تصببت عرقًا وهي ترى كابوسًا آخر في نفس الأسبوع، ظلت تصارع، تتحرك بعصبية مبغتة، وتمد ذراعها كأنها تحاول الوصول لشيء ما، حتى أيقظت النائم بجوارها، فانتفض مستيقظًا وأنار الإضاءة التي بجانبه، ليراها بحالتها العصبية هذه، فاسرع يحاول إفاقتها وهو يهزها بلطف مرددًا: _جاسمين، حبيبتي اصحي ده كابوس، جاسي.
انتبهت لمحاولاته لإفاقتها ففتحت عيناها بخضة، وهي تلهث من فرط المجهود الذي بذلته داخل كابوسها وفي الواقع، وكان وجهه هو أول ما رأته، وهو يقول بينما كفاه تمسحان العرق من فوق وجهها بحنان: _حبيبتي اهدي، خدي نفسك بهدوء يلا. واستجابت لنصيحته، فبدأت تلتقط أنفاسها بهدوء واعتدلت بمساعدته لها، ومرت دقائق بينهما يحاول هو فيها تهدئتها كالعادة، وبعد فترة كانت قد هدئت، فاستمعت له يقول:
_يلا يا حبيبتي نرجع ننام، النهار قرب يطلع وعندي شغل بدري. نظرت له بتوتر وتردد بالغين، ففهم هو نظرتها وما ورائها فقال بتحذير: _يلا يا جاسي ننام. لم تستطع الصمت أكثر لتعرب عن رغبتها، فقالت برجاء ظهر واضحًا: _باهر، ارجوك، المرة دي بس.. امتعضت ملامحه ورد رافضًا: _لا، لأن المرة اللي فاتت واللي قبلها كانت آخر مرة، كفاية بقى بهدلة وقلة قيمة، أنتِ نسيتي كام مرة اتبهدلنا والناس مصدقّتناش؟
نسيتِ كام مرة كانوا بيقولوا علينا مجانين واطردنا من كام مكان، أنا مش رايح في حتة تاني يا جاسمين. انسدلت دموعها بغزارة وهي تنتفض من فوق الفراش صائحة به بغضب: _أنتَ ليه مش حاسس بيَّ؟ ليه مش مقدر اللي بمر بيه؟ عاوزني أشوف حياة حد بتنتهي أو في خطر وأسكت! أعمل نفسي مشوفتش حاجة؟ ولو عملت كده، هشيل ذنبه إزاي من على كتافي؟ انتفض يقف في مواجهتها وهو يهتف بعصبية: _وأنا ذنبي إيه!
قولتلك روحي لدكتور نفسي يساعدك تبطلي تشوفي اللي بتشوفيه ده، وأنتِ اللي بترفضى كأنك حابة تعيشي دور البطلة اللي بتنقذ الناس. أشارت لذاتها بذهول: _أنا يا باهر؟ أنا حابة أعيش دور البطلة؟ أنتَ بجد شايف الموضوع كده؟ مش شايف قد إيه بعاني من اللي بشوفه! أنا حابة اللي أنا فيه؟ وبنفس الغضب كان يجيبها: _اومال ليه رافضة تشوفي حل؟
ليه رافضة تروحي لدكتور أو شيخ يمكن يساعدوكِ، أنا تعبت، المرمطة اللي احنا فيها كل يوم والتاني دي مش نافعة، فاكرة يوم ما صحيتِ وصممتِ تسافري الغردقة عشان حلمك اللي شوفتيه في مكان مشهور هناك، ومشيت وراكِ وطلعنا على الطريق الساعة ٢ بليل وفضلتِ تستعجليني لحد ما عملنا حادثة لولا ستر ربنا مكناش خرجنا منها بأقل الخساير كده، عارفة كام مرة بروح شغلي مش مركز ومش فايق بسبب مشاويرك دي، كام مرة بطلع معاكِ وأرجع وش الصبح ملحقش أنام وأروح مصدع وعاوز أنام ومبقاش مركز مع العيانين ولا في العمليات اللي بدخلها، هي مش دي أرواح ناس برضو وأتحاسب عليها!
ولا المطلوب مني أسيب شغلي وأقعد أتفرغ لمشاويرك؟ هزت رأسها بألم وهي تهتف بنبرة متهكمة رغم قسوة حديثه عليها: _لا مش مطلوب منك حاجة، بس أنتَ من قبل ما تتجوزني وأنتَ عارف حالتي دي، جاي دلوقتي ومش متحمل؟ أنا مخدعتكش ولا خبيت عليك، وأنتَ بنفسك قولتلي أنا هقف معاكِ وهنعدي أي حاجة تشوفيها سوا، وقولتلي برضو إنك هتفضل تساعدني ننقذ اللي نقدر ننقذه، جاي دلوقتي وتخلف بكلامك معايا؟! ضغط على نواجذه بغضب وهو يخبرها بضيق:
_لا أنا مبخلفش بكلامي، بس واضح إنك نسيتِ كام مرة وقفت معاكِ وساعدتك، نسيتِ كام مرة جريت معاكِ، وسفر وبهدلة، احنا بقالنا سنتين في الوضع ده، وبقالنا سنة متجوزين وعمري ما اشتكيت، بس الشيء لما بيزيد عن حده بيمسخ، وأنتِ مش قابلة أي حلول بقدمهالك عشان نخلص من القرف ده. _قرف! رددتها "جاسمين" بوجه محتقن بحمرة الغضب، وبعدها بأعين دامعة من فرط عصبيتها كانت تشيح بذراعها بهياج:
_أنا بقى لقيتلك حل هيريحك خالص، وهخلصك من القرف اللي تاعبك ده. أنهت جملتها واتجهت لأزرار الإنارة الرئيسية لتفتحها، فعم الضوء في الغرفة، وأسفل نظارته المتابعة لها اتجهت للخزانة تخرج ثيابها وجذبت حقيبة كبيرة من أسفل الفراش تضعها فوقه وتفتحها، ليستغفر بسره محاولاً تهدئة ذاته، قبل أن يردف بضيق: _أنتِ بتعملي إيه دلوقتي؟ الموضوع يستاهل اللي بتعمليه ده؟ رفعت عيناها الباكية له تجيبه:
_آه يستاهل، هروح بيتنا عشان أشيل عنك القرف. _بيتكم! أعتقد ده بقى بيتك دلوقتي. _لأ، بيتي هو بيت دادي، ده بيتك أنتَ، وأنا هسبهولك عشان ترتاح من قرفي. أشاح بيده بعصبية بالغة وهو يخبرها: _هو أنتِ مسكتِ في الكلمة! مكانتش كلمة قولتها وقت غضب، سيبي اللي في إيدك ده وبطلي جنان. عاندته وهي تقف في مواجهته مرددة بنفس عصبيته:
_لا مش هسيب، واه مسكت في الكلمة، عشان أنتَ قصدها وفعلاً مبقتش متحملني، وأنا بقى مش هعيش مع حد شايفني حِمل عليه. رفع حاجبه ناقمًا: _يعني إيه بقى الكلام ده؟ وبنفس إصرارها أجابته: _يعني هروح عند دادي، لحد ما ألاقي حل لمشكلتي، بعيد عنك، عشان مترجعش تتفضل عليَّ باللي بتعمله معايا. _أتفضل عليكِ؟! قالها بملامح مندهشة من جملتها وتفكيرها، وسريعًا ما تحولت ملامحه لتصبح أكثر جمودًا:
_تمام، روحي ولو عاوزة تفضلي هناك على طول براحتك. أنهى حديثه وخرج من الغرفة بخطى عصبية لا يتحمل حتى النفس الذي يأخذه، وهي سالت دموعها مرة أخرى وهي تنظر لموضع خروجه بحزن، لم تتوقع أن يحدث بينهما ما حدث الآن ولكن الحياة ومواقفها دائمًا غير متوقعة، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات. *** _لا بقى يا زين، أنتَ كده بتهزر، هو إيه اللي ميحضرش كتب الكتاب أنتَ ناسي أنه ابن عمي!
هذا ما هتفت بهِ "خديجة" أثناء حديثها مع "زين" في الهاتف في صباح يوم عقد قرانها، حين أعرب الأخير عن رغبته في عدم حضور "باهر" لعقد القران، "زين" و "باهر" ما زالا لا يتقبلان بعضهما بتاتًا وهي تقع حائرة في المنتصف بينهما، لا تعرف كيف عليها مراضاة الطرفين، أتاها صوته البارد يقول: _هو مش ده كتب كتابي ومن حقي اختار مين يحضر ومين لأ! ده واحد مبحبوش يحضر ليه بقى؟
_أيوه بس كتب كتابي أنا كمان، من حقي أعزم اللي أحب أعزمه، وده ابن عمي، يعني مش محتاج عزومة أصلًا.. أنا عاوزة ألفت نظرك لحاجة أكيد مش واخد بالك منها، وهي إن من غير وجود باهر مفيش كتب كتاب هيتم. _وده ليه بقى؟ سألها باستنكار واضح، لتتنهد بضجر قبل أن تجيبه: _عشان هو هيكون وكيلى، يعني من غيره مش هينفع كتب الكتاب. _يعني إيه وكيلك دي؟ سألها بجهل، لتقطب حاجبيها بتعجب من جهله بأمر بسيط كهذا، وظهر هذا في حديثها:
_أنتَ بجد متعرفش؟ وكيلى يعني اللي هيجوزني ليك، اللي هتحط إيدك في إيده في كتب الكتاب. شعر بخطأه ليردف بمزح: _أيوه طبعًا مانا فاهم، بس يعني مينفعش أنتِ تقومي بالدور ده، ده حتى إيدي بتدفي في البرد اللي احنا فيه ده. هزت رأسها بيأس من حديثه الذي لا يخلو دومًا من الإيحاءات لأي تلامس بينهما، وقالت: _لأ، أنا مش مقطوعة من الأهل عشان أكون وكيلة نفسي، ومصطفى صغير مينفعش يكون وكيلي، عدّي الليلة بقى يا زين بلاش نكد.
_أنا بنكد يا بنت عمي محمود، طب أقولك بقى هتشوفي النكد الحقيقي لو مخدتش حضن وبوسة كتب الكتاب. شهقت بتفاجؤ مصطنع وهي تردف بحدة: _بقى أنتَ مش عارف يعني إيه وكيلى وعارف بس الحضن وقلة الأدب، بقولك إيه أنا مش مطمنالك، أنا عاوزة أفسخ الخطوبة دي. أتاها صوته الخطر وهو يخبرها: _وماله، عشان أفسخ رقبتك عن جسمك يا حبيبتي. ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيبه: _إيه ده في إيه؟ أنا بهزر يا حبيبي أنتَ مبتهزرش.
_لا بهزر، وهوريكِ الهزار اللي بجد بعد كتب الكتاب. صاحت بهِ بضيق: _بقولك إيه متوترنيش زيادة، أنا أصلًا مش على بعضي من امبارح. أتاها صوته اللعوب وهو يسألها: _متوترة يوم كتب الكتاب، الله! اومال هتعملي إيه يوم الفرح، وأنتِ بتفكري كده إنك هتروحي معايا و...
أغلقت الهاتف دون أن تستمع للمزيد، وقد أضرمت نيران الخجل في وجهها لمجرد تخيل ذلك اليوم، تعلم أن أعطته فرصة لسرح بخياله لأبعد من الذي قاله والأكثر خجلًا، فقد عهدته قليل الحياء، بهِ جرأة تجعلها تتمنى لو تختفي من أمامه، ولكنها وللعجب أحبتها منه! طوال العامان ولم يمر حديث بينهما بسلام دون أن يلقي في منتصفه ما يخجلها ويجعلها تهرب من تكملة الحديث معه، لذا لم يعد الأمر غريبًا لها كما كان في بداية الأمر. ***
أجرى مكالمة هاتفية بـ "طارق" الذي أجابه على الفور ليسأله: _ها عملت إيه في موضوع المأذون؟ أجابه الأخير بنزق: _مفيش ولا مأذون وافق على اللي سعادتك عاوزه، كلهم رفضوا ويقولوا حرام. التوى فمه ساخرًا وهو يردد بعصبية: _حرام! أنتَ واقف تتساهل معاهم يا طارق ولا تاخد رأيهم! هاتلي أي مأذون من قفاه واخلص. حمحم "طارق" وهو يهتف بهدوء: _حاضر يا باشا. أغلق الهاتف بضيق، لمَ تسير الأمور ضد رغبته!
استمع لصوت دقات فوق باب غرفته، فاتجه بخطى متأنية يفتحه وهو على الأغلب يعلم من الطارق، وبالفعل وجدها والدته "ليلى"، ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وأفسح المجال لتدخل، فتحركت بكرسيها حتى وصلت لمنتصف الغرفة، التفت له تسأله مبتسمة: _إيه يا حبيبي بقالك كذا يوم مشغول وبشوفك بالصدفة، إيه اللي شاغلك أوي كده؟
وهل سيخبرها أن انشغاله يعود لتحضيراته الأخيرة لعش الزوجية، تلك الشقة الفاخرة التي اشتراها في أحد الأحياء الراقية بمدينة القاهرة، والتي سعى في تلك الأيام الأخيرة لإنهاء كل تجهيزاتها كما تريد "فتاته" بالضبط، لذا لم يترك الأمر لرجاله واعتنى هو شخصيًا بكل تفصيلة صغيرة، لن ينسى يوم أن نزل معها ليشتريا أحد مستلزمات الشقة، حينها وهما في إحدى المحال حين أحبت
أن تأخذ برأيه وهي تسأله: "زين، إيه رأيك أجيب النجفة الفضي ولا الدهبي؟ " نظر لما تشير له، ولم يبالي كثيرًا وهو يجيبها: "هاتي الدهبي". نظرت للاثنين بتفكير قليلاً قبل أن تقول للبائع: "خلاص هاخد الفضي". رفع حاجبيه مندهشًا من قرارها، إذًا لمَ أخذت برأيه من الأساس! وبعدها حين كانا يشتريا السجاد سألته مجددًا: "زين، أخُد السجادة البني ولا الكاشمير؟
" نظرا للألوان بسأم مجيبًا: "يعني دي لون ودي لون تاني خالص، حسب ألوان الشقة بقى". "أيوه مانا عندي الحيطة اوف وايت، والركنة هعملها كاشمير، بس حيطة الشاشة إحنا عاملينها خشب بني، فالاتنين هينفعوا". قلب عيناه بلا اهتمام مجيبًا: "هاتي البني". أومأت باقتناع، أو هكذا بدا، قبل أن تقول للبائع: "خلاص هاخد الكاشمير". "هو أنتِ بتسأليني ليه مادام مش هتعملي برأيي؟!!
" سألها بتعجب وغيظ في الوقت ذاته، لتبتسم له تلك الابتسامة التي تسحره وهي تجيبه بنبرة بها بعض الدلال: "يا حبيبي أنا ببقى محتارة، بس أول ما باخد رأيك بلاقيني ارتحت لعكس اللي اخترته تلقائي". ضرب كفيه ببعضهما وهو يغمغم لذاته: "حاجة تفقع المرارة، مش كفاية مراد وهدان نازل يلف على المعارض ويشتري سجاد ونجف، لا كمان مش عاملة رأيي حساب! ". "ها يا حبيبي، يلا؟
" نظر لها مبتسمًا بغيظ، وأومأ برأسه لتجحظ عيناه وهو يسمعها تخبره بينما سبقته بخطواتها للخارج: "يلا هات السجادة بقى". عاد من ذكرياته وهو يمنع ضحكته بالكاد، لا يستطيع أن ينسى مظهره وهو يحمل السجادة ويسير بها وسط العامة، شعر حينها أن الجميع يعرفه ويستنكر فعلته، رغم أنه اختار مكانًا لا يذهب إليه ذوي المكانة الرفيعة، ولكن الهواجس لم تتركه حينها. " مراد؟ سرحت في إيه يا بني؟ " فاق من شروده ليجيبها بهدوء:
_معاكِ اهو يا حبيبتي، معلش كان عندي شغل كتير الفترة الأخيرة والفترة الجاية كمان هيبقى أكتر. _ربنا معاك يا حبيبي ويقويك يارب. هز رأسه بلا اهتمام، وأقبل عليها يقبل وجنتها بحنان وهو يخبرها: _أنتِ عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟ نظرت له لثواني بتوتر وتردد ظهر واضحًا في عينيها قبل أن تقول: _مراد، أنا.. أنا.. يعني.. _في إيه يا ماما ما تقولي! قالها بتعجب من توترها البالغ، لتزفر أنفاسها بضيق قبل أن تقول:
_أنا عاوزة حاجة فعلاً، بس مش عارفة هتقدر تحققهالي ولا لأ؟ ابتسم ابتسامة جانبية وهو يخبرها بثقة: _مفيش حاجة في الدنيا مقدرش أنفذها، قولي بس عاوزة إيه؟ أدمعت عيناها، وفركت في كفيها بتوتر بالغ، وبصوت مهزوز قالت: _مراد أنا، أنا عاوزة أمشي من هنا، عشان خاطري مشيني من هنا لأي حتة، بس مبقتش متحملة أعيش هنا أكتر، أنا.. أنا حاسة إني لو فضلت هنا أكتر من كده هموت. تجمدت ملامحه وهو يسألها بنبرة تبشر بهبوب العاصفة:
_بابا عملك حاجة؟ بيضايقك؟ نفت برأسها صدقًا: _لا، بس أنتَ عارف إن أنا وهو منفصلين من سنين وعايشين مع بعض بس عشانك، لكن دلوقتي أنتَ كبرت، مبقتش محتاج لوجودنا احنا الاتنين سوا، أنا استحملت خوفًا عليك إنّي أسيبك لوحدك معاه وأنا عارفة إنه قاسي، لكن دلوقتي خلاص أنتَ كبرت ومبقيتش محتاجني أحميك، أنا اللي محتاجالك تحميني دلوقتي يا مراد وتحققلي اللي يريحني. لم يرد الضغط عليها أكثر وهو يشعر بقرب انهيارها، فأومئ
لها برأسه وهو يخبرها: _حاضر، اديني بس كام يوم وهخرجك من هنا، مش لوحدك، هخرج أنا وأنتِ مش هتخرجي لوحدك، مش هسيبك تعيشي لوحدك بعيد، بس اديني فرصة أرتب أموري. أومأت برأسها موافقة وهي تلتقط أنفاسها وكأنها أزاحت حملاً كبيرًا من فوق كاهلها، ولكن يبقى خوفها الأكبر منه هو.. حسن، بالتأكيد لن يمرر الأمر على خير. ***
بعد ساعة طلبه "طارق" يخبره بوجوده برفقة المأذون، ليذهب لهما بالقرب من منزله، سار بخطواته الثابتة وظهره المفرود تجاههما حين رأى "طارق" ورجل غريب يقفان خارج سيارة "طارق"، رأى اهتزاز حدقتي الرجل وهو يراه يقترب منهما، فابتسم بثقة وهو يتوقف أمامهما، يردف بصوت جامد: _خير يا حضرة المأذون، رافض تكتب الكتاب ليه؟ توتر في وقفته وهو يجيبه: _ياباشا البيه بيقولي إنّي هكتب باسم غير الاسم، وده حرام شرعًا. هتف "مراد" بنبرة خطرة:
_بقولك إيه يا شيخ أنتَ راجل كبير في السن ومش عاوز أزعلك مني، هتكتب في الورق بتاعك اسم "مراد وهدان"، وفي الخطبة اللي بتقولها دي قول "زين"، سهلة أهي. بدى الامتعاض والرفض واضحًا على محيا الرجل وهو يقول: _ازاي بس يا بني، يعني أكتب في عقد القران اسم، وأقول خطبة القران باسم تاني؟ وأخد موافقة العروسة إزاي وهي فاكراك شخص تاني! كده الجواز كله باطل! اقترب ومد كف يده يضعه على كتف الآخر وردد بتحذير قاتل:
_بقولك إيه يا شيخ، هتكتب الكتاب ولا أكتب أنا اسمك في تعداد الوفيات؟ ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وهو يومئ برأسه موافقًا حين حرك "طارق" سترة بدلته وظهر المسدس المثبت في جانبه، فجعل الرجل يدرك مع من يتعامل. *** _يابنتي يعني إيه اللي حصل؟ تسائلت بها والدة "جاسمين" لتلك الباكية التي لم تتوقف عن البكاء منذُ أن أتت، وترفض أن تبوح بشيء، وفي نهاية المطاف، كانت تجيبها من بين بكائها: _مفيش يا مامي، زعلانة مع باهر شوية بس.
_طيب إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ غلط فيكِ؟ ضربك؟ نفت برأسها وهي تجيبها: _لا، محصلش كده، هو بس سوء تفاهم، سيبيني بس يا مامي وأنا هبقى كويسة. تنهدت والدتها بيأس وقررت ترك مساحة لها كي تستطيع إخراج حزنها دون حاجز، فانسحبت من الغرفة بهدوء، وانخرطت هي في بكاء أعنف وكل كلمة قالها لها تُعاد في ذهنها، والتي كان وقعها على قلبها أقسى من وقعها على مسامعها. ***
كان جالسًا في مكتبه في الشركة الخاصة بهِ، حين أتاه اتصال من الرجل المكلف بمراقبة ولده، فأجاب على الفور وهو على ثقة أنه سيعلم جديد.. _ها؟ كان هذا رده الذي حث الأخير على الحديث حين قال: _باشا أنا عرفت حاجة من شوية بالصدفة، وقولت لازم أبلغك. _أخلص. _أنا شايف تجهيزات كده في بيت خديجة، ولما سألت أهل المنطقة قالولي إن النهاردة كتب كتابها على واحد من اللي شغالين معاها في المطعم، وأكيد ابن سعادتك مراد باشا.
انتفض "حسن" من مجلسه وهو يهدر بهِ: _كتب كتاب مين يا حيوان أنتَ؟ كتب كتاب إزاي؟ هم اتخطبوا امتى عشان يكتبوا كتابهم؟! رد الرجل بتوتر: _ياباشا مهو طلعوا مخطوبين من سنتين لما سألت الراجل قالي كده، ومش عارف إزاي اتخطبوا وأنا ملاحظتش، ده أنا حتى سمعت إنه كان بياخدها ويروح ينقوا العفش، معرفش كل ده حصل امتى وإزاي. _أنتَ زي قلتك، لو كنت عرفت اللي بتقول ده من زمان، حسابك معايا بعدين يا بهيم أنتَ.
أغلق الهاتف وألقاه أرضًا بعصبية بالغة، وأخذ يدور حول نفسه في محيط المكتب، شاعرًا بقرب توقف عضلة قلبه من فرط غضبه، وهو يتمتم بين أسنانه: _عملتها يابن وهدان، عملتها وهتتجوز الجربوعة دي، لعبتها صح وعرفت إزاي تخبي عليَّ، بس ماشي، ابقى شوف مين هيسيبك تتمم الجوازة. أردف بالأخيرة بغل وهو يتجه لهاتفه يلتقطه طالبًا نفس الرقم مرة أخرى، وما إن سمع الإجابة حتى هتف: _هتسمع اللي هقولك عليه وتنفذه بالحرف الواحد.... ***
واتى الموعد المنتظر.. بداخل غرفتها المتهالكة كانت تقف أمام المرآة وخلفها "فريال" التي تنظر لها مبتسمة بفرحة، ابتسمت "خديجة" واللمعت عيناها بالسعادة التي لم تعرف طريقها يومًا وهي تطالع انعكاس صورتها، ترتدي فستانًا أبيض بتصميم بسيط، بهِ بعض الكريستالات المرصعة عند منطقة الصدر، وحجابها الأبيض المماثل، واليوم سمحت لنفسها بوضع مستحضرات التجميل الخفيفة على وجهها، فبدت ساحرة! _وه! يابوي على الحلاوة، تتاكلي أكل يابت خالي.
أردفت بها "فريال" بابتسامة واسعة، لتلتف لها "خديجة" وهي تقول بتوتر: _أنا خايفة أوي، وحاسة إني مش متمالكة أعصابي، متوترة وحاسة إني مش طالعة حلوة، وخايفة من الحياة الجديدة اللي داخلة عليها و...
_بس بس، على مهلك، إيه يا خديجة كل ده، طبيعي تكوني خايفة وجلجانة ومتوترة، أنا لما كتبت كتابي كنت نفس إحساسك ده، رغم إني خابرة إنه مجرد كتب كتاب والفرح بعد ٤ سنين، بس شعور طبيعي، فاهدي ومتجلجيش استعيذي من الشيطان أكده، واقري الفاتحة في سرك. أومأت "خديجة" موافقة وأخذت تردد الفاتحة وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر، حتى استمعت لطرقات "مصطفى" فوق الباب وتبعها فتحه وهو يخبرها بابتسامة:
_يلا يا خديجة، المأذون عاوزك عشان يسمع رأيك. زفرت أنفاسها المتوترة مرارًا حتى استعدت للخروج.. وبنفس اللحظة أخبرتها "فريال" حين وقع بصرها على الطاولة المجاورة للباب وفوقها ظرف كبير: _ياخرابي على مخي، نسيت أقولك إن في حد جه قبل العصر وسابلك الظرف اللي هناك ده. قطبت "خديجة" حاجبيها متعجبة: _ظرف! ظرف إيه ده؟ واتجهت له ملتقطة إياه، وما كادت تفتحه حتى استمعت لصوت "مصطفى" يخبرها:
_مش وقته يا خديجة، الناس مستنية بره، يلا وشوفيه بعدين. فتركته فوق الطاولة مرة أخرى وخرجت، وفقط لو تعلم ما بهِ لتخلت عن أي شيء وفتحته، فقد كان منقذها... لكنها ترتيبات القدر!
طلت عليهِ لتأخذ دقات قلبه، طلتها جعلته يتصنم محله وهو يراها بهذا الجمال، وهذا السحر، كأنها جنية سحرته، أو نداهة تلك التي رويَ عنها في الأساطير قديمًا، وفجأة رآها تتجسد في صورة تلك الطفلة الصغيرة ذات الثماني سنوات، تلك "صغيرته" و "فتاته" التي ارتبط بها قلبًا وقالبًا، رآها مقبلة عليهِ، وابتسامتها تزين ثغرها، حتى أنها كاد ينهض ليلتقطها بين أحضانه لولا سماعه لصوت "باهر" الذي أفاقه وأعاده لأرض الواقع وهو يقول:
_العروسة أهي يا شيخنا. وعلى مضض كبير نظر لها الشيخ آسفًا وهو يسألها: _قوليلي يا آنسة خديجة، تقبلي تتجوزي الأستاذ... صمت وكأن لسانه غير قادرًا على النطق بالزور، لولا نظرة "مراد" القاتلة له والتي جعلته يكمل: _الأستاذ زين محمود السويسي. أخفضت رأسها بخجل وهي تجيبه بخفوت: _أيوه، أقبل. _من غير ما يكون حد ضاغط عليكِ أو جابرك؟
سألها الشيخ ثانيًا كأنه يتمنى لو تغير رأيها، لكنها خذلته وهي تؤكد بالقبول، ومرغمًا ألقى خطبته وتم عقد القران، لا يتوقف سوى على إمضائها، والتي تولى "مراد" هذا الدور وهو يخبره: _عنك يا شيخ أنا همضيها. عارضه "باهر" وهو يقول ممتعضًا: _وممضيهاش أنا ليه؟ نظر له "مراد" بجمود قائلاً: _عشان أنا بقيت جوزها مثلاً!
أنهى جملته واتجه لها بالدفتر، وضعه فوق قدمها وأعطاها القلم، وتعمد وضع كفه على محل إمضته هو، وكأنه يشير لها بمكان إمضتها، وبحنكته المعهودة استطاع جعلها تمضي جميع الأوراق وتبصم دون أن ترى اسمه، حتى انتهت، فأسـرع بإغلاق الدفتر، وأعطاه للمأذون..
خطوتان وعاد إليها ليباغتها وهو يلتقطها بين أحضانه، غير عابئًا بالجميع، ولا بشهقتها هي الخجلة، احتضنها وشعر حينها بأنه ملك العالم بأسره، كأنه للتو استطاع أن يتنفس، أغمض عينيه وترك خياله يسبح في هذه الضمة، ترك مشاعره تثور، وتعلن عن وجودها، ولم يشعر حتى بدمعته التي انسدلت فوق وجنته تعبيرًا عما هو فيه، ولأول مرة منذُ سنوات تعلن دموعه عن تواجدها، دفن رأسه في كتفها وهو يشدد من احتضانها، غير مباليًا بطول مدة العناق.
وعنها فجسدها ينتفض بين جسده، لقد ظنت أنه حين قصد "حضن كتب الكتاب" سيكون بينهما، بمفردهما، لكنه فاجأها ولم يهتم لأحد، ولكن قلبها ما بهِ؟ إنه ينتفض حقًا؟!
تشعر بقشعريرة لذيذة وغريبة تسري في جسدها، أحبت عناقه، لكن وجود من حولها يثير خجلها أكثر ويوترها، حاولت أن تهمس له بأن يبتعد، لكن كيف سيسمعها وهي رأسها تقريبًا مدفون بكتفه، وجاءت النجدة من "باهر" الذي تنحنح وهو يقول بعدما صرفَ المأذون و "طارق" الذي حضرَ كشاهدًا، ورجل آخر من طرف "مراد": _مش كفاية كده ولا إيه؟ فتح "مراد" عينيه على جملة الأحمق، السخيف، ليتوعد له وهو يستقيم، ولم يفلتها، بل أحاط كتفيها
بذراعه بكل راحة وهو يقول: _مراتي، حد له عندي حاجة؟ ابتسم "باهر" بغيظ يخبره: _لا، بس في حدود برضه، بعد الفرح اعمل اللي تعمله. _طيب مش من حقي أقعد معاها على انفراد دلوقتي؟ رددها ببراءة شككت "باهر" بهِ لكنه لديهِ حق، فمن سيعترض! _لا، حقك، أنا همشي أنا يا خديجة، تعالى يا مصطفى عاوزك. قالها "باهر" وهو يخرج من الشقة و"مصطفى" يتبعه، تنحنحت "فريال" بحرج وهي تقول: _خديجة، أنا هدخل يا حبيبتي أروق المطبخ وكده.
أومأت لها "خديجة" بخجل من الموقف بأكمله، لتسرع "فريال" في الاختفاء. _حبيبتي ما تسبقيني على أوضتك وهحصلك. اتسعت عيناها فزعًا وهي ترتد للخلف وقد سقطت ذراعه من على كتفها: _أوضتي!! أوضة إيه يا زين؟ ده كتب كتاب مش فرح! _يا حبيبتي عارف، بس هنقعد في الصالة إزاي واللي رايح واللي جاي، مش هناخد راحتنا، ياستي لو عاوزة تسيبي باب الأوضة مفتوح معنديش مانع.
وما قاله بالأخير طمأنها قليلاً، وبالفعل شقتها صغيرة لدرجة إن جلسوا في الصالة وتحدثوا ستسمعهما فريال بالتأكيد وهكذا مصطفى حين يعود. دلفت للغرفة بتوتر وتردد كبيران لكنها بالأخير فعلت.. انتظر حتى عودة "مصطفى" وابتسم له بلطف زائف وهو يناديه: _تعالى يا درش عاوزك.
اقترب منهُ "مصطفى" مبتسمًا، لا يعرف لمَ أحب هذا الرجل منذُ أول مرة رآه بهِ، وللعجب ليس هذا فحسب بل أُعجب بهالة من الكبرياء والشموخ التي تحيط بهِ رغم عدم رؤية أحد لهذا، لكنه رآها بوضوح، رغم تعامله اللطيف والطبيعي! وهذا ما جعله لا يستطيع نطق اسمه مجردًا. _نعم يا أبيه. أحاط "مراد" بذراعه كتفه وهو يسأله بود: _قولي باهر كان عاوزك في إيه؟ أجابه بصدق:
_كان بيقولي أول ما تمشي اتصل عليه أعرفه، ولو طولت اتصل عليه قبل ما تمشي، عشان هو يتصرف ويخليك تمشي. ضاقت عيناه بمكر وهو يستمع لحديث الآخر، إذًا "باهر" يريد فرد سلطته حتى وهو بعيد! إن بدأ هذه اللعبة فهو خير من ينهي المباراة لصالحه، فاخرج من جيبه حافظته وعبث بها قليلاً مخرجًا بعض العملات الورقية ربما تخطت الأربعمائة جنيهًا، ووضعهم في جيب "مصطفى" أسفل نظرات الآخر المصدومة، ليبتسم له "باهر" بود قائلاً:
_خلي دول معاك يمكن تحتاج حاجة للدروس، ومن هنا ورايح أي حاجة تحتاجها تقولي أنا عليها ملكش دعوة بخديجة، ويا ريت متعرفهاش عشان الجنونة بتاعتها متقومش علينا وتقف تدينا محاضرة عن الكرامة وعزة النفس. ضحك "مصطفى" بسعادة بالغة وهو يومئ برأسه سريعًا: _لا لا مش هقولها خالص. ربط على كتفه وهو يقول: _جدع يا مصطفى، عاوزك بقى كمان عشر دقايق كده تتصل بابن عمك ده وتقوله إني مشيت، ماشي يا حبيبي؟ وبدون تفكير كان "مصطفى" يجيبه:
_عشر دقايق بالثانية وهكلمه. _جدع يا درش. رددها وهو يبعثر خصلات شعره بمرح، وتركه متجهًا لغرفة "فتاته"....
دخل الغرفة ليتسمر محله وهو يراها واقفة أمام المرآة بعد أن تخلت عن حجابها سامحة لخصلاتها السوداء بتغطية ظهرها، ما زالت بنفس فستانها وزينتها البسيطة، لكنها تخلت عن حجابها فقط، رآها تفرك كفيها بتوتر واضح، وأخفضت نظرها فور انعكاس صورته في المرآة خجلًا، اقترب بخطواته التي ترفع من دقات قلبها وقلبه هو قبلها، حتى أصبح خلفها تمامًا، فقبض على كتفيها برفق يديرها له، فاستدارت وما زال نظرها يطالع الأرضية، استمعت لتنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمعه يقول بنبرة لم تسمعها منهُ من قبل،
نبرة مليئة بالمشاعر: _وهل يرضيكِ إن أهديت عيني إلي عينيــكِ تنظـرها ثوانيفأسقط والفـؤاد صريع حبٍومغشيٌّ عليه بمـا غشـانـيوحسبي في الهوى أنّي جليسٌلمن جلست على عرش الحِسانِتفيض من الرّبيع أريج عطرٍوتمـلأ روحهــــا ريـح المكـانِ هي الحسناء ما أسكَتُ عنها مساعي القربلو جاءت زمانيولكنّ البديـع أراد منهـا عزيـزاً في المنال لكي أعـاني. رفعت نظرها له مندهشة وسألته باستغراب: _أنتَ ليك في الشعر؟! ضحك بخفوت وهو يجيبها:
_عمري، بس حسيت إن أي كلام هقوله ليكِ مش هيوصلك للي جوايا، وكنت سمعت حد مرة قال أن الشعر بيعبر عن اللي منقدرش نعبر عنه بكل كلامنا العادي، ففضلت أدور وأبحث لحد ما لقيت دي وحسيت إنها ممكن توصل جزء من احساسي. أدمعت عيناها وهي تنظر له بامتنان جم وقالت ضاحكة: _حلوة أوي، عجبتني. رفع كفيهِ ليكوب وجهها بينهما غير مهتمًا بتلك النفضة التي أصابتها ولا بالقشعريرة التي انتابته، وأعينه تحمل حبًا وشوقًا، لهفةً وعشقًا،
كان يهمس لها بأعين لامعة:
_خديجة، أنا بحبك، بحبك أكتر حاجة في دنيتي، وأكتر من أي حاجة ممكن تتخيليها، مش هبالغ لو قولتلك بحبك أكتر من نفسي بمراحل، بس ده هتكتشفيه لوحدك مع الوقت، هتعرفي إني مستعد أضحي بروحي عشانك، هتعرفي إن بكلمة منك تقدر تغير مزاجي وتقلب يومي كله، أنا عمري ما حد قدر يسيطر عليَّ، ولا يفرق معايا لدرجة إني أغير قراري عشانه، عمري ما حطيت روحي في إيد حد، ولا سمحت لحد ياخد جوايا أكتر من اللي المفروض ياخده، لكن أنتِ...
تنهيدة أعمق وهو يهز رأسه يأسًا على حالته معها: _أنتِ كسرتي كل القواعد، خلتيني أحط روحي في إيدك وأنا راضي، تخيلي!؟ انسدلت دمعاتها بسعادة، لم تتخيل في أضغاث أحلامها أن تسمع كلامًا كهذا من أحد، لم تتوقع أن يحبها أحدهم هكذا! _أنا...
أنا كمان بحبك، مش عارفة حبيتك إزاي وأنا كنت حالفة ما أعيش الحب ولا أجربه، بس لقيتني بقع فيك من غير ما أحس، لقيتني مهتمة بتفاصيلك وبسلامتك، لقيت قلبي طاير لما اعترفتلي بمشاعرك وإنك جاي تتقدملي، كل يوم في سنتين الخطوبة كنت بحبك أكتر، لحد ما.. ما مبقتش شايفة حياتي من غيرك، أنا بحبك أوي يا...
قاطعها كي لا تكمل، قاطعها لأنه لا يريد أن يسمع لإسمه المستعار، لا يريد أن يفقد حلاوة حديثها بذكرها لإسم لا يخصه، ومقاطعته لها كانت بشيء لم تتوقعه، شيء حبسَ أنفاسها بداخلها، حين اقتحم عذرية شفتيها ليثبت أنه الآن بات زوجها بحق!
دقائق وصلت بها مشاعرهما لأقصى ما يمكن أن تصل بهِ، والاثنان لا يصدقان أنهما يمران بتجربة كهذه، حتى ابتعد عنها ولم ينظر لها فقط احتضنها، وبقيت في أحضانه لأكثر من خمس دقائق.. لا حديث، فقط مشاعرهما تتحدث. *** استمعت لدقات فوق باب غرفتها التي تتخذها مخبأً لها، فاتجهت بكرسيها لتفتحه، فوجدت "حسن" أمامها، امتعضت ملامحها وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وهي تغمغم بضيق: _نعم؟ ابتسم ساخرًا وهو يخبرها بينما يستند
بذراعه على جانب الباب: _مش جاي أزعجك متخافيش، أنا جاي أبلغك حاجة وأمشي. نظرت له بنفس ملامحها تحثه على الحديث لتسمعه يسألها: _اومال المحروس ابنك فين؟ عقدت حاجبيها استغرابًا، اجابته: _إيه اللي فين؟ في الشغل. ضحك بسخافة يخبرها: _شغل! لأ واضح إنك متعرفيش صحيح، ابنك يا ليلى هانم غفلني وغفلك. _أنتَ بتقول إيه ما تتكلم من غير ألغاز!؟ هدرت بهِ وقد قلقت من حديثه على ولدها، لتراه يردد بكره حقيقي:
_ابنك راح يتجوز، النهاردة كتب كتابة على بنت الخدامة فاكراها؟ اللي زمان قولتيلي عيال وبيلعبوا، واقولك الأكتر بقى... اقترب بجسده منها وانحنى ليكن وجهه مقابل لوجهها وهو يخبرها بابتسامة متشفية: _ابنك راح يتجوزها باسم تاني وشخصية تانية، عارفه ليه!؟ ملامحها مصدومة، عيناها واسعتان غير مصدقة ما يقع على مسامعها، هل "مراد" خدعها وكذب عليها كل هذه الفترة السابقة! رأى صدمتها ليبتسم أكثر وهو يقول: _هقولك ليه...
عشان هو زمان قتل أختها، سارة.. فاكراها، يعني ابنك مش أحسن مني يا ليلى.. قعدت سنين بتحاربي عشان يكون أحسن مني، لكن الحقيقة إنه من وهو عنده ١٢ سنة قتل! تخيلي... حُبست أنفاسها في صدرها لثواني، وتجمدت دماؤها غير مستوعبة ما تسمعه، وكان أول ما هتفت بهِ وقد زينت دموعها وجنتيها، بانهيار تام كانت تقول:
_لا.. لا أنت كداب، ابني مش كده، ابني مش هيكون زيك، أنا ضيعت عمري عشان ميكونش زيك.. مراد مش كده، مش كده سامع يا حسن، سااااامع... صرخت بالأخيرة بقهر وقد ذهب من أمامها، بلا مبالاة بحالتها، فقد أوصلها ما أراد إيصاله..... *** _امشي بقى يا زين اتأخرت أوي.. أردفت بها "خديجة" وهي تسحب يدها من يده الممسكة بها منذُ ساعة مضت، أشبعها كلامًا معسولاً، حتى أرهق مشاعرها، خجلت بما يكفي اليوم، ألن يذهب إذًا!؟ تأفأف نازقًا وهو يخبرها:
_أنتِ زهقانة مني؟ ابتسمت له وهي تجيبه: _لا والله، بس بجد كفاية كده، عشان برضه فريال مش واخده راحتها بره لتطلع في أي وقت. وعلى مضض كان يعقب لاويًا شفتيهِ كالأطفال: _ماشي، بس هاجيلك بكرة تاني. ضحكت وهي تهز رأسها بيأس على تذمره، وتمسكه بها وكأنها ستهرب، وبعفوية منها قرصت خده بلطف تخبره: _أنتَ تيجي في أي وقت براحتك أصلًا. غامت عيناه بالمشاعر مرة أخرى واقترب بوجهه قليلاً يخبرها بوله: _همشي، بس هاتِ قبلة الوداع.
انتفضت مبتعدة عنه ضاحكة: _وداع إيه أنتَ مهاجر! بطل قلة أدب بقى. أنهت حديثها وخرجت من الغرفة على الفور ليضطر هو أن يتبعها، وودعته أمام باب الشقة، وعادت لغرفتها تخبر "فريال": _فريال هدخل أغير وأطلعلك.. دلفت للغرفة مغلقة الباب خلفها استندت على ظهره تتنهد بحالمية، لقد كانت طوال الساعة المنصرمة ترتفع فوق السحاب، تمنت لو لا يمر الوقت، تمنت لو بإمكانها الذهاب معه لشـقته الآن... خجلت من تفكيرها لتضرب جبهتها وهي تردد بمرح:
_إيه الهطل ده، أنا لازم أتقل شوية مش كده، بس أتقل إزاي بعيونه الزرقا ولا الخضرا ولا الرمادي دي اللي محدش عارفلها لون ولا كلامه اللي... توقفت وهي ترى ذلك الظرف الذي أخبرتها عنه "فريال"، فاتجهت له تتفحصه باستغراب، وقررت فتحه لتَرى ما بداخله.... وياليتها ما رأته، ليتها لم تفتحه من الأساس..
أوراق، صورة بطاقة، وصورة من جريدة لصورة تضم "مراد" وهو ببذلة أنيقة جدًا ويقف وبيده سيجار، وكُتب فوقها بالبنط العريض "رغم صِغر سنه، استطاع رجل الأعمال" مراد وهدان" أن يُثبت جدارته خلال سنوات قليلة، ليترأس قائمة أفضل رجال الأعمال الصاعدين" ومرفق بهم صورة لها وله حين كانا طفلان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!