بعد مرور تلك السنوات التي عاشتها "مي" برعاية السيدة "فادية"، أنهت دراستها الجامعية للفنون الجميلة. ثم عملت بشركة المقاولات التي تمتلكها أيضاً السيدة "فادية"، فهي ثرية للغاية. خلال عملها بالشركة، تعرفت على "عادل" منذ حوالي عام ونصف. انبهرت به وبشخصيته المتفردة، لتوافق فور طلبه لها بالزواج وتتم خطبتهما بالفعل.
لكن مع مرور تلك الأيام الطويلة بينهما، تدرك أنها لم تعرفه حق المعرفة، بل إنها لم تعرفه إطلاقاً. لقد أفاقت على واقع مر من إنسان انتهازي مستغل خدعها من أجل الوصول لمال هذه السيدة الطيبة. رفضت "مي" تمامًا أن تصمت وتترك "عادل" يلتف بتلك الصورة على السيدة التي أغدقتها برعايتها وحنانها، قائلة لنفسها:
"أنا مقدرش أسيب ماما فادية لوحدها قصادهم. أنا لازم أرد لها الجميل اللي في رقبتي ده. ده كفاية إنها أخدتني من رميتى في الشارع وأكرمتني. مينفعش... مينفعش... بس أعمل إيه بس. أنا بجد مذهولة من عادل. أعمل إيه بس يا رب دبرني."
ظلت "مي" تتجول بالطرقات هائمة تفكر بتشتت، حتى بدأت نفسها تهدأ قليلاً. قررت في النهاية العودة لمنزل السيدة "فادية" لتخبرها بما حدث وتنبهها من مكر "عادل" وعمه "بدوي" وما يكنون لها من شر، حتى تأخذ حذرها منهم. على الفور، استقلت "مي" إحدى سيارات الأجرة وتوجهت مباشرة إلى الفيلا التي تسكن بها مع السيدة "فادية" دون تأخير.
بخطوات متعجلة، دلفت "مي" إلى الداخل صاعدة لغرفة السيدة "فادية" لمقابلتها. وقفت أمام باب غرفتها تطرق الباب بخفة، حتى أتاها صوتها الهادئ يسمح لها بالدخول. السيدة فادية: ادخلي. مي: ماما فادية، إزيك؟ انتبهت لها السيدة "فادية" لتجيبها بابتسامتها القلقة: السيدة فادية: مي، حبيبتي عاملة إيه؟ اتأخرتي ليه كده النهارده؟ قلقتيني عليكي! جلست "مي" بمقابل السيدة "فادية" بهذا المقعد الوثير، لتتجهم ملامحها قليلاً قائلة: مي: هقولك.
شعرت "مي" ببعض الحيرة وهي تتخير كلماتها التي تبدأ بها شرح ما حدث اليوم لها. لينتاب السيدة "فادية" القلق من جدية "مي" غير المعتادة عليها، فهي دوماً مرحة تحب الضحك والهزل وبعيدة كل البعد عن الجدية والصرامة. السيدة فادية: مالك يا مي؟ مال وشك مخطوف كده؟ انتي تعبانة ولا إيه؟ مي: لا يا ماما، أنا مش تعبانة ولا حاجة. بس كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم أوي. إنتي طبعاً بتثقي فيا، وإني عمري ما هكدب عليكي، صح؟
جديتها وطريقتها غير المعتادة بالحديث جعلت السيدة "فادية" تزداد قلقاً. السيدة فادية: فيه إيه يا مي؟ قلقتيني يا بنتي. اتكلمي على طول. مي: أنا هقولك كل حاجة. بدأت "مي" بسرد ما حدث بالتفصيل على السيدة "فادية" التي اندهشت تماماً مما تقوله "مي"، لصدمتها بكلاً من "عادل" و"بدوي" وتفكيرهم في استغلالها وخداعها بهذه الصورة البشعة، وهي لطالما عاملتهم بالحسنى وأحسنت إليهم في الكثير من العقبات التي كانت تواجههم.
كيف انخدعت بهم بعد كل هذا العمر وكل ما عاشت به ومرت به في حياتها. وبعد فترة من الصمت اتخذتها السيدة "فادية" للتمعن في الأمر، ثم أردفت بعد تفكر بهدوء وحكمة: السيدة فادية: مي، أنا مفيش قدامي دلوقتي إلا حل واحد، والحل ده في إيدك انتي. هحملك انتي مسؤوليته من النهارده. مي: مسؤولية إيه يا ماما؟ لمعت عينا السيدة "فادية" ببريق دمعة خفية وهي توضح حديثها أكثر:
السيدة فادية: مسؤولية ابني يا مي. أنا معنديش استعداد إن ابني يضيع مني مرتين. وأديكي شايفة أنا حتى مبقتش قادرة أتحرك. ولو هم عملوا فعلاً اللي بيفكروا فيه، مش هقدر أستحمل يوم واحد وأنا حاسة إن حتى حق ابني مقدرتش أحافظ عليه. والله أعلم ممكن يعملوا إيه تاني. تنهدت بحسرة، ثم أشارت باتجاه خزانتها الكبيرة وهي تخرج أحد المفاتيح من جيبها. السيدة فادية: قومي يا مي، خدي المفتاح ده وافتحي الدولاب. هتلاقي صندوق أسود، هاتيه.
أمسكت المفتاح بين أصابعها متجهة نحو الخزانة لتفتحها، لترى بعينيها الصندوق الذي كان "عادل" و"بدوي" يتحدثان عنه. ها هو بين يديها. حملته بين كفيها لتعود به للسيدة "فادية" تضعه أمامها، لتنتبه لمحتواه باهتمام وفضول شديدين، حين بدأت السيدة "فادية" بفتح الصندوق أمام مرآها. السيدة فادية: دي يا مي شهادة ميلاد أسامة ابني، ودي الصور الوحيدة ليه. وشايفة دي كانت اللعبة اللي بيحبها.
أخذت السيدة "فادية" تتحدث وتصف الأشياء الخاصة بابنها بمنتهى الحزن والحسرة والدموع تتجمع في عينيها. أمسكت ببعض الأوراق وهي تنظر نحوها بتحسر شديد مستكملة حديثها. السيدة فادية: دي بقى آخر تحاليل عملتها له. أصل أنا كنت متعودة أعمل له تحاليل كل ست شهور عشان أنا كنت بخاف عليه أوي. كنت بخاف يتعب أو يجري له أي حاجة. أشفقت "مي" على تلك السيدة الطيبة، فلم تكن تدرك أنها تخبئ كل تلك الآلام بداخلها.
مي: إنتي عمرك يا ماما ما اتكلمتي عنه ولا جبتي لي سيرة خالص إن عندك ابن؟ ولا أعرف إيه اللي حصل له؟ السيدة فادية: عارفة يا مي، ابني أسامة ده هو الحاجة الوحيدة اللي مخلياني عايشة لحد دلوقتي، إني بس عندي أمل إنه ممكن يرجع لي في يوم وأشوفه قبل ما أموت. مسحت دمعتها التي هربت منها وهي تتذكر ما حدث، حين بدأت سرد ذلك لـ "مي" مخرجة ما بداخلها من تحسر لفقدانها لولدها الوحيد.
السيدة فادية: أنا دلوقتي سني عدى الستين، بس قلبي عجز من زماااان أوي. من كتر حزني وحسرتي على ابني اللي ضاع من أكتر من خمسة وعشرين سنة. مكنتش بتكلم مع حد عنه لأني كل ما أجيب سيرته قلبي بيتقطع من جوايا. وللأسف معنديش أي حاجة بإيدي أعملها. فقررت أسكت. حاولت كتير أوي أدور عليه، بس من غير فايدة. مي: أنا مش فاهمة؟ هو ضاع منك إزاي يعني؟ تنهدت السيدة "فادية" بقوة قبل أن تهيم بخيالها للماضي قائلة:
السيدة فادية: هحكيلك يا مي. أنا اتجوزت كان عندي وقتها اتنين وعشرين سنة. قعدنا أنا وجوزي أكتر من ستة عشر سنة ربنا ما رزقناش بالخلفة وقلنا الحمد لله على كل حال وده نصيب ورزق. بس ربنا كان كريم أوي يا مي لما كان عندي ثمانية وثلاثين سنة ربنا رزقني بـ أسامة. بس محدش بياخد كل حاجة. قبل ولادة أسامة بشهر جوزي اتوفى. ولما نور أسامة الدنيا حسيت ده هو ده عوضي اللي ربنا بيعوضني بيه. عشان كده كنت بخاف عليه أوي من أي حاجة. بس أخو جوزي كان طمعان في الفلوس اللي سابهالنا أبو أسامة لما مات. لأن بعد ولادة أسامة، فالميراث الشرعي إن الفلوس والشركة تبقى لينا أنا وأسامة وأنا الوصية عليه. حاول عم أسامة إنه يتقدم لي عشان يتجوزني بس أنا رفضته، فخطف مني ابني أسامة.
انهارت السيدة "فادية" باكية حين وصلت لهذه النقطة المؤلمة. حاولت "مي" تهدئتها قليلاً، لكنها بحديثها فجرت بركان من الشاعر الحبيس داخل قلب هذه السيدة. مي: ومعرفتيش خطفه وداه فين؟
السيدة فادية: حاولت كتير، بس هو كان طمعة غلب على كل شيء. فضل يساومني إنه يا إما أكتب له كل حاجة أو نتجوز عشان يرجع لي أسامة. وأنا أسامة عندي أهم من أي حاجة في الدنيا، فوافقت. وكان فعلاً خلاص رايح يجيب لي ابني ويرجعه لحضني تاني. بس عمل حادثة في الطريق ومات. ومن ساعتها معرفش هو كان خاطف ابني وداه فين ولا مع مين. قصة كالأفلام والقصص الخيالية لم تكن لتصدقها مطلقاً، لتهدل وجهها بحزن متأثرة للغاية بحديث السيدة "فادية".
مي: ربنا كريم بإذن الله، مسيرة هيرجع ويعرفك وتعرفيه. السيدة فادية: المهم دلوقتي، ده كل حاجة لـ أسامة ابني وأنا لسه عندي أمل إني ألاقيه في يوم من الأيام. خدي يا مي الورق ده ومش عايزة أي مخلوق في الدنيا يعرف إن الورق ده معاكي.
نهضت "مي" لتحمل الأوراق والمستندات الخاصة بابنها، حين وجدت علبة مميزة للغاية من الفضة لتحملها بين أصابعها وقامت بفتحها لتنبهر برؤيتها لسلسال رائع من الفضة، فرفعت وجهها تسأل عنها السيدة "فادية" بفضول تام. مي: إيه السلسلة دي؟ السيدة فادية: السلسلة دي كنت عملتها مخصوص عشان أسامة. كانت واحدة صاحبتي بتعملهم وكان فيه الزرار السحري ده بيتفتح كده.
ضغطت السيدة "فادية" فوق زر خفي للغاية ليفتح السلسال فجأة، أدهشت لها "مي" كثيراً. تطلعت بداخلها لنقش جميل باسم "أسامة"، حين أوضحت السيدة "فادية": السيدة فادية: أسامة كان لابس واحدة زيها بالظبط، وبعد الحادثة طلبت من صاحبتي دي تعمل لي واحدة زيها بالظبط عشان أديها للشرطة. بس برضه معرفوش يوصلوا له.
أغلقت "مي" السلسال مرة أخرى لتضعه مع بقية الأغراض، واضعة إياهم بحقيبة ظهرها، وهي تعد السيدة "فادية" بالمحافظة عليهم. ثم خرجت إلى خارج الفيلا تبحث عن مكان آمن لتخبئ هذا الأشياء بعيداً عن "عادل" و"بدوي".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!