بعد المحكمة عانت هند كثيراً، ضرباً وسباباً وقذفا، وطردها زاهر من البيت. وكما توقعت صديقتها، حماتها لن تحتمل بناتها أسبوعاً. وقد كان، بعثت له أخيها وأرجعتها لمنزلها وهي على مضض.
أما عن مريم، فاليوم سيتحدد مصيرها. فقد استطاعوا بفضل المولى سبحانه وتعالى، وذكاء نادر، ووقوف جميل بجانبها، أن يترصدوا لتلك الشبكة التي ستؤذي بمستقبل الفتيات اللواتي لا علم لهن ولا دراية بهؤلاء الخبيثين. وبفضل الله، تم القبض عليها، وبجهود النيابة، استطاعت أن تجعلها تعترف عليهم بسهولة، ووقعت الفئران في مصيدة العدالة.
وحقاً، كم كانت رحلة مؤلمة لمريم، حيث أنها كانت معركة شنيعة بين الحق والباطل. وبفضل إيمانها بربها وعدم خضوعها لمسالك الشيطان، استطاعت أن تنقذ نفسها. ومرت الأيام عليها وظهرت نتيجتها، والتي كانت مبهرة لها، حيث نجحت بتقدير الامتياز المعتاد لها. ولكن هذه السنة كانت الأولى على دفعتها.
انهالت المباركات عليها من الجميع، حتى فريدة التي سعدت من داخلها بأنها حتماً ستغادر وتترك لهم المنزل وتبتعد عن ابنها. ولكن ما أفسد عليها سعادتها قول رحيم بعيون سعيدة: "مبروك يا دكتورة مريم، بقيتي معيدة في الجامعة. فهمي رسمي، نظمي، وما بقاش في حد أحسن من التاني، وكلنا بقينا في الهوا سوا." فهمت فريدة مقصده، ولكنها لم تعقب عليه وادعت أنها لم تأخذ بالها من تلك الكلمات. فتحدث جميل قائلاً بنصح وهو يشير بيديه إلى رحيم:
"شوفي يا مريم يا بنتي، أنا هعرض عليكي العرض اللي أنا عرضته على الولد ده وهو رفض واختار إنه يكمل طريقه كدكتور جامعي. أنا متعود في البنك عندي إني آخد دايماً أوائل كلية التجارة وبدرّبهم عندي على أعلى مستوى. وطبعاً شغل البنك غير شغل الجامعات خالص، فيه عمولات وربح أحسن ومستوى أرقى." واستطرد شارحاً: "أنا كأب، وبعتبرك زي بنتي، أنا عايزك معايا في البنك لأني لمحت ذكائك جداً في كذا حاجة. إيه رأيك؟
فكري كويس جداً واحسبيها، إن شاء الله هأمن لك مكان كويس في البنك." أحس رحيم بالضيق الشديد من عرض والده لتلك الوظيفة لها. فهو يحلم باليوم الذي ستكون معه بنفس المكان في العمل، وهذا سيسهل عليهما التقرب من بعضهما. وما إن عملت في البنك، لن يستطيع أن يراها إلا في فترات بعيدة. فاستشاط غضباً وأردف بنصح مغلف ببعض الحدة لها:
"لأ يا مريم، أوعي توافقي. إنتي قدامك مستقبل تبقي دكتورة جامعية وتاخدي الماجستير والدكتوراه. سيبك من شغل البنوك ده خالص، مستقبل الجامعة برستيج وهتبقي قيمة وقامة عالية جداً." شعر جميل بغيرة ولده ورفضه التام للعرض الذي عرضه عليها، ولكنه رأى أن مستقبلها المادي والمعنوي سيكون أفضل في البنك. فتحدث ولم يعير لكلام رحيم اعتباراً، مردداً بتشجيع:
"طبعاً يا بنتي، الشغل في الجامعة واللقب برستيج زي ما قال رحيم، لكن إنتي برده تقدري تعملي البرستيج ده وإنتي في البنك، إنك تحضري الماجستير والدكتوراه وإنتي شغالة وبتقبضي مرتب كويس جداً وبعمولات ممتازة. فأنا رأيي ليكي إنك توازني بين الاحتياج المادي والمعنوي وتوافقي على وظيفتك في البنك، وصدقيني مش هتندمي لو مشيتي ورا كلام عمك جميل."
احتدت عين رحيم بالغضب الشديد، ولكنه لن يقدر أن يعارض والده وفضل السكوت غصباً، وهو يكتم حديثه بصعوبة بالغة إلى أن يجلس معها وحدهما. انقضت هذه الجلسة على أنها ستفكر في الأمر جيداً، وترد عليه غداً. ثم ذهبت إلى ملحقها، وقد قررت مغادرة المنزل، فهي الآن أصبحت في أمان تام. وأثناء انشغالها في تجهيز حقيبتها، جاءتها رسالة على الواتساب محتواها:
"قابليني في المطعم اللي بنتقابل فيه على طول حالا، وعلى الله تتأخري يا مريم. هتلاقيني بخبط عليكي الباب ومش بعيد أكسره، وانتي حرة بقى لو ما جيتيش وطنشتي." زفرت بملل وألقت الهاتف من يدها. ولوهلة قررت أن لا تذهب لمقابلته، ولكن أصبح معها كالمجنون، فخافت أن ينفذ تهديده وتنال من بطش فريدة وهي ليس لها ذنب. فأجابته باختصار: "حاضر، نص ساعة وجاية."
وبالفعل، أخذت حماماً سريعاً وارتدت ملابسها على عجالة، وذهبت إلى المطعم. وجدته منتظراً لها، والنيران تشتعل من وجهه تدل على غضبه الشديد. وصلت إلى مكانه وألقت السلام بحدة. أما هو، فور أن رآها أمامه، تبدلت معالم الغضب الشديد البادية على وجهه إلى معالم الحب والوحشة الشديدة في نفس اللحظة. كيف ذلك؟ هو لا يفهم! مردداً سلامها قائلاً بابتسامة محب عاشق لحبيب يتمنى لقياه:
"وعليكم السلام ورحمة الله. هلا وغلا فيكي، ياحبيبة الروح والقلب." اهتزت وتيرتها من حديثه وأردفت وهي تتهرب من عينيه قائلة بلوم: "من امتى كنت همجي كده يارحيم؟ مش متعودة منك على كده." تبدلت معالم وجهه وعادت إلى غضبها، مردداً باستنكار: "ومن امتى وإنتي بتاخدي قرار مصيري في حياتك من غير ما نتناقش فيه ونعرف رأيي ونتحاور مع بعض ونوصل لحل مناسب لينا احنا الاتنين؟ رفعت حاجبيها باستنكار قائلة:
"هو أنا لسه أخدت القرار أصلاً علشان خاطر تقول لي لو ما جيتيش هكسر عليكي الباب! إنت مش متخيل أصلاً إنك لو عملت كده والدتك هتشوفني إزاي أكتر ما هي شايفاني! حرك رأسه يميناً ويساراً بغضب وتحدث مقاطعاً حديثها: "لو سمحتي، سيبك من الموضوع ده دلوقتي وردي عليا حالا. إنت حقيقي هتوافقي على عرض بابا ومش هتقبلي وظيفة معيدة في الجامعة وإنتي طالعة الأولى؟ نظرت له بعيون تخفي ضعفاً يستكين بداخلها، وقلب يخفق ألماً وعشقاً معاً،
ورددت بتوضيح: "هجاوبك بكل اللي أنا فكرت فيه. أنا بعتبر عمي جميل في منزلة والدي بالظبط، اللي لو كان موجود وعايش، كنت طبعاً هاخد رأيه. لما فكرت لقيت إن كلامه صح جداً، إني لازم أوازن بين الاحتياج المادي والمعنوي، وأنا محتاجة إن يبقى ليا مكان أعيش فيه خاص بيا وأبني مستقبلي، وبرده مش هستسلم وهقدم في الماجستير وباذن الله ووراه الدكتوراه على طول." واسترسلت وهي تنظر له بتمني:
"ارجوك فكر زي ما أنا وهو بنفكر بالظبط، وانت هتلاقي إن أنسب حل ليا علشان خاطر طنط فريدة ما تفكرش إني بعارضها أو إني بعند معاها، مش هتلاقي حل غير إني أبعد فعلاً وتعرف إن أنا مش طمعانة فيك. وكمان أحس إن ليا كيان وكينونة، بمعنى أصح، أحس إني ليا وجود يارحيم." نظر لها بحزن وهتف باحتياج:
"بس أنا محتاج وجودك جنبي ومش قادر أتصور إنك تبقي في مكان بعيد عني. باختصار، اتعودت على وجود ريحتك في نفس المكان اللي أنا موجود فيه، حتى لو مش شايفك، كفاية نفسي فيه." زفرت بتعب وأوضحت له وجهة نظرها:
"متفكرش إني لما أبعد هبقى مرتاحة يارحيم. أنا زيك بالظبط، ويمكن أكتر، وأظن وضحت لك السبب قبل كده. أنا محتاجة أثبت لنفسي أولاً، وللمجتمع اللي جني عليا ثانياً، إن بنت الملجأ عافرت واجتهدت وكملت لآخر نفس فيها بدون ما تغضب ربها، إنها تبقى حاجة. ومش هرضى بأي حاجة، لازم أكمل للآخر علشان أوصل إني أبقى حاجة متتخجلش منها أبداً، في يوم من الأيام." ضيّق نظرة عينيه ثم رمقها بنبرة هادئة:
"بس أنا هتعب أوي يامريم. أرجوكي ثقي فيا إني مش هتخلي عنك، وسيبي لي أنا المعافرة، أنا أطول منك في النفس." نظرت بعيداً عن عينيه تحاول كبت عبراتها، لكنها استعادت قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها كلماته بكل قوة، وأردفت بتمني:
"أرجوك يارحيم، أنا مش عايزة أخسرك. إنت عافر من مكانك وأنا أثبت نفسي في مكاني، وصدقني هنتقابل بإذن الله وظروفنا محدش هيقدر يمنعها ومحدش هيقدر يفرق بينا، لأن الأسباب ساعتها هتكون بطلت أو على الأقل اتحسنت شوية." بعد حديث طويل ونقاش دام لأكثر من ساعتين، وافق رحيم على رأيها وهو على مضض، ولكن أخذ وعداً منها أن تحادثه دوماً، وأن ترد على مكالماته، وإلا سيجن جنونه ويفعل ما لا يحمد عقباه.
بعد يومين، أبلغت مريم جميل بالموافقة على طلبه وغادرت منزلهم، واستلمت شقتها ذات الإيجار البسيط في منطقة شعبية هادئة قد وفرتها لها شريفة مديرة الدار، وساعدتها في ذلك وشكرتها مريم بامتنان. ومنذ خروجها، ورحيم يشعر بالاختناق الشديد والاكتئاب الذي بدا على معالمه بغزارة شديدة. لاحظها كل من جميل وفريدة، وبدأت تشعر بالذنب، إلا أنها تقنع حالها بأنها فترة ستمضي وسيتعود على بعدها كما تعود على حضورها. ولكن هل سيكون اعتقادها صحيحاً وأن ما يشعر به رحيم هو تعود؟
فلنرى مالذي تخبئه له الأيام من ندبات تؤثر على روحه؟ انقضت الليالي العجاف بالنسبة لريم، والآن تجلس في حديقة منزل أبيها، فقد مر ستة أشهر كاملة على المحاكمة. كانت بيدها مذكرات كانت تدون فيها كل ما يجول بخاطرها منذ وفاة عزيزها. فكتبت بقلب ينفطر حزناً:
"الآن مر على وفاتك عام كامل، ذقت فيه من المرار ألوان. لقد كنت لي حبيباً عزيزاً قرير العين، وتركتني وحدي أعاني مر الفراق، وأنا أجلد ذاتي في يومي كله. حتى في غفوتي أراك غضبان مني. أشعر بأني في ساحة معركة الفراق بالاختناق. أقاتل في ساحة المعركة وحدي، أنا الجيش لنفسي وأنا السيف ذاته. أذاني أقرب الناس إليك، وكانوا يوماً من الأيام الأقرباء إلي أيضاً. وتعلمت منهم درساً
لن أنساه طيلة حياتي وهو: 'لا تأخذ جرعة كبيرة من الثقة، اترك مكاناً للخيبة ومكاناً لاستيعابها أيضاً، كن معتدلاً'." كانت منغمسة في تدوينها، فسمعت صوت أبيها الحنون الذي يقف بجانبها دائماً، يردد بحنو: "الجميل اللي قاعد لوحده وشكله قلقان ومخليني مش مرتاح عشان خاطره بيعمل إيه؟ أنهى كلماته وهو يمسح على رأسها بحنان، ثم جلس بجانبها. تنهدت بثقل وألم نفسي وأجابته:
"مش مرتاحة يا بابا، وحاسة إني مش قادرة أتخطى موته. هو أنا هفضل كده كتير؟ وضع كف يداه على كف يدها الموضوعة فوق فخذها، ثم ربت عليها بحنو وأردف قائلاً: "طول ما إنتي حابسة نفسك بين حيطان البيت وسط دوامة الفكر اللي مبيخلصش، هتفضلي كده على طول. ده إنتي حتى الموبايل مبتفتحيهوش." نظرت إليه بعينين حائرتين، فأكمل هو بإرشاد:
"اخرجي يا بنتي واشتغلي واشغلي وقتك بحاجة مفيدة. إنتي محتاجة لكده، مش عشان خاطر الفلوس ولا عشان خاطر الاحتياج للمادة ذات نفسها. إنما إنتي عندك موهبة جميلة وقدرتي تصنعي لنفسك كيان في مكان بسمع عنه إنه ممتاز جداً وله اسم." انتفضت كما لدغها عقرب من حديث والدها وهتفت برفض قاطع: "لأ يا بابا، أنا عمري ما هرجع أشتغل في التصميم تاني. ده كان السبب اللي خلاني خسرت جوزي أبو ولادي ودمرني ودمر حياتي كلها." اعترض
على كلامها بشدة وهدر بها: "ده كلام تقوليه! هتعملي زي الجاهلين، كون إنكم كنتم بتتناقشوا في حاجة هو رافضها وإنتي كنتِ عايزاها. وكون إنه مات ده قدره، والاتنين ما لهمش علاقة ببعض نهائي. وسواء كنتم اتخانقتوا أو ما اتخانقتوش، كان برضه عمره هينتهي في اللحظة دي يا بنتي. حركت راسها بنفي، ودموعها تنهمر بغزارة من عينيها، واردفت من بين شهقاتها بنفي:
_أنا عارفة كلام حضرتك يا بابا وفاهماه كويس جداً، لكن المرة دي كان بيبص لي باستغراب وما كانش مصدق إني أعارضه. ولما خيرني ما بين الشغل وإني أفضل معاه، خذلته. ما استحملش الخذلان مني ونفسيته اتأثرت ومات. ضرب والدها كفاً بكف وهو يردد باندهاش: _لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. يا بنتي، الأعمار بيد الله، وكل واحد من قبل ما يتولد بيبقى عمره على الدنيا مكتوب. أي كانت الموتة، تعددت الأسباب والموت واحد. ثم أخذها بين
أحضانه يهددها بحنان وتابع: _فُوقي لنفسك وفُوقي لولادك، هما محتاجينك. مش هيبقى غياب أبوهم وضياعك في دوامة الحزن وكده أنتِ يعتبر من القانطين من رحمة الله. وإذا كنتِ إنتي مصرة تشيلي نفسك الذنب، استغفريه واذكريه. الذكر بيطمن القلوب، وتصدقي واعملي كل اللي في وسعك. وفي كل مرة هتعملي كده، صدقيني هتلاقي نفسك بتخرجي من الدوامة دي واحدة واحدة، وهتبقي بن آدمة طبيعية جداً وهتحتسبي عند الله من الصابرين.
أحست بطيف من الأمل يلوح على صدرها، وكأن كلام والدها نزل برداً وسلاماً على قلبها. وسألته بتيهة كي تطمئن: _يعني أنت شايف يا بابا إن فعلاً أرجع أشتغل وأصمم وأحقق حلمي اللي عشت عمري كله أتمناه وأحلم بيه، وأبقى كده ما زعلتش مني باهر في تربيته؟ ابتسم لها ثم أجابها بتأكيد:
_يا بنتي، جوزك بقى بين إيدي الله، هو أرحم بيه من عباده. وما تزعليش مني، الدنيا ما بتنتهيش وما بتقفش على حد. لازم تتعودي تقوي حالك بحالك عشان وقت الجد ما توقعيش من طولك ويكون اللي بيسندكِ كلهم اللي كنتِ معتمدة عليهم مبقوش موجودين. واسترسل وهو يشير بيده إلى ملابسها باعتراض:
_وبعدين أنا عايزك بقى تقلعي الأسود ده. مدة حدادك على جوزك أربعة أشهر وعشرة أيام، وأكتر من كده يبقى إنتي دخلتي في الحرمانية وعملتي زي الناس الجاهلين. إنتي ما تعرفيش حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يحد على ميت فوق ثلاث ليالي إلا على امرأة لزوجها أربعة أشهر وعشراً".
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام حدد المدة كما ذكرت في القرآن، وقال "لا يحل"، يعني إنتي كده دخلتي في منطقة الحرمانية من بقالك أربع شهور. ومستنيكي تقلعي إيه منكِ لنفسك وترضي بحكم ربنا وقضاء وقدره، وإنتي مكمله زي ما أنتِ. كالعادة، استنكرت نصح والدها واردفت بامتناع: _لا يا بابا، أنا عمري ما هقلع الأسود على باهر خلاص، ده بقى لبسي لحد ما أموت. اتسع بؤبؤ عينيه مردداً برفض: _يا بنتي، هو إنتي دماغك ناشفة كده ليه؟
إنتي ما سمعتيش حديث الشيخ الشعراوي اللي كان بيتكلم في الموضوع ده بالتحديد؟ وفي كلامه قال: "سنكر على باب الحزن بمسمار الرضا"، أصل الحزن لو انكسر عليك مش هيخلي لك حبيب. ربنا يبارك في عمرك وعمر ولادك، وعايزك من دلوقتي تقومي تفتحي تليفونك وتشوفي شغلك اللي أكيد متعطل، وتضمي ولادك وتخلي بالك من نفسك ومن صحتك، واعتبري اللي فات من حياتك ذكرى جميلة ما تنسيهاش طول العمر. وده حال الدنيا يا بنتي.
أنهى الأب حديثه، فالروح طبيب، وأنفاسه للقلب دواء، ووجهه بابتسامته للعمر إهداء. فالأب مثله كمثل النهر يمر بجانب شجرة، يحييها، يطعمها، يسقيها الماء، يستمر في الرقص، فهو لا يتشبث بالشجرة، تسمح الشجرة بزهورها على النهر بامتنان عميق، والنهر يمضي قدماً. تأتي الرياح، ترقص حول الشجرة وتمضي قدماً، والشجرة تعير عطرها للريح. فإذا كبرت الإنسانية ونضجت، فستكون هذه هي الطريقة للحب.
بعد مرور يومان على تلك الأحداث، قررت ريم أن تخرج من صومعة الحزن وتستعين على الذكر والاستغفار لراحة قلبها. ثم فتحت هاتفها التي كانت تستخدمه للعمل والتصميم، فرين كانت تمتلك هاتفان، أحدهم خاص بعملها وتصميماتها، والآخر كان للتصفح فقط. وعندما فتحته، وجدت كماً هائلاً من الرسائل الخاصة بالمؤسسة التي تعمل معها، وبدأت بتصفحهم والرد على أغلبهم. ومن ضمن الرسائل، وجدت واحدة منهم لرقم لم تعرفه، وفتحتها وقرأت محتواها:
_السلام عليكم ورحمة الله. البقاء لله وحده يا مدام ريم. أنا مالك الجوهري، اللي حضرتك بتبعتي تصميماتك لمصنعه. عرفنا باللي حصل بعد ما حاولنا الاتصال عليكي كتير، وكان من الواجب إني أعزيكي. قرأت الرسالة، ثم ضغطت على صورته الخاصة كي تعرفه. ثم قررت أن من الواجب أن تشكره على تعزيته. وأرسلت له: _ونعم بالله العلي العظيم. جزاك الله خيراً، ولا أراكم سوءاً في عزيز لديكم. وصلها محتوى الرسالة، وعندما فتحها، ابتسم تلقائياً
ورد عليها في نفس الوقت: _جزانا وإياكم، وأتمنى أتشرف بمعرفة صاحبة التصميمات الرائعة ونشتغل مع بعض وجهاً لوجه. وأنا واثق إننا هنعمل ضجة كبيرة في عالم الفاشون. قرأت محتوى الرسالة وردت باختصار: _بإذن الله، هفكر وهرد على حضرتك. بعث لها: _أتمنى يكون التعامل في أسرع وقت. _بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث، ذهب جميل إلى منزل راندا هو وزوجته فريدة. يجلسان معها، وتحدث جميل يعنفها بشدة:
_جوزك رجع من سفره على ملا وشه بعد ما هددتيه إنه لو ما رجعش وطلقك بشروطك اللي إنتي فارضاها عليه هتخلعيه وهتفضحيه. واسترسل غاضباً وهو يلوم نفسه غاضباً: _إنتي متعرفيش إن الأبناء مراية الآباء! بقي كده تطلعي صورة أبوكي اللي طول عمره مثال القناعة وعزة النفس بالشكل ده! انهارت من حديث والدها وهدرت بصوت عالٍ: _انت ليه يا بابا جاي عليا قوي كده للدرجة دي! مش حاسس بيا ولا حاسس بوجعي؟
كلكم عمالين تجلدوا فيا، سواء انت أو بنتي أو ابني أو حتى ريم أختي، ليه كلكم بتعملوا فيا كده ليه! أمسك والدها يداها ونظر داخل عينيها بترجٍ مردداً بحرقة قلب: _يا بنتي، لأخر مرة بقولك احسبيها صح، عشان وقت الغضب الإنسان أعمى ولو كان بصير. عثت في جوفها حرب أشد من أن تتحكم بها ومن أن تقاومها. ورددت بشموخ ورأس مرفوعة، أصغى إليها كل الموجودين في المكان هاتفة بقوة: _أنا أستاهل راجل يحطني جوه عينيه.
أنا أستاهل راجل يندم على فراقي، حتى لو صممت هو يصمم عليا أكتر، يثبت فيا ويحسسني إني غالية عنده مهما حصل. واسترسلت حديثها بوجع وهي تجلس على الكرسي الموضوع بتعب، وانفجرت دموع عيناها: _أنا يا بابا أستاهل راجل يعرف إني قد إيه غالية. أستاهل راجل يقدر اللي أنا عملته له ويشكرني عليه. أستاهل راجل بجد حافظ عليا ويطبطب على قلبي المجروح. أستاهل ضهر. أستاهل سند. أستاهل حب.
وانفطرت في البكاء أمام والديها، ولم يهمها كرامة الأنثى المجروحة، وانكشف وجه الأنثى الضعيفة. أحست بها والدتها بشدة، وأدمعت عيناها على كبيرة التي راتها بقلبها قبل عينيها، وأخذتها بين أحضانها تهددها مرددة بحزن: _يا بنتي، حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده وبتعمليه فينا. آه يا أنا يا حزن قلبك يا فريدة على بناتك، يا مخلفة البنات، يا شايلة الهم للممات. واسترسلت وهي تهدئها:
_اهدي بقى يا بنتي، وطالما إنتي شايفة نفسك هترتاحي في الطلاق وهتقدري تتحملي مسؤولية وعواقب حاجة شكل دي، يبقى ما باليد حيلة وباباكي هينفذ لك اللي انتي عايزاه. وأثناء انشغالهما بالحوار، استمعوا إلى جرس الباب يعلن عن وصول إيهاب. قام جميل يفتح له الباب، وما إن رآه إيهاب حتى ارتمى في أحضانه يصافحه بحرارة قائلاً: _عمي جميل، ازيك يا راجل يا طيب؟ ليك وحشة والله.
بادله جميل الحضن بنفس الحرارة، فهو يحبه جداً مهما حدث بينه وبين ابنته، فهو رجل خلوق في معاملاته. أفسح له المجال بالدخول، وما إن دلف، باتت عينيه تمشط المكان بلهفة، فقد كان عشاً سعيداً يجمعه بحبيبته وزوجته وأبنائه، فقد كانوا عائلة كريمة يزينها الحب والاهتمام، وانقلب الحال وأصبح المكان يزينه الكره الشديد. ينظر إلى كل ركن في المكان ويتذكر أيامه التي عاشها من كل عام في هذه الشقة.
نعم، فقد عاش فيها أياماً قليلة من كل سنة، بالرغم من زواجه منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً. إلا أنه سافر في السنة الأولى من زواجه من راندا، وكان يأتي كل عامين أياماً قليلة.
وأثناء تجواله بعينيه في المكان، استقرت على راندا، وبدا له من وجهها أنها كانت تدمع بشدة، خفق قلبه حزناً لأجلها، رغم كل ما بدر منها، إلا أنه يعطي لها عذراً على ما فعله معها، فقد أجرم في حقها جرماً شديداً واستسلم للحظات ضعفه. ولكن هل يعود الزمان يوماً ويصلح من غلطه وما فعل بها ما فعل. أخذت جولته عدة دقائق، ثم جلس ملقياً عليها سلامه بوحشة: _ازيك يا عشرة العمر؟ أخبارك إيه؟
حينما وصل سلامه بتلك النبرة إلى مسامعها، أعلنت دقات قلبها الطبول، ولم ترد عليه إلا بنظرة عينيها، كأنها تعاتبه، ولكن العتاب مصاحب للجفاف. أحس بدقات قلبها، ومن غيره يشعر بها؟ ومن غيره يحس باحتياجها؟ وحدثته عيناها: _ألم ترأف بحال عاشق أنكوى من قسوة عقابك الذي لم ينتهي بعد! أجابته عيناها بشدة: _ألم تشعر أنت أنك قتلت الإحساس بداخلي، وما عدت أنا ولست ألقاني بعد! قرأ إجابتها من نظرة عينيها، وردد بأسف بلسان حاله:
_أعدك إن عفوتِ ورددتِ لي قلبك، سأبقى على عهدك ولن أقترف بعد. اهتز فكها وهي تنظر له نظرات خذلان، ترد عليه عيناها بعدم ثقة: _أمن الممكن أن يؤتمن الخائن! لا ورب الكون وقول رسوله إن من علامات المنافق من اؤتمن خان. نظرتها الآن تعني أنها لن تسامح قط مهما فعل، ومهما اعتذر، ومهما حاول مئات المرات وملايينها. أفاق على صوتها وهي ترد سلامه بجمود: _بعد إذنك يا بابا، اطلب المأذون فورًا، علشان كدة الموضوع طول وبخ أوووي.
أحس بوخزة شديدة في قلبه جراء كلماتها. تحدث إلى جميل وهو يناوله ملفًا به العقود قائلاً: _اتفضل يا عمي جميل، ده عقد بفيلا في الكومباوند اللي هي قالت عليه، ومتوثق باسمها في الشهر العقاري. _وده عقد بملكية العربية، نقلته باسمها وبرضه متوثق في الشهر العقاري. أردفت له بنظرة متعجرفة وتحدثت بكبر: _متفتكرش إن ده منة وفضل عليا منك. _ده حقي في دهبي اللي بعته لك تسافر بيه وتبدأ شغلك وكفاحك بيه.
_حقي في عمري اللي راح هدر، وفي الآخر خنتني. حزن داخله من استكبارها وطريقتها المتعجرفة عليه، مرددًا باستنكار: _هو حق كفاحك معايا وعمرك اللي راح ودهبك اللي بتعايريني بيه دلوقتي؟ فيلا وعربية وفلوس في البنك يا راندا! واسترسل ساخرًا: _إنتي أغلى وأحسن من إن الكلام العيب ده يطلع منك، وكمان في وجود باباكِ اللي الأصل الطيب يضرب له تعظيم سلام. إنتي حقك عليا ما يكفيهوش كنوز الدنيا.
أحس جميل بالخذلان الكثير، الذي لم تترك ابنته فرصة إلا ووضعته فيه بكل ما أوتيت من قوة. وشكره بامتنان: _معلش يا ابني، حقك عليا، اعذرها. _اللي فيها حلاوة روح، بس من اللي عملته فيها، ومش مستوعبة لحد دلوقتي. زفر بسأم، ووجد أنهم في حالة لا تسمح للجدال فيها، فقال: _يشهد الله يا عمي جميل إني عملت كل ما في وسعي علشان تغفر وتسامح، وهي اللي راكبة راسها ومصممة على الطلاق اللي هيسبب خراب النفوس لينا كلنا.
_ويشهد الله إني اعترفت بغلطي وحاولت مرارًا وتكرارًا إنها تلين، مرات بالمحايلة، ومرات إني أفكرها بالحب اللي بينا. ومرات أبين ضعفي قدامها وأتذلل علشان عارف حجم غلطي. ومرات بالبعد يمكن تهدى، لكن هي مصممة، علشان هي اللي بعد كدة هتشيل ذنب كل اللي هيجرى بسبب التشتت اللي هيحصل لنا، وإنها هتبقى المذنبة الوحيدة قدامكم. وتابع وهو ينظر إليها بقوة:
_وطالما هي اللي شدت الحبل على الآخر، تستحمله. بس يارب تفضل مستحملاه على الآخر، وما يخنقهاش في النهاية. رمقته بغضب مستطير من رماديتها المشتعلة، وهدرت به بحدة: _مستني تشمت فيا يا إيهاب؟ مش هنولها لك، وهثبت لك إني هفضل راندا المالكي، وبرضه هحرق قلبك، وهشربك من نفس الكاس، والأيام بينا. اهتز فكيه بسخرية، وردد بلا مبالاة:
_مبقاش يفرق معايا حاجة يا راندا، ومهما تحاولي تعملي، إنتي المضرورة لوحدك في الآخر، علشان أنا عارف ومتأكد مهما عملتي ولفيتي وجربتي، في النهاية مش هتعرفي تبدلينى، ولا حد في الدنيا دي هيقدر ياخد مكاني. خشيت أن تضعف، فصاحت بقوة مصطنعة: _عادي، مهما تبين عدم اهتمامك وإنه مش فارق معاك، بس العيار اللي ميصبش يدوش. بعد عدة ساعات قضوها في المناقشات والمحاورات، تم الطلاق. وانفصلا راندا وإيهاب في موقف مهيب.
خراب البيت ودماره موقف له رهبة مميتة لجميع الأطراف، وخاصة لزوجين عاشقين. بعد ساعتين من الطلاق، غادر الجميع. وما إن أصبحت وحدها، حتى انخرطت في بكاء مرتفع تدمي له القلوب، وانهارت انهيارًا كليًا، وكأنها بفعلتها تلك انتقمت من حالها لا منه هو. ***
بعد مرور ستة أشهر أخرى، تغيرت فيهم حياة الكثيرين تمامًا. فقد دخلت راندا مرحلة اكتئاب شديد بعد الطلاق، مما أدى إلى تطور أبنائها في طريق الضياع أكثر وأكثر، وهي لم تعد تخرج من تلك الدوامة.
أما مريم، فتدربت كثيرًا في البنك وأثبتت جدارتها بمهارة فائقة. واستلمت مكانها، وتتنقل في مجال المحاسبة ببراعة تحت تدريب جميل شخصيًا. وعلاقتها برحيم أصبحت أكثر عشقًا وغرامًا، وأصبح يغار عليها غيرة عمياء. فقد تغير مظهرها الخارجي كليًا، بمجرد رتوش بسيطة في ملبسها المحتشم، لكن أصبح عصريًا يليق بصاحبة العيون الفيروزية.
وأما عن إيهاب، فانخرط أيضًا في دوامة الحزن، وكان يرى أبناءه قليلاً جدًا، نظرًا لأنه انشغل في تجهيز مكتبه الهندسي، الذي أنهاه في أربعة أشهر، وكلف عليه حملة إعلانية تليق به.
أما عن ريم، فعادت إلى تصميماتها من جديد، ولكن استطاعت أن تخلق من وسط الحزن إبداعًا أبهر الجميع في عالم الفاشون، مما أثار خوف مالك أن يحتكرها أحد المنافسين. وخاصة أنها بدأت بعرض جميع تصميماتها على مواقع السوشيال ميديا، وحصدت تفاعلًا رائعًا. وكان مالك متابعًا لها بشغف. وأصبحت ترسل له التصميمات شخصيًا، دون مدير أعماله. ومن وقت لآخر يسألها عن رأيها في العمل المباشر معه، تجيبه بأنها غير مستعدة الآن، مما استدعى قلقه.
يقف مالك في شرفة مكتبه، يتابع المارة بشرود، وبيده كوب القهوة الخاص به. دخل عليه صديقه، ولاحظ شروده، فوقف بجانبه متحدثًا باستفسار: _ده الموضوع باينه كبير أوي. فيه إيه يا عم مالك؟ وتابع بمشاغبة: _شكلك حنيت للعرق الإيطالي اللي إنت مدوّبه ومدوّخاه معاك، وشحتفت قلبه على الآخر. نظر إليه بنصف عين، وأجابه بحدة خفيفة: _جري إيه يا عم الخفيف، إحنا هنهزر ولا إيه! _ماتمسك لسانك ده شوية. ضحك علي حدته، وتحدث بمراوغة:
_الله وأنا مالي يا عم الحيران، ماتسأل عينيك اللي سرحانة ودماغك اللي مش فيك. ذهب إلى مكتبه، واستلقى على كرسيه بإهمال، وردد: _شوف برضه! بقولك إيه، هو إحنا مش مخلصين موضوع جوليا ده من زمان، وقلت لك كانت صفحة وطويتها زي اللي قبلها، مع الفارق إن بيجمعنا علاقة شغل وكل احترام. واسترسل بتنبيه: _يا ريت منتكلمش في الموضوع ده تاني. تململ في جلسته، وهتف بلا مبالاة: _ولا تاني ولا أولاني يا باشا. _إلا صحيح، عملت إيه مع مدام ريم؟
لسة مصممة على رأيها ولا إيه؟ زفر بسأم، وأجاب: _والله أنا اللي قالقني ومخوفني موضوع ريم ده بالذات. واستطرد بخوف: _مش عارف مماطلتها دي سببها إيه؟ _تفتكر حد إنها شايفة نفسها في مكان أحسن من هنا، زي ما كنت بتقول؟ أجابه بحيرة: _والله ما عارف. بس لو ده حصل، كفى الله الشر يعني، أكيد هنعرف. قطب جبينه، ونطق بحزن:
_ده لو حصل فعلًا، هنخسر كتير جدًااااا. أكتر الأتيليهات بتاعتنا واللي إحنا بنتعامل معاهم بره وجوه بيختاروا تصميماتها بالذات، ومش عايزين غيرها. وأثناء انشغالهما في الحديث، دقت السكرتارية على الباب، ودلفت وهي تهتف بعملية: _مدام ريم المالكي بره، هي وواحد بيقول إنه أخوها، وعايزة تقابل حضرتك. نظر إلى علي، وتساءل باستغراب: _ريم المالكي! مين؟ إنت تعرفها؟ أجابه وهو يرفع يديه في الهواء: _لا والله، هعرفها منين.
وتابع وهو ينظر إليها مشيرًا بأمر: _خليهم يتفضلوا. يمكن عروسة وجاية تختار كوليكشن. هزت رأسها بطاعة، وفتحت الباب، مرددة وهي تنظر إليهم بابتسامة ترحيب: _أهلاً وسهلاً. اتفضلي يا فندم، مالك بيه في انتظاركم. دلف بخطى ثابتة مستقيمة متواضعة تليق على المكان المتواضع الذي حضرت فيه، ويتبعها أخوها مرددًا بابتسامة هادئة: _السلام عليكم ورحمة الله. انتصب مالك واقفًا هو وعلي احترامًا للضيوف، مرددين:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وتابع مالك وهو يشير إلى المقاعد القطنية المريحة، مرددًا: _أهلاً وسهلاً يا جماعة، نورتوا المالكي جروب. اتفضلوا. ذهبوا إلى المقاعد بهدوء، وجلس الجميع. وتحدث علي بذوق: _تحبوا تشربوا إيه يا جماعة؟ هتف رحيم برفض لطيف: _متشكر جدًا يا فندم لذوق حضراتكم وحسن مقابلتكم. تحدث مالك بإصرار: _ميصحش طبعًا، لازم تشربوا حاجة. أطلب قهوة. وافق رحيم قائلًا: _تمام، اللي تشوفه يا مستر مالك.
واسترسل بدعابة: _والله أنا دماغي محتاجاها فعلًا بسبب دوشة الطلبة في الجامعة. واتصالات ريما اللي داوشاني بيها من الصبح. نظر مالك وعلي إلى بعضهما باندهاش، مرددين بصوت واحد: _ريما! تحدثت بابتسامة هادئة: _أيوة يا مستر مالك، ريما ستور.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!