على الطريق، كانت منى ماشية جنب علي، ماسكة إيده.
الشارع مليان أضواء، عربيات بتتزاحم، أصوات، زحمة…
لكن هي كانت سايبة الدنيا كلها ومركزة بس في كف إيده.
علي شدها بهدوء ناحية الحيطة.
قال:
"نمشي جنب… الطريق خطر."
منى رفعت مناخيرها فجأة.
شمّت الهوا.
قالت بصوتها المكسور اللطيف:
"ب… بطاطا."
ابتسم علي.
سحبها ووقفوا عند الراجل.
طلب بطاطا ليهم الاتنين.
ولما الراجل إداله واحدة سخنة، علي فتحها، وحط على بتاعة منى عسل أسود.
منى مدّت إيدها تمسك…
واتلسعت.
علي خطف إيدها فورًا.
"استني!"
طلع منديل، ومسح كفها برفق.
مسك البطاطا بإيده هو، علشان متلسعهاش،
وكسر حتة صغيرة…
وقرّبها لفمها.
منى أكلت من إيده.
ابتسامتها طلعت فجأة، صافية، طفولية،
كأن الدنيا كلها بقت بطاطا بالعسل.
رفعت عينيها عليه وهي بتبتسم…
عند الكافيه،
كانت منى واقفة مكانها لوحدها، عدّى شاب من جنبها…
عينه علّقت عليها لحظة أطول من اللازم.
لكن فجأة،
فيه جسم وقف بينه وبينها.
ضلّ طويل،
كتفين عريضين.
علي.
الشاب أول ما شافه، لف وشه ومشي كأنه ما شافش حاجة.
علي قرب من منى وقال بهدوء:
"اتأخرت عليكي… الطابور كان طويل."
منى بصّت له وقالت كلمة واحدة:
"عصير."
ابتسم.
مدّ لها الكوباية.
قبل ما تاخدها،
مسكت إيده الأول…
وبعدين أخدت العصير.
خرجوا من المحل،
منى محتضنة دراعه،
كأنها ماسكة الأمان نفسه،
مش مجرد أخوها.
كانت بتشرب بالشاليموه،
وعينيها بتلف على الدنيا بانبهار.
الأضواء، الناس، الأصوات.
قالت فجأة، بابتسامة واسعة:
"منى فرحانة أوي."
ضحكت وفجأة،
منى شافت ست عجوز،
إيدها بترتعش وهي بتحاول تفتح ازازة مية.
سيبت دراع علي
وتحركت ناحيتها.
علي انتفض:
"مـنّــى!"
بس منى كانت قربت من الست،
مسكت الإزازة،
ضغطت عليها بإيدينها بكل قوتها الصغيرة.
الست كانت بتبصلها من مساعدتها.
علي وصل في ثانية،
شد منى من دراعها بعيد.
قال بحدة مخلوطة بخوف:
"إنتي بتعملي إيه؟!"
منى بصوت هادي وبريء:
"أنا بساعد…"
علي لمح إنها فتحت الإزازة ومدّاها للست.
هو اللي أخدها من إيدها بسرعة واداها للمرأة:
"اتفضلي."
الست ابتسمت:
"شكراً يا بنتي."
وبعدين رفعت عينها لعلي،
نظرة غريبة… عميقة…
وقالت:
"ملاك مع شيطان… مستحيل يجتمعوا."
علي وقف جزء من الثانية،
كأن الجملة خبطته في صدره.
ليه؟ ما يعرفش.
بس شدّ إيد منى ومشي.
قال بصرامة:
"ممنوع تجري، وممنوع تتعاملي مع أي حد غريب."
قالت منى وهي باصة ع الست:
"كانت محتاجة مساعدة."
رد بحدة مكبوتة:
"كل واحد يقدر يساعد نفسه."
منى هزّت راسها:
"المساعدة… يعني خير."
علي وقف فجأة وبص لها:
"لا. مفيش خير. كل واحد بيفكر في نفسه. والغريب يعني شر. حتى القريب... أنا وانتى بس الى نثق ف بعض
إنتي شوفتِ الماس بعينك،أنا شايفهم على حقيقتهم.بعينى انا"
منى بصّت له،
عيونها مليانة أسئلة.
قال:
"اللي عملتيه غلط. قولتلك كل غريب خطر. متكلميش حد."
منى رفعت عينها ليه،وبكل بساطة قالت:
"أنا مش خايفة…"
وبإيدها الناعمه قالت"إنت موجود.مفيش خطر."
كانت جملتها الصادقة دخلت قلب علي زي سهم دافي.
تنهد، ومسح بإيده على شعرها:
"أنا موجود جنبك دايمًا… مش هسمح خطر يقرب منك.
بس متجريش إنتي ناحيته."
منى ما فهمتش قوي،
بس هزّت راسها بطاعة،
زي عادتها دايمًا بعد نصايحه.
هكذا كان علي، وهكذا كانت منى... شقيقته الكبرى.
هي الأكبر سنًا، لكنه كان الأعقل دائمًا، والوليّ الناهي في حياتها. لم يكن ذلك بسبب وفاة والديهما — اللذين بالكاد يتذكران ملامحهما — بل لأن كلاً منهما شعر دائمًا أن الآخر هو عائلته الحقيقية.
منذ طفولتهما وهما يعيشان في بيت جدتهما، وكان علي يحمي منى كأنها روحه.
يتذكر جيدًا ذلك اليوم... يوم خرجت منى إلى السوق وحدها.
سمع صوت ضحكات غريبة، اقترب بخطوات سريعة، فرأى مجموعة أولاد يحيطون بها.
قال أحدهم بسخرية:
– "دي مختلّة! مش شايف؟"
رد التانة وهو يضحك:
– "بس جميلة... تصدق؟ الحلو عمره ما بيكمل!"
وقتها، التقطت منى طماطمًا من عربة البائع المجاورة، وقذفتها بقوة في وجهه.
تجمّد الولد لحظة، ثم احمرّ وجهه غضبًا وقال بغلظة:
– "يا بنت الـ..."
لكن قبل أن يُكمل الكلمة،
ظهر علي أمامهم فجأة.
كان وجهه ثابتًا، لكن عينيه تشع نارًا.
في لحظة، اندفع نحو الولد، وضربه بعنف غير متوقع.
حاول الآخرون التدخل، لكن علي لم يكن طفلًا عاديًا.
كانت ضرباته سريعة، قاسية، مليئة بالغضب المكبوت.
لم يتوقف برغم خوف اخته الكبرى، كان كأن شيء بداخله انفجر.
يضربهم بلا رحمة، حتى تجمع الناس وفضّوا بينهم.
ولو لم يتدخل أحد...
ما كان علي سيتوقف.
من يومها، صار الناس يعرفون:
منى عندها أخ... محدش يقرّب منها.
كان علي لسه فاكر اليوم ده كويس… اليوم اللي الوِلاد دول دخلوا فيه المستشفى بسببه. أهاليهم اشتكوه، وكانوا هيرفعوا عليه قضية، بس ستّه اتدخّلت في آخر لحظة. راحتلهم بعينين كلها خوف عليه، وفضّلت تعتذر وتقول كلام يرقّق القلوب… وهي ست كبيرة ومُوقَّرة، فكسفوا منها وسامحوا واكتفوا بكلامها.
بس علي؟ حتى الاعتذار ده هو نفسه ما قبلهوش.
كان واقف قدّامهم بعِند مايلقّش، ومصمّم إنه مش هيعتذر… ولو قابلهم تاني هيديهم نفس الضرب، أصلهم غلطوا في أخته. ساعتها الناس كلها قالت عليه مجنون… شيطاني… وستّه هي اللي وِقِعت في وشّهم اتحمّلت الزعيق واللوم، وهو واقف ولا كإنه عمل حاجة.
لحد ما رجعت البيت… وقعدت معاه.
كانت متعصّبة عليه بطريقة عمره ما شافها منها، وفضلت تلومه وتوبّخه:
"ليه عملت كده يا علي؟!… غلطان ومش عايز تعتذر! أنا علمتك كده؟
عارف لو كنت عملّت لحد فيهم عاهة كنت هتبقى فين؟ في السجــن!
فاهم يعني إيه السجن؟ يعني مفيش مستقبل… مفيش حياة أصلًا!"
ردّ علي وهو واقف قدّامها بنبرة واضحة وحادّة:
"مستعد أقعد في السجن… لو ده فِ حماية منى."
بصّت له ستّه بغيظ ما قدرتش تخبّيه وقالت بعصبيّة:
"منى أكتر واحدة اتضرّت بسببك!
إنت لو جرالك حاجة… هي اللي هتتبهدل وتبقى لوحدها.
افهــم!
أنا رجلي والقبر… يعني الخناقات والمشاكل دي تبعد عنها.
وخليك فـ حالك يا علي، إحنا مش ناقصين!
حافظ على نفسك… وعلى أختك.
ولو فعلاً بتحبها… متحطّش نفسك ف الهلاك وتضيعنا كلنا."
كلامها كان تقيل… وتقريبًا حطّت اللوم كله على كتافه.
خصوصًا إن هي اللي شالت جزء كبير من مصاريف علاج الولاد اللي ضربهم…
وده كان كاسرها قوي.
وبعد شوية… وهو قاعد لوحده في الصالة، سرحان ومخنوق، سمع صوت حركة.
قام وخرج يشوف إيه… لقى منى واقفة قدّامه في الضلمة.
قال "منمتيش ليه؟"
ردّت منى بصوت هادي ومكسور:
"مش عارفه…"
قال بقلق واضح:"مالك يا منى؟"
رفعت إيدها على وشه تلمس الكدمة السودة اللي باينة من الضرب.
قالت"ع…لي… موجوع."
هزّ راسه بسرعة ونفى:
"مش بيوجعني… أنا كويس.
قولي بقى… مالك؟"
ما ردّتش.
لفّت بوشها ناحية المرآية… وفضلت تبصلها بطريقة غريبة، نظرة أعماقها مش شبهها أبداً.
علي اتفاجئ… منى عمرها ما كانت بتغوص في المرايات كده.
ردّت بصوت منخفض:
"أنا… مِج…نونه."
علي اتسمر مكانه من الكلمة اللي خرجت منها.
قرب خطوة وبصلها باستغراب أكبر:
"إنتي بتقولي إيه؟"
لفّت له وقالت:
"يعني إيه… مجنوووونه؟"
قرب منها أكتر وهو بيقول بحدة حنونة:
"متقوليش على نفسك كده يا منى."
منى قال" ليه، حاجه وحشه؟"
تنهد علي وساب كل عناده وبروده.
مسك إيدها بحنان وقال:
"إنتي أعقل واحدة في البيت ده…
إنتي أختي الكبيرة…
هما اللي مجانين، مش إنتي."
منى لأول مرة بتسأل بجد: ليه بيقولوا إني مجنونة؟"
علي وشه اتشد، والغضب ولّع فيه في لحظة:
"مين قال؟! مين قال الكلمة دي؟!"
رجعت خطوة لورا بخوف بسيط من نبرته، بس ما بعدتش إيدها عنه.
كان باين في علي الطفل اللي جواه… والولد المتهور اللي يقدر يعمل ألف حماقة لو اتقال على أخته كلمة تضايقها.
مسك إيدها الاتنين المرة دي… وضغط عليها بجدية ما فيهاش ولا ذرة لعب:
"اسمعيني يا منى…
إنتي أجمل أخت… وأطيب قلب…
مفيكيش حاجة.
العيب مش فيكي…
العيب في عيونهم هما.
هما المرض… مش إنتي."
رفعت عينيها له بابتسامة صغيرة وربتت على راسه… نفس الحركة اللي دايمًا كانت تعملها وهي بتطمنه،
زي أم بتهدي ابنها.
وقالت "ان…ت قو…ي أوي."
الكلمة وقعت جواه زي دوا.
علي نسي كل زعله… نسي غضبه… نسي كل حاجة.
بس مجرد إنه يشوفها مبتسمة، كان كفاية يمسح من عقله أي ذنب أو لوم.
كبر علي… بقى راجل، مسؤول،
اتطوّل، واتقْوَى، وبقى أشد حذر… بس كل ده مش عشانه،
عشانها هي.
منى… اللي بتخاف عليه زي ما هو بيخاف عليها بالظبط.
كل واحد فيهم شايل التاني في قلبه.
في يوم…
علي كان خارج رايح شغله بالليل كعادته.
ومنّى واقفة عند الباب تودّعه،
شاف واحدة ست بتحدّف كيس الزبالة في السلة العامة.
لمّا شافته، ابتسمت وقالت:
"إزيك يا ابني"إزيك يا منى؟"
منى أول ما شافت الست ابتسمت وقالت:
"طنط رواية."
رواية قربت عليهم وسلمت عليهم هما الاتنين بابتسامة واسعة:
"إزيكم يا حبيبتى؟ عاملين إيه؟
إحنا مش بنشوفكم غير بالليل كده."
ردّ عليها علي وهو بيقف جنب أخته:
"عشان الشغل… ومنى بتكون نايمة لحد ما أرجع."
رواية هزّت راسها وقالت بمنتهى الطيبة:
"مافيش مانع يا علي تسيب الباب سايب شوية…
عشان لو منى عايزة حاجة تعرف توصلها.
قفل الباب غلط بردو يا ابني."
سكت علي لحظة، وبصّ لمنى وبعدين قال بهدوء:
"أنا مش بقفل الباب…
بس منى محرج عليها متخرجش."
رواية ضحكت بخفة:
"خلاص يا سيدي، كويس كده.
أنا هعدّي عليها الصبح… نفطر سوا،
وأشوفها عايزة حاجة ولا لأ،
وهمشي على طول."
منى ابتسمت بخجل بسيط وأوْمَت براسها إيجابًا.
رواية ردّت بابتسامة حنونة:
"أشوفكم على خير يا ولاد."
ومشيت.
علي بص لاخته قال:
"خلي بالك من نفسك…
ولو حد ضايقك، هتلاقي بخاخة الشطة واللمون في مكانهم."
منى "مع السلامة يا علي."
ابتسم علي وودّعها… ونزل يكمل طريقه.
لكنه في نص السكة وقف مرة واحدة وقال بضيق:
"التليفون…!"
نسي تليفونه لف يرجع سمع صوت خبط، همس، وصوت رجل بيتوجّع.
رفع عينه…
ولقى شابين ماسكين واحد بالبُرم، واحد منهم رافع عليه آلة حادة،
والتاني بيقلبه وياخد منه كل حاجة… فلوسه، محفظته، وحتى الساعة اللي في إيده.
قبل ما يستوعب اللي بيشوفه…
سمع صوت خفيف جه من وراه:
"علـي…"
اتجمد.
الصوت ده هو آخر صوت كان يتوقع يسمعه هنا.
لف بسرعة…
لقى منى واقفة على أول الشارع،
عينها مثبتة على الراجل اللي بيتسرق… مش عليه هو.
قرب منها في ثانية وقال بتوتر:
"منى؟! إيه اللي خرجِك؟!"
ما ردّتش.
كانت واقفة، عينيها واسعة، مليانة خوف…
بس مش خوف على نفسها.
خوف على الراجل اللي كان بيترجاهم وهو بيعيّط.
دموعه نازلة وهو بيقول:
"خدوا كل حاجة… بس سيبوني… بالله عليكم…"
ويبدو إن المشهد ده خلّى حاجة جوا منى تتحرك.
علي مسك إيدها بسرعة وقال بحدة:
"يلا… امشي."
لكن منى قالت بجملة قصيرة، ضعيفة… بس وراها إصرار غريب:
"محتاج… مساعدة."
علي بصّ لها بصدمة.
شدّها من إيدها وقال "ملناش دعوة!"
راحت بخطوة ناحية الرجالة.
علي مسكها من دراعها
قالت منى بين الخوف والطيبة:
"شخص… محتاج مساعدة."
علي وهو بيشدها بعيد:
"امشي! بلاش يسيبوه ويجولنا!"
رجعت تبصل الراجل قالت"بس… ده—"
قاطعها علي بعصبية "امشي يا منى!
ملناش دعوة بحد!"
خدها فورا بعيد للبيت بس وقتها…
منى بَصِّت له نظرة قصّرت نَفَس علي.
قالت"إنت… شرير."
سابته ومشيت وتليفونه وقع من إيدها على الأرض فهم على
إنها خرجت وراه عشان تدي له التليفون اللي نسيه.
كانت ماشيه بعيد عنه
لما وصلو للبيت…
وقف قدامها وقال بنبرة جدّية:
"منى… متخرجيش في الوقت ده تاني.
حتى لو نسيت فلوسي…
متخرجيش.
أنا هرجع أجيبها.
تمام يا منى؟"
ما ردّتش.
ولا حتى هزّت راسها.
دخلت البيت وسابت الباب يتقفل وراها من غير كلمة واحدة.
منى مكلمتهوش تانى كأنه خذلها أو خلاها تتورط معاه فى قسوتهد قلبها نقى لدرجة إنها انبت نفسها وشيفاه شرير وهى كمان
في يوم…
كان راجع من برا،
أول ما فتح الباب…
شمّ ريحة أكل جاية من المطبخ.
اتوتر.
راح بسرعة وقال بصوت عالي شوية:
"منى؟!"
وقف أول ما شاف رواية واقفة في المطبخ،
بصّت له وقالت بابتسامة خفيفة:
"حمدلله ع السلامة يا ابني… خوّفتك؟"
ردّ بسرعة وهو ملهوف يشوف أخته:
"منى فيــن؟"
راويه "برا."
خرج علي لقى منى واقفة في الصالة،
بتنظم الأكل اللي على الترابيزة.
لما شافته…ابتسمت قالت "مـِنى… حضرت الفطار."
علي وقف مكانه.
الدهشة مسكاه.
هي… نسيت زعلها منه؟
خرجت راويه قالت"عايزه مني حاجة يا بنتي؟"
قال علي "مقصدش حاجه بس حضرتك هنا ليه؟"
رواية "قولت لمِنى تيجي تفطر معايا…بس هي قالتلي لأ،وقالت عايزة تفطر مع أخوها."
منى قالتلها"خليكي…"
قال على"خليكي افطري معاها.إنتي اللي عاملة الأكل.ميصحش"
رواية قالت:"لأ… دي أختك اللي عاملاه عقبال ما تعمل لجوزها،وبعدين أنا كان نفسي أشارككم،بس الحج جمال في البيت…وبلاش يفطر لوحده."
ربّتت على كتف منى بحنان وقالت:
"سلام يا بنتي."
وسابتهم وخرجت.
بص على لاخته الكبرى قال"إنتي اللي عملتي الفطار ده؟"
منى هزّت راسها بابتسامة فخورة.
مهوّش فطار كبير…
جبن، لانشون، بيض مسلوق، سلطه مقطعة بعناية.
بس هي كانت فخورة…
وكأنها طبخت وليمة.
أشارت له يقعد.
ولما قعد…
مدّت إيدها بسندوتش عملته مخصوص له.
ولما علي بصّ لها وهي بتقدمه له…
حسّ بإحساس غريب،
إحساس دافي وناعم…
كأنها أم مش مجرد أخته.
برغم كل شيء…
الأنثى عمرها ما تنسى طبعها.
حنينها.
أمومتها اللي بتظهر بدون قصد.
علي كل من إيدها،
وقلبه فرحان…
حاسس إن منى بتكبر قدّامه،
وإنها محتاجة بيت… وعيلة…
وإنها ست كاملة من غير ما تحس.
افتكر نفسه وهما صغيرين…
كانت أطول منه.
دلوقتي هو اللي فاقها طول وقوة…
بقى راجل وشابّ يافع.
سألها علي بصوت هادي وهو بيبص في عينيها:
"مش… زعلانة منّي؟"
صمتت منى لحظة، وكأن حاجة فجأة فكّرِتها، وبصّت له ببغض خفيف وقالت:
"زعلانة؟! ."
على "منى… انتي مش هتفهمي وجهة نظري."
هزّت راسها بعناد طفولي:
"انت مش شرير… صح؟"
بصّ لها باستغراب ممزوج بوجع، لكنها كملت:
"على طيب… بيساعد الناس…"
قاطعها بسرعة:
"منى بطّلي الكلام ده."
الجملة دي خلت قلبه يدق فجأة، كأنه حد لمس جرح جواه.
قال بنبرة ضعيفة:
"منى…"
قالت منى من غير ما تبُصّله:
"انت مش شرير."
هزّ راسه وقال بجدية:
"مش شرير… ولا هكون."
ابتسمت منى ابتسامة صافية، وكأنها صدّقت الكلمة من قلبها.
هي عارفة إنه طيب… زيه. ونسيت كل اللي كان مضايقها.
بعد فترة — السوبر ماركت
كان على قاعد لوحده عند الكاشير متأخر
فجأة الباب اتفتح بسرعة، ودخل شاب قال
"انت على؟"
على "أيوه… ؟"
قال الشاب "حج إسماعيل عمل حادثة… ونقلوه المستشفى."
على اتصدم، "حادثة إييييه؟!"
رد الشاب بسرعة:
"المخزن وقع عليه… كان بيرص بضاعة… الخشب والصناديق التقيلة وقعت فوقه."
قال علي "هو كويس؟!"
الشاب "معرفش والله… أنا كنت من الناس اللي شالوه للإسعاف، ومحدش قالّي تفاصيل. بس قالولي أبلّغ شاب اسمه علي ماسك المحل."
ومشي الشاب قفل على المحل وخرج بسرعه لبيته
أول ما رن الجرس، فتحت له منى بابتسامتها المعهودة…
بس علي ما قدرش حتى يبتسم. كان شكله قافل وقلقان.
قال بسرعة:
"منى… أنا جيت أطمن عليكي… ورايح مشوار تاني."
بصّت له باستغراب، ولسه بيحاول يمشي…
مسكت إيده بخوف وقالت:
"علي؟!"
بصّ لها، ومسَك وشها بين كفّيه وقال "حصل ضرر لإسماعيل… صاحب المحل. الراجل ده كويس قوي معانا يا منى… لازم أروح أطمن عليه.مش هتأخر. ادخلي… واستنيني. وأنا جاي."
أومأت له بطاعة، ودخلت وقفلت الباب وراه بسرعة…
مش عشان تخاف، لكن عشان ما يزعلش منها لو فضلت واقفة تبصّ عليه وهو ماشي.
علي راح على المستشفى بخطوات سريعة، دخل أوضة إسماعيل لقاه متجبّس وإيده مربوطة، ووشه باين عليه التعب.
على قال
"ألف سلامة عليك يا أستاذ إسماعيل."
إسماعيل "الله يسلمك يا علي يا ابني… إنت سيبت المحل وجيت؟"
على قال"قفلته… وجيت أطمن عليك. ماينفعش أسيبك كده."
تنهد إسماعيل وقال:
"الحمدلله… أنا بس زعلان ع اللي جاي."
علي باستغراب:"اللي جاي؟ إيه اللي جاي؟"
قال إسماعيل وهو باين عليه القلق:
"فيه بضاعة كبيرة جاية من المصنع… ولازم تتستلم. وأنا كده مش هقدر أروح. والبضاعة دي مهمة جدًا."
قال علي:
"طب ما حد يستلمها غيرك؟"
رد إسماعيل بإحباط:
"حمدي… ابني… في محافظة بعيدة خالص عن المكان. ومفيش حد أقدر أعتمد عليه."
سكت لحظة، وبصّ لعلي مباشرة وقال:
"ممكن… تستلمها إنت يا علي؟"
وسع علي عينه وقال بدهشة:
"أنا؟"
قال إسماعيل بهدوء وثقة:
"يا ابني… أنا بعتمد عليك في حاجات كتير. وهعتمد عليك في دي كمان."
علي بلع ريقه، وقال بنبرة مترددة:
"إنت عارف ظروفي… مقدّرش أخرج برا المدينة."
رد إسماعيل:
"هي يومين أو ٣أيام بس… مش هتتأخر كتير."
سكت علي…
وعلامات الاعتراض واضحة في وشه ومتوتر… منى لو عرفت إنه هيسافر هتزعل، وهو نفسه مش مطمّن.
إسماعيل لاحظ تردده وقال بلطف:
"وبردو… أنا مش هضغط عليك يا علي. لو ماتقدرش… خلاص."
رجع علي البيت وهو مرهق وتعبان من التفكير.
فتح الباب بهدوء…
ولقى منى نايمة على الكنبة، ملفوفة في الغطا، ووشها هادي كالملاك.
ابتسامة صغيرة طلعت منه غصب عنه… هي أكتر حاجة بيحس معاها بالأمان.
دخل المطبخ زي عادته.
علي بيعرف يطبخ كويس، مش صدفة… اتعلم من جدته أيام ما كانت تعبانة، وكان لازم يساعدها عشان ما تتضايقش منه ولا من منى.
خصوصًا إن منى كانت كل مرة تدخل المطبخ يا إما تتجرح… يا إما تكسر حاجة.
فكبر علي وهو شايل البيت من غير ما يحس.
بدأ يسخّن الأكل ويحضر طبقين.
في لحظة… صوت هادي ومرعوب نادى عليه:
"عـ… علي."
اتلفت بسرعة.
لقى منى واقفة على باب المطبخ… شعرها مبعثر… ووشها شاحب… وعيونها واسعة.
قال وهو بيشيل الأطباق بسرعة:
"عملت دوشة وصحّيتِك… معلش."
لكنها ما ردتش.
كانت واقفة ثابتة… ملامحها غريبة، صامتة… كأن روحها مش معاها.
قرب منها علي وقال بقلق:
"مالك يا منى؟"
همست بصوت مكسور:
"ح… حلم… وحِش… علي… علي كان بيعيّط."
سكت علي.
عينه اتسعت، واستوعب اللي قالته.
هو بالنسبالها مصدر القوة… فكرة إنها تشوفه بيعيط حتى في الحلم كسراها.
ابتسم ابتسامة صغيرة عشان يطمنها وقال بخفة:
"ده كابوس يا منى… انتي عارفة إن علي مش بيعيّط."
سكتت…
نزل علي خطوة لقدام…
رفع إيده ولمس خدها بلطف… دفى صوته كان مختلف:
"الدموع للضعاف… وأخوك قوي. زيّك."
منى بصت له…
لكنها ما بكتش.
منى ما تعرفش تعيط… وكأن المشاعر عندها بتتخزن جواها وتتدفن، بس ما تنزلش دمعة واحدة.
كانت حاسة ده نقص… حاجة ناقصة في تكوينها.
وهو الوحيد اللي كان فاهم ده… وفاهم إنها بتتوجع بصمت.
قربها منه بهدوء وقال:
"تعالي… اقعدي… أنا هنا."
من زمان… من قبل حتى ما يفهم الدنيا،
وعلي بيقول لمنى إن عدم بكاها قوة… مش نقص.
إن هدوءها مش برود…
وإن خوفها مش ضعف…
وإن كل حاجة فيها يقدر يحولها لحاجه مميزة.
كان طول الوقت بيزرع فيها ثقة… يحسّسها إنها مش مجرد أخته.
منى كانت حياته كلها… الحتّة اللي لو وقعت، هو نفسه يقع.
وهما بيتعشّوا سوا…
منى قاعدة قدّامه، مركّزة في الساندوتش بتاعها، مبتسمة بالبساطة اللي بيحبها.
وعلي كان سرحان… كلام إسماعيل واقف في دماغه زي الحمل.
التليفون رن.
بصّ… رقم إسماعيل.
تنهد… وقفله.
عارف إن لو رفض يروح يا يستلم البضاعة… هيتقال عليه مقصّر، وممكن يخسر شغله.
وهو مش ناقص… خصوصًا إن الشغل ده ستره وسترة منى.
لقى الجرس بيرن.
منى قامت فورًا، بس علي أشار لها بإيده بعقدة حواجب وقال:
"كمّلي أكلك… أنا هفتح."
قعدت بهدوء، مطيعة كالعادة.
راح يفتح الباب…
ولما فتح، لقى طنط راويه واقفة…
وفي إيدها طبق كبير متغطّي بفوطة صغيرة.
ابتسمت أول ما شافته وقالت:
"إزيك يا بني… عارفة إن ده وقت نومكم، بس قولت أعدّي."
قال علي وهو بيزيح نفسه عشان ماتحسش إنه متضايق:
"عادي يا طنط، خير؟"
رفعت الطبق وقالت بابتسامة أم:
"ده رز بلبن… منى قالتلي إنها بتحبه.
عملته… وقولت أبعتهولكم."
عين علي راحت غصب عنه على منى…
كانت قاعدة على الطرابيزة… ممسكة معلقة، وسامعة كلام راويه…
وابتسامة خفيفة جدًا ظهرت على خدها.
راويه كامِلة كلامها:
"دي بنت طيبة… ونفسي أشوفها مبسوطة على طول."
علي أخد الطبق وقال بهدوء واحترام:
"تسلمي يا طنط… منى هتنبسط."
هزّت راسها، وقالت:
"لو احتجتوا حاجة… أنا هنا. تصبحوا على خير."
قفّل الباب…
رجع لعند منى، حطّ الطبق قدّامها وهو بيضحك بخفّة:
"هو إحنا مشهورين ولا إيه؟"
منى بصّت للطبق…
وبعدين بصّت له…
وبصوت هادي قوي قالت:
"عملت رز بلبن… عشاني."
قعد علي قدّامها وقال:
"وليه لا؟ انتي تستاهلي."
لكن ملامحها ما كانتش فرحانة وبس…
كانت فيها حاجة تانية… قلق… تعلق… خوف… حاجة مش مفهومة.
لما بصّ علي وراه…
لقى منى واقفة عند باب الصالة، مبتسمة ابتسامة صغيرة… هادية… بريئة.
ابتسم لها علي وهو بياخد طبق الرز بلبن من راويه وقال لها:
"شُكراً… مش عارف أقولك إيه."
ردّت راويه بلطافتها المعهودة:
"ولا أي حاجة… إحنا جيران يا بني."
بدأت تمشي، لكن علي بصّ لها فجأة وقال بصوت منخفض، فيه توتر خفيف:
"لو سمحتي… ممكن تخلي بالك من منى في غيابي؟"
وقفت مكانها… التفتت له باستغراب ناعم:
"أنت خارج؟"
قال علي بوضوح:
"مسافر."
شهقت راويه بخوف تلقائي:
"مسافر؟!"
رفع إيده بسرعة يهدّيها:
"مش برّه البلد… رايح مدينة تانية بس.
صاحب الشغل تعبان… وفيه بضاعة لازم تتستلم.
هاخلصها وهرجع فوراً."
بصّتله راويه بقلق أم…
اللي رافعة طفل منى في عينها أكتر من سنها:
"طب ليه ماسيبهاش معاك؟"
تنفس علي ببطء، عينه راحت على منى اللي واقفة وبتسمع كل كلمة:
"مش هينفع… الطريق طويل ومرهق، وأنا مش ضامن الظروف.
مش عايز أبهدلها وتلف معايا في عربيات وطرق ومخازن.
هتتعب… ومش هتبقى مرتاحة."
سكت لحظة… وبصّ لراويه بجدّية:
"أنا عارف إن منى بتعرف تتصرف كويس…
بس برضو هي صغيرة… وبخاف عليها.
أنا طالب منك تطمني عليها… وتطمنيني عليها.
دي أمانة… ومش هتقول على حضرتك ولا على عم جمال."
راويه بصّت لمنى…
ومنها لعلي…
وشافت في عينين الاثنين رابط غريب…
خوف… حنان… واعتماد كامل.
ابتسمت بهدوء الأم اللي واخدة قرار:
"حاضر يا بني… هطمنك عليها.
ومتقلقش… دي بنتي زي بنتي.
بس…"
رفعت حاجبها بحزم لطيف:
"متتأخرش…
مش علشانّا…
علشانها هي."
أومأ علي بتفهم… صدره اتحرك بنَفَس تقيل:
"شكراً…"
خرجت راويه…
وباب الشقة اتقفل وراها.
بصّ علي لمنى…
لقى وشها هادي… بس مش فرحان.
في قلق مستخبي…
وخوف من كلمة مسافر.
حسّ قلبه يتقبض…
عارف إن اللي جاي مش هيعدي عليها بسهولة.
مشيت راويه…
وعلي دخل يقابل منى.
كانت واقفة في نص الصالة…
عينيها على الباب اللي اتقفل…
ولما شافته، ما اتحركتش… بس نظرتها كانت متعلقة بيه، كأنها بتحاول تفهم حاجة من وشه.
راح علي وحط طبق الرز بلبن على الترابيزة وقال بنبرة خفيفة يخبي بيها توتره:
"مقلتيش ليه إنك عايزة رز بلبن؟"
ردّت منى ببساطتها اللي شبه طفلة وامرأة في نفس الوقت:
"طنط راويه بتعمله حلو."
قعدت على الكرسي…
وسابت الأكل اللي كانت بتحبه، ومسكت المعلقة وبدأت تاكل من الرز بلبن زي ما الطفل بيمسك حاجة أمان.
وبعد لحظات…
افتكرت علي.
رفعت إيدها بالمعلقة علشان تأكله…
لكن علي مسك إيديها ومنعها بلطف:
"مش عايز… كُلي انتي."
سحبت إيدها بهدوء…
وبدت عليها ملامح قلق، وقالت بصوت منخفض قوي:
"علي… زعلان؟"
قرب منها…
قعد جنبها…
وقال بصوت هادي مليان طيبة:
"أنا أقدر أعتمد عليكي… وأغيب يومين ونص… بس كده بالظبط."
بصّتله منى بعينيها اللي فيها خوف وحاجة مش مفهومة:
"علي… هتخلي بالك من نفسك؟
وهتبعد عن أي حاجة خطر؟"
قالها وهو بيحاول يطمنها:
"مفهوم."
سكتت لحظة…
وبعدين سألت السؤال اللي كانت مخبيّاه:
"علي… رايح فين؟"
تنهد وقال بوضوح:
"شغل… لعم إسماعيل.
ومش هتأخر."
لكن منى هزت راسها ببطء…
عينها نزلت للأرض…
وبعدين رفعتها عليه وقالت بجملة كسرت قلبه:
"علي… هيبعد عن منى؟
الحِلم…"
اتصدم علي…
قرب منها بسرعة:
"منى؟ حلم إيه؟"
نفت ببطء وقالت بصوت راجف:
"هتسيب منى… الحلم حقيقة."
ساعتها مسك علي إيدها…
وبعدين مسك وشها بين كفوفه…
قربها منه لدرجة تشوف نبض خوفه:
"منى… حلم إيه اللي حقيقة؟
أنا؟
أنا مش همشي واسيبك."
صوته كان بيتكسر وهو بيقول:
"أنا لو بعدت عنك… أموت."
رفع وشها بإيده وهو بيكمل:
"انتي أختي…
أنتي عيلتي…
أنتي حياتي.
من غيرك… علي مالوش معنى."
حط جبهته على جبهتها…
"أنا وانتي روح واحدة…
لو واحد فينا ساب التاني…
التاني لازم ينتهي."
كانت منى بتتنفس بصعوبة…
مش من خوف…
من تعلق كامل…
حب أخت لأخوها اللي شايفاه دنيا كاملة.
سكتت منى، فبصّ لها علي وقال بنبرة هادية:
"ها… هتخلّيني أمشي وأعتمد عليكي ولا لأ؟ متقلقيش… راوية هتطمن عليكي، ولو احتجتي أي حاجة قولي لها."
قالت منى بابتسامة بسيطة:
"مش هتتأخر."
بصّ علي في ساعته وقال بنبرة واقفة:
"اتنين وسبعين ساعة… وهكون قدامك."
هزّت راسها بابتسامة أوسع وقالت:
"وعد."
أومأ لها علي بنفس الجدية:
"وعد."
تاني يوم… ساب علي البيت بعد ما اتفق مع إسماعيل ونسّق له تاكسي ياخده لحد المصنع، وشكره كتير إنه ساعده.
وبرغم إن علي كان مضغوط… يمكن عشان دي أوّل مرة يبعد عن منى كده كام يوم، بس نظرتها وهى بتودّعه كانت أهدى منه… بتبتسم كأنه خارج شغله عادي مش مسافر، وكأنها واثقة في كلامه ومش خايفة يغيب.
وقف قبل ما يمشي وبصّ لها بقلق خفيف وقال:
"منى…"
ومسك إيديها وقال:
"يومين بس… يومين."
ابتسمت منى وأومأت له بتفاهم، وطلعت من إيدها مصحف صغير وسلمته لعلي.
بصلها باستغراب، فقالت له بهدوء:
"ف أمان."
ابتسم علي وهو بياخده، فقالت منى:
"وراوِيَه ترجع بالسلامة."
ردّ عليها علي:
"الله يسلمك."
وقرّب منها وباس راس أخته الكبيرة… ومكانش فاهم ليه الوداع كان حار قوي كده، وكأنه هيسيبها فترة طويلة أو مش هيشوفها قريب.
ركب التاكسي ومشي، وحط المصحف في شنطته.
بعد سبع ساعات على الطريق، وصل علي.
الليل كان مغيّم، والمكان غريب… مابيعرفش فيه حد، ولا حتى لاقي حد يدله على حاجة.
طلّع الورقة اللي فيها العنوان، ومشي يسأل على المصنع اللي جاي عشانه.
وبينما هو ماشي… تليفونه رن.
كان إسماعيل.
رد علي وقال:
"ألو… أنا وصلت دلوقتي."
قال إسماعيل:
"عارف إنك وصلت بالليل، عشان كده انزل في أوتيل هتلاقيه على إيدك اليمين. وبُكره محمد هيحمل معاك البضاعة… أنا كلمته عليك."
قال علي بنبرة اعتراض:
"متفقناش إن هيبقى فيه بيات في أوتيلات يا أستاذ إسماعيل."
رد إسماعيل وهو بيتنهد:
"يا ابني أكيد مش هنام في العربية ولا في المصنع! خد من الفلوس اللي مديّهالك، وأي حاجة هنتحاسب عليها."
سكت علي وقفّل المكالمة، واتّجه ناحيّة الأوتيل.
كان محتاج يعمل مكالمة قبل ما يطلع أوضته، ولما مسك تليفونه لقاه "فاصل".
قرب من السكرتيرة وقال بأدب:
"ممكن لو سمحتي أعمل مكالمة؟"
ابتسمت وقالت:
"اتفضل طبعًا."
مسك السماعة واتّصل برقم البيت.
التليفون بيرن… وماحدش بيرد.
قلبه اتقبض فجأة.
رنّ تاني… وبرضه مفيش.
وبعد شوية… السماعة اترفعت.
سمع صوت أنثوي هامس…
قال بسرعة وهو بيحاول يثبّت صوته:
"منى؟… ده أنا… علي."
ردّت منى بصوت متقطع ومتوتر:
"ع… علي… ك… كنت مستنّيه أكلمك."
ابتسم رغم القلق اللي جواه، وقال بنبرة هادية:
"وأنا كمان يا منى. أنا اتصلت أطّمن عليكي… كل حاجة تمام؟"
ردّت بتلعثم واضح:
"ت… تمام… و… وإنت؟"
قال علي وهو بيحاول يطمنها:
"أنا كويس. يلا نامي… وابعدي عن أي حاجة خطر يا منى."
قالت منى بصوت خافت قوي:
"علي… مش هتتأخر؟"
ردّ بسرعة:
"خلاص يا منى… قولتلك مش هتأخر. ارمي أحلام البعد ده على جنب… ونامي.
تصبحي على خير يا حبيبتي."
وقفل المكالمة… ولسه القلق ماسك قلبه.
دخل علي أوضته في الفندق…
أوضة بسيطة، سرير واحد وترابيزة صغيرة، بس كانت كفاية لليلة دي.
قفل الباب وهدوء المكان وقع عليه مرة واحدة.
حط شنطته على السرير وفتحها، طلع منها الفلوس اللي إسماعيل كان مدّيهاله.
قعد يعدّهم بإيده…
وهو خايف.
مش من الفلوس نفسها…
من حملها، من المسئولية اللي جواه، من كل خطوة بيبعد فيها عن منى.
كان مجبور يشيلهم…
علشان يسدد تمن المصنع، وتمن الطريق… وتمن حياته اللي لسه بيحاول يوقفها على رجلها.
تنهد… وبص للسقف.
أول ليلة ينام فيها بعيد عن أخته الكبرى.
أول مرة يحس الفراغ ده حواليه.
دماغه رجّعت كلامها…
اليوم اللي قالت فيه إن عندها حلم…
وإنها خايفة يفترقوا…
وساعتها هو اللي كان بيعيط، وهو طفل… مش مستوعب يعني إيه بُعد.
ليه الكلام ده بييجي في باله دلوقتي؟
ليه قلبه بيتقبض بالشكل ده؟
غمض عينه وقال بهمس:
"يا رب سلّم… يا رب سلّم."
…
…
رجوووع للمــــاضي
كان علي سايق بجنون، وفجأة...ظهر كمين قدامه، والضابط بيرفع إيده يشاورله يوقف.
لكن علي ما شافش...دخل في الحواجز بعنف، صوت التصادم دوّى والناس اتجمدت مكانها.
الكل اتصدم، عيونهم بتلاحق العربية اللي طارت من الكمين كأنها هاربة من الموت.
بس الحقيقة... الموت كان هو اللي بيطارد علي.
وصل علي قدّام الفيلا…
لسه نازل من عربيته، بيجري للداخل، أنفاسه ملخبطة وتعبان من السواقة المجنونة.
لكن فجأة—
صوت ارتطام مرعِب هزّ المكان كله.
حاجة تقيلة وقعت من فوق…
الأرض نفسها ارتجّت تحت رجليه كإن زلزال ضرب الفيلا.
اتجمّد.
رجليه اترسّمت في الأرض، ومقدرش يحرّكهم.
نَفَسه اتقطع، وصدره وقف للحظة.
التفت ببطء…
بعنيه الواسعة اللي الخوف ماليها لحد آخرها.
وشه اتسحب منه الدم، بقى رمادي.
ولما شافها—
الجثة اللي وقعت فوق عربيته…
السيارة متهشّمة من تحتها…
والجسد مرمي فوق السقف، شعره منساب، والدم نازل على الزجاج المكسر.
كانت وَعْد.
قلبه وقف.
روحه خرجت.
الدنيا اتصفت حوالينه، مابقاش سامع غير صوت دقّات قلبه—
اللي حتى هي توقّفت.
رهبة… ذعر… صدمة… كلهم مرة واحدة.
صرخ:
"وَعْــــد!!"
اندفع ناحيتها فجأة بعد ما الجسمه فكّ،
مسكها بإيده المرتعشة وسحبها من فوق العربية بالراحة…
وضمّها لحضنه كإنه بيحاول يرجّع الروح لجسدها.
ركع على الأرض بيها،
وقع معاها…
رجله مخانته،
وقوته اللي الكل بيشهد بيها…
اختفت،
اتبخّرت في ثانية،
لحظة شافها قدّامه بالشكل ده.
حط راسها على صدره وصوته بيتهز:
"وعد… قومي… بالله عليكي قومي…"
ابتعد علي عنها خطوة…
بصّ لها بعيون مصدومة، فاجعة بتاكل ملامحه، والدموع محبوسة بين جفونه وكإنها مش مصدّقة اللي شايفاه.
وشها بين إيده…
بارد… ميت…
ملامحها مطفية كإن الروح سابت الجسد قبل ثواني.
هزّها وهو بيترجف:
"وعد؟! وعد قومي… اسمعيني!"
ربّت على خدّها بقوة الخوف مش الحنان، صوته اتشرخ:
"افتحي عينِك… بالله عليكي افتحي عيننننك يا ووووعد!!"
كان بيصرخ…
بيصرخ من جوّه قبل ما يكون من برّه.
وفجأة…
جفنها اتحرك.
نفس علي اتقطع للحظة، وبصّ لها بعيون مجنونة، قلبه بيخبط وكأنه بيكسر ضلوعه.
فتحت عينيها…
نظرة أخيرة…
نظرة حد بيودّع…
حد بيحارب الموت بس بيخسر.
كان نفسها بطيء، متقطّع…
وشفايفها رسمت ابتسامة ضعيفة… ابتسامة انتصار قاسي.
قالت بصوت ضعيف… مكسور…
"قولتلك… هخليك تندم… وتجيلي… والدموع… في عينك."
اتسّعت عيون علي.
نظرتها كانت مزيج من انتقام… وموت… ونهاية.
وفجأة…
اتقفلت عينيها.
استسلمت.
صرخ علي:
"لـــا…! وعد لا! افتحي عينِك يا وعععد!!"
كان بيربت على وشها، إيده مليانة دم…
دمها.
والدم بيلطّخ كفه ووشها… والدنيا بتسيح قدّامه.
وفجأة…
وش وعد اتشوّش…
ملامحها اتهزّت…
وتحوّلت—
اتحوّلت لوش منى.
منى…
وهي ميتة بين إيده.
نفس المشهد.
نفس الوجع.
نفس اللحظة اللي قتلت روحه من سنين.
رجع…
رجع لعلي ابن الـ٢٠ سنة، الواقف شايل موته بإيده…
شايل أخته…
شايل روحه وهي بتتسحب من بين صوابعه.
رجع ببصّ لوعد تاني، وهي «الوصمة» اللي بتطرده، والدموع بتحرق خده.
مد إيده المرتجفة لوجهها:
"لا… لا بالله عليكي يا وعد…"
لكن الدم كان بينزل…
بينهدر منها كإنه نهر.
ضمّها لصدره جامد…
جرح… صرخة… روح بتتقطع.
"لاااااااااا!!! يا رب… يا رب لا…"
سقطت دموع علي أخيرًا…
مش دموع عادية—كانت شلال، كأن سدّ اتفتح فجأة بعد سنين صامد.
هزّها وهو بيختنق:
"افتحي عينِك… ليه عملتي كده؟ لييييييه يا وعد؟!"
ضمّها لصدره فجأة…
حضن مش حضن راجل—حضن حد مكسور، قاهر، صرخته بتشق السما:
"لاااااااا! لا ياااارب… إلا دي…
متخدهاش منّي… أرجوووووك!"
كان بيطوّقها بذراعيه وكأنه طفل خايف،
وبيطبقها على صدره كأنه عايز يشق ضلوعه ويخبيها جواه…
مكان ما الموت ما يعرفش يوصل له.
استند على قدمه وهو شايلها على إيديه…
رجله مهزوزة، مش شايلاه،
قرب من العربية وهو يكاد يقع…
كل لحظة عاشها قبل كده—كل كابوس، كل موت، كل فقد—بيرجع يتكرر قدّامه تاني…
نفس الرعب، نفس التفاصيل، نفس الجحيم.
أبعد الزجاج المتكسر بإيده المرتعشة…
وهو يدخلها العربية براحه…
كأنه بيحط آخر حاجة بيحبها في الدنيا في حضن الموت…
وقعد مكان السواق بسرعة،
يده التانية لسه ماسكاها،
وانطلق.
كان سايق والليل بيبلع الطريق…
دموعه بتسيل بانهيار لدرجة إنه مش شايف قدامه…
بيبص ليده اللي ماسكه الدريكسيون—
ملطّخة…
ملطّخة بدم وعد.
دم حبيبته…
اللي مرمية على ذراعه التاني،
راسها مستقرة على كتفه،
وهو ماسكها بجنون…
كأنه لو سابها لحظة واحدة هتغادر الحياة…
مع إنها—
يمكن كانت غادرتها فعلاً.
وهو سايق…
كان بينهار،
بينهار بكل وجعه اللي خاف منه طول حياته…
كان بيقول في نفسه:
"مقدرش… مقدرش أخسرها… مش تاني… مش بعد منى…"
وعينه تدمع أكتر،
وإيده تتمسّك بيها أقوى،
كأنه بيحارب الموت بإيده…
لكن الموت ما بيتحاربش.
كان علي يترجّى ربّه وهو بيرتعش…
صوته مكسور، ضعيف، متقطع:
"افتحي عينِك يا وعد… مش هتسيبيني… انتي كمان؟"
الكلمات خرجت منه وكأنها طلعت من جرح مش من فم.
أحداث اليوم المشؤوم القديم رجعت…
اليوم اللي مات فيه علي القديم، وطلع علي تاني مكانه.
لكن انتحار وعد…
خلاه يشوف الانتحار القديم بعينه،
رجّع له كل خوفه، كل وجعه،
وخلاه زي الفأر المذعور اللي اتفتح عليه سقف قفصه مرة واحدة.
الطريق كان واقف.
عربيات مرصوصة…
ناس بتصرخ… محدش بيتحرك.
علي وقف عربيته بعصبية…
عينه ماسكة الطريق كأنه بيحاول يشقه بإيده.
حتى ظابط المرور كان واقف عاجز قدّام الفوضى.
علي فتح الباب…
لكن الباب كان معلق من الخبطة والتهشم.
زقّه برجله بكل قوته…
اتكسر.
مد إيده… سحب وعد من العربية
وحضنها على زراعيه—
جسمها يتقطر دم.
دم ساقع… لكنه كان مولّع قلبه.
ركض.
ركض بجنون.
عدّى بين العربيات،
والسائقين اتنحوا…
والمزامير اتسكتت فجأة.
الجميع اتجمدوا وهما شايفين الراجل اللي شايل جثة غرقانة دم وبيجري بيها كأنها آخر نفس بيملكه.
علي يلهث…
نَفَسه بيقطع صدره.
وعينه كل شوية تبص لوعد…
لكن عقله يشوف منى.
نفس اللحظة.
نفس المشهد.
نفس الوزن اللي بيكسر ضهره.
نفس الخوف.
نفس البكاء اللي اتعاهده إنه مش هيعيّطه تاني.
كل خطوة…
كانت بتعيدله صرخة قديمة،
لحظة قديمة،
موت قديم.
دلوقتي…
كل ده بيرجع تاني.
كان بيجري كفهد،
شايل وعد كأنها طفلته…
مش حبيبته بس—
دي كانت روحه التانية.
ظابط المرور شافه…
اتصدم من المشهد.
وقفه بقوة:
"إنت! اقف عندك!"
لكن علي ما وقفش…
عينه كانت مجنونة…
مليانة دموع…
ومليانة نفس واحد:
"الحقّوني… هتموت!"
قال علي وهو لاهث، صوته متقطع:
"المستشفى فين؟"
الظابط اتجمد…
شاف الرعب اللي في عين علي—
الرعب اللي يخوّف راجل متعوّد يشوف الدم كل يوم.
قال بسرعة:
"الشارع اليمين… آخره."
وكأنه فتحله الطريق بجملة واحدة.
علي جرى.
كأنه بيجري بروحه مش برجليه.
كان كل شوية يتكعبل…
رجله بتخونه…
لكن كل مرة كان بيرفع وعد بسرعة، يضمّها لصدره كأنه بيخبّيها من الدنيا،
وبعدين يرجع يقف ويجري تاني.
كان قوي…
بس دلوقتي؟
اللي يشيله هو اللي وقع.
واللي كان يشيل الدنيا…
ركبته بتترعش.
وصل المستشفى أخيرًا…
فدخل وهو يصرخ صرخة راجل بيغرق:
"دكتووووور!!!"
كل اللي في الاستقبال اتفزعوا.
مرضى… ممرضات…
اتجمدوا كلهم لما شافوا وعد مغطّية دم،
وهو شايلها كأنها آخر نفس في صدره.
صرخ تاني، أعلى:
"دكتووووور بقولللكم!"
خرج دكتور بملامح منزعجة:
"إيه الصوت ده؟! إزاي تعمل دوشة بالشكل ده في—"
لكن ما كملش.
علي خطفه من قميصه…
رفع الدكتور بإيده كأنه ورقة.
عنيته كانت مش إنسان…
عنيته كانت حرب.
قال بصوت متقاطع بين التهديد والبكاء:
"أنقذها."
الدكتور اتصدم…
اتوتر…
بَص لعلي بترقّب،
والخوف مسيطر على وشه.
علي شدّه أكتر:
"خَلّيها تعيش…
تتخرّج وإنت اللي أنقذتها…
ما تتخرجش خالص لو ماتت بين إيدك."
الكلام كان تهديد…
بس كان خوف قبل أي حاجة.
الدكتور بصّ لوعد…
وبعدين بصّ لعلي وقال بخضة:
"إنت… متأكد إنها مش ميّتة؟
إنت مقتنع بكلامك دا؟"بصّ علي لوعد اللي على دراعه، تملّكه الرعب… معقول تكون ودّعته بين إيده؟
جه المسعفين، حطّوها على السرير، والدكتور بيشوف نبضها.
بصّ لعلى، وكانت النظرة كفيلة تقتل علي ١٠٠ مرّة.
قال: "عايشة."
سحب علي الدكتور بقوّة وقال: "انطقققق!"
قال الدكتور:
"هعمل اللي في إيدي… حضّروا أوضة الإنعاش فوراً!"
الممرضين جِروا، وعلي قال: "أنقذها."
قال الدكتور جملة واحدة:
"المنقذ هو ربك، أنا عبد زيّك… صدّقني مفيش في إيدي حاجة. أنا هعمل اللي في إيدي. صدّقني نبضها ضعيف قوي… إنت بتأخّرني."علي تركه، والفجعة في عينه.
الدكتور عدّل جاكته ومِشي فوراً وهو خايف من علي.
مسك علي سرير وعد وهما بياخدوها من قدّامه، ومِشي معاها وهو ماسك إيدها، ودمائها بتمتزج بين إيديهم وهو بيقبض عليها.
قال بصوت شجن باكي مرعوب:
"وعد..."
ولما اتفتح باب الأوضة وخدوها، علي كان هيدخل، لكن الممرضة منعته.
قالت:
"خليك هنا لو سمحت."
قال علي:
"ابعدي… هدخل معاها! مينفعش تسيبني!"
قالت الممرضة:
"لو سمحت… ده قانون."
قال علي بغضب وقوّة:
"ابعدي!"
ودخل، وكانت فيه جلجلة في الأوضة بسبب علي.
وهنا… لقى إيد بتتحط على كتفه.
لما بص… لقى شخص واحد.
مالك.
حارسه الشخصي وصاحبه اللي رماه الزمن قدّامه في وقت غير مناسب.
قال مالك:
"اخرج يا علي… إنت بتعطلهم."زقه علي، لكن مالك سحبه بقوة لبرا وقفّلوا الباب أخيراً.
بصّ علي، لقى عبير واقفة، مصدومة، الدموع مالية عينيها وهي باصة على وعد من ورا الإزاز.
علي ماكنش فاهم مالك جه إزاي… ولا عبير.
لكن لفّ على الإزاز يشوف حبيبته، وكأن روحه هي اللي جوّه.
جواه كان بيرتجّف وهو شايف الطبيب بيعمل لها إنعاش بكلتا إيديه، بيضغط بقوة…
لكن علي ماكنش شايف غير حاجة واحدة:
خط الحياة على الشاشة… متوقّف.
ما بيتحرّكش.
قال علي بصوت مكسور:
"لا…"
الدكتور بيضغط أقصى ما يمكن، لكن مفيش أي استجابة تقول إنها لسه عايشة.
ولما شاف طقم التمريض بيتبادلوا النظرات…
صرخ علي:
"لااااا… وعااااد!"
اندفع ناحية الباب، مسكه مالك وزقه بقوة وقال:
"ابعد!"
علي بيصرخ:
"افتحي عينِك يا وعد… لااااا بقووولك!"
مالك ماسك علي بكل قوته…
لكن ماكانش قادر عليه من شدّة هياجه.
وقال مالك بصوت محاول يهدّيه:
"اهدّا يا علي…"الدكتور عمل جهاز الصدمات بسرعة وقسوة، وشقّوا ملابس وعد لينتفض جسدها مع الصاعقة.
علي توقّف، حاسس إن روحه بتتسحب منه، ودمعة أخيرة نزلت وهو شايف اللي وصلت له… جسدها بيتنفض من أثر الصدمات القوية.
وهنا… عاد النبض يشتغل.
والدكتور ماوقفش، استمر لحد ما النبض ثبت أكتر، وقال بسرعة:
"عمليّة… بسرعة!"
علي نظر لوعد وهما بيقفّلوا الإزاز، يمنعوه يشوفها… آخر لمحة اختفت قدّامه.
علي بعد عن مالك، ماقدرش يعقل… راح وقف عند الباب.
مالك بصّ له… في عيونه فاجعة ورعب ماكانش متخيل يشوفهم في علي.
اللي قدّامه مش علي اللي يعرفه…
ده علي الحقيقي… علي اللي اتدفن لما أخته ماتت، واللي فاق تاني لما حب وعد صحّى المقتول جواه.
كأنه أخيراً اتشبّث بحاجة غير الانتقام.
خرجت الدكتورة بعد الانتهاء…
بصّت لعلي، وقالت من غير مقدمات:
"عدّت مرحلة الخطر…
بس حالتها مش مستقرة."قال علي:
"هي كويسة؟"
ردّ الدكتور ببرود واقعي:
"معتقدش… حالتها كانت بين إيد ربنا. بس السؤال هنا… اللي حصلها ده من إيه؟"
ما ردّش علي.
لكن مالك قال بسرعة:
"حادثة يا دكتور."
الدكتور بصّ لعلي… الدم مغرق هدومه وإيده.
وسأل بنبرة شك واضحة:
"مين الفاعل؟ هو؟"
قال مالك:
"لا يا دكتور… ده يكون—"
قاطعهم علي، صوته اتكسر:
"الطفل."
الدكتور رفع عينه باستغراب:
"طفل؟"
علي كرر:
"هو كويس… صح؟"
الدكتور اتوتر:
"طفل إيه؟"
بصّ له علي باستغراب كأنه بيسمع حاجة غريبة:
"و… وعد حامل. عايز أطمن على ابني… هو لِسّه عايش ولا؟"
الدكتورة اللي كانت واقفة جنبه قالت فجأة:
"بس… المريضة مش حامل أصلاً."
الدنيا وقفت.
تسمّر علي مكانه… ومالك وعبير اتصدموا.
قالت عبير بصوت مبحوح:
"إزاي يا دكتور؟!"
ردّ الدكتور:
"زي ما سمعتوا. مفيش أي جنين في رحم المريضة."
مَلامح علي اتقلبت، وشه كله صدمة…
الدكتور كمل:
"بس… في أثر جراحة أسفل البطن. يدل إن المريضة دخلت عملية فعلاً. فممكن"
علي قال بصوت مهزوز:
"ممكن… ممكن إيه؟"
الدكتور نطق الكلمة اللي قصفت قلبه:
"إجهضت."
على اتصدم… وقف مبتحركش، ملامحه اتجمدت كأنه لسه مش مستوعب.
مالك قال للدكتور بسرعة:
"تمام… شكرًا يا دكتور."
الدكتور مشي، وسابهم في صدمة المكان كله اتشق بيها.
مالك بصّ لعلي اللي كان واقف زي حجر اتحطم:
"يعلي…"
لكن علي قطع كلامه بصوت هادي جدًا… مخيف:
"ابني راح فين؟"
رفع عينه لمالك…
نظرة واحدة بس، وكل اللي فيها كان وجع عمره.
قال علي وهو بيكتم صرخته:
"يعني إيه… مش موجود؟ يعني إيه مش حامل؟ يعني إيييييييه؟"
مالك قرب منه وقال بصوت واطي:
"اهرَدَى… يعلي… بالله عليك اهدا—"
لكن قبل ما يكمل…
علي زقه بكل قوته في الحيطة.
الخبطـة كانت جامدة…
بس مالك استحمل ولسه مبيتكلمش، عارف إن علي خارج السيطرة.
علي صرخ وهو بيهزّ وشه:
"اَهْدَا إييييييه؟!! متتكلمش خااالص! فاهم؟!"
نفَسه كان بيقطع…
دموع معلّقة في عينه مش قادرة تقع.
"إنت كنت معايا… كنت معايا وموقفتنيش…"
مالك سكت.
كأنه بيتحمل ذنب مش ذنبه.
علي قال وهو بيترعش:
"مقولتليش… إني هوصلها هنا."
مالك رد عليه وهو بيحاول يمسك أعصابه:
"لما حبيتها… ولما اخترت تحطها بين حبّك وانتقامك… قولتلك مش هينفع."
قرب أكتر وقال بصوت بيوجع:
"قولتلك… يا تنسى حبّك ليها… يا تنسى انتقامك.
بس انت اخترت انتقامك… بعد ما دخلتها حياتك يا علي."
علي واقف… مش قادر حتى يتنفس.
ووده كله اتقفل على كلمة واحدة: ابنه اللي اختفى من غير أثر.
مالك كمل وهو حاسس إنه بيجرحه أكتر:
"حاولت… حاولت أفهّمك العواقب.
لأجلك… انت."على ماردش… ولا حتى بص وراه.
مشي بخطوات تقيلة، داخل على أوضة وعد كأنه داخل قبر.
وهو بيقفل الباب…
جه صوت صادم من ورا مالك:
"انتقام… إيه؟!!!"
مالك لفّ بسرعة.
لقى فاطمه واقفة…
وشها اتشق نصين من الصدمة.
على دخل الأوضة.شاف الممرضين لسه واقفين حواليها.واحدة فيهم قالت له:
"لو سمحت… اخرج بره، مينفعش—"
لكن قبل ما تكمل…
الممرضة التانية سحبتها من دراعها وقالت بصوت واطي:
"سيبيه… متعرفيش ده يبقى مين ده قلب المستشفى دى."
خرجوا.واتقفل الباب.
وبقى علي… ولوحده تمامًا… مع وعد.
قعد جنبها.
إيده قربت من وشها…
اللي مليان جروح.
ضمادات حوالين رقبتها، صدرها، رجلها…
كسور واضحة… كأن كل جزء فيها صرخ قبل ما يقع.
حتى لو عاشت…
الحياة مش هتسيبها تخرج سليمة.
على بصّ لها…
دماغه بترجع لكل كلمة قالتها قبل ما توقع نفسها.
قال بصوت مكسور، مش قادر يمنع الرعشة منه:
"ليه… ليه عملتي كده؟
ليه نفّذتي تهديدك… بالشكل ده؟"
كأن كل حرف كان طلقة… خارجة من جوّه.افتكر نظرتها الأخيرة…
النظرة اللي كانت بتنزف دموع وفيها انتصار غريب…
وكأنها أخيرًا شافته بالشكل اللي هددته بيه يومها:
"اوعدك يا علي إني هخليك تندم… هخليك تجيلي والدموع في عينك."
والنهارده؟
نفّذت.
انتصرت.
بس انتصار مكسور… كله موت.
على قرب إيده منها…
مسك صوابعها البارده…
وإيده بترتجف كأنه ماسك سِكّين في قلبه مش إيدها.
قال بصوت مخنوق:
"إزاي؟… إزاي تعملي جنان بالشكل ده… عشاني؟
ليه تأذيني فيكي… بس عشان تشوفي خوفي عليكي؟"
اتنفس بوجع.
ميل جبينه على ظهر إيدها:
"بعد كل كدبي… وكل القسوة…
كان عندِك ثقة إني كدّاب…
إزاي؟… إزاي وصلتك لهنا؟
أنا السبب…
أنا السبب الوحيد في كل اللي انتي فيه…"
رفع وشه ليها…
عينه كانت منكسرة بزيادة عن اللي شافته قبل العملية:
"متسبنيش يا وعد…
وعد… متسبنييش… أرجوكي…
مش هسمحلك تموتي… مش إنتي كمان…"
قرب منها أكتر…
كان صوته بيتهز وهو بيهمس عند ودنها:
"فوقي… جاوبيني…
عرّفيني… ابني راح فين؟"
بصوله نزل على بطنها…
تخيّلها فاضية…
كأن روح الطفل انسحبت وانتزعته من قلبه قبل ما تنسحب من جسمها.
نزَلت دمعة جديدة…
مكنش قادر يمنعها:
"عملتي فيه إيه يا وعد…
ابني راح فين؟"
قرب شفاهه من صوابعها الباردة:
"افتحي عينِك… أرجوكي…
واقفي الكابوس ده…"سالت دمعة من عين علي… دمعة من النوع اللي أول ما ينزل يهدّ جبل.
قرب من وجهها، وبصوت مبحوح قال:
"أوعدِك…
مش هقسى عليكي تاني…
أوعدِك هتكوني معايا…
وهبعدِك عن كل ده…
هتشوفي يوم مفهوش غير أنا وانتي… وابنّا."
مد إيده ولمس بطنها…
لمسة كانت كلها حزن… وقهر… وكسرة.
"أنا آسف…
والله آسف…
سامحيني يا وعد…"
نزل برأسه…
كأن الجرم كله واقع على كتافه…
تأنيب… ذنب… خطايا عمر.
عند الباب…
فاطمه قالت بصوت متلج بس مرعوب:
"يعني إيه… انتقام؟
الكلمة اللي قالها دي… يعني إيه؟"
مالك شد نَفَسه وقال وهو بيخبّي قد ما يقدر:
"اللي سمعتيه…
انسيه."
فاطمه حدّقت فيه بنظرة مش مستوعبة:
"أنساه؟ إزاي؟
هو يقصد إيه؟ قولي يا مالك!"
مالك قال ببرود ظاهري… وقلق دافن جوه:
"كلمة رماها كده… ملهاش معنى."
فاطمه هزّت راسها بحدة، وقالت بغضب موجوع:
"الكلام ده تقولُه لحد تاني… مش ليا أنا!
وبعدين… أنا لحد دلوقتي مش فاهمة إزاي هو قادر يمثل كده بعد ما باعها…
ورماها وهي حامل…
وخدع عيلة كانت بتحبه زي أبوها… وحبيبها!"
مالك بص لها بصوت داخلي بيقول “انتي مش فاهمة حاجة” لكنه نطق اللى يقدر ينطق بيه بس:
"رماها؟
شايفة الراجل اللي جوه ده شكله خدعها؟
شايفة في عينه الخداع؟
ولا الحب؟"
وقف مالك ثانية…
بص للباب اللي وراه علي منهار:
"ده منظر واحد… محبّش؟"
قالت فاطمه بحنق:
شايفه حب مسموم مؤذى، مرض… سبب أذيه كبيره لبنت ملهاش ذنب غير إنها حبت وغلطت، غلطت غلطة عظيمه بسببه… وف الآخر وصلها لإيييه؟
… انتحااار.
قال مالك:
وعد مش غبيه عشان تنتحر.
وعد الوحيده القادرة تقلب موازين لو فكرت صح… ولو مكنتش كده؟ مكنتش خوفت من وجودها ودخولها لحياة علي.
قالت فاطمه:
عايز تقول إيه بالظبط؟
اتفتح الباب وخرج علي… وهِنا صمتوا هما الاتنين.
قرب مالك من علي وقال:
لازم تروح، كلهم بيدوروا عليك و—
علي مدّلوش أي اهتمام ومشي ناحية عبير.
قال مالك:
علي—
بصّت فاطمه لعلي، اللي وقف عندها، وقال:
كنتي فين وهي بترمي نفسها؟
سكتت فاطمه، وملامحها اتبدّلت ميت درجة.
قال علي:
مفروض إنك كنتي معاها.
مفروض إني بعتّك… وسددت مصاريف قبضك كاملة، لمجرد إنك تمشي من عند بدران… وتروحي تقعدي معاها كعين ليا أنا
قالت فاطمه:
أنا مش عين لحد، ولما مساعدك ده قالّي أروح مع وعد… أنا مفكّرتش في فلوسك، بل شوفتها فرصة إني أكون معاها.
ولو إنت خايف عليها أوي كده… مكنتش عملت اللي عملته و—
قال علي:
متتخطيش حدّوووودك… وجاوبي على أسئلتي وبس.
غضبت فاطمه منه وقالت:
ملكش إنك تسألني.
قال علي:
لما أكون حاطّك هناك عشانها… وعشان توصّليلي كل نفس هي بتاخده، وتكوني معاها…
وف الآخر أتفاجأ باللي حصلها…
وكمان الدكتور قال إنها أجهضت…
ده يبقى إييييه؟
خافت فاطمه، لكن قالت:
أجهضت؟!! وعد؟!
قال علي:
ابني فين؟
وعد كانت حامل… وأنا واثق إنها كانت حامل.
قالت فاطمه:
بس أنا مليش دعوة… أنا بس كنت بَهتّم بيها.
قال علي:
بتهتمي بيها… وتوصل إنها تنتحر؟
قالت فاطمه:
هي عملت كده بسببببك… أنت.
علي جمع قبضته… ودمعة نزلت في عينه، وقال بجمود:
كان بإيدِك تكلميني… وأمنع يحصلها كده.قالت عبير، وصوتها بيرتعش من الغضب:
لما كنت باخدلك أخبارها… ده كان إيه؟
مش كنت بقولّك إن حالتها ملّ… وإنها بتِسوء يوم بعد يوم؟
مش قلتلك إنها مش بتاكل غير بالعافية؟
هل اهتمّيت؟
هل سألت نفسك ليه راحتلك ورجعتلي منهارة؟ ليه كانت بتعيط وتحبس نفسها في الأوضة اليوم كله؟
لأنك كسرتها… أنت.
إنت اللي عملت فيها كده… مش أنا.
ولو أنا غلطانة… فهي حاجة واحدة بس:
إني معرفتش… أوووووقفهه.
علي رفع عينه ليها فجأة وصوته اتغير:
توقّفي مين؟
اتوترت فاطمه، بس شدّت نفسها وقالت:
أوقفها… إنها تروحلك.
قال علي ببرود خطير:
سؤالي واضح…
كنتــــــي فيييييين… وكل ده بيحصل؟
مفيش حد مسؤول قدّامي هنا غيرك.
قالت فاطمه:
بس أنا—
قاطعها علي بصوت مجروح بس قاسي:
متتكلميييش…
كنــــــتي فيـــــــن.
فاطمه اتلخبطت، حاولت تتماسك:
أنا… أنا كنت بدوّر عليها في الأيام دي… والله.
دخل مالك وقال بحدّة:
بتدوّري عليها إزاي… ما هي كانت في الفيلا؟!
سكتت فاطمه، وبصّت لعلي بخوف…
عينه ثبتت عليها زي السكينة.
قال علي:
مترددى…
بتدوّري عليها إزاي؟
قالت فاطمه بصوت متقطع:
وعد… مكنتش في الفيلا الأيام دي.
كانت متغيّبة.
ولو رجعت… يبقى من امبارح بس.
لكن قبل كده… كانت برا.
علي اتجمد، وبصوته المنخفض اللي يخوّف أكتر من الصريخ قال:
يعني إييييه… متغيّبة؟
سكتت فاطمه، الخوف ماسك لسانها.
قال مالك بحدة:
اتكلّمــــي.
كانت فين؟
راحت فين؟
ومع مين؟
قالت فاطمه وهي بترتعش:
معرفش…
مسكها علي من دراعها فجأة، ومسكة واحدة كانت كفيلة تكسر دراع ستّ كبيرة زيها، وقال بصوت يخلّي الدم يتجمّد:
انطقي— إييييه مخبياه؟
وعد كانت فين؟
دموع فاطمه نزلت من الرعب، وقالت:
والله… والله ما أعرف… حاولت… بس هددني…
علي قرب منها أكتر:
هو مــــــين؟
سكتت.
السكوت كان اعتراف أكبر من الكلام.
وهنا…
علي طلع مسدّسه.
وحطّ فوهته على راسها.
اتسعت عيون مالك:
علـــي!!!
فاطمه اتجلدت مكانها، رجليها اتخبطوا في الأرض من الخوف.
قال علي وهو ماسك المسدس بثبات قاتل:
اتكلمــــــي.
حياتِك… مش هتهون عليا… قدّام حياتها.
عيطت فاطمه بصوت مكسور:
مش هقدر… والله… مش هقدر أقول…
علي عمر السلاح.
الصوت دوّى في الأوضة زي حكم بالإعدام.
هجم مالك عليه، مسك دراع علي بكل قوته:
علي!
هتعمل إييييه؟!
ارجّع السلاح فوراً… قبل ما حد يشوفك!
علي زعق وهو بيقاومه:
ابعد!
دي عارفة حاجة كبيرة… ومخبّيــــاها!قال مالك وهو ماسك علي من كتفه:
لو كانت تقدر تقولك… كانت اتكلمت.
مش هتعرف تاخد منها حاجة.
وتفتكر… موتها؟
ده بالنسبالك يبقى مكسب؟!
علي بص لفاطمه…
كانت ست ضعيفة، مرعوبة، دموعها واقفة على خدها.
بيَد مرتعشة، سحب إيده عنها… لكن ضيقه كان باين ف ملامحه.
رفع صباعه قدّام وشها ببطء وقال بصوت ثابت يخوّف:
لو كنتي سبب واحد…
في أي أذى ليها…
اعرفي إنّي… مش هرحمِك.
فاطمه بكيت بصمت، صوتها اختفى.
بص علي لمالك وقال بحدة:
خرجها برا.
وجودها هنا… مبقاش ليه لازمة.
مالك قرب منه وقال بصوت متوتر:
إنت اتأخرت يا علي… لازم تمشي.
علي رفع عينه له بحدة:
أمشي؟!!
أنا… ف مكاني الحقيقي يا مالك.
مالك اتوتر أكتر:
فين؟!
قال علي بحدّة مُرتجفة من جوّه:
هنا… جنبها.
مالك حاول يقنعه:
بدران بيه بيدوّر عليك.
لازم تمشي يا علي… وأنا هأمّنها.
علي كأنه بيتحرق من جوّه وقال بصوت مخنوق:
مش هقدر…
مش هقدر أمشي وأسيبها.
كفــــــاية لحد هنا يا مالك… كفاية.
لفّ علي وهو هيخرج، فمسك مالك دراعه بسرعة:
علي…!
علي زقّه بقوة خلته يترنح:
بقوللك… كفـــاية!
مش كفــــاية اللي حصلها… بسببـــــــي؟!
كانت الكلمة الأخيرة زي طلقة…
طلقة داخل صدر علي نفسه قبل ما تكون لحد تانيبصّله مالك بحدة…
لكن علي كان واقع، صوته طالع مخنوق، متكسر:
"كانت هتموّت…
انتحرت… بسببي.
إيدي… فيها دمّها.
أنا عملت فيها نفس اللي اتعمل في منى…"
نزلت دمعة من عينه… دمعة كسرت كل قسوته:
"أنا قتلتها…
أنا بقيت أوحش منهم…
أنا… كنت سبب انتحارها وإذيتها.
أنا… مفيش غيري."
مالك فتح بُقه… بس مَقدِرش ينطق.
كان شايف قدّامه راجل منهار… مش علي اللي يعرفه.
حسّ إن علي بيقوله ضمنيًا:
إنه مش هيعرف يكمل…
لأنه لو مكمّل… هيأذي وعد أكتر.
علي ما استناش رد.
لف وداخل الأوضة…
قافل وراه كل باب للنقاش.
وكأنه أعلن…
إنه خلاص غرق جوّا ذنبه لدرجة محدّش يقدر يطلعه منها.في الحفل المقلوب…
*****
الناس واقفين في ضوضاء مش مفهومة، كل واحد بيبص للتاني، وكلهم مصدومين بعد ما علي جري وساب كتب الكتاب وانهار النظام كله.
نــادين كانت واقفة مع رانيا لوحدها، مرعوبة ومش فاهمة أي حاجة.
قالت رانيا وهي بتحاول تهديها:
"اهدّي يا نادين… بدران هيتصرف."
ردّت نادين بصوت مرعوب وهي بتحاول تشهق هوا:
"الناس كلهم بيبصولي… أنا باينة على كل لسان… باينة أضحوكة."
رانيا كتمت غيظها وقالت بنرفزة وهي بتعضّ على أسنانها:
"فين علي؟ راح فين؟ إزاي يسيب كتب كتابنا ويمشي بالشكل ده؟"
قالت رانيا:
"دلوقتي هنعرف… فـ إيه."
بصّوا قدّامهم لقوا بدران واقف بعيد، ماسك الموبايل، بيعمل مكالمات ورا بعض، بعد ما أمر رجّالته يمشوا ورا يوسف ابنه ومحمود مساعده عشان يلحقوا علي ويشوفوا راح على فين.
ملامح بدران كانت مرعبة…
لا بصّ لنادين…
ولا لرانيا…
وكأن اللي حصل أكبر بكتير من إنها فضيحة حفلة.
بعد لحظات، جه محمود ووقف جنب بدران، واتكلم في ودنه بجملة قصيرة.
رانيا ما قدرتش تسمع…
بس اللي شافته كان كفاية:
وش بدران اتجمّد.
برود مخيف نزل على ملامحه…
كأنه سمع كارثة…
مش مجرد مشكلة.
لحد ما بدران وقف في نصّ الحفل…
رفع صوته وقال بثبات مصطنع:
"عذرًا يا جماعة على سوء الفهم اللي حصل… الحفلة ملغية.
اتلغى كتب الكتاب.
واللي عنده أشغال يقدر يمشي.
حصل ظرف لعلي أخويا ومش هيقدر يحضر."
القاعة وقفت لحظة…
الكل تلفت له، العيون عليه، والهمس بدأ ينتشر زي النار.
نادين بصوت مرتجف قالت لرانيا:
"هو بيقول إيه بدران؟!"
رانيا اتوترت:
"معرفش… أكيد وراه سبب."
الناس بدأت تتحرك، همسات عالية، الكل بيمشي والحفلة بتفضى بسرعة.
نادين قربت من بدران وسابت رانيا وراها، ووقفت قدامه مباشرة:
"علي فين؟"
قال بدران ببرود مستفز:
"معرفش."
اتصدمت نادين:
"متعرفش إزاي؟! لسا قايل للناس إن حصل ظرف! إيه اللي خلاه يمشي؟!"
قال بدران بنبرة واقعية تقيلة:
"أنا قلت كده عشان أدارى على الفضيحة…
وعشان سيرة العيلة ما تتجابش على لسان حد… ولا الصحافة تمسكنا."
اتسعت عين نادين:
"واللي حصل ده… سهل؟! علي يعمل كده إزاي؟!"
قال بدران وهو بيفرك جبينه بعصبية:
"معرفش… محمود لسه قايل إنهم ملحقوش يعرفوا مكانه من سرعته."
قالت نادين بنبرة حادة مش قادرة تتحكم في صوتها:
"يعني إيه؟! عايز تقول إنه هرب مني؟!
حسّ إنه بيتورّط؟!"
بدران بصلها بصمت… النظرة اللي معناها: اسكتي بس ومتفكريش غلط.
لكن نادين انفجرت أكتر:
"علي راضي بيا كزوجة تمام…
وهو اللي طلبني… تمااااام؟!"
رد بدران بنبرة مضغوطة:
"لو عايزة تفرّغي غضبك… طلّعيه في علي لما نعرف هو فين.
غير كده… كلامك مش معايا يا نادين."
اتكسفت نادين شوية، ووشها حمّر من الإحراج.
رانيا مسكتها بسرعة وقالت لبدران:
"معلش… ملهوش دعوة بكلامها."
نادين حاولت ترد، صوتها بيترعش:
"أمال مين اللي ليه دعوة؟!
أكيد في كارثة حصلت خلّت علي يمشي كده…
مستحيييل يسبني!"
وهنا ظهر يوسف واقف جنبهم، واضح عليه إنه جاي بخبر تقيل.
قال لبدران بصوت منخفض:
"عرفت هو فين."
تنفس بدران بسرعة وقال:
"ها؟!"
قال يوسف:
"لأ…
بس البوليس بيدوّر عليه حالياً."
اتجمدت نادين في مكانها، واتسعت عينيها:
"بوليس؟!"
قال بدران باستغراب وقلق بدأ يبان على صوته:
"بيدوّروا عليه ليه؟!"
يوسف ابتلع ريقه وقال:
"دخل في كمين…
من شدة سرعته بالعربية.
وكان… كان هيصدم الظباط.
ولا عمل احترام للقانون… ولا الشرطة…
وهم لحقوه بالعافية.
بس لحد دلوقتي حتى البوليس… مترصدش مكانه."
قال بدران بصدمة:
"جراله إيه؟!
وراح فين أصلاً عشان يبقى بالمنظر ده؟!"
قالت نادين وهي بتتكلم بصوت عالي مش قادرة تتحكم فيه:
"أكيد في مصيبة! لازم تعرفوا هو فين!"
قال يوسف:
"أنا بلغت الرجّالة يدوروا عليه في كل الاتجاهات."
لكن بدران رد ببساطة مخيفة:
"مش هيلقوه."
نَدين تلفتت له بحدة:
"يعني إيه مش هيلقوه؟!
هو أنت عارف مكانه؟!
بتخبي؟!"
بدران نقل نظره عليها ببصة جامدة… مفيهاش ولا ذرة تهاون.
رانيا بسرعة مسكت أختها وقالت:
"معلش يا بدران… نادين بس عصابها تعبانة."
قال بدران ببرود نفاذ الصبر:
"خدي أختك… واضح إنها مش واقفة على رجلها النهارده."
رانيا سحبت نادين، ونادين كانت بتقاوم وتقول:
"سيبيني! هو بيخبي حاجة!"
لكن رانيا سحبَتها غصب.
يوسف استغل اللحظة وسأل أبوه:
"ليه بتقول يا بابا إن الرجّالة مش هيلقوه؟"
قال بدران بصوت تقيل:
"علي… لما بيغيب، بيغيب عن الكل.
ولما بيقرر يظهر… بيظهر بمزاجه هو."
قال يوسف باستغراب:
"طب وكتب الكتاب؟!"
بدران بصله بنظرة فيها غضب خفيف وقال:
"ده اللي همّك؟"
قال يوسف:
"أمال إيه اللي هيهمّني غير كده؟"
رد بدران بنبرة حاسمة:
"ده آخر حاجة المفروض تهمّك.
نسيت بعد بُكرة إيه؟
ونسيت افتتاح الموسم… والمؤسسات؟"
تجمد يوسف وقال بصدمة:
"إزاااي نسيت!"
قال بدران بخطر واضح:
"لازم نلاقي علي فوراً…
لازم يجي بنفسه.
ولو مجاش؟
هتبقى مشكلة كبيرة جداً علينا كلنا.
ووقتها… انسَى إن شركتنا تدخل في المؤسسات الدولية لمصر."
****
فى المستشفى،
موبايل علي كان بيترن بشكل هستيري… مكالمات ورا بعض،
بس هو سايبه على الصامت،
محطوط في جيبه كأن الدنيا المقلوبة بره الأوضة دي مش موجودة.
دخل الدكتور.
أول ما شاف علي، قلبه انقبض… لسه فاكر تهديده بخصوص حياة وعد.
قرب بهدوء، قاس مؤشّراتها الحيوية.
علي قام خطوة لورا وهو شايفه بيفحصها.
— هتفوق إمتى؟
قالها علي بصوت خشن.
"مفتحتش عينيها لحد دلوقتي."
الدكتور اتردد لحظة قبل ما يرد:
— هي في حالة نوم عميق.
علي عقد حواجبه:
— يعني إيه؟ أنا محتاج أتكلم معاها.
— ادعيلها تفوق من الغيبوبة اللي هي فيها.
علي شهق، الكلمة ضربته:
— غيبوبة؟!
— أيوه.
تأثير البنج خلص من بدري، ومؤشراتها مستقرة،
بس مش راضية تفوق… فدخلت في غيبوبة مؤقتة.
حياتها في أمان.
سكت علي.
عينه اتحركت على جسد وعد…
الجبائر، الكدمات، العجز الملقى على السرير.
قال بصوت واطي موجوع:
— مش هتكون سليمة جسديًا… صح؟
الدكتور بلع ريقه:
— عندها كسر في رجليها وذراعها،
وهنحتاج نشتغل عليهم بالأشعات والعلاج…
قال علي باندفاع:
— هتنقلها مستشفى تانية… أو أسفرها بره… المهم ترجع زي ما كانت وأحسن.
الدكتور بص له لحظة، بنظرة هادية تقيلة:
— ربنا الشافي،
اللي في مصر هو هو اللي في أي بلد في الدنيا.
متفكرش إننا هنقصر… متقلقش، هتبقى كويسة.
ثم أضاف:
— عن إذنك، ورايا شغل.
خرج وسابه لوحده.
علي قرب من وعد، قعد جنب السرير.
في اللحظة دي موبايله رن تاني…
اسم مالك،
وبعده رضوان.
مكالمات ورا بعض.
وشه شد،
وفي ثانية كان رامي الموبايل على الأرض…
اتشقق، اتخدش،
زي قلبه بالظبط.
ما اهتمش.
همس وهو باصص لوعد:
— خلاص… أنا معاكي.
وكأن العالم كله برّه الأوضة دي اتقفل.
ولا حد، ولا شغل، ولا انتقام،
ولا حتى الماضي اللي كان عايش عليه.
كأن أول مرة يفهم
إن كل اللي كان بيعمله…
هو اللي وصل وعد للنقطة دي.
*****
في الحديقة، كانت الطيور بتطير بفزع من صوت الرصاص،ورضوان واقف ماسك بندقية صيد، رضوان يضرب في الجو بدقة قاتلة، وسماء الصبح بتتشقق بصوت الرصاص،لحد ما سقط طائر صغير على العشب قدامه.
وقف الحراس حواليه في صمت،ومالك كان على بعد خطوة، متماسك كعادته.
رضوان بصله وقال – "علي المفروض هينفذ خلال اليومين الجايين؟!
رد مالك بثبات:
– "وأنت بدورك... هتكون حاضر."
ابتسم رضوان ابتسامة فيها غموض،
رفع البندقية تاني،وقال
– "أنا مقلق من علي يا مالك... في حاجة هترجعه خطوة لورا، زي اللي حصل قبل كده... لولا تدخلي."
وكان يقصد وعد، مالك بصله وافتكر وجوده فالمشفى وان على هيتنازل
فقال – "يمكن يومها حضرتك اديته دافع، بس علي مستحيل ينسى هدفه.
هيفضل ينفذ مهما حصل، في سبيل حاجة واحدة... انتقامه."
ضحك رضوان ضحكة قصيرة فيها نغمة سخرية،
وقال وهو بيرفع البندقية تاني:
– "بقيت تعرف علي أكتر مني يا مالك؟
باين إن شغلك معاه أخد مسار تاني."
رفع السلاح، وضرب طلقة في السماء.
صوتها شق الهدوء زي صفعة.
قال بعدها بنبرة تقيلة وهو بيبص في الأفق:
– "فاكر يا مالك يوم ما عينتك واحد لرجالة على؟كنت وقتها لسه تحت تدريبي...ودلوقتي، اتحولت من تبعي لتابع لعلي بس."
مالك قال:
– "شغلي الحقيقي مع علي يعني إن ماليش ولا ل حد غيره."
ضحك رضوان وقال وهو بيحط السلاح على كتفه:
– "واضح إن علي طبع عليك شخصيته...
بس هو كسبان، عنده حارس زيه...
طول بعرض، وصاحب في نفس الوقت.
أوقات بحسده."
رد مالك – "تحسده على إيه بالظبط؟ على أكتر واحد محدش بنفع يحسده ع حاجه واحده فى حياته... لأن على ملهوش حياه
رضوان بصله بنظرة جدية، رفع السلاح وضرب طلقة تانية،
الطائر وقع قدامه في لحظة واحدة.
قال بعدها بهدوء شديد:
– "على دماغه...
هو مميز حتى عني أنا شخصيًا."
مالك بص على إيده لاحظ خرابيش قال -اى ده
بص رضوان ونزل كم قميصه وقال مفيش ده قط برى
قال مالك- شكل الخرابيش قريبه
مردش عليه رضوان وقال - لو خلصت الحق امشي
قال مالك - انت عارف على فين صح، عارف هو فين ومع مين
سكت رضوان ثم بص لمالك من كلامه، قال مالك - متصدمتش ليه ولا سالت ع الى حصل لوعد
قال رضوان- عرفت من المراقبه الى حاططها عليها
قال مالك -انا شقتك
وهنا وقف رضوان عن ما فعله الجمله مفهاش معنى لكن دماغهم الاتنين بس تفهم مغزى الجمله
مالك بصله للحظه، وبعدين قال:
– "هسال حضرتك سؤال كنت عايز اعرفه من زمان وجه دورى اسأله... إزاي عرفت علي؟"
ابتسم رضوان ابتسامة غامضة،
نظر للطائر اللي نازف على الأرض،
وقال بصوت واطي فيه نغمة اعتراف قاتلة:
– "أنا عارف علي من يوم ما اتولد..."
بص له مالك بدهشة، قلبه سحب نفس قوي،
وساعتها رضوان كمل بنبرة حاسمة تقطع الصمت:
– "علي... ابن أختي.
****
كان علي قاعد على الكرسي جنب سرير وعد،
محنّي راسه بين إيديه،
صمت تقيل يخنق الهوا.
رفع عينه ببطء ليها…
ملامحها ساكنة،
ولا رمشة،
ولا نفس ظاهر.
الغيبوبة كانت أطول من اللي يطمن.
دمعة نزلت من عينه من غير ما يحس.
صوته خرج مكسور:
— افتحي عينك يا وعد… كفاية كده.
رجع دفن وشه بين إيديه.
وفجأة…
الباب اتفتح.
علي حس بوجود حد،
لكن مفيش صوت خطوات،
ولا حد دخل.
رفع راسه.
رضوان كان واقف عند الباب،
واقف كأنه بيتفرج على مشهد ممنوع.
نظرة علي اتغيرت فورًا.
حدة، نار، تحذير.
رضوان دخل أخيرًا وقال:
— فين تليفونك اللي رميته؟
علي:
— إيه اللي جابك هنا؟
رضوان قرّب خطوة، صوته واطي لكن تقيل:
— عرفت من الدكاترة إنها في غيبوبة.
رغم إني واجهت صعوبة أوصل لأي معلومة بسبب تحذيرك لرئاسة المستشفى…
بس وصلت.
لأن أي حاجة تخصك… تخصني.
سكت لحظة وبص لوعد،
ثم رجّع نظره لعلي:
— واللي بيحصل لها… مش موضوع بسيط.
الجو اتشد،
كأن الأوضة كلها بقت ساحة مواجهة،
ووعد نايمة في النص…
بين اتنين كل واحد فيهم عالم خطر لوحده.
قرب رضوان منها،
وهنا علي وقف، قرّب منه ووقف في وشه.
رضوان أخد حذره من علي وقال:
— اهدّي… أنا بس عايز أشوف مرحلتها وصلت لإيه.
بص رضوان لوعد،
وقال بهدوء مستفز:
— مسكينة… شبه الميتين،
بل لو كانت ماتت كان هيبقى أفضل ليها… وليك.
علي مسكه بقوة وزقه في الحيطة:
— أنا مش بقولك اخرج؟!
رضوان رفع إيده باستسلام وحذر،
عارف إنه مش قد علي:
— خلاص… خارج.
خرج رضوان،
وعلي قفل الباب على وعد ومشي وراه،
كأنه بيطرده من عالمها.
وقفوا في حتة بعيدة في طرقة المستشفى.
رضوان:
— مش همشي يا علي إلا لما أتكلم معاك.
علي:
— مفيش كلام يتقال دلوقتي.
رضوان ابتسم بسخرية:
— ليه؟ عشان ضعيف؟
علي بصله بنظرة نار.
رضوان كمل:
— مش دي الحقيقة…
إنت ضعيف بسببها.
لعنة بدران…
هي وعد هانم.
قال علي:
— إياك تذكر اسمها.
رضوان ابتسم بسخرية:
— بقيت تهددني كتير من وراها يا علي.
علي قرب خطوة:
— المرة الجاية هنفذ،
لو ما وقفتش وسوستك اللي جاية تكملها
عشان تخليني أبعد…
وأكمل وأدوس عليها أكتر زي ما خلتني أعمل.
رضوان رد ببرود:
— أنا اللي خليتك تعمل؟
ولا إنت اللي اخترت؟
منى وحقها وحقك…
ولا نسيت؟
علي صرخ:
— اسكتتتت!
رضوان قرب أكتر:
— بقيت تنسى منى قدّام وعد يا بدران.
علي رفع صباعه في وشه:
— اسكتتتت بقووولك!
اسكتتتت!
رضوان بصله بثبات.
علي قال بصوت مبحوح:
— ولا كلمة تاني عن وعد أو منى…
سمعتني؟
رضوان:
— علي…
علي قاطعه بانهيار:
— علي خلاص…
مبقاش قادر.
رضوان بحدة:
— على إيه بالظبط؟
على انتقامك؟
خلاص بتتخلى؟
علي ضحك بوجع:
— من ميييين؟
أنا عمري ما أنسى انتقامي…
بس من مين؟
لو طلع بدران وعيلته برّه اللي حصل لمنى،
والجاني شخص تاني…
هكون عملت مصيبة كبييييرة.
قال رضوان بسُمّ:
— هي وصلت فيك إنك تشك في الفاعل؟
بسببها… بسبب حبك لوعد؟
وصلت إنك عايز تبرّأ اسم عيلتها
عشان متأذيهمش… عشانها.
عشانها بتنسى شرفك وحق أختك.
سكت لحظة وبعدين كمّل:
— بتشك إن بدران هو الفاعل،
بعد ما لقيت اسمه في قضية منى.
علي انفجر:
— اسكت!
أنا دورت كتير…
حتى الظابط مات بالملف،
مفيش أي دليل!
رضوان قرّب أكتر:
— وده ملفتش نظرك؟
إن بدران دبّر وخطّط
عشان يخفّي كل حاجة
ويدفن الحق والجريمة؟
وحتى لو مش هو…
ده يخليك تقف؟
تتراجع؟
مش عايز تعرف الفاعل؟
علي بصله بعيون منطفية:
— أنا بقيت مجرم… أنا كمان.
رضوان قال ببرود قاسي:
— وده كان اختيارك.
ولا نسيت؟
سكت علي.
الصوت اختفى،
والممر اتحوّل لفراغ…
ورجع بيه المشهد…
زمان.
فلاش باك…
كان علي واقف قدّام رضوان، لسه في سن العشرين،
ونظرة رضوان ماشية عليه من فوق لتحت وكأنه بيقيّم سلاح مش بني آدم.
قال رضوان بهدوء بارد:
— آخر مرة شوفتك كان عندك سبع سنين…
ماتوقعتش تكبر وتقدم على فعل مجنون زي ده وتورّط نفسك بالشكل ده.
قال علي بحدّة:
— إيه اللي جابك هناك؟ ومين الرجالة دي؟
ابتسم رضوان ابتسامة مفيهاش روح:
— عرفت إنك كنت ناوي تهاجم بدران وانت أعزل،
زي أي غبي بيرمي نفسه في الجو وهو معهوش ولا مظلة.
كنت هتعمل إيه بعد ما تأذيه؟
فاكره هيموت بسهولة؟
علي صوته ارتعش:
— هيموت… زي ما منى ماتت.
هيموت.
ده الشخص الوحيد اللي اسمه اتذكر في قضيتها.
رضوان قرب خطوة:
— وتفتكر إن الحق بيتاخد بالقتل بس؟
ولا انت مش عايز تنتقم لها… انت عايز ترتاح؟
علي انفجر:
— ليه خلّيتني أنقذه؟
ليه وقفتني وأنا بهاجمه؟
وبعدين تبعت رجالتك تقتله!
وتقولي أنقذه كأنه روحي وإلا حق منى يضيع!
منين أنقذه؟
ومنّين ده عدوي؟
قال رضوان وهو باصص له بنظرة فيها قسوة:
— إنت عايز إيه يا علي؟
قدامي شِبل مجروح، مفيش في عينه غير نار… نار مميّزة.
قال علي بصوت مخنوق:
— إنت عارف مين السبب في اللي حصل لمنى.
رد رضوان بهدوء قاتل:
— معرفش يا علي.
قال علي بسرعة:
— نفوذك يخليك تعرف.
تنفّس رضوان بعمق وقال:
— مش بالساهل كده.
القضية أكبر من إنها تتفتح…
وزراء دولة ماقدروش يقربوا لها.
قضية مدفونة.
يعني حقها ضاع.
لفّ علي حواليه كأنه بيتخانق مع الهوا، وبعدين وقف قدّامه:
— ساعدني.
رضوان وقف، وابتسامة باردة ارتسمت على وشه:
— هساعدك…
بس ورا فعلك ده هدف.
هتستخدمني وأنا هستخدمك.
إنت في المقابل تساعدني.
قال علي وهو رافع عينه فيه:
— على إيه؟
قال رضوان:
— إيه؟
قال علي بصوت مليان سواد:
— انتقام.
باك
رجع بعقله للحظة دي، وصوت رضوان بيرن في ودنه:
— إنت اللي طلبت مساعدتي، يا علي.
وأنا جاي النهارده أساعدك…
وأقولك إن الملف ما اتمسحش.
والقضية موجودة.
قال علي باستغراب:
— إزاي؟ أنا سألت سهير، وأكدتلي إن يوسف حرق الملف.
ابتسم رضوان ابتسامة خفيفة فيها سخرية:
— الظابط الفاسد ده ماكانش غبي زي ما سهير فاكرة…
واضح إنه كان سايب نسخة من الملف في قبره،
كأنه واثق إن القضية دي هتفتح من تاني.
نظرات علي اتبدلت… بقت حادة، بتثقب وش رضوان.
— إنت بتلمّح لإيه؟
معنى كلامك ده إيه؟
سكت رضوان.
وسكوته كان أبلغ من ألف كلمة.
علي انفجر:
— أنا مش بكلمك!
إيه اللي إنت عايز تقوله؟!
مدّ رضوان إيده، وطلع كارت صغير.
علي بصله بشدة.
قال رضوان بهدوء قاتل:
— ملف القضية، يا علي.
اتسعت عيون علي،
وبص للكارت كأنه شايف فيه عمره كله.
قال رضوان:
— هنا قضية منى أختك…
وحقها كامل.
هنا إثبات إدانة بدران،
وجريمته بكل تفاصيلها.
هنا المجرم الحقيقي.
وهنا براءة منى…
اللي حولوها لمجرمة.
علي كان ماسك الكارت،
إيده بترتعش،
وكأن أمل كان ميت…
ورجع ينبض فجأة.
قال رضوان وهو بيقرب صوته:
— نسيت كل ده، يا علي؟
ولا…هتكمّل؟
مدّ علي إيده وقال:
— هات الكارت.
قال رضوان:
— مش قبل ما تثبتلي إنك هتستخدمه صح ولا لا.
وهنا اتبدّل علي، وصوته هز أرجاء المشفى:
— الكاااارت… بقوللللك!
ارتعب رضوان.
وفي اللحظة دي فهم إن علي اللي واقف قدامه هو اللي هو عايزه فعلًا.
مدّ له الكارت.
قال رضوان بسرعة:
— مش عايز تعرف جبته إزاي؟
علي كان بيبصله بصمت قاتل.
قال رضوان:
— من قبر الظابط نفسه…
اتعمد يحطه هناك علشان محدش يلاقيه.
عرفت من مراته — اللي إنت روحتلها قبل كده —
إنه كان مأكّد عليها إن قبره مايتفتحش لحد غيره.
وده كان غريب…
لأنه عمل قبر خاص ليه، مش حتى مدافن عيلته.
التفت علي ومشي،
ورضوان بيبصله وهو بيبعد،
وعلي ما سألش حتى عن الطريقة.
في اللحظة دي جه مالك،
وقابل علي في الممر.
قال له بقلق:
— رايح فين؟
لكن علي قال:
— خليك مع وعد.
بصله مالك، فهم إنها وصية وأمانة.
هزّ راسه موافق، وعلي مشي ناحية الخارج.
فضل مالك باصص لرضوان…
نظرة فيها فضول وفيها ترقّب لحاجة كبيرة جاية.
خطا ورا علي، لكن صوت رضوان وقفه:
— مااالك!
وقف مالك مكانه.
قال رضوان بحدة:
— إياك تلحقه.
رد مالك بهدوء ثابت:
— رضوان بيه… علي بس هو اللي بيديني أوامر من ساعة ما اشتغلت معاه.
أنا آسف، مع احترامي ليك.
كان انتماء مالك في البداية لرضوان،
هو اللي شغّله وهو اللي رشحه لعلي،
لكن مع الوقت…
اتكوّنت بين مالك وعلي علاقة تانية:
وفاء، وثقة، وشبه صداقة.
رضوان كان فاكر إن مالك هيفضل تابعه المطيع،
ما كانش متوقع إن السحر ينقلب على الساحر،
وإن علي يعتمد عليه كأنه نفسه…
لدرجة إنه يوصيه على وعد،
اللي حتى رضوان نفسه — خالها —
علي ما كانش بيذكر اسمها قدامه.
قال رضوان وهو بيبص لمالك ببرود:
— علي هو اللي اداك الأمر… مش أنا.
مش سمعته بيقولك تفضل مع وعد؟
سكت مالك فعلًا…
عارف إنه ما ينفعش يمشي.
بصّ لرضوان وقال:
— علي راح فين؟
قال رضوان:
— راح يعرف تفاصيل قضيته المجهولة.
اتسعت عيون مالك:
— إديته الكارت؟!
قال رضوان ببرود:
— لو كنت سيبته أكتر من كده مع عذابه، كان علي نسي انتقامه.
قال مالك بحدة:
— علي، زي ما قولتلك، عايش عشان ينتقم.
أنا اللي بمنعه، أنا اللي عايزه يعيش بعيد…
مش يعيش عبد مهووس.
ابتسم رضوان ابتسامة غامضة وقال:
— إنت عارف أنا وافقت أساعد علي ليه يا مالك؟
أنا اللي عايز.
استغرب مالك.
كمل رضوان:
— علي عارف إني عايز أدمّر بدران،
وهو كمان عايز يدمّره معايا،
لأنه واحد من اللي أذوا أخته.
— زمان، لما علي كان هيعمل غلطة كبيرة،
أنا اللي منعته…
مش رحمة،
لكن لأن اللي كان هيعمله كان هيضيع كل حاجة،
وبدران كان هيكسب.
— فقررت أكسب علي…
وأستخدمه لصالحّي،
وفي نفس الوقت أساعده يدمّر بدران.
قال مالك:
— ليه بتكره بدران؟
ردّ رضوان بنبرة مظلمة:
— معاه حاجة كان المفروض تبقى ملكي… مراته رانيا.
اتصدم مالك:
— إنت بتساعد علي عشان تدمّره علشانك إنت؟!
ابتسم رضوان:
— لما عرفت إنك ابن أختي اتفاجأت… ما توقعتش إن يجمعنا دم.
مش كده؟
قال مالك بحذر:
— عايز تقول إيه؟
اقترب رضوان خطوة:
— علي شبهّي…
فيه نفس نبضة الشر اللي جوايا.
بس الفرق إنّي أنا وبدران حقودين…
إنما علي عدو حقيقي.
سكت مالك.
كمل رضوان:
— هو شبهّي في القوة والإصرار…
يمكن أكتر.
أنا شايف فيه اللي إنت مش شايفه.
مشي رضوان خطوتين، وبعدين وقف جنبه وقال:
— اتفرج كويس…
وشوف علي الحقيقي.
قال مالك:
— وإيه اللي ممكن يحصل؟
قال رضوان بابتسامة باردة:
— إعلان حرب.
علي… وأنا داعمه بكل ثروتي.
سابُه ومشي.
بقى مالك واقف لوحده في ممر المستشفى…
مجمّد.
******
مع ليل السماء المبهت
فى فيلا علي، وقف رجاله على الباب كأنهم حراس لمعلمهم. أول ما شافوه، كان علي لابس بدلته اللي من يوم كتب كتابه، القميص الأبيض اتبهدل وكرمش من كتر ما قعد فى المستشفى، لكن جسده المعضل كان لسه متناسق، والهيبة باينة عليه فى وقفته.
دخل على الفيلا بخطوات سريعة وكأن الزمن بيجري وراه، ومش قادر يضيعه لحظة. قعد على مكتبه
، وراجل من رجاله قرب منه اللاب توب وحط على المكتب فلاشه صغيرة
، دخل فيها الكرت وحطه فى الاب توب
. على الشاشة اتفتح ملف واحد فى القائمة، مكتوب عليه: الملف الأسود.
قلبه بدأ يدق بسرعة، دماغه كلها تركيز، دخل على الملف بكل قوة عشان يعرف مين المجرم اللي ورط أخته. أول صفحة ظهرت قدامه كانت ملف تعريف كامل لبدران، وصورته واضحة قدامه.
********
ثوانى...دقائق..ثم سعات... ثم يوم
يوم قد مر بهدوء خفي
فى المستشفى، كانت وعد نايمة على سريرها، قلبها بينبض باستقرار وهدوء، وكأنها مش مدركة لكل الحرب الأهلية المشتعلة حوالينها. الممرضة كانت واقفة جنبها، بتراقبها وتهتم بيها بهدوء.
جو رأس وعد كان مليان أحداث وخيمة، صور وذكريات كتير بتظهر قدامها كوابيس: حوادث، حرب مشتعلة، ولحظات صعبة ما تعرفش تتعامل معاها. فجأة، وعد فتحت عينيها وبصت للسقف، معلنة عودتها على أرض الواقع.
الممرضة شافت فتح عينيها، قامت بابتسامة وقالت لها: «فوقتي». وعد بصت لها، كانت غريبة عنها ومش متوقعة تشوف حد تاني، الممرضة قالت: «هبلغ الدكتور» وخرجت.
وعد بصت حوالينها كأنها غريبة على المكان، مش فاكرة حاجة غير وش علي الأخير اللي شافته وهو بيبكي، وبتلفظ أنفاسها الأخيرة بين إيده. كانت فاكرة إن دي النظرة الأخيرة، مش عارفة إزاي وامتى اتنقلت للمستشفى ولحقوها وعاشت.
بصت على إيدها، كانت متجبسة، ولا يزال أثر الوقعة مأثر عليها، وكانت لسه مريضة وضعيفة، لكن عينيها مليانة وعي وارتباك من اللي حصل.
وعد لفتت نظرها ولحظت شخص واقف عند بلكونة الأوضة. للوهلة الأولى، ركزت على طوله وقوامه القوي، لكن لما لف وشه، شافته كان مالك.
دخل فجأة، وقف قدامها لما شافها فاقت وعينيها مفتوحة. قال بصوت هادي:
«كنت بحسب الغيبوبة هتطول أكتر من كده… ألف سلامة على حضرتك».
وعد لم ترد، وبعدين قرب منها مالك وقال:
«الدكتور قال إن حالتك بتتحسن، نومك كان هيكون أفضل من الأحداث اللي هتحصل وتشوفيها».
وعد بصتله وقالت: «أحداث إيه؟»
قال مالك بابتسامة خفيفة: «مش لاحظة غياب علي؟»
قالت وعد: «المفروض أتوقع يكون معايا».
رد مالك: «هو فعلا كان معاكي، ولا زال معاكي، لأنه حاططني هنا كعين ليه».
فى اللحظة دي، جه الدكتور وقاطع حديثهم، لما شاف وعد قال لها:
«خير، إنك صحيتِ. أهلا بيكي من تاني للحياة، اتكتبلك عمر جديد».
كانت وعد صامتة، والعينين شاحبتين من التعب والمرض. فحصها الطبيب وسألها شوية أسئلة عن اسمها وحياتها، خوفًا تكون ناسية أو فقدت جزء من ذاكرتها، لكنها كانت ترد بإيماءات بسيطة أو كلمات قصيرة.
بعد شوية، سبها الدكتور والممرضة وخرجوا، ولسه مالك كان على وشك الخروج، لكن وقفته وعد وقالت: «فين…» رفعت عينيها وأضافت بصوت ضعيف: «علي فين؟»
مالك تنهد وقال بهدوء: «لو معرفتيش، هيكون أفضل، مدينيش صلاحيه أقولك».
وعد عيط، ومالِك بصلها بحزن، كانت عينيها مليانة خوف وارتباك. قال لها: «اسمها تاني… ناداني بمنى».
وعد بصت له بعين ضعيفة من المرض، لكنها حاولت تثبت قوتها، وقالت: «مين منى؟»
رد مالك بهدوء لكن بحزن: «كان خايف يخسرك أوي».
قالت وعد بمرارة: «عشان كده سابني لوحدي وخدعني وراح يتجوز».
ابتسم مالك ابتسامة حزينة وقال: «علي مجبر يعمل كده عشان هدفه، لكنه حبك بجد».
قالت وعد بارتباك وغضب: «هدف إيه؟!»
عينيها ابتدت تدمع وقالت: «لو أنا مش فرقت له، ليه حط فاطمة معايا عشان مكنش لوحدي… مين الكداب ومين اللي لحقني؟»
كانت كلماتها مليانة خوف وغضب، وذكريات اللحظات اللي فيها بيرتجف وهو بيترجاني رجعت تهاجمها. رفعت عينها صوب مالك وقالت: «مين علي؟»
مالك مردش، اكتفى بس إنه طلع ورقة مطوية من جيبه وفردها قدامها. كانت جرنال قديم أوي، وعد عرفت إنه من التاريخ، لكنها بصت لمالك باستغراب.
قال لها مالك: «اقرأي اللي مكتوب».
وعد بصت على الصفحة المفتوحة قدامها، وشافت صورة أبيض وأسود، شبه أحداثيات الجرائم: صورة بنت مرمية جنب مكب زبالة، هدومها متقطعة، وجسدها متعرّي. مكتوب تحتها:
"ومع تضامن القضية التي أثارت جدلاً حول اختفاء الفتاة من السجن، تم استكشافها قرب مكب القمامة. وقد تعرضت لمحاولة اغتصاب عنيفة من قبل ذئاب بشرية، وتم نقلها إلى المشفى مع سبق إصرار التحقيق."
قلب وعد انقبض فجأة، شعرت بقشعريرة بتجري في جسدها وهي بتقرأ الورقة، خصوصًا لما شافت الصورة اللي التقطها الصحفيين لتلك الجريمة.
سألت وعد بصوت مرتعش: «إيه علاقة علي بده؟»
قال لها مالك بهدوء: «البنت دي اسمها منى».
افتكرت وعد الاسم اللي نطقه غصب عنه مالك، لكنه ظل يرجع عليه، لكنها كانت ذكية وعلّقته في ذهنها. بصت له وعد باهتمام، وحاولت تفهم المعلومة الجديدة.
قال مالك بهدوء: «منى دي تكون أخت علي الكبيرة».
وهنا كانت صدمة وعد الأكبر في حياتها. قالت بارتباك وخوف: «أ…أخته… علي كان عنده أخت؟!»
رجعت وعد تبص في الجرنال، مش قادرة تصدق: «مستحيل… معقول تكون دي؟»
مش قادرة تستوعب إزاي هذه الفتاة تكون أخت علي، خصوصًا إن وجهها في الصورة مش ظاهر وكأنها مشوهة.
سكتت وعد، وقلبها مقبوض، وعارفة إن اللي هتسمعه بعد كده هو الحقيقة اللي مستنياها ومش عايزة تصدقها.
قالت وعد بصدمة وارتباك: «علي…»
ولع مالك سيجارته، ودخانها بدأ يملأ المكان. قال بهدوء لكنه شديد التأثير:
«علي كان بيدور على القضية دي من سنين، ولقى مفتاحها أول امبارح… وده السبب اللي خلاه يمشي من هنا ويسيبك».
بصت له وعد بعينين مليانين فضول وخوف، وسألته: «علي فين؟»
رد مالك وهو ينفث الدخان من فمه: «راح يجيب حق أخته من اللي أذوها… حد أهدافه حاليا، وهو في طريقه ليهم».
ارتبكت وعد أكتر، وسألته: «طريقه لمين بالظبط؟»
ابتسم مالك ابتسامة حزينة، وقال ببطء: «طريقه للانتقام من بدران… أبوكي
فى قاعة عالية وفخمة، مليانة شاشات عرض كبيرة، تعرض أحداثيات أسواق مالية عالية جدًا. المكان كان كأنه الصحافة ملأت كل زاوية فيه، وأهم رؤساء وصحاب شركات البلد موجودين اليوم، في حفلة افتتاح الموسم لشركة تتحول لمؤسسة دولية تابعة لمصر عالميًا.
كان بدران من ضمن الحاضرين، ومعاه يوسف ومحمود اللي يعتبروا درعه اليمين في كل حاجة، وبرفقته حراس البودي جارد. بدران كان بيدخن سيجارته الفخمة والغالية جدًا، ومالك مركزه واضح قدام الكل، كأنه بيتابع كل حركة.
ابنه قاعد جنبه وقال: «هتنتهى على أي يبابا؟»
رد بدران ببرود: «لسه معرفتش علي فين».
قال يوسف: «لا، ثم هنحتاج منه أي حاجة».
بدران ضحك بخفة وقال: «بطل غباء يا يوسف… علي أكبر مساند لينا من ساعة آخر أزمة».
قال يوسف: «أنا شايف الكل كان متوقع نوقع، ومنحضرش… فحضرنا وعملنالهم رعب».
بدران نظر حوالين القاعة، وابتسامة خفيفة على وشه وقال: «عدم وجود علي… هو عدم وجود الهدف».
قال يوسف بارتباك: «مش فاهم… هو عامل أزمة أوي كده وإحنا معتمدين عليه».
ابتسم بدران ابتسامة هادئة، وقال ببرود: «أنا مبعتمدش على حد… لكن علي، شركته المساندة لينا النهارده، عدم حضوره ده لحد ذاته وقوعنا».
سطت يوسف على بدران ببصه قوية، ورد بدران بحزم: «علي لازم يحيي، وإلا ملهاش لزوم وجودنا هنا. بما إن الداعم الأكبر مش موجود، على أساسي النهارده يكون هنا جمبي. انت عارف إن أنا وعلي معروفين بأننا واحد… ثنائي يتقال عليه لا يقهر».
قال يوسف بتساؤل: «بابا… انت ليه بقيت تعتمد على علي بس، وكأنك متكملش من غيره؟»
سكت بدران، ونظر إلى ابنه وكأن يوسف استوعب الأمر، لكن الحقيقة إن يوسف لسه مش مدرك مدى أهمية وجود علي في كل الحسابات والخطط.
فى الوقت نفسه، بدأ مذيع الحفلة، وهو وزير عالي، يتحدث:
«فرحان بوجود السادة المشرفين على دولتنا، ومخلينا فى مكانة عالية دايمًا بسبب إدارتهم الرفيعة».
صفقوا له على كلامه الترحيبي، ورجع يقول:
«هنا على الشاشات دي هتظهر أسهم كل شركة، وأعلىها، واللي اتخطت حدود الغرب، هتبقى دي المؤسسة اللي اخترتها دولتنا».
نزلت شاشات عرض كبيرة، وكل واحد في القاعة أصبح منتظر ظهور أسهمه، مشدود النظر، مشاعر القلق والفخر متداخلة.
فى اللحظة دي، اتفتح باب القاعة، ودخل شخص بخطوات هادئة وجامدة، مريبة. التفت له الجميع، لأنهم عارفين كويس مين ده.
بص بدران، وانفاجأ لما لقاه… على.
يوسف بصله بدهشة وقال: «أخيرًا!»
ابتسم بدران، كأنه لقى قطعة ناقصة من خططه، وقال: «اتأخرت ليه يا علي؟»
على كان عينه فى عين بدران، وقف عنده وهو بيبصله، وقال جملة واحدة فقط:
«اللعبة خلصت».
الوزير بنفسه نزل وسلم على علي وقال: «قالوا إنك اتنازلت عن الدعوة، رغم إن شركتك انت وبدران مرشحين كبار لها… يلا، هنبدأ العرض فى حضورك».
الوزير رفع إيده، بيشاور على عمال الحفلة، لكن محدش استجاب لصقفته. استغرب الوزير، والشاشات متعرضتش. قال الوزير: «في إيه؟»
بعدها، على سار بخطوات واثقة ناحية المسرح وقال: «جه وقت العرض الحقيقى ».
علي طرقع بأصبعه وفجأة اتفتحت كل الشاشات على صور لجثث مرمية فوق بعض. اتسعت عيون الجميع، واستغربوا جدًا من المشهد المفاجئ والمروع.
فى الشوارع المحلية، الحكومة كانت تترأس ظهور العرض الدولي. أول ما اتوصل البث المباشر، فتحوا الكاميرات، وظهرت الصور على الشاشات الكبيرة.
فى الشوارع، وعلى الكريكات، وحتى فى المول، الناس وقفت مذهولة من الصدمة. الأطفال خافوا، والكبار وقفوا قدام الشاشات مستغربين، غير قادرين على تصديق المشهد اللي اتعرض فجأة في شوارع عامة وفي مكان عام.
أصوات جوه القاعة بدأت تعلو: «إيه ده؟ مين دول؟»
الصورة اتحولت للكاميرا، وظهر على على الشاشات، في القاعة وخارجها، حتى في البث المباشر على كل مكان في الدولة.
فى القاعة، قال يوسف بدهشة: «في إيه واي ده؟»
بدران كان ساكت، لكنه عيونه كانت مركزة على الصور. محمود، مساعده، خرق عينيه كأنه يعرفها.
فى المستشفى، كانت وعد منزلة وشها، عيناها حمراء كالدم، مليانة دموع، وكأنها سمعت فاجعة قادره تقتلها، مش قادرة تتحملها. مالك جالس قدامها بعد نقاشهم اللي كشف الحقيقة المخفية.
فجأة، جه صوت من شاشة التلفزيون، وظهر عرض الحفلة على الهواء مباشرة، وظهر علي على الشاشة، وقال:
«النهارده هفتح معاكم ملف القضية السوداء…»
رفعت وعد وشها فورًا لما سمعت صوته، وعيونها مثبتة على الشاشة. قال علي وهو ينظر لبدران:
«قضية هشن بيها حرب… على الدولة ذات نفسها..انا على خليل الشافعى اكبر عدو حقيقى ليكو».
نزلت دمعة من عين وعد، وقالت بهمس متقطع: «علي…»
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!