لم ينم جيدًا ليلتها. بقي عقله يفكر فيما رآه، يحاول أن يستوعب ما رأته عيناه. هاشم والخادمة الحسناء. الأمر لم يكن بحاجة إلى مزيد من التفسير، كل شيء واضح. عليه أن يعترف بأن ما رآه اليوم يصب في صالحه، فهاشم دون أن يدري كشف عن سره الأعظم. ستكون فضيحة مدوية بالطبع، لكنه لن يفجرها الآن، بل سيتركها لوقتها المناسب حينما يرتب كل شيء ويعرف أولاً كيف يستغل ما عرفه جيدًا.
في اليوم التالي، استيقظ بنشاط شديد رغم قلة ساعات نومه. اختار أن يتناول فطوره وحيدًا في شرفة غرفته، فهو لا يريد تعكير مزاجه برؤية وجوه لا يطيقها. هبط بعدها إلى الأسفل مناديًا على كريمة، التي أتت على الفور، فسألها دون مقدمات: "تلك الخادمة ذات العيون الزرقاء... ما اسمها؟ "زينة، اسمها زينة يا بك." هتفت بها كريمة وهي تضيف بتساؤل قلق: "هل فعلت شيئًا سيئًا كي تسأل عنها يا بك؟! تجاهل سؤالها وهو يتسائل مجددًا:
"منذ متى وهي تعمل هنا؟ تنهدت كريمة ثم هتفت بتردد: "زينة ولدت هنا يا بك." سيطرت الدهشة على ملامحه وهو يسأل باهتمام: "كيف يعني؟ لاح التردد على ملامح وجهها قبلما تهتف بخفوت: "زينة تكون إبنة السيد رعد من زوجته السابقة." "ماذا؟! هتف بها مصدومًا قبلما ينهض من مكانه لا إراديًا ويسير نحوها يسأل بعدم تصديق: "كيف يعني إبنته؟! ولماذا تعمل مع الخدم طالما هي إبنته؟! "هذه قصة طويلة يا بك." "أخبريني عنها."
قالها باسل وهو يعاود الجلوس مكانه، واضعًا قدمًا فوق الأخرى، مشيرًا لها كي تبدأ الحديث عندما قالت كريمة: "تزوج السيد رعد من والدة زينة قبل عشرين عامًا. كانت زوجته الثانية. كان لديه زوجته الأولى رحمها الله وولدهما سامر وإبنتها ليلاس، ثم تزوج من هيفاء والتي كانت إمرأة بسيطة من عائلة فقيرة، لكنها فائقة الجمال. وكان جمالها ما جذبه إليها ليتزوجها رغم وجود زوجته الأولى و رغم الفارق الطبقي الشاسع بينه وبينها."
أخذت نفسًا عميقًا ثم أضافت: "وبعد أقل من عام أنجبا زينة ثم... توقفت وهي تشعر بنفسها عاجزة عن إكمال المزيد. ليهتف باسل بإصرار: "ماذا حدث بعدها؟! تحدثي من فضلك." هتفت بخفوت: "طلقها بعدما خانته. ومنذ حينها وهو لا يطيق زينة ويعتبرها عالة عليه ويعاملها أسوأ معاملة." "إذا ينتقم من زوجته عن طريق إبنتها؟! هتف بها بسخرية باردة، متذكرًا نفسه عندما اتخذه خاله وسيلة لتفريغ غضبه من والدته، فينتقم منها عن طريقه. أضاف متسائلاً:
"وماذا عن والدتها؟! أين هي الآن؟! "ماتت." تمتمت بها بإقتضاب قبلما تضيف بجدية: "هل إرتكبت زينة خطأ كي تسأل عنها يا بك؟! هز رأسه نفيًا وهو يخبرها: "أنا فقط أريد معرفة هوية العاملين لدي." أضاف وبسمة هازئة ترتسم فوق شفتيه: "وبداية التعارف مبشرة جدًا، فأنا لتوي أدركت بأن الخادمة هي نفسها إبنة خالي التي لم أعرف بوجودها مسبقًا." "زينة إبنته بالإسم فقط بينما هي تحيا كخادمة بيننا." أضافت والشفقة ظهرت بوضوح في نبرتها المترجية:
"لكن هي لا ذنب لها بأفعال والدتها. هي مسكينة وطيبة جدًا. لا تستحق هذه المعاملة أبدًا. سامحه الله رعد بك، آذاها بلا ذنب." أطرق باسل برأسه مفكرًا وهو يتذكر مجددًا ما يجمعها بهاشم. هاشم الذي تبين إنه ينتهك حرمة إبنة عمه. لكن ماذا عنها هي؟! ما السر الذي يجمعها بهاشم ويجعلها ترضى بهذه العلاقة الدنيئة؟! بالتأكيد هناك المزيد من الأسرار الذي سيحتاج معرفتها، وستشكل فارقًا كبيرًا بالنسبة له في طريق انتقامه المنتظر. ***
مساءً، يجلس الجميع حول طاولة الطعام عندما هتف باسل وهو يدلف إلى الداخل: "مساء الخير." لم يغب عنه غياب ضحى وسامر بناءً على أوامر الأخير، بينما كان البقية موجودين. أخذ مكانه في رأس الطاولة مقابل خاله رعد، الذي كان يترأس الطاولة من الجهة المقابلة. بدأ يتناول الحساء بينما الخادمة تقوم بتقديم الطعام، ليهتف عن قصد مشيرًا للخادمة: "أخبري زينة أن تأتي هنا."
توقف رعد عن تناول الطعام وسيطرت الدهشة على البقية. بينما نظرت الخادمة نحو رعد بتردد، تخشى أن تنفذ ما قاله باسل فتتلقى عقابًا منه. لكن صوت باسل صدر مجددًا صارمًا بشدة وهو يخبرها: "ماذا تنتظرين؟! أخبريها حالًا." تحركت الخادمة بسرعة راكضة نحو الطابق السفلي، بينما تلاقت عينا باسل بعيني رعد، الذي ظهرت باردتين بشدة قاسيتين رغم حدتهما الواضحة. بعد دقيقة واحدة، تقدمت زينة بخطوات مترددة نحوهم، ليهتف باسل مشيرًا نحوها:
"تعالي يا زينة، لا تخجلي." كانت تتحاشى النظر نحو والدها، بينما تهمس بصعوبة: "أخبروني إنك تريدني يا بك." قابلها باسل في جلسته المسترخية وهو يهتف ببساطة وبسمة باردة: "لماذا تتحدثين معي بهذه الطريقة الرسمية؟! أنا إبن عمتك، أم نسيتِ هذا؟! لم يتحمل رعد المزيد، حيث انتفض من مكانه وهو يضرب فوق سطح الطاولة مرددًا بغضب حارق: "ما الذي تسعى إليه بأفعالك هذه يا ولد؟! "لا تناديني هكذا." هدر بها باسل بصرامة وهو يضيف بعدما
نهض من مكانه يقابله بتحدي: "ثانيًا، ما الخطأ الذي فعلته؟! أليست إبنتك؟! ومكانها هنا بيننا." أشار نحو زينة التي تقف متجمدة مكانها بفزع سيطر على ملامح وجهها: "تعالي واجلسي معنا، هيا." "أنت تتجاوز حدودك كثيرًا أيها الوغد." صاح بها رعد وهو يهم بالتقدم نحوه لينقض عليه، عندما نهض هاشم بسرعة يقف في وجهه هاتفا بصوت خفيض: "اهدأ يا عمي." أضاف بذات الخفوت: "إنه يتعمد إستفزازك." تلاقت نظرات رعد الحارقة بنظرات باسل الهازئة،
ليضيف باسل بثبات: "زينة واحدة منا، مكانها بيننا." أكمل وهو يشير نحوها بعناد: "هيا اجلسي بجانب أختك." امتقعت ملامح ليلاس وهي تهب من مكانها تهدر بغضب: "هذه ليست أختي ولن تكون." "لستِ أنتِ من تقرري هذا." هدر بها باسل، ليصيح رعد معترضًا: "لا ترفع صوتها عليها." كانت زينة تقف بينهم بذات الملامح الجامدة كليًا، بينما العبرات تراكمت داخل مقلتيها، حيث كانت تجاهد لمقاومة عبراتها. والموقف بأكمله كان قاسيًا عليها.
"ماذا تريد يا إبن هاجر؟! ما الذي تسعى إليه؟! تحدث." قالها رعد بنبرة غليظة، بينما تدخل خاله عوف بتروٍ: "اهدأ يا رعد، لا داعي لكل هذه العصبية." "أنا لا أسعى لشيء سوى مساعدة هذه المسكينة التي تنبذها وتعاملها مثل الخدم وكأنها ليست إبنتك من لحمك ودمك." لم تتحمل زينة المزيد، فهطلت عبراتها بحرارة فوق وجنتيها. انقبضت ملامح هاشم وهو يرى عبراتها هذه، بينما صاح رعد غاضبًا بشدة: "هذا ليس من شأنك، لا تتدخل فيما لا يعنيك."
"كل شيء يحدث هنا من شأني." صاح بها باسل بجمود، ليشير رعد وهو يسير نحوه: "هل تعتقد إن إمتلاكك للفيلا سيجعلك تتحكم بنا أيضًا؟! "لماذا أنت باقي هنا إذا؟! لماذا لا تبحث عن فيلا جديدة تسكن بها؟! قالها باسل ببرود وهو يضيف بسخرية: "كنت أقول دائمًا بأن قسوتك لا حدود لها، لكن لم يخطر على بالي يومًا أن تشمل قسوتك إبنتك من لحمك ودمك." اندفعت زينة مغادرة المكان بخطوات راكضة وهي تشهق باكية بعنف. بينما هتف رعد بعينين قاسيتين:
"كان يجب أن أقتلك منذ سنوات. أنت نبتة سامة، وجودك أفسد حياتنا. نبتة فاسدة كان يجب التخلص منها منذ سنوات قبلما تنمو وتمتد جذورها بيننا." "لكنك لم تفعل ذلك، وها أنا أمامك يا رعد." قالها باسل بملامح متحدية، ليهتف رعد بتحذير: "لا تتدخل فيما لا يعنيك. أمر زينة ووضعها لا يخصانك أبدًا. هل فهمت؟! "لا يمكنني رؤية الظلم والسكوت عنه." قالها باسل ببرود، ليهتف رعد بنبرة مهددة: "سأقتلك إن تدخلت مجددًا في هذا الأمر."
"لماذا تفعل هذا؟! ما ذنبها هي أن تتحمل نتائج خيانة والدتها؟! عند هذه النقطة لم يتحمل رعد سماع المزيد، فسارع ينقض عليه لاكمًا إياه بقوة. سارع عوف يقف في وجه شقيقه وكذلك هاشم، بينما ضحك باسل ببرود وهو يردد: "يبدو إنني ذكرت ما لا يجوز التطرق إليه." "إخرس، لا أريد سماع صوتك." صاح به رعد، بينما هتف عوف مشيرًا لباسل: "اذهب الآن يا باسل، يكفي ما حدث حتى الآن." طالعهما باسل بنظرات باردة وهو يردد قبل رحيله:
"سأرحل، ولكن يجب أن يعرف الجميع بأن زينة من الآن فصاعدًا ستحيا كواحدة منا، لا تفرق عنا بشيء. ومن لا يعجبه قراري فليغادر الفيلا بلا رجعة." اندفعت رشا خلف زوجها محاولة تهدئته عندما صاح رعد وهو يكاد ينفجر من شدة الغضب: "هل رأيتِ ما فعله ذلك الحقير؟! سأقتله حتمًا بسبب تصرفاته الحقيرة." "اهدأ يا رعد، اهدأ أرجوك." هتفت بها رشا وهي تضيف: "هو يريد إغضابك بتصرفاته هذه." "يتحداني، الوغد الحقير."
كان يتحدث بإنفعال شديد وهو يتمنى لو يمسكه بين يديه ويفتك به. لتهتف رشا بعقلانية: "كان عليك ألا تمنحه الفرصة ليستفزك." "ألم ترِ ما فعله؟! هتف بها رعد بعصبية، لتهمس بخفوت: "بلى رأيت." أضافت بتردد: "كان يمكنك أن تتركه يفعل ما يريد." اتسعت عيناه غير مصدقًا ما يسمعه، ليضيف بدهشة: "كيف يعني؟! يريد أن يساوي بيننا وبينها…. يريدها تحيا كواحدة منا…." أضاف بنبرة قاتمة:
"هذا لن يحدث أبدًا. سيبقى مكان زينة بين الخدم، ولا أحد يمكنه تغيير هذا." "أنا لا أفهم لماذا تحمل هذا الكم من الكراهية إتجاهها. في النتيجة هي إبنتك، لا تنسى هذا." "ليست إبنتي ولن تكون." هدر بها بقسوة، لتهتف رشا بضيق: "لكنها إبنتك وأنت تظلمها يا رعد. وهذا ظلم وحرام." "ألا تفهمين؟! إنها ليست إبنتي." "ماذا تعني؟! هتفت بها رشا بعدم استيعاب، ليهدر رعد كاشفًا عن السر الذي أخفاه لسنوات عن الجميع:
"كما سمعتِ. زينة ليست إبنتي. حتى لو كانت تحمل إسمي فهي ليست إبنتي. زينة إبنة هيفاء من عشيقها الذي خانتني معه قبل عشرين عامًا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!