كانت السماء تمطر كأنها تستجيب أخيرًا لصرخة قلبين أنهكهما الصمت.
الريح تلفح وجهيهما، لكنها لا تبردهما… فما من بردٍ أشدُّ من فراقِ الروحِ عن روحها.
وقف غيث أمام وصال، كمن يتهيّأ لدفن جزءٍ من قلبه. يعرف أن ما سيُقال لن يُمحى، وأن ما سيُكسر الآن، لن يُرمّم أبدًا.
نظر إليها طويلاً… كأنه يحاول أن يختزن ملامحها في صدره للأبد.
اقترب منها، اختطف شفتاها في قُبلة ناعمة بالكاد تشعر بها.
بادلته تلك القبلة، و"ياليته" لم تفعلها وتجاوبت معه بهذا الشكل.
تعمق في قبلاته لها.
استندت إلى الجدار لتنظم أنفاسها، وعلى وجهها ابتسامة بشوشة.
اختفت ابتسامتها حين قال بدون أدنى مقدمات:
_ أنتِ طالق يا وصال.
تسمرت مكانها كما لو كانت تمثال. نزل الخبر عليها كالصاعقة. تراجعت للخلف إثر كلماته القاسية. هل كان مزاح ثقيل أم حقيقة مُرة؟ استوعبت أنها أمامه، وأن ما يحدث ليس حلم.
حين اعتذر لها مرارًا وهو يقول بندمٍ شديد:
_ أني آسف حجك عليّ.
_ آسف وحقك عليا؟ على إيه!!!
ابتسمت وهي تمرر ظهر يدها على صدره ثم قالت:
_ خلاص بقى بطل هزارك دا عشان صدقتك.
تابعت بتحذير قائلة:
_ وبعدين كتر حلفان الطلاق دا يحرمني عليك وأنا مش عاوزة اتحرم عليك عش…
قاطعها بعد ما نفذت قدرته على التحمل ليخبرها بنبرة قاسية رغمًا عنه:
_ أني مش قادر أتحمل أكتر من كده، بكفاية بقى روحي لخالك وفوتيني لحالي.
دفعها بعنف حتى سقطت أرضًا. لم تتوقع تلك المعاملة ولن تقبل بها مهما كانت. هي أنثى متمردة، تمردت على كل شئ. إلى وصلت إليه فتمرد عليها هو.
وقفت وهندمت ملابسها التي طالها الرماد المتطاير إثر تلك النيران.
منحت نفسها دقيقة لتستوعب أن ما حدث حقيقة كاملة. ثم دقيقتان لتخرج من المزرعة التي جمعتها بها أيامٌ وليالٍ طوال.
بل خرجت من البلدة بأكملها. عادت للقاهرة حاملًا بين يدها فستان زفافها، وتجر خلفها خيبات الأمل التي عاشت ليالٍ طوال ترسم فيها كيف تُسعده.
******
بعد مرور يوم… وتحديدًا اليوم الذي كان من المفترض أنه يكون يوم الزفاف.
كانت جالسة شاردة في اللاشيء. كانت تصارع نفسها بين الانتحار أو الصمود.
ربتت زوجة أخيها على كتفها وقالت بنبرة متعاطفة محاولة تخفيف حزنها الشديد:
_ رُب ضارةً نافعة.
نظرت لها ولم ترد، بل أعادت ببصرها لتلك النافذة التي أخذت من أيامها وحزنها أكثر ما أعطتها من وجهة نظره.
بينما تابعت زوجة محروس قائلة:
_ يا بت ربنا بيحبك والله العظيم بيحبك، دول ناس صعبين أوي ونابههم أزرق، ما كنتيش هتقدري عليهم، واللي شبطانة فيه دا ربنا نجّاك منه. آه والله نجّاك. شوفي كان مخبي لك إيه قبل الجواز، ما بالك بقى بعد الجواز؟
انهارت "وصال" وهي تضرب بيدها على فخذيها ودموعها تنساب على خديها بغزارة قائلة:
_ مش دا اللي قلتي عليه لما جاب لي فستاني، حنتي اللي اتعلقت في زي العيلة، قلتي ربنا عوضك خير، مش قلتي لي يا بت يا وصال دا باين عليه بيحبك!!!
هزت رأسها علامة الإيجاب، وهي تقول:
_ أيوه، هو بيحبني، هو بس بيعمل فيا مقلب، أنا عارفة، هو أصلًا من النوع اللي بيحب يهزر كتير، وواخدة على هزاره، بس المرة دي تقيل شوية.
ختمت حديثها بمرارة وهي تنظر إليها ثم قالت:
_ بس عارفة لما يرجع هقوله أنا زعلانة منك يا غيث عشان هزارك كان تقيل أوي أوي لدرجة قلبي متحملوش، وفرحتي قلبي انطفأت بسببها.
"والله ما كنت مصدقة لما الناس قالت إن عقلك فوت من اللي عمله فيكي عريسك. يا فرحة قلبي أنا وهو، شايفك عايشة في مرار ما بعده مرار. تسلم البطن اللي شالتك يا غيث، شفيت غليلي وبردت ناري على عمي وابن عمي."
كانت صاحبة هذه العبارة الطويلة والدة حسين. كانت واقفة على أعتاب باب حجرة تلك المسكينة التي كانت تستمع إليها في صمتٍ تام.
ألقت كل ما بجعبتها ثم غادرت. بعد أن أمرتها زوجة محروس بذلك، عادت تضمها بين أحضانها وتربت على كتفها تأمر بالبكاء لتفرغ كل ما في قلبها لترتاح وتبدأ من جديد حياة لا يوجد بها أي فرد من عائلة القصاص.
*******
على أرض زراعية كان جالسًا "راشد" يبكي دون صوت، تاركًا لدموعه القرار، علها تستطيع ما لم يستطع فعله هو.
أتى أخيه "نصار" وجلس جواره بثقلٍ شديد. نظر له ثم عاد ببصره لقطعة الأرض وقال:
_ مالك يا حزين؟ هتبكي ليه أنت قُحمان؟
رد "راشد" دون أدنى مقدمات:
_ أني اللي قتلت حسين، مش مرة، لا اتنين.
انتبه له أخيه وقال:
_ كيف يعني؟
بدأ يسرد له تفاصيل قصته مع ابن عمهما وقال:
_ أول ما تميت الواحد وعشرين سنة وبقيت أرمي مصر لحالي، رحت كباريه مع شلة. في الوقت ده كان حسين وود عمك صاحبي الروح بالروح. كل ما أزور مصر أدلى أجعد عندهم. وفي مرة من سهراتنا جه واحد صاحبنا وعلمنا نوع جديد من المخدرات بيتشم. كنت كيف الأهبل، باخد أي حاجة تيجي قدامي. وفي مرة حسين اتخانق ويا أبوه وجاني. كنت هشم، جالي "هتعمل إيه؟" قلت له "بهرب من الدنيا واللي فيها."
سأله "نصار" وقال:
_ ومين ضحك عليك وفهمك كده؟
_ أني ضحكت على حالي، وحسين ضحك على حاله برضك وبجى يشم كيفه كيفي. مرة مع مرة مبقناش قادرين نستغنوا عنه واصل. لحد ما جيت في يوم وخدت جرعة زيادة وحسين لحقني بعدها واتفقنا نبطله. كان وقتها عمي الله يرحمه درى باللي في حسين، بس حسين كان ونِعم الأخ والصاحب، مرضيش يجول أني السبب.
كفكف دموعه وهو يسرد باقي حكايته وقال:
_ اتهموه في محروس أخو وصال.
رد "نصار" بعد فهم وقال:
_ وإيه جاب محروس ليكم وقتها؟
نظر "راشد" لأخيه ولم يرد، لكنه حثه على الحديث وهو يقول بنبرة حانية:
_ اتكلم يا راشد، متخافش، سرك هيفضل في بير يا واد. اتكلم وزيح عن جلبك الهم.
_ محروس مكانش له يد في المخدرات، إحنا اللي جرينا رجله ليها.
_ كيف؟
_ كان محتاج للفلوس عشان يعالج أبوه وقتها، وكنا نبعته يشتري لنا كيفنا. وفي مرة اتأخر علينا، حسين مسكه بهدله وقامت خناقة كبيرة قوي بينهم، ومن بعدها حسين حلف يجر رجله كيف ما هو اتجر.
_ وبعدين؟
_ محروس ضعف قدام الفلوس الكثيرة وتاجر فيها، وفتح دولاب في الحارة وسمعته بقت على كل لسان. وفي الظاهر لعمي إن اللي ساعد ولده يبوظ كده محروس، إنما الحق إن حسين هو اللي جر رجله.
كفكف دموعه سريًا ثم قال:
_ بس حسين اتعالج تاني مرة وبعد عن حسين وحاول يساعده، بس هو رفض مساعدته ومساعدتي إني قُحمان.
رد "نصار" بدهشة وذهول شديدين:
_ انتوا لا يمكن تكونوا بشر كيف الناس، إنتوا أبالسة ومعجونين بمية أبالسة.
رد "راشد" بضيق وقال:
_ متزدهاش عليا الله يخليك.
_ معلش معلش، كمل كمل.
_ اتعالج حسين وأني الحمد لله عرفت مع حالي أوقف اللي وصلت له، وهو قُحمان وجالي هيسافر بقى ويبدأ من جديد. وبعدها عرفت كيفكم اللي حصل له مع وصال. طلق مني أجيب له مخدرات. قلت له لأ ورفضت، هددني يموت روحه. خفت يعملها، بحج جبت له مرة، وبتدوى عرف يسلك روحه ويجيب هو. ولما عرفت خليت جدي يحجزه في مصحة. وبعدها حصلت خناقته الكبيرة مع مرته. ولما طلبت مني أني أديله فلوس يجيب مخدرات رفضت، جالي "هَموت نفسي". قلت له "موت خليني أرتاح من ذنبك وتريح حالك".
نظر لأخيه وقال بنبرة صادقة:
_ بس والله ما كان قاصدي أبدًا، بس إني مكنتش عاوزة يرجع للشرب من تاني.
ربت "نصار" على كتفه وقال بنبرة تملؤها الحزن الشديد:
_ متزعلش، أكيد مكنتش تعرف إنه هيموت روحه بجد.
تابع بتحذير وقال:
_ متجولش لغيث اللي حكيته ده أحسن هيشيل ويحط عليك يا حزين، وأنت مش ناقص بكفاية لحد كده.
_ مش قادر يا نصار، كل ما بشوفه بحس إني ظلمته وظلمتها، مش قادر، لما بشوفه ببجى عاوز أقوله كل حاجة.
_ لا، أحب على يدك بلاش ده، كيف الطور الهايج همله دلوقت.
تابع بغمزة من عيناه وقال:
_ وبعدين أنت عريس جديد، خاف على عمرك.
ابتسم "راشد" وهو يكفكف دموعه ثم قال:
_ قاصدك عريس قديم وبيرجع مرته بعد عشر سنين.
حرك رأسه وقال له:
_ جبروت، أنت برضك تحب وتتجوز وتخلف، وإحنا كيف الطُرش في الزفة. وجيت في الوقت المناسب وجلت إني متجوز ودي مرتي ودي ولدي، واللي مش عاجبه يضرب دماغه في اتخن حيط.
_ بيني وبينك مكنتش هردها، بس هي اللي زنّت ولفّت عليّ في كل حتة. جلت يا واد أهي دي اللي اتحملتك في عز ما كانش في جيبك مليم أحمر، جاي دلوقتي وتجولها بالسلامة.
ربت "نصار" وقال بجدية:
_ ربنا يصلح حالكم يا خوي، جوم نروح نشوف الحزين التاني اللي قاعد في المزرعة دي.
"الحزين جالكم بنفسه وعرف كل حاجة، كان نفسه يعرفها من زمان، بس جت متأخرة جوي جوي يا ولد أبوي."
أردف "غيث" عبارته وهو يقف خلف أخويه. وقف "نصار" وقال بنبرة مرحة محاولًا تخفيف الموقف الذي كان لا يتحمل أي مزاح:
_ ده الواد راشد عيهزر يا ولد أبوي.
قاطعه "غيث" وهو يهاجم أخيه بقوة لم يتوقع "راشد" تلك الضربات السريعة والمتتالية. لم يتفادى أيًا منهم. نجح كبيرهم في إبعاد توأمه عن أخيه، ولكن عاود لضربه من جديد وكأنه ينتقم لنفسه فيه. كان مغيبًا حينها، لا يستطيع التحكم في غضبه الشديد. تركه أخيرًا وهو يقول من بين أنفاسه اللاهثة:
_ من الساعة دي لا أنت أخوي ولا أني أعرفك. همل أرضك بالذوق بدل ما أهملكها أنا بمعرفتي.
بعد مرور قرابة الساعة.
عاد "غيث" منزل الجد ليجدهم في اجتماع هام جدًا. على الرغم من أنه ثمل ولا يرى أمامه إلا إنه كان يعي كل كلمة يتفوه بها تجاه أمر الشراكة بينه وبين أخيه.
نظر الجد لأحفاده وقال:
_ الحريم هتخليكم تخسروا بعض؟
رد "نصار" وقال:
_ مين جالب كده يا أمي؟ مصارين البطن بتتعارك يومين ويرجعوا كيف السمن على العسل. هي أول مرة يعني يا جدي؟
بينما هدر "غيث" بغضبٍ جَم وبدأ يسرد ما سمعه. بدأت المواجهة بين الاثنين. بعد أن علم الجد ما حدث، قرر إبعاد حفيده الأصغر "راشد"، حرمانه من جميع ممتلكاته التي ورثها والتي اكتسبها من صنع يده. فكانت هذه الطامة الكبرى بالنسبة له. كيف يبدأ وأين يعيش؟ والأهم من ذلك، كيف يسمح الجد بهذا الحكم الظالم؟ ظل يصرخ كالأطفال ويطالب بحقه، لكنه لم يحصل على شيء. لم يكتفِ الجد عن هذا الحد، بل قام بتطرده هو وأسرته الصغيرة ليحتوي الموقف شقيقه "نصار" ويعوضه بما يستطيع تعويضه على الأقل في الوقت الحالي.
**********
بعد مرور يومان.
كان "غيث" جالسًا في فناء المزرعة. كان الظلام حالكًا وسكون تام إلا من صوت النيران التي تأكل في الحطب ببطءٍ شديد، شاردًا في اللاشيء، يتجرع كأسه السابع دفعة واحدة دون رحمة أو شفقةً على صحته التي بدت في التدهور.
أتى توأمه وجلس جواره. لم يحدثه عن شيء. لن يكررها هذه المرة، سيجعله يتحدث هو أولًا.
مد يده للنيران. بينما نظر أخيه له وقال:
_ غار من الدار ولا لسه؟
نظر له "نصار" وقال بتساؤل:
_ من متى وجلبك جاسي كده؟
ألقى الكوب أرضًا قال بغضبٍ جَم:
_ من يوم اتفقتوا عليّ ودمرتوا حياتي.
عقد "نصار" ما بين حاجبيه وقال بتساؤل:
_ دمرنا حياة مين يا حزين أنت؟
كان يجوب الفناء بجسدٍ مترنح وعيناه تتلألأ بالدموع حين قال:
كنتوا السبب إني أكرهها من قبل حتى ما أشوفها. سمعت حديثكم عنها وصدقتوا، قلتوا إنها مرة واعية وتتعصب بالحنش، حي وتتلفح بالعقارب، وصدقت. قلتوا عنها بترمي شباكها ورا ديه وديه عشان كام مليم. كتب عليها وشفت فيها الطيبة والحنية.
تابع بصراخ وهو يضرب بيده تجاه عقله وقلبه:
_ بس دي كان مليان بالسم بتاعكم، دي كان لاغي دي منكم لله. فرقتم بيني وبين مرتي وعايشين حياتكم عادي.
وقف "نصار" يحتوي أخيه كعادته. وقف قابله وقال:
_ وحد الله يا خوي واجمد كده. مين دي اللي تهز غيث القصاص؟
رد "غيث" وقال بضعف:
_ هي قدرت تعملها يا خوي، قدرت تهزني. بس موت عمي وواد عمي كانوا قدامي. كلامكم عنها بالعفش خلاني أعمى. سكت قلبي اللي دجلها وعقلي اللي جالي خد الأمور بيا، مش محروق جلبك!!
ابتسم له ثم قال:
_ بسيطة، رجعها وعيش وياها طالما جلبك متشعلج فيه.
_ أني طلقتها قبل فرحها بيومين. تفتكر هتسنى كسرتها دي؟
_ هتنسى عشان رجعت تعوضها. هي بتحبك، أني خابر دي زين. دايما كانت تحكي لوداد عن حبها ليك. روح مصر وردها، هي لسة على ذمتك.
سأله "غيث" بعدم فهم وقال:
_ كيف دي؟
_ أنت مش اختليت بيها؟ يبقى…
قاطعه "غيث" وقال بنبرة صادقة:
_ يشهد ربي علينا ما لمستها ولا هي سمحت لي بكده، حتى بعد كتب الكتاب.
وتوقف من تلقاء نفسه حين تذكر قُبلته التي أسماها قُبلة الوداع.
ابتسم له توأمه بعد ما فهم سبب سكوته. ربت على كتفه وقال:
_ شروط الجواز الشرعي اتحققت يا خوي، وهو إنك تختلي بيها ويتجفل عليكم باب واحد، حتى لو مافيش حاجة حصلت بينتكم. جوم روح لها ورجعها. يانا بيحصل بين المتجوزين وبيرجعوا كيف السمن على العسل، وأنت لا آخر ولا أول واحد يسيب خطيبته أيام الخطوبة.
تابع مازحًا:
_ بالك أنت يوم حنتي البت وداد جالت لي "طلقني خمس مرات"، جلت لها "قومي اعملي لي قهوة". ولما رجعت كانت نسيت هي كانت عاوزة مني إيه. هي الستات كده، تطلع تطلع وتنزل على ما فيش.
*******
في مساء اليوم التالي.
"اسمع يا ابن الناس، أخوي يحج له يرد مرته، وافقت أو لا من حجه، والشرع قال كده. المهم دلوقت يجعدوا ويا بعضهم يمكن يتصافوا."
"أنا قلت اللي عندي، أختي ملهاش رجعة تاني لأخوك، ومعلش بقى، خد أخوك وامشي من هنا."
تدخل "غيث" وقال بهدوء:
_ طب خليها تيجي ونتكلموا يمكن…
_ أنا جيت أهو يا غيث، عاوز تقول إيه؟
_ رايدك يا وصال، رايد ترجع لي من تاني.
_ وأنا موافقة.
صاح "محروس" وقال بغضبٍ جَم:
_ هو أنتِ مبتتعلميش؟ بتروحي للي يبهدلك.
ردت بهدوء يتعجب منه الجميع، وعيناها لا تبرح ذاك الماثل أمامها:
_ عاوز ترجع لي يا غيث، مش كده؟
_ أيوه، كنت غلطان.
_ سيبك من مين غلطان دلوقتي، وخلينا في هتقدم لي إيه عشان ترجع لك؟
_ نجوم السما كلها هتبقى في يدك لو طلبتيها.
_ لا، أنا طلبي أبسط من كده. أنا عاوزة قلب.
سكت حين حدثته بنبرة غاضبة، وظهر يدها يضرب بقوة يسار صدره:
_ عاوزة قلب بدل اللي اتكسر، عاوزة عيون ما زارتهاش الدموع شهر ونص، عاوزة عقل بدل اللي الناس فكرته اتجنن خلاص وأنا ماشية أكلم نفسي في الشوارع. عاوزة لسان غير لساني اللي فضل يسأل عن إيه. عملت لك إيه عشان تعمل فيا كده؟ استنيت ست شهور ليه؟ وبعدها طلقتني، وإشمعنى قبل فرحنا بيومين؟
تابعت بتساؤل وعيناها لا تتوقف عن انسياب دموعها وقالت:
_ ما صعبتش عليك وأنا داخلة عليك وعلى وشي ضحكتي وبين إيديا فستان فرحي!! خلتني اختارته ليه لما أنا مش هلبسه؟ خلتني أفرح ليه لما أنا مش مكتوب لي الفرحة؟
_ عشان حبيتك صح.
ردت "وصال" بنبرة ساخرة وهي تقول:
_ حب سلامات يا حب.
وقفت عن مقعدها بكبريائها قائلة:
_ طلبك مرفوض، أنا الحزمة اللي بقلعها من رجلي مبرجعش ألبسها تاني.
بعد مرور شهر.
"عرفت أن أختك جوزها طلقها قبل جوازها بيومين. قلبي عندك والله يا محروس يا أخويا، بس غريبة يعني يطلقها ويسيبها ويرجع؟ ده عرف إنه خد مزاجه منها ورماها."
أردف "مسعد" عبارته الخبيثة وهو ينفث لفافة التبغ خاصته جوار شقيق "وصال". لم يرد عليه، يعرف أنه يقوم بإستفزازه ونجح بالفعل حين قال:
_ عيني عليك يا حسين يا أخويا، تهمك إنك عملتها معاها، عملتك وهي لسه بختم ربها، وجه ابن عمك وخدها ورماها.
ختم عبارته قائلاً:
_ ما له حق بردو، ماهي كانت ماشية مع نصار شوية وراشد شوية، واللع، من كتر مشيها ما عارف كان صاحب أول قطفة، يمكن عشان كده طلقها؟