عدل من جلسته حين رأى أبيه مقبلا عليه، فجلس معتدلا بعد أن كان يتسطح على ظهره. ابتسم له "منصور" وهو يجلس أمامه قبل أن يقول: _كيفك يا ابراهيم؟ أجلّى حنجرته وهو يجيبه بصوته الأجش: _الحمد لله يابوي. سأله بعدها بوضوح: _ما جلتليش رأيك في بت عمتك المرة اللي فاتت. ما سألتك سكت ومتكلمتش. رفع منكبيه ببرود وهو يقول: _وانت خدت سكوتي موافقة؟ وكلمت عمتي. هتسألني تاني ليه بجى؟ ابتسم له "منصور" بنفس بروده معقّبا:
_ما هو بيقولوا السكوت علامة الرضا. بعدين عمتك حبيبتك، معقول هتكون مرايدة بتها؟ وبوقاحته المعهودة كان يجيبه وهو يجز على نواجذه: _السكوت علامة الرضا؟ ليه؟ بت أنا اياك عشان أخشي أقول رأيي؟ بعدين إيه علاقة حبي لعمتي إني أتجوّز بتها! أنا هتجوزها هي ولا بتها؟ رفع "منصور" حاجبيه بنزق وهو يحذره:
_اتحدّت زين وياي. بعدين لو مرايدهاش جولي، ما هغصبكش على جوازك منها. البت ما تتعايبش عشان تتجوز واحد مش رايدها. ودي بت خيتي، يعني كيف بتي، ما هجبلش إنك تعاملها من غير نفس وتحس إنك مجبور عليها. تأفأف بنزق وهو يجيبه بلامبالاة: _ما يفرّج. تمتم هامساً لذاته: _كده أو أكده ما أطيقش صنفهم. _بتجول إيه؟ تسائل بها "منصور" بعدما فشل في سماع ما قاله همساً. ليرفع "ابراهيم" صوته قائلاً بهدوء:
_ما جلتش. ما أعرفش ليه مستعجل على جوازي. ده أنا لسه يدوب عشرين سنة. متشوف باهر الأول! مش هو الأكبر بردك؟ ده جرّب على الستة وعشرين سنة. تلونت معالم "منصور" بالحزن وهو يجيبه مهموماً: _باهر! باهر من بعد اللي حصل مليش أدخل في حياته. حتى لو عملت أكده هو ما هيسمعليش. رغم إنه بيتحدّت وياي، بس أنا خابر إنه شايل ومعبي مني ومنّا كلنا. ذمّ شفتيه بأسف مصطنع، سريعاً ما انحدر وهو يقول بسخرية: _الموضوع ما استاهلش كل ده!
حكاية وخلصت. بس باهر أخوي أكده يعمل من الحبّة جبة. حدّقه والده بنظرة غاضبة وأردف بضيق من لامبالاته وسخريته: _لا هو بس البعيد ما عندوش دم، وهو مش كيفك. أشاح بوجهه بلامبالاة، وبالطبع لم يقتنع بحديث والده. فهو ما زال يرى "باهر" قد أعطى الموضوع أكبر من حجمه. وبالنهاية لا الموضوع ولا باهر يخصونه في شيء. لذا أنهى الجدال وهو يقول: _خلاص يابوي، ملياش صالح. أنا هقوم أروح أطلّ على المصنع. اعترض والده وهو يسأله:
_هو أنت ما ورّاكش غير مصنع العلف؟ فيه حدانا شغل تاني. روح طلّ على المجزر ولا المزرعة. تأفأف وهو يلتقط مفتاح سيارته وهاتفه، وقال: _يوه يابوي، جلتلك ما أحبش أنا شغل المزرعة ولا المجزر. خليني أنا في المصنع بفهم فيه وبعرف أمشي شغله كيف. وغير أكده شغله كتير ومحدش هيعرف يديره غيري. ولما بيبقى فيه شغل كتير في المجزر في الأعياد والمناسبات بروح. هز "منصور" رأسه بيأس وأردف:
_بكيفك، ما هجادلش معاك. المهم جهّز نفسك، خطوبتك أنت وبت عمتك بعد شهر. ابتلع امتعاضه وردد بتساؤل ساخر: _والفرح امتى يا حاج؟ عشان بس الحج أعزم الناس. قابله "منصور" بنفس سخريته وهو يقول: _لا ياروح الحاج، الفرح مش دلوقتي. أنت جلت لسه ما عدتش الـ 20. الفرح كمان أربع سنين أكده، وعلى ما البت تكمل تعليمها. رفع حاجبيه اندهاشاً، وهو يردف رافضاً: _يعني إيه! ولما هي كده إيه لازمتها خطوبة دلوقتي؟ وقف "منصور" يواجهه وقال:
_عشان البت ما يتقدملهاش عريسين لدلوقتي. وأنا ما بستناش يتقدملها التالت والرابع. لازم البلد كلها تعرف إنها محجوزالك. وخطوبتك ليها ما هتخليكش لا تتحدّت وياها ولا ليك علاقة بيها. علاقتكوا هتبقى كيف دلوقتي، فهمت؟ دي خطوبة صوري كده، لحد ما أنا أقول خطوبة رسمي وجتها تتعاملوا بعرف المخطوبين، وده ما يكونش قبل 3 سنين. سأم الحديث في هذا الموضوع، فهتف وهو يخرج من المنزل: _اعمل اللي تشوفه يابوي.
واغلق باب المنزل خلفه، ليتنفس "منصور" بعمق وهو ينظر لأثره وقال: _ربنا يهديك يا ولدي. ***
خرج من غرفة العمليات التي كان أحد المشرفين على عملية هامة بها. أزال قناع وجهه وألقى قفازات يده في الأماكن المخصصة لها. تنفس بتعب وهو يخرج من الباب الرئيسي قاصداً الاتجاه لغرفته ليستريح بها قليلاً بعد أربع ساعات قضاهم في العملية. استمع لصوت ضوضاء قادم من آخر الطرقة التي يسير بها، ليقطب حاجبيه باستغراب وفضول ناحية الصوت. فرأى فتاة ترتدي بنطال من الجينز المهترئ من عند الركبة وهذا ما يدعى بالموضة!
وكنزة بدون أكمام حمراء اللون تجسم جسدها العلوي بضيق فتبرز بياض جسدها، ذو فتحة صدر واسعة لحد ما. وخصلاتها البنية المدرجة أحاطت وجهها الأبيض بعينيها البنية الفاتحة وحاجبيها المنمقان وثغرها المغري. بدت جميلة لحد لا يمكن تجاهله، رغم قصرها الواضح والذي أبداها أكثر إغراءً. توقف أمامهما وهو يراها تتشاجر مع ممرض من المستشفى. ليتسائل بصوت مرتفع كي يطغى فوق صوت شجارهما: _فيه إيه؟ إيه الدوشة دي؟
الدور فيه غرف عمليات، مينفعش اللي بتعملوه ده. توقفا عن الشجار، لتلتف له تلك الثائرة تريد الصياح به هو الآخر، لكنها ابتلعت ريقها حين رفعت عيناها لتبصر وجهه. حين التفت قابلت جثة بطول فارع وصدر عريض لحد ما. رفعت نظرها لتقابل وجهه الخمري الذي تزينه عيناه السوداء الواسعة، وأنفه المستقيم، وخصلات شعره السوداء. مهلاً، إنها نفس الملامح التي تفضل دوماً رسمها. انتبهت على صوته حين تنحنح وهو يقول: _أنت معايا يا آنسة؟
أومأت برأسها وهي تشيح ببصرها بعيداً عنه، وقالت بصوتها الرقيق: _أيوه.. هو.. الأخ ده بقوله عاوزة أدخل أشوف مامي مش موافق، رغم إن امبارح الدكتور المشرف عليها قالي إني ممكن أشوفها بكرة. قطب حاجبيه مستغرباً وهو يقول: _لحظة بس، تشوفيها فين؟ هنا الدور كله غرف عمليات. التفت له مرة أخرى وأوضحت وهي تشرح بحماس جعله يبتسم لها بلطف:
_لا، هي مامي تحت في العناية المركزة. وأنا كنت تحت، والأخ ده برضه كان تحت. بعدين أنا وهو اتخانقنا تحت، بس قليل الذوق ده سابني وطلع قبل ما نكمل الخناقة. فطلعت وراه. كبح ضحكته وهو يتجه بنظره للممرض يسأله بحدة مصطنعة كشفها الممرض فضحك بخفوت: _أنت إزاي تطلع قبل ما تكملوا خناقة؟ مش أصول خناقات دي! شهقة ناعمة خرجت منها وهي تلتفت له بعد أن كانت تنظر للممرض بانتصار، لتدرك أنه يستهزأ بها. فحولت ضفة الشجار له وهي تهتف بضيق:
_الله! أنت بتتريق بقى! عيب عليك على فكرة، أنت دكتور ميصحش طريقتك دي. قالتها وهي تنظر لثوب العمليات الذي يرتديه، والذي أوحى بمهنته. فتحكم "باهر" في ذاته وهو يصطنع الجدية ناظراً للممرض: _هي الزيارة ممنوعة عنها؟ أومأ الممرض وهو يقول لـ"باهر": _آه، الدكتور مانع الزيارة وده لمصلحتها، لأنها ما كملتش يومين في العناية. ده اللي بحاول أفهمه للآنسة بقالي ساعة. ذمّ "باهر" شفتيه بتفهم وهو يشير له بالذهاب. ثم اتجه
بنظره لها وهو يحاول الشرح: _بصي يا آنسة... ضيّقت ما بين حاجبيها بتأفف وهي تقول: _جاسمين... _نعم؟ هتف بها بتفاجؤ من مقاطعتها له، لتنظر له بملل بمعنى أنها لن تعيد كلمتها مرة أخرى. تنحنح باستيعاب حين علم أنها أخبرته باسمها، فاكمل بهدوء: _بصي يا آنسة جاسمين، والدة حضرتك واضح إن حالتها مش مستقرة. وعموماً أي حد في العناية المركزة مش صح أبداً يبقى له زيارات. وده لمصلحتها خصوصاً إنها ما كملتش يومين في العناية.
تهدّلت كتفيها بحزن واغرورقت عيناها بالدموع وهي تهمس بنبرة مختنقة: _أنا بقالي يومين مشوفتهاش.. وأنا مش متعودة تغيب عني كده.. عاوزة بس أشوفها حتى لو من بعيد. تأثر من نبرتها ومعالمها التي لم يليق بها الحزن. ليزفر ببطء وهو يضيق عيناه بينما يقول لها: _خلاص، إيه رأيك تشوفيها من ورا الإزاز؟ ينفع؟ أشرقت ملامحها مرة أخرى وابتسم ثغرها المطلي بملمع شفاه فقط دون لون، وهو تومئ برأسها قائلة بفرحة: _ينفع.
ابتسم تلقائيًا وهو يشير لها لتسبقه، فثارت أمامه بحماس ظهر على حركات جسدها كطفل حصل أخيرًا على ما أراد. ابتسم هازئًا رأسه بعدم تصديق. ترى ما عمر هذه الفتاة؟ هل تجاوزت العشرين حتى؟ لا يصدق أنها تخطت عمر المراهقة بعد! ترجل من سيارته بأنفاس ذاهبة، يشعر أنه لا يجد في صدره نفسًا واحدًا لالتقاطه. قلبه يرتعش. وهل تعرف هذا الشعور؟
من جربه حتمًا سيعرفه، ومن لم يجربه سيجده مبالغًا فيه. لكن على أي حال، فالصدق هو ما أقوله وأشعر به الآن. رأى الرجل الخاص به يقترب منه، فوقف بثبات ينظر إليه حتى اقترب الأخير وهو يقول: -باشا، هي في العمارة دي، الدور السادس. هتلاقي حضرتك يافطة عليها اسم "كمال مختار" طبيب نفسي. أومأ برأسه بشرود، يخبره وعيناه تنظر للعمارة التي أشار إليها، كأنه يقنع عقله أن من ركض ورائها عشر سنوات تقبع هنا!
يفصله بينها عدة خطوات، ومصعد كهربائي فقط! رباه، وكيف له أن يصدق بسهولة؟ -خلاص، روح أنت. وبرضو متسحبش رجالتك من عند بيتها، سيبهم يمكن نحتاجهم هناك. أومأ الرجل برأسه وهو يخبره بانصياع: -أوامر ياباشا، بالإذن أنا يا كبير. علّ صوته وهو يخبره للمرة الأخيرة قبل أن ينسحب من أمامه متجهًا للعمارة: -كلم طارق. وهذه الجملة معناها "مكافأة نقدية كبيرة"، جعلت الرجل يهلل من خلفه بفرحه: -ربنا ما يحرمنا منك ياباشا، خيرك سابق والله.
لم يهتم بأي من هذه الثرثرة وهو يقرر ترك قدماه لتهرول لها. إن وقف حتى يستوعب عقله فلن يستوعب، وإن انتظر أن يستعد فلن يستعد. ربما سيأتي عليه عشرة أعوام أخرى هنا قبل أن يفعل! لذا قرر ترك كل هذا جانبًا والركض فقط ناحيتها. وأثناء صعوده في المصعد، أخذ عقله يدور كدوران عقرب الساعة، دون توقف. يتسائل هل سيعرفها حينما يراها؟ أم عشر سنوات نجحوا في تغيير ملامحها؟
يقولون أن الشخص مهما كبر يظل يحمل طيفًا من ملامح طفولته. وهو لم ينسى ملامحها يومًا، فإذا سيجد بها شيئًا يخبره أنها خديجة؟ أم أن قلبه سيتعرف عليها أولًا، كما يفعل دومًا! وهي هل ستعرفه؟ هل ستشك حتى بأنها رأت هذه الملامح سلفًا! لا يعلم، وعقله متخبط في الحيرة، وبين ترجيح رأي وآخر. ورغم حماسه للقاء إلا أنه يريد الفرار بعيدًا من كثرة خوفه منه. وياللعبث! "مراد وهدان" يخاف من شيئًا! ولكن دومًا كان أي شيء يرتبط "بخديجة" غير.
خرج من المصعد ليرى اللافته أمامه. أذردر ريقه بتوتر بالغ حتى تحركت تفاحة آدم لديه بوضوح. رفرف بأهدابه أكثر من مرة، وقبض على كفه عدة مرات يقبضه ويبسطه، يشجع قدماه على التحرك لكنها لا تفعل. وعقله بات يتخيل أبشع السناريوهات عن ردة فعلها، كأن تطرده، أو تصرخ بوجهه ملقية اللوم عليه في خسارة شقيقتها، أو تظهر بغضها له وتطلب منه الرحيل للأبد وألا يريها وجه ثاني!
وكل هذه التخيلات البغيضة ثبتت قدماه في الأرض أكثر، حتى أن أول خطوة فعلها أنه عاد للخلف بدلاً من التقدم! احتقنت عيناه بالدموع وهو يلتف عائدًا وهرول للمصعد. وبدلاً من أن يهرول إليها هرول منها وتبًا لسخرية الحياة! مسحت دموعها حين استمعت لصوته يحدثها برفق: -كفاية كده بقى، بقالنا كتير هنا وأنا قولتلك خمس دقايق بس. أومأت برأسها وهي تلتف له ليري عيناها المحمرتان، وأنفها الذي لم يبدو أفضل حالًا. فوجد ذاته يواسيها بتلقائية:
-صدقيني هتكون بخير إن شاء الله، ادعي ربنا بس واتماسك. مسحت عيناها جيدًا وهي تردف بنبرة خافتة وعيناها تطالع الأرضية بتأثر بحالة والدتها: -إن شاء الله. سألها بفضول: -هو محدش معاك؟ نفت برأسها مجيبة:
-لأ، بابي مسافر بره في شغل، أصلًا عامل بيزنس خاص بيه في إيطاليا ومن أكبر ال business men "رجال الأعمال" هناك. عشان كده للأسف ميقدرش ينزل فجأة كده من غير ما يرتب أموره والي حصل لماما حصل فجأة. بس إن شاء الله هينزل خلال يومين. سوري شكلي رغيت كتير كالعادة. قالت الأخيرة بحرج وهي تعيد خصلات شعرها المتهدلة خلف أذنها، ليبتسم لها بود وهو حقًا يشعر بالتسلية من حديثها:
-لا أبدًا بالعكس، رغيك مش ممل خالص ده مسلي. يلا نخرج بقى قبل ما نتقفش هنا واترزع حتة مخالفة القوانين تنقص نص مرتبي. ضحكت وهي تخرج مجاورة له: -لا وعلى إيه، الطيب أحسن. أنت برضو عملت معايا معروف عمري ماهنساه. ضيق ما بين حاجبيه بضيق مصطنع وهو يشيح بيده معترضًا: -لا مانا مش لسه هستنى أشوفك تنسيه ولا لأ، أنا أحب آخد رد معروفي وقتي لو سمحت. ابتسمت باتساع على مرحه، وقالت وهي تنظر له بينما يسيران: -أرده إزاي طيب؟
رفع كتفيه بغضب مصطنع قائلًا بشفاه مذمومة: -لو مهتمة كنتِ عرفتي لوحدك. ضحكة عالية خرجت منها فجأة جعلته يتوقف محله وينظر لها بدهشة، وهي وضعت كفها على فمها سريعًا مدركة أن ضحكتها كانت أعلى من اللازم. وجدته ينظر حوله ليجد البعض يطالعهم باستغراب. فأي مجذوب هذا يطلق ضحكة عالية كهذه في مستشفى! رفع كفيه معتذرًا وهو يقول: -آسفين يا جماعة، هي بس اتصدمت من حالة والدتها فده رد فعل انعكاسي مش أكتر. استمع إلى
أحد السيدات تقول بشفقة: -ربنا يلطف بيكِ يابنتي. هز رأسه بحزن وهو يشير لها بالتحرك. ضغطت على أسنانها بضيق قبل أن تهمس له وهي تناظره بنظرات طفولية غاضبة: -بقى بتطلعني مجنونة! طب والله ما ردالك حاجة، هه. أنهت حديثها وهي تتركه وتهرول بخطواتها الغاضبة للخارج، ليضحك بخفوت وهو يهمس لذاته متعجبًا: -إيه البت دي! انتبه لأحد يهتف باسمه فتركه وتحرك ليتابع عمله، وعقله طوال اليوم لم ينفك عن تذكرها والابتسام تلقائيًا.
وضعت كوب الشاي الساخن أمام عمها الذي فتح ذراعه لها وهو يأمرها بلطف: -تعالي جاري اهنه. جلست جواره وهي تحاول أن تبدو جيدة، رغم تورم عيناها من البكاء. ألا أنها تحاول مداراة هذا، فإن فعلت العكس ربما سيكون اليوم أشد ما تلقاه من والدتها التي تحدقها بحدة. استمعت لعمها يسألها بعد أن أحاط كتفيها بذراعه: -جرى إيه لعينك؟ مورمة أكده ليه؟ وقبل أن تجيب سبقتها "سرية" بأسف مصطنع أتقنته: -ما خبرينش ياخوي، من وقت ما صحيت وهي أكده.
-أشيع أجيب لك الحكيم؟ سألها "منصور" بلطف، لتجيبه بهدوء: -ملوش داعي، حطيت جطرة "قطرة"، وهبجى زينة. أومأ برأسه وهو يسألها ثانيًا: -جوليلي عرفتي جامعتك إيه؟ -وه! جامعة إيه يا منصور، مش اتفقنا إن خطوبتها هي وولد عمها الشهر الجاي؟ للمرة الثانية كانت "سرية" تتدخل في الحديث قبلها، فنظر لها "منصور" باستغراب: -به! إيه علاقة دي بدي؟ بعدين خطوبتهم أنا مدتها ٤ سنين على ما تخلص جمعتها. -صح ياعمي؟
تسائلت بها "فريال" بلهفة وأعين دامعة، لينظر لها "منصور" بحنو مجيبًا بحنانه المعهود: -صح يا جلب عمك، اوعاك تكون المخبولة دي هي اللي عاملة أكده فيكِ! جالتلك ما تكمليش تعليمك صح؟ أومأت برأسها وهي تجهش في البكاء غير قادرة على السيطرة على ذاتها أكثر، فاحتضنها لصدره وهو يهدأها بضيق جلي، جعله ينظر ل"سرية" بحدة وهو يهتف بها غاضبًا: -لو زعلتي البت تاني وعهد الله لهنزل عليكي بالكرباج لحد ما يبانلك صاحب سامعة! مرا سو بصحيح.
ابتلعت ريقها وهي تنظر بعيدًا، رغم قوتها إلا أنها تخشى شقيقها حقًا ولا تحبذ أبدًا أن تكن ندًا له. -يا مركوبة "جزمة" أنتِ، حد طايل ضفرها دي! أنا جدامك أهو أنا ومرتي، ياما اتمنيت ربنا يرزقنا ببت واحدة تعمل للبيت حس بدل البغال اللي معايا، بس ادي الله وادي حكمته. عشان أكده دي بتي مش كيف بتي لاه، ولو جربتيلها تاني متلوميش غير نفسك. أومأت برأسها بخنوع مستسلم وداخلها يفور غضبًا من تلك الفتاة التي وضعتها في موقف كهذا.
رفع رأس "فريال" عن صدره وهو يمسح دموعها ويخبرها بابتسامة: -عشان أكده مرايدش ليكِ البهدلة وطلبتك لإبراهيم ولدي. ولولا اللي حصل كنت خدتك لباهر، بس يالا أهم الاتنين من دمي وهيحفظوكِ. ضغطت "سرية" على شفتيها بغضب وهي تلعن ذاتها، فلولا فعلتها لكانت ابنتها من حظ الابن الأكبر الآن، وها هي من تعض أصابعها من الندم! -همي يالا، جومي نروح نشوف جالك جامعة إيه.
ابتسمت له بسعادة، واقتربت تقبل وجنته بفرح بالغ ثم ابتعدت تركض للداخل لتغير ثيابها، بينما هو يحدق "سرية" بنظرات غاضبة، حتى قال بحدة فجأة: -جومي فزي من وشي، مش طايج أشوفك. نهضت على الفور ودلفت للداخل تحت نظراته الغير راضية، والذي عبر عنها بتمتمته: _عجول فارغة! لم يستطع! حقاً لم يستطع! لم يستطع الوقوف أمامها ورؤيتها كما تمنى عمراً! توقع سناريوهات كثيرة لهذا اللقاء إلا أن يركض هارباً هكذا!
ضحكة مستهزأة خرجت منه بينما يجلس في سيارته يراقب العمارة بحزن وحسرة، وأصابعه تنقر فوق المقود، كحاله منذ خمس ساعات مضت. حرك رأسه ساخراً ونظر للمقود وأصابعه تطرق فوقه وهو يحدث ذاته أخيراً بنبرة مقهورة رغم سخريتها: _بقى بعد كل ده مش قادر تواجهها! بعد عشر سنين بتتمنى تعرف طريقها لما يكون بينك وبينك خطوة تجري زي الجبان! حول نظره للعمارة وتحدث كأنه يراها: _طب اعمل ايه! قوليلي أنت!
أنا خايف وقلقان ومتوتر، مش عارف اتصرف ازاي. من كتر خوفي لرد فعلك يبعدك عني اكتر حاسس نفسي متكتف، خايف الاقي رفض تام منك وتقفليها في وشي، خايف اشوف نظرة خوف او عتاب في عينك.. أنت ازاي بتعملي فيا كده بجد! ازاي يا خديجة! أنا مراد وهدان الي اجدع شنب يتهزله اجي قدامك واخاف واضعف كدة! اخاف من رد فعلك زي عيل صغير، واتردد من مواجهتك بالشكل ده!
صمت واغمض عيناه لدقيقة بعجز وعقله الآن لا يهديه للتفكير الصحيح، فقرر أن يراها فقط اليوم ثم سيجلس ويرتب أوراقه قبل اللقاء الثاني. وطوال جلوسه في السيارة كان يفكر، فتيات كثيرات تخرجن من العمارة، ترى هل سيعرفها من بينهن؟ بالأعلى كان الوضع سيكون أسهل بكثير لكن الآن بات معقداً. وضع كفه على قلبه مؤمناً به وقال: _متأكد إنك مش هتغلط فيها.
وصدق أم لا تصدق، فجأة علت دقات قلبه مع خروج إحداهن، فتاة تبحث في حقيبتها عن شيء ما فتوقفت أمام باب العمارة حتى تجده. ترتدي كنزة سوداء وتنورة مماثلة وحجاب لم يختلف عنهم. لم ترفع وجهها بعد لكنه عرفها!
حاول ابتلاع ريقه لكنه لم يستطع، لم يتحرك عنقه حتى، عيناه مثبتة عليها وهو يضع كفه فوق قلبه يستشعر دقاته المنتفضة. وها هي أطلت بوجهها وهي تتحدث بالهاتف الذي كانت تبحث عنه في حقيبتها الكبيرة. تباً للحياة التي قست علينا لتفرقنا كل هذا الوقت! أم تباً لي لأنني السبب الرئيسي لحدوث كل هذا! عيناها كيف مازالت نفسها!
واسعتان وبريئتان وبهما لمعة خاصة، عيناها التي يستطيع تمييزها من بين مليون من البشر. ولكن للأسف كل ما تبقى من ملامح طفولتها هي عيناها وبشرتها الخمرية فقط! باقي ملامحها بدت غريبة عليه، وهذا ما جعله يلعن... لم يعرف من الملعون تحديداً لكن عزّ عليه أن يستغرب شكل من تمثل له كل شيء هكذا! أن يستغرب شكل ساكنة قلبه، وحبيبته، ورفيقة طفولته، وابنته التي ربها على يده!
ابتسم ثغره بحنين وهو يشبع عيناه منها. وللعجب لم يجد الجرأة للترجل والذهاب إليها واحتضانها رغم رغبته في هذا وبشدة!! همس من بين شفتيه، وقد عرفت دموعه طريقها لوجنتيه، كالعادة لا تنزل سوى من أجلها هي فقط: _خديجة.. وكأنه يستشعر حلاوة اسمها مع صورتها لأول مرة منذ عشرة أعوام!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!