دلف إلى غرفة جده أخيراً. تأمل المكان بإهتمام. من كان يصدق أن يحدث هذا يوماً؟! هو يعود لذات المنزل الذي طُرِدَ منه سابقاً. للمنزل الذي نبذه أصحابه. يعود مجدداً وهو مالكه.
إبتسامة ساخرة ارتسمت فوق شفتيه وهو يستمر في تأمل المكان، بينما يتخيل ردة فعل جده لو كان حياً ورآه هنا في غرفته بعدما باتت له. ليته كان حياً ليشهد ما حدث ويتذوق مرارة شعوره كالبقية، لكنه محظوظ كونه رحل قبلما يرى هذا. قبلما يشهد هزيمته على يد حفيده الذي رفضه بقسوة ونبذه بكل جبروت ممكن، وتعامل معه كوصمة عار يجب التخلص منها دون رحمة.
قفز بجسده فوق السرير، مغمضاً عينيه للحظات قبلما يفتحها متأملاً السقف العالي فوقه، شارداً مجدداً بأفكاره حول القادم وما سيفعله بالبقية. أخواله وأولادهم. تنهد بصمت وهو يعتدل في جلسته بعدما سمع صوت طرقات على باب الغرفة، ليسمح للطارق بالدخول، فيدخل الحارس وهو يجر حقيبة ضخمة تحوي ملابسه، فيضعها له ويغادر ليجلب بقية الحقائب، بينما قرر هو أن ينهض ويأخذ حماماً سريعاً قبلما يهبط إلى الأسفل مجدداً ليلتقي ببقية العائلة.
وقفت زينة تستمع لأحاديث الخدم عما حدث قبل قليل وقدوم السيد باسل صاحب المنزل الجديد. سمعت كريمة تهمس لها بخفوت: "كان الله في عونهم. ما حدث ضربة كبيرة لهم." لوهلة شعرت زينة بالشماتة بوالدها الذي يستحق أن يتلقى صفعة مدوية كهذه. تنهدت بضيق ثم قالت بذات الخفوت: "ربما يسامحهم على أفعالهم السابقة ويسمح لهم بالبقاء هنا." "لا أعتقد هذا." تمتمت بها كريمة وهي تضيف بحيرة: "لا أحد يعلم ما الذي يخطط له باسل وعلام ينتوي؟!
"هل شهدتِ ما حدث في الماضي يا خالة كريمة؟! سألتها زينة بإهتمام، لتومئ كريمة برأسها: "بالطبع عزيزتي، فأنا أعمل هنا منذ ذلك الوقت بل قبله بكثير." "يقولون إن الجد هو من قتل والدته، أي قتل إبنته؟! سألتها زينة بحذر، لتهتف كريمة بجدية: "هذا ما يُقال، لكنه أنكر ذلك وقتها. نُفي عنه تهمة قتلها." تنهدت مضيفة بحسرة: "المسكينة رحلت في عز شبابها، بينما لم يرحم والدها وأخوتها ابنها بل عاقبوه بذنب ليس ذنبه."
أخذت نفساً عميقاً ثم قالت لزينة التي ظهر الأسى على ملامحها وهي تتصور حاله وقتها: "دعكِ من هذه الأحاديث. لدينا عمل طويل يجب أن نكمله." هزت زينة رأسها موافقة وهي تعود إلى عملها، بينما صاحت كريمة ببقية الخدم تمنعهم من الإسترسال في أحاديثهم وتدعوهم للعودة لعملهم. ما إن هبط درجات السلم المؤدي للطابق السفلي حتى وجدها أمامه. تجمدت هي لوهلة وعقلها لا يستوعب ما تراه. ما الذي يفعله باسل هنا. "باسل."
همست بها ضحى بملامح تمكنت منها الصدمة، لتسأل وهي تسير نحوه بعدم تصديق: "ماذا تفعل هنا؟! أجابها ببساطة: "أنا في منزلي." "كيف يعني؟! تسائلت بحيرة، ليجيب ببسمة باردة: "الفيلا باتت لي. إشتريتها." اتسعت عيناها بدهشة امتدت للحظات قبلما تهمس بصعوبة: "كيف إشتريتها؟! متى حدث هذا وكيف؟! تمتم ببرود: "إنها قصة طويلة." أضاف وعيناه تتأملانها بحرص وذات الوجع عاد يقتحم قلبه عندما تذكر إنها لم تعد له بل باتت ملكاً لغيره،
وهذا أسوأ شيء قد يحدث: "أين زوجك إذا؟! "لا أعلم." تمتمت بها بخفوت وهي تهم بالتحرك سريعاً رافضة وقوفها معه على إنفراد، ليباغتها قابضاً على ذراعها بشكل جعلها تتطلع نحوه بنظرات حادة تجاهلها وهو يهمس بصوت متحشرج: "لماذا تهربين مني؟! "ماذا تريد يا باسل؟! هدرت بها وهي تضيف بضيق: "ألم تكتفِ بما فعلته يوم الزفاف؟! "وما الذي فعلته إن شاء الله؟! سألها بسخرية لاذعة، لتهمس بصعوبة وهي تحرر ذراعها من قبضته:
"لا أعلم ما الذي قلته لسامر كي يشك بي بل ويعاقبني بشدة." أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بجفاء: "ما أعلمه إنني لن أغفر لك ذلك. فأنت عاقبتني فقط لأنني تخليت عنك بينما كنت مجبرة على ذلك وأنت تعلم هذا جيد." "هل هذا حقاً مبررك؟! هدر بعنف، لتطالعه بإباء: "نعم يا باسل. هذا مبرري، وعموماً حديثنا هذا لم يعد له معنى." أنهت حديثها بنبرة ظهر فيها الحزن جلياً رغماً عنها: "أنا متزوجة الآن ووقوفنا سوياً بهذه الطريقة لا يجوز. عن إذنك."
تابع رحيلها، بل هروبها من أمامه بسرعة بقلب ينبض ألماً، مهما حاول أن يتجاهل هذا أو ينكر ألمه. هي رغم كل شيء كانت المرأة الأولى في حياته. أحبها منذ سنوات وحلم بها طويلاً، وعندما بادلته مشاعره شعر بأنه ملك الدنيا بما فيها، ليستيقظ على صفعة رحيلها عنه مجبرة تنفيذاً لرغبة والدها الذي رفضه بقسوة، ورغم ذلك ما زال هناك جزء بداخله يتشبث بمشاعره نحوها وإن باتت مستحيلة.
دلف باسل إلى غرفة الطعام حيث يجتمع الجميع على المائدة لتناول العشاء. توقف لوهلة يطالعهم بملامح باردة. خاله الأكبر رعد يترأس المائدة وتجاوره على اليمين زوجته رشا، جانبها يجلس ولده سامر وزوجته ضحى، وأخيراً إبنته ليلاس. بينما على يساره يجلس شقيقه الثاني عوف والد كلا من ضحى وهاشم الغائب عن المائدة كعادته، وأخيراً خاله الثالث والأصغر رشيد والذي بات وحيداً بعد رحيل زوجته واستقرار ولده الوحيد خارج البلاد.
ابتسم ببرود وهو يهتف: "مساء الخير جميعاً." ثم تحرك نحو الطرف الآخر من الطاولة ليجلس قبال رعد الذي احتقنت ملامحه بقوة، بينما انتفض سامر ناهضاً من مكانه مردداً بمقت: "لا مكان لي على طاولة بات يجلس عليها أمثاله." تراجع باسل قليلاً إلى الخلف مسترخياً في جلسته وهو يتطلع إليه بنظرات مستفزة، ليهدر بزوجته الجالسة جانبه: "هيا، ماذا تنتظرين؟! نهضت ضحى من مكانها سريعاً تتبعه، بينما هتف باسل بنبرة مستفزة:
"يبدو إننا سنحتاج الكثير بعد كي نعتاد على وضعنا الجديد." "لن نعتاد مهما حدث، وأنت تعلم ذلك." قالها خاله عوف وهو ينهض من مكانه مغادراً المكان هو الآخر، ليهتف باسل وهو يشير إلى رعد: "ما رأيك أنت يا رعد؟! كيف ستسير الحياة بيننا في الأيام القادمة؟! "نحن نحتاج أن نتحدث على إنفراد يا باسل." هتف بها رعد بنبرة غليظة، ليهتف باسل بسماجة: "نتناول طعامنا أولاً ثم نتحدث."
ثم جذب ملعقته يتناول الحساء بتلذذ ونظرات خاله رعد تكاد تفتك به، فيتعمد تجاهله كلياً، بينما لم يغب عنه غياب خاله الأصغر رشيد عن الصورة، وعلى ما يبدو إنه لا يهتم بما يحدث كشقيقيه الآخرين. أغمضت زينة عينيها مقررة الاستسلام للنوم بعد يوم طويل وشاق. لحظات وشعرت بأحدهم يدخل غرفتها بحذر. انتفضت من مكانها وهي تتطلع نحوه بملامح مرتعبة، بينما ابتسامته الشيطانية تتعاظم وهو يهتف بخفة: "جيد إنك لم تغفي بعد. هل كنتِ تنتظريني؟!
قالها وهو ينحني نحوها، لتتراجع إلى الخلف وهي تهمس بخوف: "غادر فوراً." ضحك بإستهجان وهو يردد: "سأغادر بعدما أنتهي منكِ." حاولت أن تقفز من فوق السرير، لكنه سبقها وانقض عليها، بينما يهدر بها بحزم: "لماذا ما زلتِ تتمسكين بعنادك؟! ألم تكتفِ من العناد بعد؟! "إتركني يا هاشم." همست بها بصعوبة وهي تضيف بنبرة متوسلة: "لا أريد." "ككل مرة، ترفضين بينما لا أستمع إليك، ليحدث في نهاية المطاف ما أريده." قالها بتهكم، لتهمس والعبرات
تتساقط فوق وجنتيها بغزارة: "أرجوك لا تفعل. إتركني وشأني." "لا يمكن." قالها بسرعة وهو يتأمل جمالها الذي يخطف الأنظار، مضيفاً بحرارة: "لا يمكنني ترك هذا الجمال يا زينتي وأنت تعرفين ذلك." أضاف وأنامله تسير فوق وجنتها الربطة: "أنت مختلفة وكل شيء معك مختلف. مذاقك مختلف، رائع، كالحلوى."
انتفض جسدها رعباً، بينما يعانقها هو برغبة طاحنة غير آبه برفض جسدها الصريح لقربه. هاجم جسدها بضراوة غير آبه بألمها، مقرراً أن ينال منها ما يريده ويرضيه، متجاهلاً صوت أنينها الخافت وعبراتها التي تضاعفت. نال ما يريده منها، ثم تركها كخرقة بالية لا تساوي شيئاً. تركها منهارة تبكي بشهقات متتالية، بينما جسدها يئن وجعاً وعقلها يصرخ بها رافضاً هذا الخضوع، يؤنبها على استسلامها المخزي كعادتها. نهضت من مكانها وهي تدفع الغطاء بعيداً، ثم ركضت نحو الحمام، هناك حيث أخذت تغسل جسدها بعنف تتمنى لو تستطيع أن تمحي أثر لمساته فوقه، لكنها تدرك جيداً إن الأثر الباقي لا ينمحي مهما حدث، كالعار الذي سيبقى يلاحقها حتى آخر عمرها نتيجة لما تتعرض له على يد هذا المجرم القذر.
حل الفجر بينما بقيت هي عاجزة عن النوم. تتقلب في فراشها بلا جدوى. قررت النهوض فسارعت تغير بيجامتها لفستان فضفاض خفيف، ثم تحركت تغادر غرفتها متجهة إلى الحديقة خارجاً، هناك حيث انفردت بنفسها وسمحت لعبراتها بالتساقط مجدداً. تبكي حالها وما تحياه هنا، بينما تتمنى لو تجد مخرجاً من هذه الحياة المقرفة. بقيت على هذا الحال لوقت لا بأس به، قبلما يتمكن النعاس منها لتغفو مكانها. صوت نباح قريب أيقظها، فانتفضت من مكانها برعب وهي ترى كلباً بوليسياً ضخماً يقترب منها، لتركض على الفور وهي تصرخ بجزع، بينما الكلب يركض ورائها، عندما اصطدمت بأحدهم سارع يمسك بها قبلما تسقط أرضاً، لترفع نظراتها الزائغة نحوه، بينما جسدها يرتعش كلياً عندما سمعت صوته يهدر بها
وهو الذي يراها لأول مرة: "من أنتِ وماذا تفعلين هنا بهذا الوقت؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!