انتهت مراسم الدفن، ووقف أمام قبر والده بملامح جامدة، عيناه تحكي الكثير لكنه صامت. شريط ذكرياته مع والده يمر أمامه، ليرى كل موقف جمعه به يومًا. وأكثر ما يحزنه أنه مؤخرًا لم يكن بأحسن حال معه. كانت خلافاتهما كثيرة، منذ واقعة حكايته هو وخديجة، ولم تعد علاقته بوالده كسابق عهدها. ويكفي أنه لم يكن يراه سوى مرة واحدة كل ستة أشهر تقريبًا. ليأخذه الموت فجأة قبل أن يراه منذ آخر مرة، والتي كانت من سبعة أشهر.
ولسخرية القدر، أنه بالأمس كان يفكر أن يقوم بزيارة سريعة بنهاية الأسبوع. زيارة عُجلت بخبر غير سار بالمرة. انتبه لكف إبراهيم الذي وُضع فوق كتفه ليلتف له، فسمعه يقول: _هِم بينا يا باهر، ملهاش عازة الوجفة دي. قطب ما بين حاجبيه وهو ينظر له بتفحص، وأردف متسائلاً: _چرا إيه يا إبراهيم؟ كأن الميت مش أبوك! قطب إبراهيم ما بين حاجبيه هو الآخر، ولكن بضيق، وأجابه: _وه! مش أبويا كيف يعني؟ احتدت ملامح باهر وهو يقول:
_يعني مشوفتش حزنك، ولا حتى فكرت توقف جدام قبره تجراله الفاتحة ولا تدعيله! رفع جانب شفته العليا ساخرًا وقال: _الحزن في القلب يا ولد أبوي، مش لازم الناس كلها تشوف حزني عشان أكون حزين. وإن كان على قراية الفاتحة، جرتها في سري. أنهى جملته والتف راحلاً، وقد قرر تركه. فليقف هو ينعي والده كما يحب. التفت باهر ونظر لقبر والده بنظرات حزينة قائلاً:
_واضح إن قسوة قلبه مش بس على الحريم زي ما كنت دايمًا تقولي، قسوة قلبه طبع فيه حتى على أقرب الناس له. ظل واقفًا لبعض الوقت، ينعي والده أحيانًا، ويدعو له أحيانًا أخرى. وبين هذا وذاك، تفيض عيناه بدمع الحزن، ويصرخ قلبه شوقًا للغائب من الآن. *** في بيت منصور وهدان.
اجتمع النساء بساحة المنزل، ومن بينهن العمة وابنتها وابنة شقيقها التي لم تدلف لهذه البلد منذ سنوات. لكنها اضطرت أن تفعلها حين أتاها خبر وفاة عمها. أتت مع ابنة عمتها، لاحقين بباهر الذي شق طريقه قبل وصول الخبر إليهما.
رفعت عيناها تتابع أفعال عمتها بصمت، التي لم تكف عن النواح. لم يخيل عليها كل ما تفعله، تشعر أنها تصطنع الحزن وبداخلها الله وحده هو العليم به. لكنها تعلم جيدًا أن عمتها لا تحزن على أحد، ولا تهتم لأحد. فإن كانت ابنتها نفسها لا تفرق معها، سيشكل آخر الفارق. أشاحت بنظرها جانبًا لتجد نظرات فريال المتورمة عيناها من البكاء تتابعها، فسألتها باستغراب: _بتبصيلي كده ليه؟ وبصوت مبحوح كانت تجيبها بخفوت: _مش ناوية تكلميها؟
أنتِ حتى مفكرتيش تعزيها. قلبت عيناها بعدم رضا وأجابت: _أعزيها في مين؟ هو اللي مات مش خالي برضو! هزت فريال رأسها بحزن جم: _مش واضح يا خديجة، شكلك مش فاكرة له حاجة حلوة عملها معاكِ، كأنك قاعدة في عزا حد غريب! وبجفاء كانت تجيب: _لا فاكرة، وربنا يعلم إني زعلانة عليه، بس أعتقد برضو عشر سنين بُعد كفيلة تغير في العلاقة. بس ده ميمنعش إني بجد زعلانة عليه. بس يمكن همي ووجعتي مخلياني مش حاسة بحاجة أصلًا.
رددتها بسخرية وهي تعود بنظرها للأمام مرة أخرى، فاشفقت عليها فريال، التي وضعت كفها على كتف الأخرى تواسيها وهي تقول: _هو جه معانا ليه؟ تنهدت بخنقة وهي تجيبها: _على أساس إنك محضرتيش الخناقة اللي حصلت. صمتت فريال وهي تتذكر كم تجادلت معه لكي لا يأتي معهما، ولكن كل محاولاتها باءت بالفشل وهو يعلن انتصاره رغمًا عنها. أما خديجة، فنظرت أمامها بشرود وهي تتذكر آخر جدالهما، والذي لم تحصد منه نتيجة. ***
بعدما تلقت صدمة صحة أوراق الزواج، ظلت لثواني صامتة بصدمة لم تستطع تجاوزها إلا بعد بعض الوقت. وحين بدأت تستوعب الصدمة، كان أول ما قالته: _بس كده جواز باطل، أنتَ اتجوزتني باسم غير اللي أنا وافقت عليه، مش مهم يكون الورق سليم، أنا وأنتَ عارفين إنك لعبت عليَّ واتجوزتني بالخداع. اقترب خطوتين ليصبح أقرب منها وأردف بابتسامة متكاسلة: _بالضبط، أنا وأنتِ عارفين. اتسعت عيناها بذهول وهي تسأله: _قصدك إيه؟
قصدك إنك هتمشي الموضوع عشان ميعرفوش غيرنا! أومأ بصمت، لتهز رأسها عدة مرات نافية بعدم تصديق وهي تخبره: _وربنا؟ ربنا اللي شايفنا وعارف إنه جواز باطل! قطب ما بين حاجبيه بعدم اهتمام لحديثها وهو يسألها بهدوء بارد: _وايه الحل؟ نهضت واقفة في مواجهته وقالت بملامح صارمة ونبرة لا تقبل التراجع: _عاوزة أطلق، إحنا استحالة نكمل مع بعض، اللي اتبنى على كدبة عمره ما هيستمر. رفع حاجبيه ضاحكًا بسخرية وهو يقول: _أطلقك؟
واضح إن الحقيقة أثرت على دماغك، ببساطة أنا معملتش كل ده عشان في الآخر أطلقك! إنك تلمسي السحاب بإيدك أقرب لك من الطلاق. ارتفع صوتها ونفرت عروق وجهها وهي تصرخ به بغضب تملك كل ذرة بها: _أنا مستحيل أفضل على ذمتك، ولو أنتَ مش خايف من ربنا بجوازنا الباطل ده، أنا خايفة منه ولو عملت إيه مش هكمل في حكاية خايبة زي دي. وصحيح أنتَ هتخاف من ربنا إزاي وأنتَ قتّال قتلة.
الصوت العالي يثير غضبه ويستفزه لدرجة بالطبع هي لا تعرفها، لذا هدأ من انفعالاته بالكاد وهو يبتسم باقتضاب قائلاً بنبرة ساخرة، سرعان ما تحولت للجدية واختفت ابتسامته: _قتّال قتلة! ده عشان جريمة حصلت زمان وأنا لسه عيل ١٣ سنة! بتحاسبيني على إيه أنتِ؟ لا بجد بتحاسبيني إزاي على حاجة أنا مكنتش قاصدها؟
هو لما اتنين عيال يلعبوا مع بعض وواحد يزق التاني يفتح له دماغه، بيحاسبوا العيل آه عشان يعرف إن ده غلط، لكن بيفضلوا يفكروه بذنبه العمر كله؟ محدش بيحاسب طفل يا خديجة. أدمعت عيناها بشدة وهي تهمس باختناق: _بس دي ماتت! دماغها متفتحتش وبس! جمدت معالم وجهه وهو يقول: _سيان، أكيد الذنب أكبر، بس في الحالتين طفل. مكنتش أعرف إن حبسها هيأذيها أصلًا. أنا عملت ده عشانك! عشان كنت خايف عليكِ ومبتحملش حد ييجي جنبك!
أنتِ ليه مش قادرة تفهمي ده؟ أنا أي حاجة عملتها عشانك، ولولا خوفي عليكِ عمري ما كانت جيت جنب سارة أصلًا! أصدرت صوت ساخر من حنجرتها وهي تهز قدمها اليمنى بعصبية بالغة بينما تردد: _يعني أنا السبب في اللي حصل لأختي في الآخر! أنا مقولتلش روح أأذيها! مقولتلش تعملها حاجة أصلًا، أنتَ اللي يومها فضلت تقولي مينفعش تسيبي حقك ولما حاولت أخرجها أنتَ اللي منعتني. _عشااانك..!
صرخ بها بعدما ضاق ذرعه من عدم محاولتها لتقبل الحقيقة حتى، وصوته كان أعلى من صوتها بكثير، حتى أنها انتفضت في وقفتها من صرخته المفاجئة. وخرج على إثرها مصطفى، الذي فضل الصمت منذ البداية وعدم التدخل، ولكن يبدو أن الأمر سيخرج عن السيطرة. وكذلك فريال، التي خشيت أن يتطور الأمر أكثر، فاسرعت في الخروج للصالة هي الأخرى.
والاثنان صمتا وهما يريان اللذان خرجا للتو. وخديجة، التي شحب وجهها وهي تدرك الآن أن سرها قد كُشف وعلم شقيقها وابنة عمتها به. وكان همها الأكبر هو شقيقها، لذا نظرت له بقلق وهي تزدرد ريقها بصعوبة، بينما لملامحه غير المقروءة. وما إن حاولت التحدث حتى وجدته يقاطعها وهو يباشر بالحديث متسائلاً: _أنا محتاج أفهم تفسير للي سمعته، أي الحكاية؟ هو إزاي قتل اختنا؟ بهتت ملامحها أكثر وانعقد لسانها عن الرد، ليتولى هو ضفة
الحديث وهو يقول بهدوء تام: _أنا هحكيلك يا مصطفى. وسرد كل شيء على مسامع الواقفين. وأثناء سرده، كان يُعاد كل مشهد أمام أعين خديجة مرة أخرى. ففي منتصف حديثه، وضعت كفيها فوق أذنيها رافضة سماع المزيد. حتى شعرت به قد انتهى، فأزالت كفيها وحل الصمت لدقائق، لا يقطعها سوى صوت الأنفاس. حتى هتف مصطفى أخيرًا: _قضاء ربنا. ابتسامة ماكرة ونظرة منتصرة زينت عيني صاحبنا، ونظرات مندهشة غير مصدقة كانت تنبعث من عيني صاحبتنا،
التي نطقت بدهشة: _إيه؟ يعني إيه؟ بدى مصطفى أكبر من عمره بكثير الآن وهو يتحدث بهذه العقلانية والجدية: _يعني أكيد الموضوع مش سهل، وأكيد هو مذنب، بس هتحاسبي مين يا خديجة؟ هتحاسبي حد كان بيتصرف بعقلية طفل وقتها؟ أكيد مش هتحاسبيه بالشكل ده طول العمر كأنك بتحاسبي واحد كبير! ضحكت باستنكار شديد وهي تستمع لحديثه، بينما نظرت بعدها لفريال كأنها تحثها على قول رأيها هي الأخرى، فقالت:
_سارة ربنا يرحمها، بس يا خديجة لو كانت الشرطة عرفت مين مرتكب الجريمة وعرفت التفاصيل بالضبط بالأدلة، ما كانش هيتحبس، لأنه أولاً طفل، ثانيًا قتل غير عمد. القانون بيعاقب الأطفال فوق سن الـ ١٥ سنة، والأقل من كده لما بيرتكب جريمة عن قصد، ياما بيسلموه لمدرب تأهيل أو مؤسسة إصلاح، أو في مستشفى لو لقوا عنده مشكلة نفسية. يعني في أي حال مبيتعاقبش زيه زي الكبير. وقتها هو أكيد ما كانش فاهم حاجة في القانون، ياما كان سلم نفسه لأنه أكيد كان هيخرج. بس في نفس الوقت مين كان شاهد على اللي حصل فعلاً عشان يتبرأ والحكومة تصدق إنه قتل خطأ؟
مفيش حد غيرك، ويا عالم كانوا هياخدوا بشهادتك ولا هيعتبروكِ شريكة له وتحتاجوا للي يشهد ليكوا انتوا الاتنين. وكده كده في الآخر كنتِ هتخرجي عشان ٨ سنين مستحيل تتحبسي، وهو كان آخره هيودوه مؤسسة إصلاح سلوك. _أنتِ بتبرريله إيه؟ أنتوا مالكوا؟ إزاي بتفكروا كده؟ صرخت بهم بعدم تصديق لموقفهما تجاه الأمر، لتجيبها فريال:
_على فكرة أنا لسه عند رأيي فيه، وكونه كدب عليكِ وزور هويته كفيل يخليه يطلقك مقولتش حاجة، بس أنا بتكلم في الأمر التاني وبقول اللي العقل يقوله. _ما كنتِ كملتِ جميلك للآخر! رددها بصوت غير مسموع وهو ينظر لفريال بضجر، وانتبه لصوت خديجة وهي تقول بإصرار: _سمعت! أنتَ ياسيدي بريء وأنا ظلماك، بس أنا مش هكمل معاك، فطلقني بالذوق أحسن لك. رفع حاجبه الأيسر يسألها بتحدٍ خفي: _بالذوق؟ ولو مكنش بالذوق هيكون بأيه يا خديجة هانم؟!
وقبل أن تجيبه، ارتفع رنين هاتف فريال الذي بيدها. عقدت حاجبيها باستغراب حين أبصرت رقم باهر. ألم يذهب منذ ساعات قليلة! أجابته بقلق، لتصرخ بعد ثواني وهي تردد: _أنتَ بتقول إيه؟ مات إزاي؟ لم تستمع بعدها سوى لصوت إغلاق المكالمة، لتنسدل دموعها فورًا. فدب الذعر في قلب خديجة، التي اقتربت تسألها بخوف: _مين اللي مات؟ …. رُدي! صرخت بها بعد أن ظلت فريال تبكي فقط دون إجابة، فقالت من بين بكائها: _عمك.. خالي مات.. يا خديجة.
رددتها من بين شهقاتها وركضت للغرفة لتغير ثيابها. وقفت لبعض الوقت لا تستوعب الخبر الذي سقط فوق رأسها، لم تتوقع أن يكون هو المتوفي! حركت رأسها بعجز وهي تردد: _لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون. _خديجة هنعمل إيه؟ خرج صوت مصطفى، الذي بالكاد يتذكر عمه ذلك، ولكن يريد أن يعرف هل ستطأ قدماهما أرض تلك البلدة مرة أخرى بعد كل هذا الغياب! _هنروح يا مصطفى، لازم نكون جنب باهر.
رددتها خديجة بحزن، ودلفت خلف فريال دون أن تلقي بالاً للواقف، متوقعة أنها ستخرج لن تجده. لكن خاب توقعها حين خرجت هي وفريال بعد قليل، لتجده يجلس على أحد الكراسي براحة بالغة. اقتربت قليلاً حتى وقفت على بُعد مناسب تسأله بضيق: _أنتَ لسه هنا ليه؟ هو مفيش دم! مش سمعت إن عندنا حالة وفاة وماشيين!؟ نهض بتكاسل بعد أن أغلق هاتفه الذي كان يتصفحه وقال:
_آه سمعت، عشان كده ممشيتش، مانا هوصلكوا، بعدين لازم أكون جنب باهر، مش قريب مراتي! أنا ميفوتنيش الواجب خدي بالك. _ياريته يفوتك ياخويا، اسمع يا جدع أنتَ لو فاكر إنك هتيجي معانا تبقى بتحلم، سامع؟ رددتها بعصبية وهي تشير له بسبابتها، ليقلب عيناه بملل مرددًا: _مهو للأسف مش هتروحوا لوحدكوا. صرخت به وهي تشيح بيدها بعصبية: _أنتَ ملكش حكم عليَّ. _أنا جوزك. _أنتَ صدقت نفسك! أنا وأنتَ عارفين اللي فيها، فمتعملش الدور ده أحسن لك.
_أنتِ كل شوية تقوليلي أحسن لك، أنتِ بتهدديني ولا حاجة؟ بعدين مفيش خروج من غيري، مش عايزاني معاكوا تمام، بس مفيش سفر لحتة. رددها بجدية بحتة وهو ينظر لها بعينيه الملونتين التي غامت بالرمادية الداكنة. _بس بقى، مش وقته يا خديجة على فكرة! رددها مصطفى وهو يقترب من شقيقته، ومال عليها يهمس لها: _افتكري إننا رايحين للعقربة عمتك، وإحنا مندمنش غدرها، وجوده معانا هيكون أمان لينا. ابتعد عنها ليراها تكبح غضبها وتلتزم الصمت،
فقال لمراد: _أنا بقول يلا يا أبيه، عشان منتأخرش، كده الراجل هيتحاسب قبل ما نوصل. _أنتَ يا زفت! صرخت بها خديجة حين سمعته مازال يناديه بنفس الاحترام، ليعقد مصطفى حاجبيه بضيق مصطنع مرددًا: _ما يلا يا مراد بقى! ذهبا أمامها وخرجا من الباب يسبقان لأسفل، لتهتف هي: _روحي وراهم يا فريال هجيب حاجة وجاية.
دَلفت لغرفتها وفتحت درفة الخزانة الخاصة بها وأسفل بعض الملابس أدخلت كفها ليخرج وهو يحمل بعض شرائط الأدوية، أخذت من اثنان منهم وابتلعتهما بالماء، واغمضت عيناها بقوة تحاول الهدوء، تشعر أن أعصابها على وشك التلف. _قدر يكسبهم في صفه؟ وياترى هيقنعك أنتِ كمان بحججه الخايبة دي إمتى؟ _بس بقى! اسكتي، أنا مش متحملة أسمع حاجة، اسكتي يا سارة، وارحميني حرام عليكِ.
صرخت بها وهي تحادث سارة، التي تراها هي فقط، والأخرى تبتسم باستفزاز، لتهرول خارجة من الغرفة، ومنها لباب الشقة كأنها تهرب من شبح يطاردها. *** عادت من شرودها وهي تشعر بأعين مسلطة عليها. نظرت حولها لترى سرية تنظر لها بنظرات مليئة بالغل والحقد، ابتسمت في وجهها ببرود وهي تطالعها بسخرية كأنها تخبرها أنها لا تهتم لأمرها. *** مساءً وبعد ذهاب جميع من جاء لواجب العزاء، اجتمع جميع أفراد العائلة في بهو منزل منصور.
وهم الآتي ذكرهم بترتيب الجلوس على الكراسي المتراصة في البهو: سرية، وفريال، ومصطفى، ومراد، وباهر، وأخيرًا خديجة. خرجت سرية من صمتها وهي تسأل باستنكار واضح: _واتجوزتي ميتا يا معدولة؟ وكيف من غير علم عمك، كبيرك، ولا أنتِ ملكيش كبير ووشك مكشوف. نظرت لها خديجة وهي تقول بحدة: _كبير كان باهر، ابن عمي، واتجوزت بعلمه وموافقته، غير كده.. آه أنا مليش كبير.
_أما عيلة جليلة الحيا بصحيح، مهوش جديد عليكِ جلة الحيا، مأنتِ معروفة بيها من زمان. _عمتي، مش وقته ولا إيه؟ رددها باهر وهو يُمسد رأسه بتعب حقيقي، ولكنها لم تصمت وهي تكمل مسائلة: _وجبتيه منين؟ باين عليه قيم وسيما، إيه اللي يخليه يبصلك إلا لو كنتِ ماشية على حل شعرك.
وقبل أن تأخذ خديجة، التي فار دمها غضبًا وأدمعت عيناها من قسوة الحديث، رد فعل. وقبل أن يفعل أي شخص آخر، كان يخرج عن صمته بعد أن غمرها بنظراته المتفحصة كل هذه المدة وعلم حقيقة المرأة الجالسة أمامه:
_لا الحقيقة أنا مكنتش أطول أتزوج واحدة زي خديجة، زي ما قولتي تمام، ليَّ قيمة وسيما، ومن طبقة اجتماعية عالية أوي، فكل اللي فيها واللي قابلتهم في حياتي ميستاهلوش يرتبطوا باسمي، لكن خديجة هي الوحيدة اللي شوفتها تستاهل بصرف النظر عن الطبقات والكلام الفارغ ده. بعدين معذورة يا حاجة أصلك متعرفيش أنا لفيت حواليها قد إيه عشان توافق، طلعت عيني. أردف بالأخيرة وهو ينظر لخديجة مبتسمًا، ثم عاد بنظره للأخرى وهو يكمل:
_بعدين نسيت أقولك شدي حيلك، هو اللي مات مش أخوكِ وكده؟ أكيد الحزن مؤثر عليكِ. أحمر وجه سرية غضبًا، واتسعت عيناها من تبجح الجالس أمامها وهي تدرك معنى جملته الأخيرة، ولكنها أدركت أنها لن تأخذ معه مجرى حديث يصبو لصالحها، فالتزمت الصمت ولأول مرة تفعل.
لا تنكر أنها ارتاحت بداخلها من حديثه لعمتها البغضاء، ولولا معرفتها بحقيقته لكانت شكرته الآن ولا مانع من عناق يوثق شكرها لاحقًا، لكن الوضع يختلف. لذا لم تلقي له بالاً، وهو لم ينتظر. _أمي لسه ناعسة يا عمتي؟ تسائل بها إبراهيم فور دخوله للتو من الباب، لتجيبه: _أيوه، كل ما تقوم تصرخ باسم أبوك وتنعس تاني، ربنا معاها يا ولدي. نهضت فريال واقفة واتجهت له حتى أصبحت أمامه فقالت بنبرة حزينة:
_البقاء لله يا إبراهيم، معرفتش أشوفك من وقت ما جيت عشان أعزيك، ربنا يصبرك ويرحم خالي برحمته. نظر لها بجفائه المعتاد الذي لم يتغير رغم مرور عامين على آخر مرة رآه، فهي كانت قد امتنعت عن الزيارات للبلدة حتى لا تقع في خلاف مع والدتها: _ونعم بالله، تشكري. فقط، واتجه للكرسي الفارغ بجوار عمته وجلس فوقه بلا اهتمام بها، وحين شعرت بحرج موقفها عادت لكرسيها بصمت حزين. _باهر،
ادعيله بالرحمة وادعي ربنا يصبرك، وقوم ريح شوية شكلك مرهق أوي. تحدثت بها خديجة بصوت لم يسمعه سوى باهر ومراد الجالس في المنتصف بينهما ينظر لها بسخرية غير واضحة. استمع لرد باهر: _يارب، شوية وهقوم، مستني بس ماما رباح تفوق أواسيها بكلمتين. _أومال جاسمين فين؟ مجبتهاش معاك ليه؟ تنهد بتعب وهو يجيبها: _في شوية خلافات. رفعت حاجبيها باندهاش فلم تسمع عن خلاف دار بينهما من قبل، وسألته: _هي سايبة البيت؟ أومأ برأسه دون حديث،
لتهتف بعدم رضا: _ليه كده يا باهر؟ مكنتش توصل الأمور بينكوا للدرجادي. _ياعاقلة. رددها مراد ساخرًا بصوت وصل لها، لتحدقه بنظرات حارقة، بينما ابتسم هو ببرود. _هي اللي كبرت الموضوع ومشيت، أنا مقولتلهاش تمشي، بعدين مش وقته يا خديجة، فيَّ اللي مكفيني. _صحيح، مش وقته يا خديجة. رددها مراد بعقلانية زائفة، لتزفر بضيق من تدخله وهي تعاود النظر للأمام ملتزمة الصمت، حتى هتف هو يهمس لها: _هنمشي ولا إيه؟ _آه، أنا أكيد مش هبات هنا.
قالتها وهي تنظر لعمتها بضيق، فسمعته يقول: _طيب يلا، الساعة ١٢. نهضت قائلة: _هنمشي إحنا يا باهر، وأن شاء الله نجيلك بكرة. نهض هو الآخر يقول: _لا يا خديجة متجيش، مفيش داعي، أنا أصلًا بكرة بليل هرجع القاهرة. _بس.. _خلاص يا خديجة، قولتلك متجيش بلاش شحطته. _وأنتِ متقعديش ليه تقضي أيام عزا عمك، ولا هو مش عمك؟ قالتها سرية بضيق واضح، ليهتف باهر بنفاذ صبر:
_ملهاش داعي القاعدة، ارجعوا انتوا يا زين، وشكراً على واجبك تعبناك معانا. أردف مراد بهدوء: _لا تعب ولا حاجة، ده واجب. _يلا؟ قالتها خديجة وهي تشير ل فريال ومصطفى. وقفت فريال بحيرة وهي تشعر بعدم استحباب ذهابها الآن، فلا يجب ترك زوجها في يوم وفاة والده هكذا، والراحل خالها، ولكن تذكرت امتحان هام لديها غدًا في جامعتها فقالت بأسف:
_معلش يا أماهم أنتِ وابراهيم، لازم أرجع معاهم، عندي بكرة امتحان مهم، لولا كده مكنتش اتحركت من هنا أصلًا لحد آخر الأسبوع كمان، حتى كان بودي أشوف مرات خالي وأعزيها. _وأنتِ مين جالك إنك هترجعي؟ خرج السؤال من إبراهيم، الذي ينظر لها بنظرة مبهمة، لم تفسرها، لكنها خشيتها. حركت رأسها بعدم فهم تسأله: _يعني إيه مفهمش؟ _يعني مفيش سفر للقاهرة تاني، مكان هنا في بيت جوزك. قطبت حاجبيها بعدم استيعاب وبقلب وجل سألته:
_وعلامي وكليتي يا إبراهيم؟ _بكفايا علام أكده، مأصبرش أنا ٣ سنين لحد ما الدكتورة تتخرج، مهياكلش معايا دور جواز مع وقف التنفيذ اللي عايشينه ده. شهقت بذعر وهي تردد بعدم تصديق: _أنتَ هتحرمني من علامي!؟ أجابها ببرود تام: _الله ينور عليكِ، افهميها كيف ما تفهميها، المهم إن آخر الشهر هتيجي بيتي هنا وأنتِ عروستي، بس مهنعملش فرح لأجل موت أبوي.
هزت رأسها نافية بعدم استيعاب وهي تشعر بتحطم صخرة أحلامها لقسوة الواقع المتمثل في زوجها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!