الفصل 22 | من 27 فصل

رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
6,738
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

في منزل هيام الجوهري، في الساعة الثانية صباحًا، تدلف إلى شقتها. وما إن دخلت حتى قام زوجها واقفًا أمامها، وربع يديه حول صدره، قائلاً بهدوء ما قبل العاصفة: "والله عال يا ست هيام، بقي وصلت بيكِ الجرأة إنك ترجعي البيت الساعة دي؟ واستطرد كلماته بنهر، وروحه زهقت منها وما عادت قادرة على الاحتمال: "خلاص الكيل طفح منك ومبقتش قادرة أستحمل أكتر من كده. أنا نفسي أعرف انتي صنفك إيه بالظبط."

ثم وجد نفسه صافعًا إياها على وجهها بعنف، وكأنه بتلك الصفعة ينتقم لعمره الذي أضاعه معها، وأكمل مرددًا وهي على صدمتها: "انتي طالق، واتفضلي اطلعي بره. روحي مطرح ما كنتِ ومش عايز أشوف وشك تاني." لم تتحرك مشاعر الحزن لديها فور استماعها لتلك الكلمة، والتي تنهي ميثاقًا غليظًا بين ذكر وأنثى. فوقع تلك الكلمة على أي امرأة يزلزلها، بقدر ما أزعجها ضربه لها، وجعلتها تنظر له بشر. ثم رفعت حاجبيها وأردفت بغل:

"هندمك عليه القلم ده أوي يا رامي، وهدوقك معنى إنك تطردني من بيتي في أنصاص الليالي وأنا عاملة نصه بفلوسي معاك يدًا بيد." نظر إليها باشمئزاز، هادرًا بها: "فلوس مين يا طماعة؟ ده انتي خاربانى وساحلاني معاكي ببرانداتك وعربياتك ومجوهراتك علشان المنظرة الكدابة بتاعتك. ده انتي اللي مديونالي بشبابي اللي ضاع معاكي. ده انتي من اللي الرسول صلى

الله عليه وسلم قال عليهم: 'يكفرن العشير'، وانتي طبعًا مش هتعرفي معناها علشان انتي فارغة." أولاه ظهرها وهدر بها بحدة: "اتفضلي يالا علشان البيت ينضف، وليا كلام مع أخوكي الكبير علشان نفضها سيرة." رفعت رأسها بكبر، معتادة عليه دائمًا، مرددة بغل: "تمام يا روميو، بس مترجعش تندم وتقول آه من اللي هعمله فيك." "أعلى ما في خيلك اركبيه يا بنت الجوهري."

جملة استفزازية نطقها ذاك المهدر حقه مع تلك الشيطانة. غلى داخلها من استفزازه لها، وخرجت كالإعصار قبل أن يطردها بيده، فهي تخشى على منظرها أن تهان، وهي تردد داخلها بوعيد: "والله لأربيك وأعلمك إزاي تعمل كده في هيام الجوهري." ثم انطلقت مسرعة بسيارتها وتوجهت إلى بيت والدتها وهي في قمة الغليان. وفور دلوفها المكان أحست بها والدتها فارتعبت بشدة. هرولت إليها قائلة برعب: "إيه ده يا هيام؟ إيه يا بنتي اللي جايبك الساعة دي؟

لوت شفتيها بامتعاض وأردفت وهي تدعي نبرة الحزن: "رامي يا ماما غدر بيا وطلقني وضربني وأهانني جامد أوي." ضربت والدتها على صدرها وهتفت باندهاش: "طلقك! طلقك يعني إيه يا هيام؟ "طلقني يا ماما، هي ليها معنى تاني." قالتها تلك الشمطاء بلا مبالاة، وتابعت بغل: "ومش بس كده، ده طردني من بيتي في أنصاص الليالي عديم النخوة والرجولة." سألتها والدتها باستغراب: "طلقك وطردك من الباب للطاق كده يا هيام؟ واسترسلت استفسارها بإحساس أم:

"عملتي فيه إيه؟ خرجتيه عن شعوره خلاكي تطلقي وترميه في ساعة زي دي؟ أصل رامي جوزك غلبان غلب السنين، ده عشرة عمر وأنا عارفاه كويس جدًا." أشاحت بيديها وأردفت باعتراض: "آه، انتي هتدافعي عن بنتك الوحيدة ولا هتقفي في صفها! مانا عارفاكي هتاخدي صفه. وقال على رأي المثل: 'ضربني وبكى، سبقني واشتكى'." وتابعت كلماتها اللاذعة وهي تصعد الأدراج، متمتمة بكلمات أثارت شك والدتها:

"أنا طالعة أنام ومش ناقصة صداع علشان خاطر واحد ميسواش رماني في أنصاص الليالي." نظرت تلك العبير إليها بأسى، وقلبها يئن وجعًا من تلك المتجبرة المتمردة، ودخلت إلى غرفتها تؤدي فريضة قيام الليل بعد أن جافاها النوم لما حدث. *** تجلس ريما ووالدها في مكانهم المفضل، ألا وهي حديقة المنزل. لاحظ توترها الشديد من فركها ليديها، وأنها تود أن تحكي له شيئًا ما ولكنها مترددة خجلًا. ربت على ظهرها بحنان وتحدث بعينيه متفهمًا:

"احكي لي وقولي كل اللي عندك، وأنا كلي أذان صاغية يا قلبي." فركت يديها بتوتر وتفوهت بخجل: "أصل في موضوع عايزة آخد رأي حضرتك فيه ومتوترة شوية." طمأنها بعينيه أن تتحدث دون خجل، فتشجعت وقصت عليه طلب مالك وإلحاحه عليها. فرح داخله لأجل صغيرته، فمهما حدث هي ابنته، وكل أب يحب أن يرى أولاده في ارتياح مهما حدث. فردد متسائلًا: "طيب وانتي إحساسك من ناحيته ارتياح ولا إعجاب؟

واتكلمي مع أبوكي من غير ما تتكسفي، كأنك بتتكلمي مع نفسك." ابتلعت أنفاسها بصعوبة من شدة الخجل، ولكنها تحتاج مشورة أبيها بشدة: "مش عارفة يا بابا. ساعات بحس إنه ارتياح، وساعات بحس إنه إعجاب. لما بيكلمني ببقى مرتبكة أوي، ولو عيني جت في عينه صدفة ببقى مكسوفة جدًا ومش عارفة أعمل إيه." ابتسم لها بحنو وتحدث شارحًا:

"طبيعي إن يكون فيه تخبط جواكي، وطبيعي برضه إنك تكوني حبيتيه وعمالة تلومي في نفسك علشان عايزة تدفني الحب ده قبل ما يتولد." اتسع بؤبؤ عينيها بانبهار لفهم أبيها عليها بتلك الدرجة، وهتفت باندهاش: "هو انت إزاي يا بابا بتفهم عليا كده وبتوصل لأعماق تفكيري بالدرجة دي؟ أجابها ببساطة:

"قلب الأب دليله على ولاده، وبيكون عارف شخصية كل واحد فيهم كويس جدًا. وأنا عارفك يا بنتي، دائمًا نفسك لوامة، ودايمًا بتحبي تعاقبيها على كل حاجة صغيرة وكبيرة." واسترسل حديثه بوعي: "لكن يا بنتي، نفسك برضه ليها عليكِ حق، والميل القلبي والمشاعر ملناش تحكم فيهم، كله بإيد ربنا سبحانه وتعالى. فتوكلي على الله، صلي استخارة مرة واتنين وشوفي أمر الله إيه."

ارتاحت بشدة من كلام والدها وقامت من مكانها وارتمت في أحضانه وهي تقبل رأسه ويديه بامتنان. ثم تذكرت أمرًا ما جعلها ترتعب بشدة، فسألت أباها: "طيب وولادي يا بابا؟ هياخدوهم مني لو فكرت بس في الجواز؟ وأنا يستحيل أفرط فيهم." فكر قليلًا قبل أن يجيبها، ولكن فكرة ما جالت في عقله. ولما اختمرت الفكرة برأسه، أخبرها بها:

"على فكرة، فيه حاجة مهمة انتي متعرفيهاش، وهي إن المحامي تبع والدة باهر كلمني وطلب مني الصلح، وهما هيدوكي حقوقك وحقوق ولادك بالكامل، وطلب مني أشوف وقت بسرعة قبل الجلسة علشان تتنازلي." لم يهمها ذاك الأمر الآن، كل ما يشغلها مستقبل أبنائها بجانبها. وقالت بلا مبالاة: "مش مهم الموضوع ده دلوقتي يا بابا، بعدين. أنا دلوقتي عايزة أعرف مصير ولادي إيه بالظبط؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء وأجابها: "إزاي بقى؟ ده صلب الموضوع."

انتبهت بشدة وتساءلت بتعجب: "إزاي يعني يا بابا؟ مش فاهمة؟ اعتدل بجلسته وتحدث بدهاء: "هسألك سؤال الأول، الفلوس تفرق معاكي ولا ولادك، وانك تبني حياة جديدة من غير ما تكوني شايلة هم؟ أجابته بدون تفكير: "فلوس إيه يا بابا؟ دي ولا كنوز الدنيا تكفي إني أعيش أنا وولادي آمنين مطمنين إن محدش هيجي ناحيتنا." أشار برأسه استحسانًا لردها الذي أعجبه وتحدث:

"عمري ما شكيت في قناعتك لحظة. بصي يا ستي، إحنا نرد عليهم إننا هنكمل القضية وكل شيء يمشي قانوني لحد ما نرعبهم شوية، وبعدين لما يجروا هما ورانا ويتحايلوا شوية نروح بقى عاملين إيه؟ أشارت إليه بعينيها أن يكمل، وهي منتبهة له كليًا، فتابع حديثه: "نعرض عليهم عرض إنك هتتنازلي عن ميراثك كله انتي وولادك مقابل تنازلهم عن حقهم في ولادك في أي حالة، وهما طماعين وهيوافقوا." أحست بالأمل الطائف يغدو أمام ناظريها وسعدت داخله،

وسألت بتوتر: "وهما هيوافقوا يا بابا ولا ممكن يرفضوا؟ أجابها باستحسان: "والله لو وافقوا كان بها والمشاكل هتخلص. لو موافقوش، كده كده لو اتجوزتي الولاية من حق الجدة لأم وهي والدتك طبعًا. بس أنا بخرجك من شر اعتماد وباهر خالص وألاعيبهم، وتغور الفلوس." أشارت برأسها بموافقة وأردفت بتأكيد: "تمام يا بابا، توكل على الله. اعمل اللي فيه الصالح ليا." أشاد إليها بتحذير:

"تمام، نقفل سيرة مالك نهائي ومش عايزين أي حد يحس بأي حاجة لحد ما نخلص من الموضوع ده، وبإذن الله في أقل من أسبوع هيكون خلصان." وافقت على كلام والدها وتحذيراته كي تنأي بأبنائها ونفسها وتعيش في سلام نفسي. ***

وعلى صعيد آخر، تحسنت صحة مهاب بشكل واضح، مما جعل نفسية راندا تتحسن بشدة. في يوم ما، استأذن إيهاب جميل أن يجلس مع راندا وحدهم كي يصلح معها الأمور، وأخبره أنه ناوي تلك المرة على الرجوع بكل تصميم منه، وأنه سيفعل المستحيل، فأذن له جميل.

في ذاك اليوم عصرًا، صعد جميل إلى غرفة ابنته راندا. دق عليها الباب مستأذنًا الدخول، فقامت من مكانها مسرعة وفتحت له ذراعيها تحتضنه، فقد كان في أزمتها أبًا وأخًا ورفيقًا أهداه القدر إليها. فحقا هي فخورة بكون ذاك الخلوق الرائع أباها. شدد هو على احتضانها وأردف بحنو: "حبيبة بابا، أخبارك إيه يا عمري انتي؟ ربتت تلك الأخرى على ظهره بحنان بالغ وأجابته:

"بخير جدًا الحمد لله يا بابا. ربِ ما يحرمني منك ولا من وجودك في حياتي يا أحن أب في الدنيا." نظر لها نظرة مطولة ثم سحبها من يديها وأغلق الباب خلفه، مرددًا بعمق: "بس أنا وجودي لوحدي في حياتك مش كفاية يا بنتي، وأظنك جربتي." تساءلت ملامح وجهها جميعها ونطق لسانها: "يعني إيه يا بابا؟ مش فاهمة؟ أجابها بوضوح: "يعني مش كفاية عند وعقاب لنفسك وولادك قبل جوزك يا بنتي؟

انفعلت بشدة عندما ذكرها أبوها بذاك الموضوع، وخاصة أن توضيحه للأمور دائمًا ما يكون هي المخطئة في نظره وليس هو. وتحدثت بنفي: "طول ما انت محملني الذنب لوحدي يا بابا، هفضل راكبة دماغي." تأفف بامتعاض لحماقتها: "انتي ليه مصرة على الغلط يا بنتي؟ طيب ربنا اداكي المرة دي درس في ابنك وبنتك شنيع علشان تفوقي، وكان أثر الدرس عليكي مريب. المرة الجاية عقابه هيكون أقوى ومش هتقدري تتحمليه."

ضربت على قدميها بحدة وشراسة ورددت بدموع هبطت تلقائيًا من عينيها: "يا بابا حرام والله تشيلني ذنب ولادي كمان في اللي جاي. مش كفاية اللي فات، والله ده ما يرضي ربنا أبدًا." قطب جبينه وهز رأسه بعدم فهم وتساءل متعجبًا: "هو انتي لحد دلوقتي مش مقتنعة بغلطك، وإن رد الفعل ما هو إلا نتاج الفعل؟ واسترسل وهو يحثها بعينيه بحنان:

"والله يا بنتي أنا مش عدوك ولا عايز أغلطك وخلاص. وبعدين أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة. وأنا حذرتك كتير ومكنتيش بتسمعي كلامي. جربي بقى المرة دي واديله فرصة تانية وشوفي النتيجة، وساعتها هتعرفي إن أبوكي أبو شعر شيبه الزمن من اللي عاشه عنده حق في كل حاجة." أومأت له بخفوت: "فرصة تانية! ودي أديهالو ليه؟ إيه السبب اللي يجبرني أرجع لخاين وأنا من صغري عارفة إن الخاين لا يؤتمن." تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلماتها:

"لأسباب كتييييرة أوي يا راندا. أولهم إنك لسه بتعشقيه، وآخرهم إنك هتفضلي تعشقيه لحد ما تموتي. مش هقول لك بقى ولادك محتاجينه ومستقبلهم محتاجه، وراحتكم وهدوئكم النفسي محتاجينه. كل حاجة بتقولك سامحي واغفري، والعفو عند المقدرة." وتابع كلماته بقوة كي يحفزها: "وعلشان أنا اللي مربياكي عارف إنك قادرة وصاحبة عزم شديد، ومربياكي على إن الصفح والعفو من شيم الكرام يا بنتي.

ربنا قال في سورة فصلت: 'وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34 وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ 35'. يعني دائمًا خلي بداية الخير من عندك، وربنا وعد اللي هيعمل كده إنه ذو حظ عظيم."

فحدثت حالها بتيهة وهي شاردة أمام أبيها، ونظر إلى شرودها بصبر كبير، تاركًا لها مساحة الفكر والتدبر: "يا إلهي! لقد أنهكت روحي من كل تلك النزاعات داخلي وما عدت أتحمل. يا إلهي أرشدني كيف يكون الصفح وعيني لا تراه إلا خائنًا؟ وكيف يكون العفو وقلبي عند مشاهدة خيانتي وكأنها كانت توا لا يراه إلا ذابحًا لكلي؟ أخبرني كيف أتعود المشهد ومن أين يأتينى الصبر ولماذا أرهق حالي في العودة؟ وليكن

نداء السماء إلى قلبي: إنه الحب اللعين، بل العشق المتين الذي لم يقدر الزمان والمكان على الفراق. فحسنًا أعود ولأرى هل لعودتي لذة واشتياق ستدوم معي حتى الافتراق إليك ربي أم ماذا." ترجاها أبوها بعينيه، فهتفت بقلب متوجع: "تمام يا بابا، هقعد معاه الأول وهاخد كل ضماناتي، وبعدين هقرر." "يااااااه يا بنت قلبي اللي وجعتيه عليكي." رددها جميل بروح منهكة، وأكمل بخفة كي يجعلها تبتسم:

"خصامك صعب أووووي وعقابك مدمر. والله الله يكون في عونك يا إيهاب." ابتسمت على خفة أبيها وقبلته من يديه قائلة بامتنان: "بشكر ربنا إنك بابا، وبدعيه يخليك ليا وميحرمنيش منك يا حبيبي." رد لها قبلتها في جبهتها وأخبرها بموعد مجيء إيهاب لكي تستعد. ونظرت له بدهشة لأنه كان واثقًا من موافقتها. ورأي دهشتها تلك وعلم ما سرها وكشفها: "أيون، كنت واثق موافقتك. وبعدين ده استدعاء ولي أمر مني ليكي، وواجب عليكي التنفيذ والطاعة."

بعد أربع ساعات، وبالتحديد في الساعة التاسعة مساءً، جاء إيهاب بقلب يسبقه اشتياقًا إلى محبوبته. ولما لا، فكل النساء في عينيه هي، ولا يرى غيرها. استقبله جميل وفريدة، وهبطت راندا الأدراج وهي في قمة جمالها وأناقتها، مما جعل أنظاره تتعلق بها ولا ترى غيرها. بعد دقائق معدودة، تركهم جميل وفريدة يجلسون وحدهم كي يتصافوا ويهدأوا، وتعود المياه إلى مجراها، والأمور إلى نصابها الصحيح. تحدث إيهاب بعينيه تلمع عشقًا:

"شوفي إزاي بتبقي جميلة وانتي هادية ورايقة. وحشتيني يا قلب مهاب." زَمّت شفتاها وأنصتت ببصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة: "تؤ تؤ، مش هنبدأها كده يا إيهاب. لسه بدري." رفع حاجبيه بتلاعب وأردف ماكرًا: "شوفي نبدأها إزاي يا قلب إيهاب يا عمر إيهاب، وأنا معنديش مانع." أخذت وتيرة أنفاسها صعودًا وهبوطًا تأثرًا من نبرته، وتحدثت بتوتر:

"أنا لسه موافقتش على فكرة إني أرجع لك علشان ما تبنيش أوهام وتعيش عليها، وأنا مبلغة بابا بكده على فكرة. هو مقالكش؟ ابتسم بحالمية حتى ظهرت تلك الغمازات، وتحدث هامسًا: "قال لي طبعًا. قال لي راندا مش بس بتحبك، دي بتعشقك يا إيهاب وبتموت فيك، ومستنية تاخدها لأحضانك وتسقيها من حنانك، بس مكسوفة." اتسع بؤبؤ عينيها وقامت من مكانها مرددة بتحذير: "تمام، طالما دي هتفضل طريقة كلامك، هستأذن أنا بقى واعتبر المقابلة انتهت."

بحركة عفوية منه، أمسكها من يديها قائلًا بعيون مترجية مليئة بالعشق: "أرجوكي كفايةبعاد وماتمشيش. أنا تعبت من الجري وراكي يا عمري." رعشة، لا بل كهرباء اجتاحت جسدها بالكامل من لمسته ليديها. مجرد لمسة يد دغدغت مشاعرها وجعلت أوصالها جميعًا ترتبك. وكأن رعشة جسدها وفيض إحساسها وصله من دفء يديها في يده، وتحدثت عيناه بغرام:

"لا لن أتركك تلك المرة تذهبين. وفي محراب العشق لن أستكين. فذاك القلب وتلك الأحضان وهذه العين وهذا الجسد، جميع هؤلاء لكي عاشقين. لا تهربي، فقناع الجمود الذي تتصنعيه خانك وتبدل بقناع الاشتياق لي، فأنتِ أيضًا باقية على ميثاق المحبين." ابتلعت أنفاسها بصعوبة وجلست مكانها دون إدراك ووعي، ويداه ما زالت تتمسك بيدها، وأجابته عيناها: "كيف خنتيني يا قلبي؟

من لمسة من يديه، لمسة واحدة فقط أفقدتني صوابي وتهت في دنياه. أتذكر أني كنت بين يديه عاشقة مغرمة ولهواه متيمة، وفي سمائه هائمة، وأصبحت الآن لا أمتلك إلا نظرة من عينيه. ولكن الأنا تعاتبني على العفو إياه وتلومني على الضعف، وأنا فقط أتلمس يديه. ولكن جسدي خانني وإحساسي فضحني، وما عدت أتحمل بعده وأشتاق للقاه." شدد من احتضان يديها قائلًا بعشق: "تتزوجينني يا راندا، ونبدأ حياة جديدة مع بعض؟

ما إحنا يعتبر معشناش القديمة أصلًا غير أيام معدودة في سنين كتيرة؟ أجابته بخوف: "بس أنا خايفة يحصل لنا زي ما حصل قبل كده، والأمان بقى ضايع عندي. والمرة الجاية لو حصل اللي حصل، هتبقى القاضية عليا." طمأنها بحفاوة: "لاااااا، مرة تانية إيه؟ خلاص مفيش غيرك أولى وأخيرة، وصدقيني عمري ما هشوف غيرك، وأصلًا في وجودك جنبي مش محتاج حاجة تفرحني وتسعدني أكتر من كده." بلسان يرجف خوفًا: "متأكد من وعودك؟ بكل تصميم أجابها:

"وعد الحر دين عليه، ومش هيتنقض غير بموتي." بغمزة مباغتة من عينيه، أشار لحماه أن يدخل هو والمأذون كي تستقر الأمور في نصابها الصحيح، وسكنت السندريلا قلب الأمير من جديد. بعد وقت ليس بقليل، انتهى المأذون من كتب كتابهم، واحتضنها إيهاب بقوة هامسًا بجانب أذنيها: "وأخيرًا يا قلبي رجعتي حرمنا المصون، ومكانك بعد كده هنا، ومافيش مفر من هنا."

كان يحادثها وهو يشدد من احتضانها. تهافتت المباركات عليهم من ربى ورحيم ووالديها. أما أبناؤها كانوا نائمين، وعندما استمعوا إلى أصوات الزغاريط، هرولوا مسرعين الأدراج لكي يعرفوا ما معناها. وقبل أن يهبطوا آخر درجتين، وقفوا متسمرين لما رأته عيونهم، حيث كان المأذون خارجًا من الفيلا، ووالدهما يحتضن والدتهما بتملك. فتحدثت سما لأخيها بعدم تصديق وعيناها مثبتة على أبويها: "إنت شايف اللي أنا شايفاه ولا أنا بيتهيألي؟

أشار لها برأسه مردفًا بتوهان: "آه شايفه، بس بتأكد برضه." استمع إليهم جدهم جميل، فساقته قدماه إليهم وهو يفتح لهم أحضانه على وسعها مرددًا بفرحة: "حبايب جدو ونور عيونه، مبروك عليكم الأمان، مبروك عليكم رجوع بابا وماما." احتضنوه بشدة، ودموع عيونهم هبطت تلقائيًا بغزارة، ولكن دموع الفرحة. أحسوا بهم والداهم فانطلقوا إليهم واختطفوهم إلى أحضانهم وهم يقبلون رؤوسهم. وأردف إيهاب قائلًا:

"حبايب بابي، من بكرة هنرجع فيلتنا كلنا مع بعض، وخلاص مش هنفترق عن بعض تاني أبدًا." تحدث مهاب بفرحة: "بجد يا بابا؟ يعني مش هتسافر وتسيبنا تاني؟ أجابه برفض قاطع: "لاااااا، سفر إيه؟ لو هناكلها عيش وملح مع بعضنا، عمري ما هسيبكم ولا هبعد يا حبايبيي أبدًا."

أما سما كانت فرحتها ناقصة، ولم تشعر بالأمان بعد. أحست أنها تغيرت وتبدلت، ولكن مثلت الفرحة وداخلها لامبالاة. بعد مدة قضوها مع بعضهم، استأذن إيهاب جميل أن يأخذ راندا ويذهبا، وغدًا سيأتون لكي يأخذوا أولادهم بعد ترتيب أمورهم وجمع أشياءهم، فأذن له. ***

أخذها إيهاب وانطلق بها إلى فندق كان حاجزًا فيه جناحًا، وكأنه كان متيقنًا رجوعها اليوم كي تسكن أحضانه. انتهوا من الإجراءات وصعدوا إلى الجناح، وفور دلوفهم المكان احتضنها إيهاب بين يديه باشتياق، وأخذ يلف بها المكان بسعادة عارمة، ثم رفعها أعلى وصارت قدماها معلقة في الهواء وهو يدور بها ويشدد على احتضانها بتملك. وأما هي فكانت تبادله نفس الاشتياق بنفس الطريقة. أنزلها أرضًا ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها، وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا

بندم: "حقك عليا يا حبيبتي، وأوعدك إن مفيش حاجة هتضايقنا بعد كده، وإني مش هسيبك ولا هسيب الأولاد لحظة بعد كده، وحياتنا الجاية بإذن الله مش هفارق حضنك أبدًا." وضعت كفي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتي ذاك العاشق لها، وتحدثت بحب صادق ظهر بيّنًا داخل عينيها:

"متتصورش أنا قضيت الفترة اللي فاتت دي إزاي. كانت أيامي عبارة عن جحيم وتشتت على الأرض. أنا عشت عمري كله وفتحت عيوني على حبك يا إيهاب، ونفسي صعبت عليا من اللي حصل منك وصدمتي صدمة عمري." وضع كفي يديه على شفتيها يمنعها أن تكمل حديثها عن ما مضى، وتحدث هامسًا بحب:

"مش عايزين نفتكر اللي فات خالص، ونعتبره صفحة نطويها من حياتنا. ومش يمكن ربنا عمل كده معانا علشان يحطنا في اختبار يشوف فيه مقدار حبنا، وإننا مهما حصل ومهما مررنا بأزمات مينفعش نبقى غير لبعض." تحسست وجنتيه بظهر يديها مرددة برقة: "وقدرت تضحك على راندا وتسحبها وراك في لمح البصر، كأنك ساحر قلوب." وضع كلتا يديه حول رقبتها مرددًا بغرام وهو ينظر داخل عينيها:

"مش سحر يا حبيبتي، ده إحساسي بالحب وصل لك وتأكدتي منه، علشان كده قلبك دلك إنك ترجعي لسكنك من جديد. وحشتيني أووووي أووووي، ومش كفاية كلام بقى ولا معارك الحب بتاع إيهاب، موحشتكيش؟ ابتسمت برقة وأردفت بعيون عاشقة: "أنا عشت حياتي كلها وأنا بتمنى لقاك، بس كنت غبية ومتعلمتش الدرس بسهولة."

حزن لأجلها ولام روحه على جرحها، ولم يجد أرقى اعتذارًا لها إلا أن يلتقط شفتيها في قبلة عاصفة بهم تداوي بها حرمان أجسادهم من ذاك العشق. وانطلق العاشقان في معركة الحب الذي لم يتذوقوا به قبل ذلك كتلك اللحظة. ***

توالت الأيام وعادت راندا وإيهاب لحياتهم الطبيعية، ولكن إيهاب كان يحتويها بشدة نظرًا لجراح روحها منه، فكان يتحمل نوبات عصبيتها وأي شيء تفعله. أما عن ريم، فتتدلل على مالك بشدة لترى أيصبر عليها أم سيمل، وتختبر قوة حبه لها، ولم تخبره إلى الآن بموافقتها المبدئية. نأتي هنا لثنائي العشق مريم ورحيم، فاليوم سيتم كتب كتابهم بعد أن أجلّوه كثيرًا بسبب نوبة مهاب الذي بدأ يتعافى من إدمانه. تحدث رحيم بعشق:

"حبيبة قلبي، خلصت الميكب بتاعها ولا لسه؟ إحنا جايين في الطريق." أجابته بعشق مماثل: "حبيبك خلصت ومستنياك يا قلبي، متتأخرش." أجابها بمشاغبة: "أنا أقدر أتأخر على قلبي، كلها ربع ساعة بالكتير بإذن الله وجاي لك يا قمر. أوعي تكوني مأفورة في الميكب ولا اللبس ضيق ولا الحوارات دي؟ أنا دماغي مقفلة خالص وهقلبها لك مناحة، انتي حرة." مطت شفتيها بدلال وأردفت بنبرة عتاب مفتعلة:

"الله بقى يا رحيم، النهارده كتب كتابي على فكرة، متأفورش بقى وتبوظ فرحتي. وبعدين احنا عاملينه في الشقة مش في قاعة علشان تبقى أفوش كده." استمعت إلى أنفاسه الغاضبة جراء عتابها الذي لم يؤثر فيه، وهتف باستنكار: "آه، ده انتي باين إنك روّقتي حالك على الآخر وقلتي بقى أما أحطه قدام الأمر الواقع." واسترسل بهدوء حينما استمع لتأففها وردد بحب:

"روما يا قلبي، أنا مش عايز حد يشوف جمالك غيري، ولا تلفتي انتباه حد غيري. أنا بغير عليكِ جدًا ومش بحب حد يبص لك نظرة كده ولا كده، بولع يا ستي من جوايا."

وظلا يتحدثان، كل منهم يغازل الآخر. وصلوا تحت البناية وصعدوا إلى شقتها، فكانت صديقاتها في استقبالهم والمكان مزين بالبالونات المنتفخة ذات الألوان المتعددة، وصنعوا لها مكانًا مخصصًا لهم من الورود، فحقا المكان كان مبهرًا. أما هو، فلم ينظر إلى شيء في المكان، كل ما يشغله عيناه التي تدور تبحث عنها في أرجاء المكان باشتياق. لاحظت صديقتها لهفته، فتحدثت وهي تشير تجاه غرفة الاستقبال الجانبية:

"هي جوه، هي والميكب أرتيست مستنياك، ادخل لها."

ساقته قدماه بدقات قلب لكي يرى ساحرته التي اختطفت عيونه من أول وهلة. للحظة يسرح بخياله أنه في حلم، وللحظة أخرى لم يصدق حدسه أنه أخيرًا وجد الحب في تلك الجميلة. دخل المكان وجدها تعطيه ظهرها، أحست بوجوده فقد نفذت رائحته المحببة إلى قلبها وعبرت أنفاسها ببراعة. أخذت نفسًا عميقًا كي تستنشق رائحته التي تأسرها وتعشقها منذ أن وقعت بين يديه من أول وهلة رأته فيها. ذهب كي يقف مقابلها وقام بلمس أكتافها من الخلف كعلامة على وجوده، ولكنها لفت جسدها وأعطته ظهرها. دار حولها كي يتنعم برؤياها، ولكنها صارت تلتفت حتى أرهقته بمشاغبتها. ولكنها أشْفقت عليه وأخيرًا طلت عليه بجمالها الأخاذ، وما إن رآها حتى انشق قلبه من شدة دقاته لتلك الجميلة،

فحدثتها عيونه: "كفى طلتك الأخاذة تلك، فقد انشق قلبي من دقاته، وعيوني انسحرت من جمالك يا أميرة أيامي، وعقلي لم يصدق أنك ستكوني أنثاه بعد قليل وتنيري زماني." أما هي، بدأت نظراتها بابتسامة ثم تحولت إلى غرام ثم إلى راحة اجتاحت جسدها بالكامل من وجوده، ثم شكرت إلى ربها على عطاياه الرائعة. لم يريد احتضانها ولا حتى لمس يديها، وفضل ذلك بعد أن تصبح زوجته لكي ينعم بحلال أحضانها. أومأ إليها بهمس: "قمررر يا قلبي أنا."

واسترسل وهو يفسح لها المجال كي تتحرك جانبه قائلًا برقة: "اتفضلي يا أميرة أيامي، المأذون وصل وكله مستني طلة السندريلا." علا في أنظارها نظراً لاحترامه لها، فقد عاملها كمعاملة الأميرات اللاتي تدللن من قصر أمير، ولم يعاملها كيتيمة تربية الملاجئ، فحقا عوض الله لم يضاهيه عوض. خرجا الاثنان في مشهد يخطف الأنظار، فحقا ذاك الفارس يليق بتلك المهرة. سلم عليها الجميع باحتضان حار، حتى فريدة احتضنتها بحب وأردفت لها بمباركة:

"مبروك يا حبيبتي، هتنوري عيلتنا يا قمر انتي." بادلتها أحضانها بنفس الحب وردت: "الله يبارك فيكي يا طنط، ومنحرمش منك أبدًا." "طنط مين دي يا بنت... " جملة اعتراضية مغلفة بالخفة قالتها فريدة وتابعت بابتسامة: "أنا من النهارده ماما فريدة، شكلك شكل ريم وراندا ورحيم." اقتحمت مريم أحضانها وعيناها تلمع دمعًا من شدة التأثر من تلك الكلمة، وأومأت بخفوت بجانب أذنيها وهي تشدد من احتضانها: "بجد يا ماما؟

تسمحي لي أقول لك الكلمة اللي اتحرمت منها عمري كله؟ اقشعر بدن تلك الفريدة من همسها ودق قلبها وجعًا، فشددت الأخري على احتضانها وهتفت بتأكيد: "بجد يا قلب ماما، وشرف ليا كمان." فلننتبه هنا لحظة ولننظر بعين الحرمان للمحروم، ولتقشعر أبداننا، فأبسط الأشياء حولنا هي نعم كثيرة لا يشعر بها سوى ذاك المحروم، ولكن علينا أن نشكر الله حتى على أنفاسنا التي خرجت منا بسلام. تأثر الجميع بذاك الموقف، فتحدثت راندا وهي تخرجها

من أحضان والدتها باستنكار: "جرى إيه يا ماما؟ جرى إيه يا رومي؟ هتبوظي الميكب ياحلوة انتي ياعروسة الغالي، مش عايزين نكد بقى، كفاية علينا كده." ثم أخذتها في أحضانها كي تبارك لها، وتبعتها ريم قائلة برقتها المعهودة: "مبروك يا حبيبة قلبي وربنا يتمم لك على خير يارب." واسترسلت وهي تديرها حول نفسها كالأميرات: "مش أنا اللي مصممة الفستان ده، بس ما كنتش أعرف إنه هيبقى قمر كده، وانك اللي هتحليه مش هو اللي هيحليكي يا جميلة."

ثم أتى دور جميل في المباركة، فوقف قبالتها مرددًا بابتسامة نصر وفخر: "مبروك علينا أجمل مريم، وبنتي التالتة اللي هتنور بيتنا يا حبيبي." بعيون لمعت بالدمع لذاك الحنون الذي آواها، تحدثت: "أنا اللي مبروك عليا أبوة وجودك في حياتي يا حبيبي. عارف يا بابا جميل لو عشت طول عمري أوفي جمايلك الغالية عليا، محتاجة ألف عمر يكفي وبرضه مش هقدر أردها يا أغلى هدية من ربنا." هنا تحدث ذاك العاشق بمشاغبة معتادة عليها: "إيه يا جماعة؟

هو أنا بقى مش هكتب الكتاب ولا إيه؟ هنقضيها مباركات كده؟ يالا بقى يا بابا." ضحك الجميع بشدة على مشاغبته، وجلسوا جميعًا يشاهدون المأذون وهو يبدأ مراسم كتب الكتاب، فكان حقًا منظرًا رائعًا لطالما يتعلق بميثاق كالزواج. كان جميل حقًا رجلًا وفيًا، فقد أجاب المأذون حينما سألها من وليكِ قائلًا بفخر أمام الجميع: "أنا وليها، هو أنا أطول أبقى ولي للجميلة دي."

شكرته بامتنان وتابع المأذون مراسمه إلى أن انتهى، وردد جميل ويداه في يد رحيم قائلًا: "خلي بالك منها دي أمانة بأمنك عليها، ولو في يوم جيت عليها أو زعلتها، أنا اللي هقف لك ساعتها." ابتسم رحيم وأجابه:

"أنا أقدر أزعل القمر ده، أنا ما صدقت يا حاج بقى على اسمي وبقت رسمي وبقت ملكي. طيب تصدق يا عم المأذون، انت لازم تستعجل القسيمة علشان تروح تغير بطاقتها فورًا وتكتب فيها زوجة الدكتور رحيم المالكي اللي اتذنب وحفي علشان ياخدها، وتقولي أزعلها؟ قال دي القلب ودقاته." نزع المأذون المنديل وهو يضحك بشدة على فكاهة رحيم، والجميع يضحكون على خفته، قائلًا: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."

تعالت أصوات الزغاريط والمباركات عليهم. أما هو، قام من مكانه واختطفها إلى أحضانه، ورفعها أرضًا وسار يدور بها في المكان بفرحة عارمة، وأخيرًا سكنت ضلوعه ونالها، ثم أنزلها أرضًا وهو يردد بحب: "وأخيرًا بقيتي حرم رحيم المالكي يا قلبي. أنا مبسوط أوووي ومش مصدق نفسي إن خلاص بقيتي على اسمي ورسمي، وإنك ساكنة حضني دلوقتي. مبروووك يا قلبي." كانت في أحضانه تشعر بالدفء، ولكنها خجلة بشدة، ولكن استجمعت قواها وأردفت بهمس:

"الله يبارك فيك يا رحيم." اندهش من قولها مرددًا باستنكار: "الله يبارك فيك يا مين؟ إيه رحيم دي! المفروض تقولي لي الله يبارك فيك يا قلبي يا عمري والحاجات الحلوة دي." ابتسمت بخجل وهي تلقي أنظارها أرضًا: "الله، ماتحرجنيش بقى يا رحيم، أنا بتكسف." نظر حوله ووجد الجميع تركهم وذهبوا إلى الشرفة، فرفع وجهها إليه كي تنظر داخل عينيه: "لاااا، ده أنا بقيت جوزك. كسوف إيه؟ أنا عايزك تدلعيني على الآخر، ده اللقاء المنتظر." اتسعت

مقلتاها وأردفت باندهاش: "أدلعك وبقيت جوزي! ده كتب كتاب على فكرة مش دخلة." اقترب أكثر منها وأمسكها من خصرها، وتحدث وهو يداعب أرنبة أنفها: "وإيه المانع إن حبيبي يدلع حبيبه شوية دلع صغننين؟ ولا أنا مستاهلش؟ كانت في قربه الشديد متوترة وخجلة بشدة، وحاولت الإفلات من بين يديه، ولكنه كان ممسكًا لها بشدة، مرددًا:

"متحاوليش تطلعي نفسك من حضني علشان أنا ما صدقت، وبعدين إحنا مش بنعمل حاجة حرام وعمري ما أذيكي يا قلبي، أنا أصلًا بخاف عليكي من الهوا الطاير، وكنت محرم على نفسي حتى لمسة إيديكي." واسترسل وهو يلمس يديها ويحتضنهما بين يديه، ثم قبلهما برقة أذابتها: "علشان لما اللحظة اللي إحنا فيها دي تيجي، أبقى حاسس بطعمها زي دلوقتي كده."

نظرت له بعيون تخفي عشقًا يستكين بداخلها، وقلب يخفق حبًا وغرامًا معًا، ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها، لكن خجلها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تبتعد عنه وعن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر. ولكن اقترب منها ونال عذرية قبلتها الأولى، ويا ويلاه من اقترابه، فقد كان يريد المزيد بسبب همساته ولمساته، ولكن ما إن وجدته يغيب ويصبح لاهثًا لقربها ويريد المزيد، أبعدته

عنها بخجل وهي تردد بهمس: "رحيم، رحيم ابعد كفاية كده من فضلك." كان يريد أن يصم أذنيه ولا يبتعد، كان يود المزيد والمزيد، ولكن هي صممت على الابتعاد. فأفاق من غرامه معها وهو يقبلها من جبهتها، ثم أسند جبهته إلى جبهتها مرددًا بهمس: "حبك حلو أوي يا مريم، أنا دبت وقلبي تعب من مجرد قرب، أمال لما كلك تبقي بين إيديا هيبقى طعم الحلال معاكي إزاي." واسترسل بخفة كي يخرجها من حالة التوتر التي انتابتها وشتت شملها جراء

حرب عشقه المبتدئ معها: "بقولك إيه، إحنا لازم نتجوز بسرعة، يا إما هنتمسك أنا وانتي بفعل فاضح في أي وقت وفي أي مكان." ابتسمت على طريقته وخفته وأردفت وهي ترفع حاجبها باندهاش: "والله عيب على دكتور الجامعة لما يبقى كده، يابني عيب على الهيبة لازم نحافظ عليها أكتر من كده." "بذمتك اللي يبقى متجوز مريم يبقى عنده هيبة؟ ده بوليس الآداب هيقبض عليه في مينت. عيب على جمالك انتي اللي هيودي دكتور الجامعة في كلبوش."

وصارا العاشقان يتحدثان حديث الغرام بفرحة زواجهم وقربهم. *** بعد يومان، دلف مالك بخطاه الواثقة إلى المجموعة وملامح وجهه عابسة بسبب تلك الماكرة التي تستخدم معه نظام القط والفأر. مضى أكثر من أسبوع ولم يراها وسيجن منها. وما إن دلف إلى المصعد الكهربائي وجدها تدلفه، لقد رآها من ظهرها. انطلق مسرعًا وقبل أن يغلق الباب اقتحم المصعد بسرعة ماهرة. وضعت يدها على صدرها وشهقت بفزع أثر دخوله المفاجئ، قائلاً لها بحاجب مرفوع:

"اسم الله عليكي من الخضة يا قطة." واسترسل ملامًا: "حمدًا لله على السلامة، أخيرًا افتكرتي إن عندي شغل وخلصتي عذابك في صاحب الشغل وحنيتي عليه وشرفتي؟ ابتلعت أنفاسها بصعوبة ورددت بتوتر وهي تنظر إلى المصعد وبينها نظرات مشتتة: "إيه ده؟ هو إنت إزاي تدخل الأسانسير وتقتحمه كده وأنا لوحدي؟ ضغط على أزرار المصعد بحركة مباغتة وأوقفه تمامًا وهو يجيبها بمكر:

"الله شوفتك وانتي تحت رحمتي أخيرًا، وهعمل فيكي زي ما بتعملي معايا بالظبط." تحدثت بعيون زائغة: "إيه ده؟ انت عملت إيه؟ لو سمحت كده مينفعش، انت عايز إيه بالظبط يا مالك؟ "عايزك، وانتي معذبانى ومطلعة عيني." قالها مالك بنظرة رغبة وأكمل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...