ونهض بعدما أخفى سلاحه بمهارة، ووقف عائدًا للمطعم وهو يستمع لرنين صوت زغردة المرأة، وكأنها حُررت من محبسها. وقف أمامها تمامًا، مبتلعًا ريقه بوجل من رد فعلها، لطالما أخبرته أنها لا تفضل العنف مهما كان السبب، خشي أن تكون قد أخذت منه موقفًا بسبب ما فعله. فبدى كطفل صغير يبرر لوالدته كي لا تغضب وهو يحاول التبرير لها: -مكنتش هضربه، هو الي ضر' بني الأول. قاطعته وهي تبتسم في وجهه مرددة بسعادة:
-لو كنت أعرف إنك هتقدر تضربه مكنتش منعتك من الأول، بس خوفت ليعملك عاهة، لكن برافو عليك. -عاهة! رددها غير مصدقًا لردة فعلها وهو يضحك باندهاش، لم يتوقع أبدًا ما قالته، توقع أن تثور إن لم يعجبها الأمر، أو تصمت إن لاقَ لها، ولكن أن تُثني عليه! عجبًا! أومأت برأسها وهي تردد بتأكيد: -آه عاهة، يعني يكسرلك إيد يخبطك بمطوة في وشك كده يعني.
ضحك بشدة فبدى وسيمًا بحق.. وهذا ما خطر بعقلها أول ما رأت ضحكته التي زينت وجنتيهِ، فطالعته بنظرة بلهاء قبل أن يفصلها حديثه بعدما تحكم في ضحكته التي خرجت من قلبه: -أنتِ شرحتيني وأنا واقف! بعدين معقول فاقده الأمل فيا للدرجادي!؟ ابتسمت له بلطف وهي تعقب: -لأ، بس عارفه الوحش كويس، إنسان متوحش صدق من سماه الوحش بصحيح، محدش بيدخل معاه في خناقة غير لما يطلع خسران، خسران إيد، خسران عين كده يعني.
ذم شفتيهِ بلامبالاة واستخفاف مرددًا: -على فكرة هو مش بالخطورة دي، بس أكيد اللي كانوا بيقفوا قصاده هفق أوي. رفعت منكبيها وهي تجيبه بعدم اهتمام: -يمكن، يلا بقى نشوف شغلنا. أشار لها بيده في لباقة لتتقدمه، فابتسمت له بلطف وهي تتجه لداخل المطعم بعدما تفرق الجمع المتجمع يشاهدون تلك المشاجرة التي علىَ صوتها حتى سمعَ أركان الحي. *** الثانية صباحًا...
تحركت السيارات الخاصة بـ"مراد" ورجاله، والتي بلغت ثلاث سيارات، في كل منهم ثلاث رجال، وأحدهم كان يقبع فيها "مراد" في المقعد الخلفي، متناولاً بين إصبعيهِ لفافة من التبغ الفاخر، ينفس دخانها بتروي وشرود، وعيناه تتابع خارج النافذة. اليوم ولأول مرة يكن يوم جيد ويمر بسلام على هذا النحو، أول مرة مع انتهاء يومه يتمنى لو يعيده من جديد، وبالطبع أقصد لأول مرة منذُ عشرة أعوام.
لأول مرة يشعر بالسلام الداخلي وإن لم يكن بدرجة كبيرة، ولكنه قد زاره على الأقل! يحاول جاهدًا أن يتجنب تذكر حديثها عنهُ وملامحها التي قست وتغيرت حين ذُكر كنيتها المحببة له، سيتجنب كل هذا ليكن اليوم هو يوم سعده! اليوم الذي قابلها فيهِ بعد كل ذلك الغياب، اليوم الذي غرد صوتها في حياته مرة أخرى، وشعر بأنفاسها قريبة منهُ، ورأى ابتسامتها، واجتمعت عيناها بعينيهِ، فقط سيتذكر كل هذا..
تناول كوب "الخمر" الموضوع في المكان المخصص له في السيارة أمام مقعدة وتناوله ببطء متلذذًا بهِ، وما إن خطر بعقله حديثها معه حين انتهى من الشجار مع ذلك الوحش كما يقولون، وردة فعلها الغير متوقعة حينها ولكنها كانت طريفة بالنسبة له، انزل الكوب من على فاهه وقد ابتسم ثغره بتلقائية. ضيق "طارق" حاجبيهِ مستغربًا حين رأى ابتسامته البسيطة في مرآة السيارة، ولم يستطع كبح فضوله وهو يعلق: -خير ياباشا؟ أنتَ كويس؟
انتبه له "مراد" فنظر له بجبين مقطب باستغراب، وكأنه يسأله عن مقصده دون حديث، وقد فهمه الآخر على الفور فوضح قائلاً: -اصل لقيت حضرتك مبتسم! كان يتحدث وكأنه قد رأى أعجوبة من عجائب الدنيا! او وكأن الابتسامة توشي بمرض ما! اختفت ابتسامته وهو يطالعه بجانب عيناه بحدة ولسانه يتولى الرد: -خليك في حالك. امتعضت ملامحه وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته بنزق: -كل مرة فضولك يجبلك التهزيق وبرضو مفيش فايدة فيك. -بتقول حاجة؟
رددها "مراد" متسائلاً بتهديد مبطن، التقطه "طارق" بوضوح فقال سريعًا رغم امتعاضه: -لا ياباشا تسلم. رفع الكوب لفمه مرة أخرى مرتشفًا بهدوء بعدما ظهرت السخرية على وجهه لرد فعل الأول، عاود النظر من النافذة حتى يصلوا لوجهتهم.
بعد عدة دقائق كانوا يصلون لمحل التسليم، ترجل "طارق" فاتحًا الباب لرب عمله، فترجل الآخر بعنجهيته المعروفة، كانت ملامحه جامدة حتى وقع بصره على "دياب" ورجاله الواقفين في انتظار وصول جميع الأطراف، ازداد جمود ملامحة وباتت عيناه داكنة مُنذرة بما يعتمر دواخله من غضب وتحفز. القى بلفافة التبغ فوق الأرضية والتي تُعد العاشرة تقريبًا خلال الطريق فقط، ودهسها بحذائه، قبل أن يتجه وخلفه رجاله ناحية "دياب".
والآخر لم يكن أقل منه غضبًا أو تحفزًا، بل وقف بجسد متشدد ينتظر إقبال عدوه اللدود. عدة خطوات فصلت بينهما حتى أصبح "مراد" قريبًا منه، وما جمده محله هو وقوف الآخر محله دون أن يعطيه أي اهتمام، وقف فقط ينتظر قدوم الطرف الآخر، وهذا ما جعله لا يستطع الوقوف صامتًا. فانطلق الحديث من فاهه وهو يقول بصوتٍ عالٍ: -جرا ايه يابن وهدان مش مالي عينك الي واقفين!؟
كل ما نُتج من رد فعل من "مراد" هو رفعة حاجبه الأيسر ساخرًا ولم يعلق، بينما ألقى "طارق" نظرة عليهم بجانب عيناه لتصطدم عينيهِ بعيني "هاجر" صدفة، فرمق كلاً منهما الآخر بنظرة نارية قبل أن يشيحا بأنظارهما بعيدًا. طحن أسنانه بغيظ من تجاهل الأول له، وكاد يتحرك قابضًا على سلاحه ناويًا الفتك برأس ذلك المغرور، ولكن قبضة "هاجر" على ذراعه هي ما اوقفته، ورفعت ذاتها لمستوى أذنه هامسة له:
-اهدى يا باشا عشان أي مشكلة هتحصل من ناحيتك البوص مش هيعديها، وخصوصًا ان محذرك كذا مرة من أي مشكلة تحصل بينكوا. أدخل سلاحه في حامله مرة أخرى وبداخله يشتعل غيظًا ولكن ماباليد حيلة، لا يستطيع الدخول في مشاكل الآن خصوصًا وذلك الماكر يعرف جيدًا كيف يُخرج ذاته منها، ويُلقي بكل الذنب على عاتقه هو.
وصلَ الطرف الآخر بعدما أرست السفينة في مرساها على الميناء، وبمساعدة بعض الفاسدين كان وصولهم لهذه النقطة أمرًا يسيرًا، بدأت الرجال في إنزال البضاعة من السفينة وبالطبع قد حصلوا على إذن الجمارك للمرور! ودون فحص كانت تُنقل البضاعة من السفينة للسيارات الضخمة التي أتت بصحبة "دياب" لتحمل البضائع.
اقترب ذلك الرجل الذي تعدى الخمسون من عمره، مرتديًا قُبعة كلاسيكية قليلاً، وبذلته وحذاءه أوحوا بمدى ثراءه، وقف يمرر عيناه الزرقاء عليهم جميعًا حتى استقرت على "دياب" الذي يعرفه فقال بلكنته الاسبانية: -مرحبًا سنيور دياب. اقترب "دياب" مصافحًا اياه بود وقال: -مرحبًا سنيور باولو. أخذهما الحديث لدقيقتان ربما، قبل أن تقطع عيني "باولو" على "مراد" الواقف على بُعد يتابع نقل البضائع ويتحدث مع رجل يقف جواره، أشار عليهِ
بعيناه وهو يسأل: -ما أمر ذلك الرجل؟ لثالث مرة أراه يأتي معك لإتمام المهمة، ما وظيفته؟ تأفأف "دياب" من ذِكر سيرته لكنه وضح بضيق: -مساعد لي، ينتهي عملي هنا، اما هو فيصل البضاعة للمخازن. أومئ برأسه يغمغم: -تقصد إجراءات الدخول للميناء وايصال المال لي هذا تخصصك، وهو فقط ينقل البضاعة. أومئ برأسه مؤكدًا، ليكمل باستغراب: -ولِمَ لا يتعلم إتمام المهمة بأكملها، بدلاً من إنشغالكما كليكما؟ أم أنه غير جدير بالثقة؟
نفى برأسه معقبًا: -ليس الأمر هكذا، فقط في العمليات الضخمة كهذه، لا يقبل الرئيس بأي أخطاء محتملة الحدوث، لذا فارسالي يطمئنه أكثر بأن كل شيء سيسير على ما يرام، لكنه يقوم ببعض العمليات البسيطة بمفرده. هز "باولو" رأسه بعدم اقتناع وهو يقول: -ربما لكن أظن أنه قادر على القيام بأي عملية مهما بلغت ضخامتها، يبدو أن شخص مُحنك. -ربما.
رددها "دياب" بعدم رضا عن الحديث بأكمله، وغضب من ذِكر ذلك الأحمق في كل شيء يخصه، لا يعلم لِمَ عليهِ دومًا لفت الأنظار! اخرج حقائب المال وسلمها ل"باولو" الذي أشار ل "مراد" بالوداع قبل أن يذهب، فأكتفى الأخيرة برفع يده مودعًا دون اهتمام، تحت نظرات "دياب" الحارقة، وما إن تم نقل البضائع للسيارات، حتى اتجه "مراد" لسيارته متجنبًا الحديث مع ذلك الأبله حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه. *** اليوم التالي عصرًا.. انهت جميع الكشوفات
ودلفت لغرفة الطبيب لتخبره: -الكشوفات خلصت يا دكتور. اومئ برأسه وهو يستعد للملمة أشيائه بينما يقول لها: -تمام، لمي حاجتك عشان تقفلي. لم تتحرك بل بدأت في فرك كفيها بتوتر، مما جعله يرفع رأسه مستغربًا وقوفها والحيرة التي بدت على ملامحها، فسألها: -في حاجة يا خديجة؟ أومأت برأسها، وأخذت نفسًا عميقًا تزفره على مِهل وهي تقول: -بصراحة يعني.. كنت بستأذن لو ينفع أخد جلسة دلوقتي؟
لم يبدي لهفته الداخلية بل بدا ثابتًا تمامًا وهو يشير لها لتجلس على الكرسي المقابل: -اتفضلي. جلست أمامه والتوتر يحيطها، لا تعلم إن كانت هذه الخطوة في صالحها أم لا، وكأن الطبيب "كمال" شعر بما يجوب بداخلها، ولم يريد أن يترك له الفرصة للتراجع، لذا قطع تفكيرها وهو يحثها على الحديث: -ها يا خديجة تحبي نبدأ منين؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تقرر الحديث وليحدث ما يحدث، فلن يكن الأمر أسوء مما هي بهِ، لا يرهقها رؤية "سارة" قدر ما يرهقها الكوابيس التي تراودها كل يوم في منامها، وحقًا تريد التخلص منها: -أنا مش عارفة ابدأ بأيه؟ -لسه بتشوفي سارة؟ ساعدها هو في البدأ وقد ألقى بسؤاله، لتومئ برأسها وهي تبتلع ريقها وبدأت تقول:
-أيوه، لسه بشوفها، وبحلم بيها في كوابيسي، وده تاعبني اوي، حاولت اتعود على وجودها، بس في الكوابيس لا، مش قادرة، بقيت بكره النوم عشان بس ماشوفهاش. -ليه قررتي تكدبي عليَّ وتقولي إنك بطلتِ تشوفيها. احنت رأسها وهي تقول بخجل: -بصراحة أنا كنت زهقت، كنت بقالي سنة بتعالج عند حضرتك ومفيش نتيجة، حسيت ان الموضوع مش جايب همه، كل اللي بعمله إني بعري نفسي قدام حد تاني. قطب حاجبيهِ بدهشة لمنطقها وقال: -تعري نفسك!
أنا دكتور ودي شغلتي إن اعرف كل اللي بيحصل معاكِ عشان اقدر افهم حالتك ومشاكلك فاقدر اعالجك، وبعدين كنتِ عايزة تتعالجي ازاي بسرعة وأنتِ كنتِ مصممة تخبي وتكدبي؟ من أول مرة جيتِ فيها هنا وانتِ مبتقوليش كل حاجة. احتل الحزن ملامحها وهي تقول: -بالنسبة ليا، فأه تعتبر تعرية، حكايتي مش زي أي حد، ولا حكاية عادية مجرد كلاكيع نفسية وتعدي، الموضوع أكبر وأعمق من كده. عقب بدون اقتناع:
-حتى لو، أنا دكتور نفسي يعني مهما كانت مشاكلك مينفعش تخبيها عليَّ، مش هتكوني اكتر من واحدة جت تعترفلي بخيانتها لجوزها مع صاحبه! صح ولا ايه؟ ارتفع حاجبيها ذهولاً وهي تسأله بعدم تصديق: -ده بجد؟ وجت حكتلك؟ اومئ بتأكيد: -كانت ذكية وفهمت إن مفيش داعي تخبي عليَّ، وانا المفروض اساعدها. تسائلت بفضول: -وعملت ايه معاها؟ اكتفى برد مختصر وهو يخبرها: -ساعدتها.
علمت من اجابته أنه لا يريد البوح بما هو أكثر، فالتزمت الصمت حيال هذا الموضوع، وسألته بحيرة: -عاوزني ابدأ بأية؟ -اللي يريحك، بس لو بتسأليني عن فضولي كشخص بيسمعك، ففضولي متجه أكتر إنه يعرف مين مراد وبيمثلك إيه بالضبط!؟ هزت رأسها بسخرية واضحة وهي تجيبه: -كنت عارفة انك حابب تعرف ده أكتر من أي حاجة. -يمكن عشان حكايته غامضة بالنسبالي، وكل الفترة اللي فاتت بسأل نفسي إيه ممكن يخلي طفلة تكره طفل بالشكل ده؟
بداخلها صوت يصرخ بها ألا تبوح بسرها الخطير، وآخر يخبرها أن الأمر لن يصبح أسوء مما هو الآن، تريد التخلص من كل شيء يرهقها، تريد إلقاء ذلك الثقل الذي يثقل كاهليها بعيدًا بأي ثمن حتى وإن كان سينتهي بسجنها..! -مراد هو صديق طفولتي زي ما حكيتلك، وكل حاجة قولتهالك عنه حصلت فعلاً، من وقت ما وعيت على الدنيا واعرف أميز الأشخاص، ومراد كان أقرب حد ليَّ أو بمعنى أدق كان كل حاجة ليَّ، لحد ما بقى عندي ٨ سنين.
ابتلعت ريقها بوجل وهي مقبلة على الحديث عن أكثر جزء شائك في الحكاية، تغيرت ملامحها واحتلها التوتر مع سحابة حزينة عبرت بعينيها مع ذكرى ذلك اليوم المشؤوم، أغمضت عيناها لبضع ثواني كي تستعد للسرد، حتى نطق لسانها أخيرًا وهي تقول بصوتٍ متحشرجٍا أثر اختناقها بالذكريات:
-كنت بلعب مع أختي سارة واتخانقنا فزقتني ووقعتني على الأرض واتعورت، وقتها هو جه وشافني وأنا قولتله إنها وقعتني واتعورت بسببها، حاولت تنكر وتقوله إنها مكنش قصدها توقعني بس أنا كدبتها وقولتله إنها كانت قاصدة، وقتها خدني يطهرلي الجرح وفضل يقولي كلام غريب زي إنّي مينفعش أفضل أسيب حقي، وكان باين إنه متضايق من اللي حصل، وبعدها... صمتت تتذكر تلك الذكريات المؤلمة والتي لم تنساها منذ يومها... في عام ٢٠٠٨......
قرر عقاب "سارة" عما فعلته ولكي يعطيها درسًا يردعها عن أذية "خديجة" مرة أخرى، لذا وضع خطة مُحكمة لتنفيذ العقاب الذي خطر بعقله.... أخبرها أنه سيبقيها لدقائق فقط في الخزانة التي تقبع في المخزن والتي هُجرت منذً زمن، فقط لتشعر بالخوف وتبكي وهكذا تكون قد استردت حقها...
بسهولة كانا يستدرجناها للمخزن، وبسهولة أكثر كانت تدلف معه لتلك الغرفة القديمة، لم ترى نظرة عيناه الغريبة، ولا تمريره للسانه بدائرية داخل فمه، ولا إمالته لرأسه لليمين قليلاً.. وفجأة وجدت ذاتها تُدفع عنوة للخزانة ويُغلق عليها الباب من الخارج بالمفتاح دون اهتمام لصراخها المرتعد. -حصل ايه؟ تسائلت بها بقلق بالغ حين خرج لها، ابتسم ورد بهدوء: -كله تمام... خمس دقايق وهنخرجها. توترت نظراتها أكثر وهي تسأله بخوف: -مش كتير؟
ذم شفتيهِ بلامبالاة: -لا، بيقولوا الإنسان يقدر يعيش من غير تنفس لـ ١٠ دقايق. واكتفى بهذه المعلومة دون إكمالها قاصدًا.. فلم يخبرها مثلاً أن علميًا بعد ثلاث دقائق من عدم التنفس قد تبدأ بعض أنسجة المخ في التلف، وأن الإنسان أقصى مدة قد يتحملها دون تنفس لا تصل للعشر دقائق بل هي لا تتعدى الخمس سوى بدقيقتان أو ثلاثة.. وإن وصلت للعشر سيكون ميتًا حتمًا. وبالداخل أخذت تضرب بقبضتيها على الخزانة برعب وهي تصرخ:
-افتح الباب، حرام عليك هموت.. حد يلحقني أنا بتخنق والله.. مراد!!! وبالفعل كانت تشعر بأنفاسها تثقل، وضيقها ورعبها من المكان أزادوا شعورها.. لتصرخ ثانيًة: -أنا آسفة، والله ماهضايقها تاني.. افتحوا الباب بقى.. خديجة.. خديجة افتحيلي بالله عليكِ، عشان خاطري.. أنا آسفة.. افتحوا بقى.. ولكن لم تسمع ردًا، أو صوتًا يدل على اكتراث أحدهم. بالخارج استمعت لحديث شقيقتها، لتدمع عيناها وهي تنوي الدلوف لها:
-لا كفاية كده.. دي خايفة أوي. أمسك ذراعها يوقفها لتنظر له، فنظر لعيناها مباشرةً وهو يقول: -لما تنوي تاخدي حقك متجيش في نص الطريق وتترددي.. ومتسمحيش لقلبك ومشاعرك يتحكموا فيكِ. ردت بتبرير وعيناها تنظر للداخل: -بس دي خايفة أوي حرام كده.. كمان خايفة يحصل لها حاجة. احتدت نظرته وهو يسألها كأنه لم يسمعها: -سمعتِ قولت إيه؟ وبقلة حيلة كالعادة تستمع لحديثه وكأنه شيطانًا ما يوسوس لها وهي تقتنع فورًا!
فأومأت برأسها وهي تقف بجواره صامتة.. عادت من ذكرياتها بأنفاس متسارعة ودموع سقطت كالأمطار، وأصبحت تتحدث بسرعة وانهيار وهي تكمل سردها: -مكنتش أعرف إنها هتموت.. سكت ومقدرتش أخالفه وأدخل أنقذها، بس لو كنت أعرف إنها هتموت كنت دخلت وأنقذتها والله ومكنش همني هو، بس أنا.. أنا فكرت إننا بنعاقبها بس، والله ماكنت أعرف إنها هتموت...
رددتها بانهيار وجسدها بدأ بالاهتزاز بشكل مقلق، فنهض "كمال" ليجلس قبالها ومد يده لها بكوب ماء، فأخذته ترتشف منه بسرعة وهي تسمعه يقول: -اهدي، كل اللي بتحكيه ده خِلص وانتهى، مفيش داعي للتوتر والانهيار ده. نفت برأسها بعدما أنزلت الكوب من على فمها وقالت:
-لا، منتهاش، عمره ما كان ماضي بالنسبالي، ومش عارفة ألوم مين، ألومني عشان سكت وشاركتُه في جريمته ولا ألومه لأنه السبب وهو اللي عمل كل ده، هو السبب في كل العذاب اللي أنا فيه. لم يهتم لحديثها الآن، وسألها عن شيء آخر حين قال: -قوليلي، حصل إيه بعدها، اتعامل معاكي إزاي؟ وبعدتِ امتى وإزاي؟ أكملت السرد حتى آخر ليلة جمعت بينهما، هوت دموعها وهي تقول بقلة حيلة:
-كان صعب عليَّ البُعد، بس مكانش قدامي حل تاني، خوفت.. خوفت على نفسي ومبقاش مصدر أمان ليَّ. قاطعها وهو يعقب ذاهلاً: -خوفتِ! ده قتلها عشانك؟ خوفتِ ليه؟ أصلاً خوفتِ إزاي!! ده كل اللي عمله كان عشانك، تفتكري بعد كل ده كان هيأذيكِ!؟ نظرت له حائرة، ورفعت منكبيها بتشتت وهي تجيبه: -مش عارفة، بس اللي يقتل مرة يقتل ألف. هز رأسه نافيًا:
-يمكن، بس ميقتلش اللي قتل عشانه، عمرك شفتي قطة بتدافع عن ولادها وتخربش شخص حاول يأذيهم وبعدها هي تأذيهم! أكيد لأ، بس هتأذي أي شخص يحاول يقربلهم. وكأنها حصلت على مفتاح حيرتها، لتقول سريعًا: -يمكن فعلاً خوفت يكرر ده حتى لو مش معايا، لمجرد إنه يقتل حد فكر يأذيني يبقى أنا كده هعيش مع قاتل ومجرم! هخاف أتعامل مع البشر بسببه. أشار لها بسبابته وهو يقول:
-ده تفكير خديجة الآنسة اللي قاعدة قدامي، لكن تفكير خديجة الطفلة اللي هربت مكانش أي حاجة من اللي بتقوليه ده.. هي فعلاً وقتها خافت على نفسها منه، حتى لو مش منطقي، فهي مجرد طفلة مش هتعرف تحلل الأمور بشكل سليم، فالسؤال المهم هنا.. ندمانة إنك هربتي؟ أو لو رجع بيكِ الوقت لورا هتهربي برضو؟ ولا هتفضلي معاه وتحاولي تغيريه؟ نفت برأسها بقوة وبثبات على موقفها اخبرته:
-ههرب، ببساطة لأني وقتها كنت طفلة متفهمش في كل ده، ولو هرجع لورا ب تفكيري دلوقتي، فأنا واثقة إنه بقى شخص غير سوي، معرفش وصل لفين، بس اللي متأكده منه إنه عمل جرايم تانية. سألها "كمال" مضيقًا ما بين حاجبيهِ: -إزاي؟ إذا كان السبب الأساسي لجريمته اللي هو أنتِ مبقاش موجود.. عنده حد تاني يعمل ده عشانه؟ أوضحت وهي تنفي برأسها:
-مقصدش بالجرايم القتل تحديدًا، أنا أقصد إنه أكيد أذى ناس تانية، مراد من صغره اتربى على العنف، وكلامه اللي كان دايمًا يقولهولي عن أخد الحق ده خير دليل.. أكيد أذى كل شخص جه على حقه في يوم. باغتها بسؤال جعل تنفسها يقف لثانية قبل أن تعاود التنفس من جديد ولكن هذه المرة باضطراب شديد، وبهتت ملامحها حين قال: -من جواكي نفسك تشوفيه؟ او على الأقل بتتمني لو القدر يجمعكوا تاني؟
او بلاش كل ده، وقوليلي هتعملي إيه لو مراد لقاكي بالصدفة؟ او تتوقعي هو هيعمل إيه؟ تضاربت الأفكار في رأسها، وبدأ عقلها يصور لشكل اللقاء بينهما، وللأسف ولا صورة خرجت جيدة، فواحدة تخيلت أنه يصرخ بها لغدرها قديمًا وينتهي الأمر بصفعة مدوية، وأخرى كان اللقاء بين شد وجذب منهما، هو يريدها أن تذهب معه، لهناك حيث تلك الفيلا التي شهدت مقتل شقيقتها وصمتها عن حقها، وهي ترفض وتتعنت لينتهي الحال بأخذها عنوة، وأخرى.. وأخرى.
-روحتي فين!؟ رددها "كمال" بتنبيه، لتفيق من شرودها ورددت فورًا: -مش عارفة.. بس أنا عيشت عمري بتمنى مشوفوش تاني، عشت عمري جوايا إحساس بالهرب من كل مكان بروحه خوف إنه يكون عرف طريقي.. يمكن مراد كان هاجس ليَّ، هاجس ملازمني دايمًا بأنه هيوصلني.... لو لقااني! رددتها بته ته واضحة، وشردت لثانية واحدة كأنها ترى الحدث أمامها، وقالت:
-أكيد هيأذيني، مراد مبيسيبش حقه، وأنا عارفة إني أذيته، عارفة إني غدرت بيه، أو على الأقل ده من وجهة نظره. -ووجهة نظرك أنتِ!؟ مش شايفة إنك أذيتيه؟ أذيتي إنسان حبك وكنتِ كل حياته؟ كنتِ قاعدة بترتبي معاه خروجه حلوه لتاني يوم وأنتِ عارفة أنه مش هيحصل وأنك هتهربي قبلها! مش حاسة إن أيًا كانت مبرراتك فأنتِ كسرتي قلبه!؟ قال "كمال" حديثه سريعًا كأنه لا يعطيها الفرصة للمقاطعة، وانتظر ردها الذي طال قليلاً
قبل أن تقول بتذبذب واضح: -يمكن كل ده صح، بس الحكاية سلاح ذو حدين، كل ناحية منه مؤذية، ناحية مؤذية له فعلاً، والطرف التاني مؤذي ليَّ.. عارف الوضع بينا عامل زي إيه، زي إنسان مطعون بالسيف، ومن حبه في شخص تاني قام وحضنه، فبقى السيف فيهم هما الاتنين، بيأذيهم هما الاتنين، وبيوجعهم سوا، ده الوضع بيني وبينه. حسنًا.. وقد أجادت الوصف والتعبير عن حقيقة الأمر بينهما، واكملت بتفهم:
-عنده حق لو لقااني في يوم يعمل اللي هو عاوزه، وأنا كمان كان عندي حق أهرب ومش ندمانة.. إحنا الاتنين محتاجين طرف تالت يقنعنا بالعكس.. يقنعه إني كنت صح وقتها ويخليه يعذرني، ويقنعني إنه كان بيدافع عني بعقلية طفل مقصدش يقتل أختي، ويخليني أعذره. باغتها بسؤال آخر أصعب، أعمق، وهو يسألها بحذر: -لسه بتحبيه يا خديجة؟ طال صمتها أكثر هذه المرة، وشردت.. وشردت، لمعت عيناها بنظرات منكسرة، وحزينة، ومشتتة، فمشتاقة!
لكنها بالاخير أردفت: -مش عاوزاه يمر في حياتي ولو صدفة. تهربت من الإجابة، وعبرت عن رغبتها.. فهذا يعني إنها وإن مازالت تحبه لا تريد رؤيته مرة أخرى، وهنا الأمر.. معقد!! اكتفى بالحديث عن "مراد" لهنا، واتجه بسؤاله لمنحنى آخر، فسألها: -قوليلي إيه اللي حصل في بلدك؟ ليه سبتوها وجيتوا هنا؟ إيه المشكلة اللي فرقت عيلتك بالشكل ده؟ وبجمود وسرعة في الرد كانت تجيبه بعينين ثابتتين: -اتهموني في شرفي.
اتسعت عيناه قليلاً لِمَ قالته ربما لأنه لم يتوقع سرعة الرد، وسألها بتريث: -اتهموكي! هم مين؟ واتهموكي مع مين؟ التواء طفيف ساخر في جانب فمها هو كل ما صدرَ عنها وهي تقول بعينين متألمتين: -عمتي.. تخيل! أما مع مين، فمع باهر ابن عمي..!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!