"حب زائف! "أشعر بطوق يلتف حول عنقي يكاد يخنقني، ولا أجد للخلاص منه سبيلاً، والمضحك في الأمر إنني من لففت الطوق بيدي! فكيف لي أن اشتكي! شهقت بخضة حين التفت ووجدته خلفها تمامًا، لا يفصل بينهما سوى سنتيمتر واحد، حتى أن هاتفها سقط من يدها ولولا تمسكه به بتلقائية وسرعة بديهة لأصبح فتاتًا الآن. ابتسم ثغره بغيظ وهو يعقب على الموقف مرددًا: –واضح إنك كنتِ مشغولة في المكالمة لدرجة إنك محستيش بوجودي.
التقطت أنفاسها الذاهبة بتروٍ وعادت خطوتان للخلف، قبل أن تجيبه بابتسامة مهزوزة: –أنا فعلاً محستش بوجودك، أنا لفيت صدفة أصلاً، بس كان لازم تنبهني، أنا قلبي كان هيوقف من الخضة. لم يعقب على حديثها، وأصر على التحدث في نفس النقطة مندفعًا بغيظه الداخلي: –الحقيقة الغلط مش عندي، أنتِ الي مش مركزة خالص. ابتسمت بهدوء وهي تقول: –يعني حتى مش هاين عليك تعتذر بالمجاملة! رفع شفته العليا بحنق وهو يجيبها: –الاعتذار مفيهوش مجاملات.
اندثرت ابتسامتها وهي تشعر بجديته في السخافة! بالطبع سخافة، فما له يأخذ الأمر على محمل الجد لهذه الدرجة، بينما هي تأخذه من باب الدعابة، ولكن إن آخذه هكذا فستفعل هي الأخرى، وهذا ما دفعها للتحدث بجدية وهي تخبره: –هو الشغل متعطل ولا حاجة؟ يعني في مشاريب كنت جاي تاخدها ومكالمتي عطلتك؟ –لأ. أجابها باقتضاب، لتهز رأسها باهتمام، وهي تمد كفها له: –ممكن تليفوني!؟
رفع يده بالهاتف لها وهو يلاحظ تغير ملامحها، يبدو أنه بالغ في ردة فعله! فأخذته منه واتجهت للطاولة العريضة المرتفعة عليها الأكواب وأخذت ترتبهم بعناية رغم عدم حاجتهم لذلك، لكنها من الواضح تشغل ذاتها حتى ينصرف عنها. شعرت باقترابه منها رغم حفاظه على مسافة جيدة بينهما، فلم تهتم، لكنها سمعت صوته يقول بمرح طفيف: –مال وشك قلب ليه كده! كل ده عشان اعتذار المجاملة!؟ حنت رأسها قليلاً بلامبالاة وهي تجيبه بينما لم تلتفت له حتى:
–لا عادي، مقلبتش وشي ولا حاجة. ضحك ضحكة بسيطة وهو يعقب على عصبيتها في نقل الأكواب: –ماهو واضح! ده أنتِ ناقص تخبطيني بالكاس الي في ايدك ده. وهنا نظرت له بجانب عيناها وهي ترفع كتفيها بغيظ: –كويس انك خدت بالك. اتسعت ضحكته وهو يتعجب من ردة فعلها، وسألها من بين ضحكته: –ياساتر! ليه كل ده! تركت ما بيدها والتفت بجسدها له وهي تخبره بحنق واضح:
–مبحبش اكون واخده الموضوع هزار والاقي الي قدامي قفل وواخده جد، يعني أنا كنت بهزر لما قولتلك اعتذر حتى لو مجاملة، لكن كان واضح في ردك عليَّ إنك بتتكلم جد، فقفلتني بصراحة. أنهت حديثها وهي تحرك عيناها لأعلى دليلاً على ضيقها من موقفه، مما جعله يبتسم مرة أخرى وهو يجيبها: –لا في دي معاكِ حق، أنا فعلاً اوقات مبعرفش افرق بين الجد والهزار، بس على فكرة انا كمان كنت بهزر. رفعت حاجبها الأيسر بعدم تصديق وهي تسأله مستنكرة:
–بقى كده كنت بتهزر! اومال لو كنت بتتكلم جد بقى، ملامحك كانت باينة على فكرة، فانت كده مش بتصلح الموضوع أنتَ بتبوظه. حك مؤخرة رأسه بكفه الأيمن وهو يعقب بحرج طفيف: –ماشي، انا فعلاً كنت قفل ومفهمتش إنك بتهزري، بس المرة الجاية هاخد بالي واهزر معاكِ. ابتسمت بلطف جعل عيناه تلمع، وهي تحني رأسها قليلاً وقالت بهدوء: –ماشي. –خير سايبين الشغل وواقفين ترغوا؟!
التفت على صوت "طارق" الذي صدح من خلفهما، ليضغط "مراد" على نواجذه محاولاً التحكم في أعصابه فقد علم الآن ماهو مقبل عليه "طارق" من فرض سيطرة سخيف، مستغلاً عدم قدرته على الرد أمامها. التفت له ونظر بأعين محذرة: –ابدًا يا استاذ طارق مش سايبين الشغل ولا حاجة. التمعت أعين "طارق" بتلاعب ماكر، وهو يسأله ساخرًا: –والله! ده انا سامع رغيكوا بقالي فترة. –مفيش مانع نتكلم واحنا بنشتغل. قالها "مراد" بحدة واضحة جعلت "خديجة"
تهمس له من خلفه: –اهدى ليرفدك. وما زاده جملتها إلا اشتعالاً، هل أصبح "مراد وهدان" عُرضة للرفد! ومِن مَن! مِن "طارق" الذي يعمل لديه! ضغطت على أعصابه وتحكم في ذاته وهو يقول: –اقصد يعني اننا بنسلي وقتنا واحنا بنشتغل مش اكتر. أومأ "طارق" برأسه وقد قرر تمرير الأمر بعدما رأى احتقان وجهه الذي يدل على وصوله لأقصى حالات تحكمه بذاته، وللحق لا يتمنى "طارق" أن يكون محل إفراغ شحنة غضبه هذه لاحقًا، فاكتفى بهذا
القدر وقال قبل أن ينسحب: –تمام، اهتموا بالشغل شوية عن كده. لو باستطاعته لذهب خلفه الآن وأشبعه ضربًا، لكنه لا يريد لفت نظرها، لذا أخذ نفسه بعمق والتف لها بابتسامة هادئة، فوجدها تقابله بعتاب واضح وهي تقول: –طريقتك معاه كانت ممكن تعمل مشكلة، أنتَ أول مرة تشتغل في مكان ولا ايه!؟ الطبيعي أننا بنكون أهدى وبنتجاهل طريقة المدير لو مش لطيفة عشان منترفدش. رأسه بلامبالاة وهو يخبرها:
–مبحبش حد يكلمني بلهجة متعجبنيش، بس كويس إنك هديتيني عشان كنت هغشّم معاه. ضحكت بعدم تصديق وهي تعقب: –ده كويس إني لحقتك فعلاً، لا لازم تكون أهدى وأبرد من كده، الشغل مبيمشيش بالطريقة دي. جاء أحد العمال الآخرين في المكان، وهو يقول موجهًا حديثه لـ "مراد": –واحد أوريو واتنين جوافة لطربيزة ٧. أومأ "مراد" برأسه ليذهب الآخر، وبدأت "خديجة" في إعداد المشاريب، قبل أن تسمع لصوت "مراد" يسألها: –هي رنا اتأخرت ليه؟
عقدت حاجبيها بجهل وعقبت: –مش عارفة، أنا برضو مستغربة ده احنا لسه تاني يوم شغل. –مكلمتيهاش؟ نفت برأسها وهي تجيبه: –مخدتش رقمها لسه. أومأ برأسه متفهمًا، وتابعها وهي تعد المشروب، عيناه تلتهم كل شيء يخصها، كل تفصيلة بها تتروى نظراته عليها ببطء، يشبع عيناه منها، ولا يصدق أنه أصبح يستطيع فعل هذا، لم تعد في مخيلته فقط، بل أصبحت أمامه، يتحدث معها، وينظر لها، ويستطيع لمسها لولا الرقابة!
في لحظة واحدة كان يقبض على كفها بنفس اللحظة التي اصطدم ظهرها بصدره، كل ما حدث لم يأخذ ثانيتين ولا يعرف أحدهما كيف أصبحا متلاصقين هكذا!
كل ما في الأمر أن الخلاط الكهربائي الذي استخدمته لصنع المشروب أصابها بماس كهربائي طفيف جعلها تنتفض للخلف، بنفس اللحظة التي لاحظ هو بها ما حدث فاندفع يبعدها عنه ليصبح المشهد كما هو الآن، ملتصقة بصدره وكفه الأيسر يقبض على معصمها الأيسر، لم يتعدى الأمر الثانية الواحدة قبل أن يبتعدا، ولكنها كانت كفيلة لبعث الكثير من التساؤلات، والمشاعر!
انتفاضة أصابت قلبها حين شعرت بهِ خلفها، ورعشة لذيذة سرت في جسدها أثر تلامسها معه، ولكن تلك اللمسة لم تكن عادية بطبيعة الوضع الذي هما فيه، لكنها كانت رعشة خاصة، ترتبط بشيء ما في الماضي البعيد! "حين تتشتت ذاكرتك، وتفقد ذكرياتك، تتبع دقات قلبك، فإنها.. لا تخيب! زفرت أنفاسها بتوتر بالغ وهي تشعر بقلبها يعيد التعرف عليه، بالأمس شعرت بألفة عيناه، واليوم شعرت بألفة لمسته!
وعنه فقلبه استكان بعد ركضًا طويلاً قُطعت فيه أنفاسه، منذ قليل اشتكى من عدم شعوره بلمستها، وكانت هي الناقصة لتكتمل صورة واقعها لديه، وها قد حدثت، فبات قلبه متأكدًا من وجودها، وعودتها، وهويتها، فإن كان لديه شكًا ولو واحد بالمئة من كونها هي نفسها "حبيبته" فالآن بات موقنًا من هويتها الحقيقية، قلبه عرفها.. كما عرفتها روحه بالأمس، وجسده تعرف على لمستها كما كان يفعل سابقًا. لملم شتاته وأجلى حنجرته وهو يقول:
–خليني أشوف الخلاط ده بيكهرب ليه. تنحت بعيدًا وهي تخبره بقلق: –حاسب ليكهربك. هز رأسه لها وهو يتفحصه بعناية، بينما وقفت هي تتابعه بقلق من أن يؤذيه مثلما فعل معها منذ قليل، ولا تعرف هل هي قلقة على شخصه، أم قلقها طبيعي كقلقها لأي شخص آخر محله..!!
-ها هي تخطو أولى خطواتها صوب "القاهرة" أو "مصر" كما يسمونها أهل القرى، وكأنهم يعتبرونها ممثلة عن مصر بأكملها، ووجدتها كما يقولون، تعج بالكثيرون، والزحام المروري المتكدس رحب بها من الوهلة الأولى، الأبخرة المتصاعدة مع الهواء جعلتها تشتاق لنقاء هواء بلدها. التفت لخالها حين استمعت له يقول: –مالك مصدومة أكده من وقت ما اتدلينا مصر. –زحمة جوي يا خال.
رددتها بينما عيناها تدور بتفحص من حولها لكل شيء يمر بجانب السيارة المستقلان بها، ضحك "منصور" على اندهاشها الواضح، وغمغم بتفهم: –بكرة تتعودي على زحمتها. هزت رأسها باهتمام وهي تتابع حركة السير وتركض عيناها فوق المحلات والمستعمرات السكنية، تتعرف على الحياة الجديدة التي تخطو إليها في سبيل تحقيق ذاتها ونجاحها. -أسبوع مر على أبطالنا بسلام.. تغيرت حياتهم بمختلف الأحداث، ربما ليست أحداث مهمة لكنها حققت تغيرًا ما..
القى نظرة أخيرة على ذاته في المرآة معدلاً من سترته الكحلية، وتأكد من ترتيب خصلاته، قبل أن يلتقط هاتفه ومفتاح شقته وباقي أغراضه وأغلق نور الغرفة خارجًا من الشقة بأكملها قاصدًا حفل عائلة وهدان المدعو له. أغلق باب شقته وكاد يتجه للدرج، لكنه توقف على صوت فتح باب الشقة المقابلة وظهرت "فريال" من خلفه ملتفة بوشاحها الأسود أعلى جلبابها المنزلي، وأردفت: –باهر أنتَ خارج؟ ابتسم بهدوء وهو يجيبها:
–أيوه، محتاجة حاجة أجبهالك وأنا جاي؟ اتسعت ابتسامتها للطفه وبدلاً من أن تجيبه على سؤاله حدقته بنظرات مرحة، قبل أن تقول مغازلة: –ايه الشياكة والأناقة دي؟ وه شكلك وكأنك رايح تتقدم لعروسة. اتسعت ابتسامته فبرزت الحفرتان المزينتان لوجنتيه وهو يساير مرحها: –يعني ميمشيش معاكِ إني رايح حفلة مهمة وعشان أنا دكتور لازم أهتم بشياكتي. نفت برأسها وهي تضيق عيناها بتفكير زائف: –له، مامشيش. ضحك بخفة وهو يخبرها غامزًا لها بجانب عيناه:
–عشان هو فعلاً مش ده السبب. اتسعت عيناها بشكل مضحك وهي تسأله بعدم تصديق: –هو في عروسة بجد؟ لا متقولش! بقى في عروسة وبتداري علينا يا باهر؟ لا ومفهمنالك إنك محترم! ضحك على سخافة حديثها وهو يعقب باستنكار: –يعني لو في عروسة هبقى مش محترم؟ أنتِ هبلة يابت؟ انتبهت لما قالته فوضحت مقصدها:
–مقصديش، بس كنا ابتدينا نشك إنك مش هتحب صنف الحريم كله، من كتر ما كنت بتجفل أي كلام يتفتح في موضوع جوازك، طلع في واحدة واحنا مش عارفين.. طب إيه اللي معطلك تتجوزها؟ رأسه بيأس منها وهو يقول: –مين قالك إني أعرف واحدة؟ ومين قالك إن معرفها من زمان، لأ وفي حاجة معطلاني أتجوزها، أنتِ بتختري كلامك من دماغك؟ –وه! مانت لسه جايل كده! –أنا مقولتش فيه عروسة، أنا قولت إن سبب شياكتي مش الحفلة بس مش معناها إن في عروسة!
وعشان تفهمي أكتر، مش عروسة ولا حاجة، كل الحكاية إنها بنت حاسس ببوادر إعجاب من ناحيتها، وهتكون موجودة في الحفلة.. ده كل الحوار. رفعت حاجبيها بتفهم للأمر وقالت بغمزة: –إعجاب، قولتلي، يلا ربنا يهني سعيد بسعيدة. رفع جانب شفته العليا باشمئزاز وأشار لها برأسه مردفًا: –امشي يا به ادخلي جوه واقفلي الباب، قال سعيد وسعيدة قال.. رمقته بجانب عينها بضيق وهي تغلق الباب في وجهه بشدة، ليتملكه الغيظ وهو يرفع صوته كي تسمعه:
–يلا ياللي مشوفتش ترباية. عدل سترته للمرة الألف قبل أن ينزل الدرج لأسفل فيكفي ما أضاعته تلك المعتوهة من وقت.. -في غرفة مكتب "حسن وهدان" جلس قبالته نجله "مراد" الذي انتهى للتو من ترتيب أوراق الصفقة الأخيرة وعرضها عليه كي يقوم هو بدوره بعرضها على مرؤوسه. أحنى "مراد" رقبته قليلاً بإرهاق وأردف بنبرة مرهقة أكثر: –كده تمام، الورق كله اتصفى وجاهز إنك تسلمه. أومأ "حسن" برأسه وقد رجع بظهره للوراء باسترخاء هو الآخر، وقال:
–كويس إننا خلصناه، البوص مستعجل عليه. أومأ الآخر برأسه بعدم رد، لكن تحفزت كل ذرة بجسده الذي تصلب لوهلة وهو يستمع لوالده يقول: –مقولتليش يعني إنك لقيت خديجة، ده أنا حتى كنت هفرحلك. ثُبت نظراته القوية على "حسن" لقليل من الوقت، كأنه يزحزح ثبات الآخر بتلك النظرات قبل أن يسأله بعدم راحة وحذر: –وأنتَ عرفت منين؟ ولا مخلي حد يراقبني؟ لوى فمه ساخرًا وهو يجيبه: –يراقبك؟
أنا مش محتاج أعين عليك رقابة عشان أعرف أخبارك، أنا أخبارك بتجيلي من غير مجهود، ولا نسيت مين حسن وهدان؟ لم يهتم بكل هذه الهرتلة في الحديث، وهو يرفع كتفه بلامبالاة قائلاً بنبرة جامدة: –معتقدش كان هيهمكن تعرف حاجة زي دي، يمكن لو كنت شايفك مهتم بموضوعها أصلاً كنت عرفتك إني لاقتها. وحتى هو لم يهتم بحديثه، وكأن الولد والوالد يتطبعا بنفس الطبع! وأردف بسخرية بطنت جوانب حديثه: –وهي برضو اللي خلتك تروح تشتغل مرمطون في مطعم؟
ابتسم باستفزاز له: –هي تعمل اللي هي عايزاه. وبالفعل نجح في استفزاز الآخر وإثارة غضبه حين ضرب بقبضته على المكتب بعدما اعتدل في جلسته، وظهر الغضب جليًا على وجهه وهو يهتف بصوتٍ مرتفعٍ: –بطل استفزاز، أنتَ إزاي تسمح لنفسك تبهدل نفسك وتنزل بمستواك كده، بقى ابني أنا، ابن حسن وهدان يروح يشتغل جرسون في مطعم عشان حتة ب… قاطعه "مراد" على التو بعدما تحفزت ملامحه للغضب والشجار، وأردف من بين أسنانه بنبرة محذرة:
–كلمة واحدة عنها متعجبنيش، تصرفي مش هيعجبك. اهتاج "حسن" أكثر لتهديده فسأله صارخًا بغضب: –هتعمل إيه يا مراد بيه؟ هتضربني؟ نهض "مراد" بجسد متصلب ونظرات غاضبة، وأردف بنبرة هادئة لكنها حملت وعيدًا واضحًا: –في حاجات عندي لو اتعرفت مش هتبسط. نهض يواجهه وهو يسأله بعدم فهم: –حاجات، حاجات إيه؟
أخرج علبة سجائره، والتقط واحدة بين إصبعيه وأخرج قادحته مشعلاً إياها بعدما وضعها في فمه، كل هذا تحت نظرات "حسن" المشتعلة من تصرفاته المستفزة، أخذ منها نفسًا عميقًا ثم أخرجه بتروٍ قبل أن ينظر للآخر ويسأله ببرود: –أنتَ عارف إني بحبها، والي بيحب مستعد يعمل أي حاجة عشان حبيبه، واعتقد إنك عملتها قبلي ولا إيه؟ لم يفهم "حسن" تغييره لضفة الحديث، لكن سؤاله الأخير نجح في استدراجه لفخه، فوجد ذاته يسأله مستفسرًا: –قصدك إيه؟
أخذ نفسًا آخر من لفافة التبغ وزفره على مهل قبل أن يجيبه: –قصدي إن ماما لما عرفت حقيقتك العلاقة انقطعت بينكوا، إيه اللي خلاك متتجوزش عليها مثلاً! رغم إنه حقك، بس أنتَ خوفت تاخد الخطوة دي عشان كنت عارف إنها هتقضي عليها، وعشان كده مفكرتش تتجوز لإنك بتحبها وخايف عليها، صح ولا غلط؟ هدأت انفعالات "حسن" قليلاً، وهو يستمع لتحليل ولده للوضع القائم بينه وبين والدته منذ عدة سنوات، فأجابه بهدوء:
–صح، رغم كل اللي عرفته عني، والي مش سهل بالنسبالها، لكن كنت عارف إن ده كوم وحكاية جوازي عليها دي كوم تاني، كنت عارف هتأثر فيها إزاي، وهتوجعها إزاي، ورغم إنها بتبين إنها مش طيقاني طول الوقت، إلا أني في أوقات بشوف في عينيها نظرة حنين، النظرة دي عمري ما كنت هشوفها لو اتجوزت عليها. –وعرفت. رددها "مراد" مكملاً حديث والده الذي نظر له بعدم فهم، ليعود ترديد كلمته في سياق الجملة:
–عمرك ما كنت هتشوف النظرة دي لو اتجوزت عليها وعرفت.. انعقد حاجبي "حسن" بعدم فهم وهو يسأله: –قصدك إيه؟ نفسًا آخر أخذه بعمق قبل أن يخرج دخانه، وهو ينظر لوالده باستمتاع قبل أن يلقي عليهِ قنبلته المدوية، والتي أردف بها بنبرة متلذذة وهو يجيبه:
–قصدي إنك محبتش تتجوز عليها وهي تعرف عشان السبب اللي قولته، لكن تتجوز عليها من غير علمها ده مكانش عندك مشكلة فيه… وده يخليني مفهمش حبك ليها الحقيقة، يعني أنتَ بتحبها وكل شوية في حضن واحدة شكل تحت مسمى جواز عرفي! بتعرف تعملها إزاي طيب! ده الواحد لما بيحب واحدة بيقرف من جنس الحريم كله وعينه مبتفكرش تشوف واحدة غيرها، ولا جسمه يقدر يقرب لواحدة غيرها، إزاي أنتَ بقى بتعملها مش عارف!
ولا أنتَ مبتحبش ليلى وواهم نفسك ولا إيه حكايتك؟ شحوب وجه "حسن" بهذا الشكل كان قمة الامتاع لعين "مراد"، شعر بالانتشاء وهو يرى أثر الصدمة على وجهه، لقد صمت لسنوات ولم يرد فتح حديثًا في هذا الأمر كي يستغله في الوقت المناسب، وشعر إن هذا هو الوقت المناسب تمامًا.. "مراد" بإمكانه فضح والده أمام "ليلى" التي ستصدق ولدها دون مجهود أو دليل منه، وهذا ما أوصله لوالده الآن وبالطبع الآخر قد فهم الرسالة جيدًا.
ابتلع "حسن" ريقه بصعوبة قبل أن يقول باضطراب: –أنتَ… أنتَ عرفت منين؟ ضحك ساخرًا وهو يجيبه بنفس إجابته منذ قليل: –من غير مجهود أخبارك بتوصلني، وأعرف ده من زمان على فكرة، من ٣ سنين كده.. وأنا عارف إن جوازاتك دي أصلاً من بعد ما انفصلت عن ليلى تقريبًا.
جلس "حسن" على مقعده بقلة حيلة، يعلم جيدًا أن "مراد" لم يصمت كل هذا الوقت عبثًا، بل سيستغل الأمر لصالحه بطريقة ما هو يجهلها، وعلى أي حال ما باليد حيلة، فما عليهِ الآن سوى مسايرته، فأردف موضحًا موقفه:
–أنا متجوزتش على ليلى غير بعد ٤ سنين من انفصالنا، ومش معنى كده إني مبحبهاش، أنا بحب ليلى وهفضل أحبها، بس كل راجل وله احتياجاته، وهي قفلت أي طريق يوصل بينا، مع ذلك محبتش تعرف بجوازاتي، رغم إني كنت أقدر أتزوج رسمي، أو حتى مهتمش تعرف ولا لأ، بس معملتش ده لأني خوفت عليها، ومحبتش تكرهني بجد. أطفأ "مراد" لفافته في المطفأة وهو يرفع شفته العليا مستنكرًا: –احتياجات!
أنتَ لو بتحبها بجد مش هتعرف تشبع احتياجاتك دي مع حد غيرها أصلاً! مش تروح تتجوز ولا ١٠ عليها وتقول بحبها! انفعل "حسن" عند هذه النقطة وهو يضرب بقبضته فوق المكتب مرة أخرى وقال بوجهٍ محمرٍ: –مين قالك إني لاقيت راحتي معاهم! كوني اتجوزت كذا مرة ده مش أوحالك بحاجة؟
أنا ولا واحدة منهم عرفت ارتاح معاها، وكل مرة بقرر اتجوز واحدة جديدة بقول يمكن دي اللي تريحني، بس بكون غلطان، عشان كده مفيش واحدة منهم استمرت معايا أكتر من ٥ شهور، أنتَ مش فاهم حاجة ولا فاهم اللي بمر بيه، فياريت تسكت. رفع منكبيهِ ببرود ولا مبالاة:
–ميهمنيش أفهم، بس يهمني ميكونلكش علاقة بأي حاجة تخصني أو تخص خديجة، عشان أنا اللي يفكر بس يكون سبب في مشاكل بيني وبينها مش هعمل اعتبار هو مين ومش هبقى على حاجة.. واظن إنك فاهم كلامي. وايحائة الأخيرة كان واضحًا بما يقصده، وانسحب من أمام "حسن" الذي أطاح بعدة أشياء من فوق مكتبه أرضًا بغيظ، وقد نجح "مراد" في إثارة غضبه وحنقه، فهل وقف أمامه يهدده بدم بارد هكذا! هل أصبح إصبعه تحت ضرس ولده الذي لم يتخطى العشرين عامًا بعد!
لقد هُزلت حقًا! ولكنه عاد يفكر وعقله يدور حول حديث ولده، وسؤال واحد بدا يتردد على عقله هل كان حبه لليلى حبًا زائفًا!؟ هل بالفعل وَهِم بحبها!!!؟ .. والإجابة مجهولة.. -عمومًا جو الحفلات لا يليق به، ولا يستسيغه، ولكنه لا يدري السبب الحقيقي وراء تواجده هنا، هل هو من أجل بوادر إعجابه بها كما اعترف لفريال!
أم فضولاً منه للتوغل في حياة تلك الفتاة التي أثارته بتصرفاتها العفوية وطريقة حياتها التي وضع حولها علامة استفهام، فلديه شعور داخلي بأنها تصطنع وأن خلف حياتها المليئة بالعفوية والضوضاء حياة أخرى كئيبة لا يتسلل لها شعاع نور، وصدقًا يتمنى أن يكون مخطئًا. رأى "نبيل" مقبلاً عليه من بعيد، فشد قامته يستقبله بابتسامة هادئة، فسمع الآخر يقول بينما يمد يده ليصافحه: –ازيك يا دكتور، منور الحفلة. صافحه "باهر" بود:
–الحمد لله، اخبار حضرتك إيه؟ –تمام، وادي المدام جت ترحب بيك بنفسها أهي. التف فوجد تلك السيدة الأنيقة، المرتدية لثوب بني ناسب سنها وشياكتها تمامًا، تقبل عليه مبتسمة، وحين أصبحت أمامه مدت يدها تصافحه بابتسامة، مرددة: –أهلاً دكتور باهر. صافحها وهو يقول: –أهلاً بحضرتك، ماشاء الله هو التعب بيحلي كده؟! ضحكت برقة وهي تضيق عيناها التي تشبه عينا ابنتها: –دول عنيك الحلوين يا دكتور، والله ياريت كل الدكاترة زي حضرتك كده.
–والله في مني كتير، خصوصًا بقى لو تحت التدريب زي حالتي كده. قاطع حديثهم إشارة "نبيل" على موضع ما وهو يقول بابتسامة: –أهي برنسيس الحفلة ظهرت أخيرًا. التف بنظره ناحيتها، فاختفت ابتسامته رويدًا وهو يرى ما ترتديه، سحقًا ووالدها يبتسم! لقد كان فستانًا بحمالة واحدة مائل يأتي من الناحية اليمنى ليزين كتفها الأيسر، بلون زهري رائع، ولكن ما له قصير لهذا الحد!
بالكاد يصل لأسفل فخذيها، ومجسم بشكل مستفز لمنحنياتها، ووالدها يبتسم..!!! –هاي يا جماعة. عقبت والدتها مبتسمة: –إيه القمر ده ياروح مامي. –ثانكس مامي، وأنتِ كمان تجنني. قالتها بابتسامة رائعة، وأعين لامعة فرحًا وزهوًا، ثم التفتت له ترحب بهِ مبتسمة: –هاي دكتور باهر، نورت البارتي. ابتسم لها بالكاد وهو يجيبها بهدوء: –شكرًا. –تعالي يا نبيل نسلم على الوزير وعيلته وصلوا أهم.
وانسحبا الوالد والوالدة، نظرت له مبتسمة برقة، وهي تأخذ خطوة واحدة تجاهه وقالت محاولة فتح حديث: –أصل دادي كل معارفه ناس مهمة.. لم يستطع مواكبة حديثها، فرد باقتضاب: –كويس. عقدت حاجبيها باستغراب من رده المقتضب، ولكنها لم تعقب، وقررت الخوض في حديث آخر، فسألته وهي تدرك الإجابة جيدًا والتي بالطبع ستكون إطراءً كبيرًا: –إيه رأيك في الفستان؟ وبغبائها أعطته الفرصة على طبق من ذهب، فبدون أن يطالع فستانها، أجابها ونظراته
الساخرة مثبتة على وجهها: –أنتِ شحتاه؟ عقدت حاجبيها بعدم فهم تسأله: –شحتاه؟ يعني إيه؟ وضح مقصده وهو يقول بنبرته التي بدت جادة: –واخداه من حد يعني؟ اتسعت عيناها برفض: –of course not, أنا مستحيل ألبس مكان حد! لوى فمه ساخرًا وهو يخبرها: –أصلُه صغير عليكي، فبالنسبة لي بالمنظر ده، شحتاه. وكان ردها شهقة خرجت منها كادت تزهق روحها…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!