الفصل 8 | من 17 فصل

رواية بين يديك الفصل الثامن 8 - بقلم قوت القلوب

المشاهدات
20
كلمة
2,061
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

مر اليومان ثقيلان على السيدة فادية، وكان مراً مربكاً لعادل وبدوي. في شقة بدوي، وبإضطراب ملحوظ، مسح بدوي قطرات العرق من جبهته وقال بنبرة متخوفة: "أنا قلقان أوي يا عادل، الست بدأت تقلق وبلغت الشرطة. واحتمال كبير تشك فينا بعد اللي قالتهولها مي عننا. كل يوم مي بتغيب عنها بتقلق أكتر." لم يتأثر عادل بقلق عمه المعتاد، وأجابه بلا مبالاة شديدة:

"إحنا مفيش علينا حاجة، ولا هي في إيديها أي حاجة ضدنا. ده غير إن محدش يعرف عنوانك الجديد ده. وحتى لو شكوا فينا وراحوا عنوانك القديم، محدش حيعرف يوصل لحاجة. بطل قلق بقى وخليني أركز مع اللي جوه دي. مش فاهم هي ليه لحد دلوقتي مش راضية تنطق؟ قال بدوي: "والعمل إيه دلوقتي طيب؟ كاد صبر عادل أن ينفذ من تلك الإنسانة المستفزة، فقال:

"أهي بقالها يومين محبوسة جوه وأنا ماسك نفسي عنها بالعافية عشان أعرف أخليها تتكلم وتقول خبت الورق فين. عموماً، أنا داخل لها دلوقتي يمكن تكون عقلت كده وتتكلم وتخلصنا."

في ذات الوقت، كانت مي ملقاة بإعياء فوق أحد المقاعد. عادل تركها في تلك الغرفة ليومين كاملين دون طعام، فقط قارورة صغيرة من الماء. تحملت ذلك كثيراً، لكنها كانت تشعر ببعض الراحة أنه لم يمسها أحد بسوء. أغمضت عينيها منذ بعض الوقت تغفو قليلاً، حين دخل عادل ليجدها بتلك الهيئة. لكنه لم يشفق عليها قط، بل امتعض وجهه وهو يطالع سكونها المستفز، قبل أن يلكزها بقوة بذراعه المرفوع فوق رأسها.

"هيه، إنتِ قومي يلا. إنتِ جاية تقضيها نوم ولا إيه؟ رفعت مي رأسها متنفضة بفزع من صوته الصارخ، قبل أن تستجمع نفسها قليلاً لتدرك أنه عادل وقد عاد مرة أخرى. "هه، عاوز إيه؟ ابعد عني بقى." دفع عادل ذراعها عن رأسها بقوة، غير محتملاً لكل ما تتفوه به تلك المعتوهة، ليستكمل بتحذير شديد:

"قومي كده أنا بكلمك. فوقي أحسن لك. أنا لحد دلوقتي مش عايز أمد إيدي عليكي. وبقول إنتِ دلوقتي خلاص فهمتي إن محدش حينجدك مني هنا. ولو حصل لك حاجة مفيش مخلوق حيعرف أصلاً." لم تكن مي يوماً فتاة ضعيفة، ولم يكن أيضاً من طبعها الاستسلام أو الجبن، فرفعت رأسها الثقيل دون أن تشعره بوهنها البالغ، مردفة بتحدٍ: "ما هو مهما قلت وعملت، انسى أني أقولك الورق فين."

احتمل منها ما لا يطيقه حقاً حتى بلغت ذروته، وانفلتت أعصابه الثائرة بكلمات مي التي تعانده بها. فاليوم، بل والآن، عليه معرفة أين خبأت تلك الأوراق بأي شكل وبأي صورة. فلن يتحمل تلك السخيفة لأكثر من ذلك. قال عادل بعصبية: "بقولك إيه، أنا صبري خلص خلاص. حتنطقي ولااااا... شردت مي تحدث نفسها متفكرة بحل تستطيع به التخلص من عادل. (وبعدين في الوضع ده...

أنا لازم أطلع من هنا. بس إزاي وهم حابسيني هنا ومبقتش قادرة أستحمل. حاسة أني خلاص حيغمى عليا. ومهما صرخت وخبطت محدش حاسس بيا. أنا لازم أشوف لي حل... لازم أخرج من الباب ده... لازم... علقت بصرها وهي تطالع هذا الباب المغلق من خلف عادل بعينين مرهقتين للغاية، غير منتبهة لما يتفوه به عادل، كما لو كان يحدث نفسه، أو أنها غائبة عن الإدراك تماماً. صرخ عادل قاطعاً شرودها الصامت: "إنتِ إطرشتي ولا إيه؟ مبترديش عليا ليه؟

بإمتعاض تام، أجابته بنفور، فهي أصبحت لا تطيق حتى سماع صوته: "بقولك إيه، وفر على نفسك الكلام ده. أنا مش حقولك حاجة. ولا يمكن أخون ثقة ماما فادية فيا. فأحـ... لم تستطع أن تكمل جملتها، فقد تملك الغضب من عادل ليعميه تماماً، ولم يعد يتحكم بأعصابه المنفلتة إثر استفزاز مي الشديد له، حين تحرك بإنفعال تجاه علاقة خشبية للملابس ملقاه جانباً، ليحملها بين قبضته، ثم إنهال على مي بها بكل ما يحمله قلبه من غيظ وغضب.

تلك الحركة المفاجئة لم تكن تتوقعها مي منه إطلاقاً، لكن إحساسها بالألم جعلها تصرخ بقوة تطلب النجدة من أي شخص يستطيع سماعها. إعياؤها بسبب قلة الطعام واضطراب النوم بالأيام الماضية سبب لها دوار شديد، زادت حدته بصراخها المتألم، فهي لم تعد تحتمل هذا الألم، لتنهار قواها وتسقط فاقدة للوعي أسفل قدمي عادل، الذي تفاجأ بسكونها التام دون مقدمات.

دب الذعر بقلبه عند رؤيتها ساكنة تماماً عن الحراك، ليلقي بالعلاقة الخشبية من بين يديه، ثم خرج مسرعاً وقد تهدجت أنفاسه بقوة، مغلقاً باب الغرفة من خلفه بالمفتاح بإرتباك شديد. استوقفه بدوي بسؤاله فور خروجه من الغرفة: "ها... اتكلمت؟ هز عادل رأسه بالنفي، بينما شحب وجهه بقوة مجيباً بإرتباك: "لأ...

أهي مرمية جوه. كده مش حينفع يا عمي. بكرة الخميس. لو متكلمتش لحد بكرة، وجودها هنا حيبقى خطر علينا. الناس اللي مسافرة في العمارة قربت ترجع. ولو حسوا بحاجة حيبلغوا عننا ونروح في داهية." لم يكن بدوي أحسن حالاً من ابن أخيه، فقد تصبب عرقاً إثر كلمات عادل المقلقة. قال بدوي: "والعمل؟ أجاب عادل: "لو معرفناش منها الورق فين بكرة، يبقى هي اللي جنت على نفسها. نخلص منها ونرتاح." اتسعت عينا بدوي بفزع وهو يكرر عبارة عادل بذهول:

"نخلص منها؟ أجاب عادل: "أيوه. ما إحنا لو سبناها حتروح تبلغ عننا. يبقى لازم نخلص منها." قال بدوي: "أنا خايف. أنا مش جرئ زيك كده." لم يكن عادل سيعتمد بمثل هذه الأمور على عمه، فهو يعلم جيداً أنه جبان لدرجة كبيرة، ليردف بتملل منه: "أنا حتصرف. متقلقش. يلا بينا دلوقتي نروح الشركة عشان محدش يشك فينا في حاجة." اتجه إلى الشركة حتى لا يلفتا النظر، بينما تركا مي وحيدة مرة أخرى في بيت بدوي، وهي فاقدة للوعي تماماً.

بعد مرور بعض الوقت، بدأت مي تستعيد وعيها وهي تحاول فتح جفنيها المتثاقلين بصعوبة. تأوهت بألم وهي تحاول الاستناد بكفيها لترفع جسدها المتألم عن الأرض القاسية أسفلها. ألم قوي انتشر بسائر جسدها، خاصة وجهها. رفعت كفها تتحسس بأصابعها موضع الألم، لتشعر بتورم شديد حول فمها وعينيها، وجرح ظاهر بشفتيها يسيل منه خيط من الدماء. لن تستسلم أبداً لبطشه القوي، فهي فتاة قوية وتستطيع التحمل وإنقاذ نفسها. تحركت بصعوبة تجاه باب الغرفة تحاول فتحه، فربما تستطيع الهرب تلك المرة.

كانت تئن بصوت يذيب القلب من الألم والتوجع. حاولت فتح الباب، لكنه كالعادة مقفول. جلست على الأرض وسندت ظهرها للباب، وظلت تطرق على الباب بيدها، ولكن ضرباتها كانت ضعيفة جداً، فقد أنهاكها إعياؤها تماماً. ظنت أنها النهاية، ولم يعد بيدها شيء تفعله. لكن سماعها هذا الصوت جعلها تنتبه تماماً، حين سمعت صوت المفتاح يتحرك بمقبض الباب من خلفها، ثم فتح الباب تماماً، وهي مازالت تحدق بالباب لرؤية من منهم الذي عاد مرة أخرى.

تمعنت مي بالنظر لتجد رجلاً بسيطاً ذو هيئة رثة بعض الشيء، يرتدي جلباباً بنياً اللون وبه خطوط طويلة، يبدو عليه القدم. يرتدي فوق رأسه طاقية بيضاء، حاملاً بيديه بعض الحقائب البلاستيكية. يطالعها بصدمة وذهول قائلاً: "إيه ده؟ إنتِ مين؟ ومين اللي عمل فيكي كده؟ تخوفت مي من أن يكون هذا الرجل قد أتى بطلب من عادل، وربما يؤذيها أيضاً، لتتسائل بنبرة متخوفة واهنة للغاية: "إنت إللي مين؟ قال الرجل:

"أنا عبد الرحمن. باجي هنا كل أربعاء أنظف الشقة للأستاذ بدوي وأجيب له شوية حاجات. هو دايمًا بيسيب لي المفتاح عشان باجي وهو في الشغل. بس إنتِ مين يا بنتي ومين اللي عمل فيكي كده؟ شعرت بالإطمئنان لهذا الرجل، لتجيبه بضعف كانت قد أخفته بداخلها حتى لا يشعر به عادل، ليظهر جلياً عليها وقد كادت تسقط من شدة إعياؤها. "عادل... وبدوي... حيموتوني... ساعدني أخرج من هنا." قال عبد الرحمن: "بس... !!!

تلك هي فرصتها التي لن تتنازل عنها، لتستكمل بتوسل تستعطف قلبه اللين لمساعدتها. "أرجوك... بقولك حيموتوني." قال عبد الرحمن: "ليه بس؟ إنتِ عملتي لهم إيه؟ عشان يضربوكي بالشكل ده؟ لم تجد مي بُداً من أن تقص ما حدث لهذا الرجل، وهي تتحدث بوهن وضعف حقيقي حتى يصدقها ويخرجها من هذا المكان، فهي لم تعد تستطيع الحركة من شدة الإعياء والألم. قال عبد الرحمن: "لا حول ولا قوة إلا بالله...

لا يا بنتي أنا ميرضينيش الظلم. تعالي أخرجك من هنا ورزقي على الله. يلا تعالي قبل ما حد منهم يرجع تاني." بإمتنان شديد لمعروف هذا الرجل الطيب. "شكراً... أنا عمري ما حنسى اللي عملته معايا ده أبداًاا." أخذت مي حقيبتها الملقاة على الأرض خارج الغرفة، ووضعتها فوق ظهرها المنحني، ثم خرجت برفقة عبد الرحمن من الشقة، بعدما أغلق عبد الرحمن الباب، فهو لن يعود ليعمل مع هذا الرجل مرة أخرى.

ابتعدت مي عن البناية تماماً، لكنها لم تقو على استكمال سيرها، فجلست على الأرض تلتقط أنفاسها، فقد بدأت تشعر بالدوار مرة ثانية. طلبت من أحد المارة أن يبتاع إليها بعض الطعام لتتناوله أولاً، قبل أن تستكمل سيرها مرة أخرى، محاولة الاختباء عن الأنظار حتى لا يمسك بها عادل وعمه مرة أخرى.

مرت بأحد الأسواق الشعبية، وابتاعت فستاناً بسيطاً وغطاء للرأس، ثم أبدلت ملابسها بهم على الفور، محاولة تغيير هيئتها حتى لا يتعرف عليها عادل أو بدوي. أصابها الذهول عندما رأت وجهها بالمرآة، فهي لم تستطع أن تعرف نفسها من شدة تورم وجهها، فعينها تكاد أن تكون مفتوحة تحيط بها كدمات زرقاء قوية غيرت من ملامحها تماماً. أنهت لبسها بعد معاناة من ألم جسدها إثر ضرب عادل لها، لتتجه لبيت رضوى أولاً بعد ذلك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...