وكم كانوا فخورين بها بشكل جعل ثقتها تتضخم داخلها. منع تواصلها معهم هبوط الأمطار لتغلق معهم وتقف تنظر للمطر من النافذة ولم تستوعب أنها فعلتها. حررت نفسها من الأصفاد التي خنقها بها لسنوات. لمعت عينيها بالدموع فبكت وأصبحت عبراتها تتسابق مع المطر أيهما يسقط أكثر. حررت الضغوطات التي تراكمت داخلها واستطاعت أن تحرث صحراءها مجدداً ببراعم الأمل والفخر.

ازدردت ريقها وقررت أن تحتفل بنفسها مع نفسها وبما أنها في مكان جديد قررت النزول والوقوف تحت المطر لذا أسرعت تفعلها لتسرق من هذه اللحظة نوبة جنون لن تتكرر أبداً. كان في ذلك الوقت يجلس في المقهى الذي زاره بالأمس يحتسي قهوته وينظر للخارج حيث الأمطار تهطل والشارع خالٍ من المارة. أجواء تشبه الأجواء الأوربية التي اعتاد عليها. لا شمس تسطع على قلبه المتلبد فتنعشه. ولا أي دفء.

نزلت واتجهت برغم تحذيرات حارس الفندق بألا تفعل ولكنها ركضت تقف في نصف الشارع أسفل المطر ثم فردت ذراعيها تستقبله بترحاب. تخبره أنها انطلقت ولن يوقفها شيء بعد ذلك. ستفعل المستحيل لأجل صغيريها فقط. ستواجه أي تحديات ليكونا شخصيتان يفتخر بهما الوطن وهذا وعدها لنفسها. كان يجلس في الداخل يرتشف القهوة وفي يده الأخرى نسخة من كتابها (رحلة قائدها الأمل) الذي اشتراه قبل أن يغادر المعرض وقرر قراءته ليعلم هوية من أمامه جيداً.

القلم لا يخطئ أبداً. يمكنك نشر الأكاذيب والإشاعات والفتن بمنشورات عابرة ولكن يستحيل أن تكتب قصة كاملة عن شيء لا ينتمي لك. لا يشبهك. لا يعبر عنك. وصل للصفحة العشرين ولكنه تفاجأ باستعانتها ببعض أقواله التي حاولت صياغتها بشكل مختلف ولكن أهل مكة أدرى بشعابها. يدرك جيداً مقولاته.

سمع همهمات شتتت عقله عن القراءة فرفع بصره ينظر لمصدر الصوت ليتفاجأ بمن في المكان ينظرون نحو الخارج ويتعجبون من شيء ما لفت انتباههم لذا التفت يحدق من النافذة المجاورة ليتفاجأ بها تقف تدور حول نفسها أسفل المياه التي توغلت إليها. ظل يحدق بها لبرهة ثم قرر أن يذهب إليها. من المؤكد ستمرض بعد فعلتها هذه.

خرج من المطعم يخلع معطفه ويتجه نحوها ثم رفعه يحاوط به كتفيها بصمتٍ تام فانتفضت على إثر حركته والتفتت وهي تحتضن المعطف بيديها كي لا يسقط وأردفت مبتسمة: -شكراً. أنهتها مع صدمتها به. وقفا اثنانهما أسفل المطر ينظران لبعضهما لهنيهة فقد كانا قريبان جداً لدرجة أنهما رأيا انعكاس صورتهما في أعين بعضهما. عادت تهمس بعدم تصديق وهي تراه الآن أمامها بوضوح تام وبملامح وسيمة باردة ومهيبة: -ثائر ذو الفقار.

-ما رأيك أن تناديني بالخائن أفضل؟ نطقها بالفرنسية وبنبرة متحايلة حيث لم ينس قطعاً تعليقها آنذاك حينما نعتته بالخائن. نطقها وهو يتأمل ملامحها عن قرب. يتأمل عينيها المدارية ليتحدث عقله (الشمس تدور والقمر يدور وكلٌ في فلكٍ يسبحون وأنا في فلك عينيك غارق) ولكنها لم تتذكر كلمتها التي دونتها في لحظة غضب. لذا قطبت جبينها وبدأت تشعر بالصداع فتساءلت بالعربية: -نعم؟ نفض عقله سريعاً واستطرد بالمصرية بنبرة رصينة ونظرة ثاقبة:

-كدة هتمرضي. أدخلي المطعم أفضل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...