الخامسة والثلاثون والأخيرة مدة طويلة مرت على الجميع، أحداث كثيرة مرت على الجميع، لكن كل شيء اختلف تمامًا عن السابق، وكل عائلة من منهم استقبلت فردًا جديدًا زادها حبًا وسعادة وفرحًا وملأ حياتهم نورًا وتشابك. "ريان" كان يومًا طويلًا وشاقًا في العمل، الآن هو في سيارته متجه نحو منزله يدندن بأغنية قديمة: _سوق على مهلك سوق، بكرا الدنيا تروق.
قاطع دندنته صوت هاتفه الذي أضاء أمامه باسم "رأفت"، ضغط زر الاستقبال برحابة، فما عاد بينهم أي شيء يستحق البغض والابتعاد، فبعدما تزوج أصبح شخصًا آخر لا يعرف شيئًا سوى سعادته: _رأفت باشا، أخيرًا سمعنا صوتك. رد عليه رأفت وقد اتضح على صوته النعاس: _لولا إن تمار رنت عليا ما كنتش كلمتك. هتف "ريان" بسرعة: _والله ما عملت حاجة، لو كانت اشتكتلك أنا اليومين دول عندي شغل متلتل ومش عارف أنام و... _إنت هتصدعني وأنا مالي بكل دا؟
بقولك صحتني مش كلمتها، رنيت عليها لقيتها غير متاح. هكذا قاطعه "رأفت"، فرد عليه "ريان" بصوت مرتاح: _أيوا يا عم، أعمال حرة بقى وعيشة فُل، ولسه صاحي ومروق، وأنا راجع من الشغل ومتبهدل. سأله "رأفت" مازحًا: _إنت بتنق ولا إيه؟ انعطف لليسار وهو يجيبه ضاحكًا: _ولا بنق ولا حاجة، بس أنا بقول يعني أنا تعبان وما بنامش والحدق يفهم. لم يفهم "رأفت" فسأل: _يعني إيه؟ مش فاهمك، اخلص عايز أشوف ورايا إيه. هدر "ريان"
بنبرة بها شيء من التوسل: _تاخد تمار عندك يومين بتوأمها وتروق لي الشقة عشان أنا عايز أنام قد سبع سنين كدا، لأني من يوم ما جابت العيال دي وأنا مش عارف أنام وغلاوتك. صاح "رأفت" باعتراض واضح: _لاااااااا، انسى الكلام دا، إنتوا خلفتوا شيلوا همكم، أنا كدا في الروقان. توسله "ريان" من جديد قائلًا: _والنبي يا رأفت يومين بس وارجع لروقانك، مش دي بنتك حبيبتك اللي ما كنتش عايز تسيبهالي؟
أنا أهو بكامل قوايا العقلية بقولك خدها يومين بالعيال أريح أعصابي، إلا يوم كمان من غير نوم هتلاقيني ماشي في الشارع بقول أنا عايز انتر لوب. ضحكات "رأفت" الشامتة التي لم يخفيها وصلته عبر الخط، ضحك معها، لكن قطع ضحكاتهم "رأفت" وهو يهتف: _إنت أكبر عقاب ليك العيال، فاكر لما كنت بتطلعلي بالبشكير يا سافل؟ رد عليه "ريان" بشكل درامي: _يا على قلبك الأسود يا رأفت! قال "رأفت" منهيًا الحوار:
_اتكل بقى، ولما توصل خلي تمار تكلمني، لو مش حاجة مهمة مش عايز إزعاج، أنا رايح السينما. أسرع "ريان" قبل أن ينهي الأمر برجاء: _يا رأفت طيب، أنت عيل وأنا عيل، مش أنت جدو حبيبهم؟ أجابه "رأفت" معلنًا الفرار من الأمر: _أبدًا، خليهم في حضن أبوهم عشان يتعلم الأدب. زفر "ريان" وابتسامته على وجهه، بعدما أغلق، الأبوة ليست سهلة لكنها التوأم، أرهقهم بالفعل معًا. "في منزل عدي"
كان متأنقًا في حلته الرمادية وهو عائد من العمل إلى بيته الذي اختاره ليكون مخصصًا لهم وحدهم، حياتهم كانت جميلة، وبعد ولادة صغيرته "وصال" أصبحت الحياة أجمل، عندما تبخر كل ما يزعج مرام وأصبحت طبيعية تمامًا. دخل إلى المنزل ووضع حقيبة يده ومفاتحه ونادى بصوت عال: _حبيبتي يا نوارة بيتي، فينك؟ خرجت "مرام" من المطبخ وهي تستقبله بحفاوة: _أنا هنا يا حبيبي.
سرعان ما خجلت من اندماجها في العمل في المطبخ واستقباله بهذا الفستان القصير والمدخن، خاصة وهو يدخل عليها كبدر سقط من السماء بعد يوم عمل طويل، لامته قائلة: _ينفع كدا؟ مش تقولي ميعاد رجوعك عشان أجهز. خطا تجاهها وهو يقول بابتسامة وعينه تشملها: _أنا شايفك حلوة في كل حالاتك، وبعدين أنا رجعت بدري عشان نروح لمكة المستشفى، ميعاد ولادتها النهاردة، نسيتي ولا إيه؟ قال كلماته وهو يضمها إلى صدره، بادلته الحضن باشتياق فهي تشتاق
إليه باستمرار هذه الفترة: _مش ناسية يا حبيبي، ماما طلبت إني أروح بالليل عشان وصال وعشانك، وهي هتسبقني. ابتعدت عنه مسرعة عندما انتبهت إلى شيء وأردفت: _هبوظلك هدومك من ريحة الفراخ! لم يعجبه تصرفها وهتف لائمًا: _يعني تقطعي عليا المتعة دي عشان ريحة هدومي؟ ما تحرق الهدوم يا مرام، تعالي يا شيخة في حضني. ابتسمت له وغمزت له بطرف عينيها بشقاوة: _طيب إيه رأيك ناخد شاور؟ سألها بصوت هامس وهو يتلفت حوله: _وصال فين؟
أجاب بنفس طريقته ليمازحها: _نايمة. جذبها إليه واستمر بالهمس وهو يتحرك بها: _يلا بينا بقى قبل ما تصحى. تحركا معًا، انتهى عذابهم وأوقات وأيام سعيدة مرت عليهم، ذكراها الأليمة مع الحادث الذي تعرضت له في المظاهرة، لكن بفضل الله و"عدي" من بعده أصبحت طبيعية وتتعامل مع عدي بمنتهى الحرية، لا خوف ولا قلق بعدما تشبعت من حنانه وأمانه الذي ليس له حدود وحبه الخرافي. "بين شريف ومنار"
كانت تجلس بين الأوراق وهي تنكب على دراستها، لكن بيدها الأخرى طفلها الصغير تلاعبه وتضحك له بين الحين والآخر، بالنسبة لها هو أهم من أي شيء حتى أهم من كومة الأوراق التي تجلس بينها. "سيف" كان يمسك بيده كل أوراقها ويقذفها أرضًا ويصدر أصواتًا تبدو كالاعتراض أو هكذا فهمتها "منار" التي نظرت إليه وقالت: _إنت زهقت والله عندك حق، أنا كمان زهقت. رفعته بين يديها وهي تلاعبه بفرح وتقول:
_دلوقتي بابي يجي وأصدره في الملخصات ونفضى لبعضينا. رفعته في الهواء بيدها وهي تدغدغه بفرحة قائلة: _مين حبيبي أنا؟ مين روحي أنا؟ _أنا. قالها "شريف" وهو يدلف للغرفة، فانتبهت له ونهضت من الفراش الممتلئ بالأوراق وذهبت تجاهه لتضع قبلة على وجنته وهي تهتف: _طبعًا إنت روحي حبيبي وسوبرمان بتاعي أنا لوحدي. نظر إليها واصطنع العبوس وأمسك بطفله ليلاعبه وقال:
_على فكرة أنا ابتديت أغير، مافيش غير سي سيف اللي بيدلع هنا وأنا راحت عليا خلاص. ناولته ابنه وأمسكت وجنتيها بأطراف أصابعها وهي تحركه يمينًا ويسارًا قائلة بدلال: _أفضى بس وأنا هدلعك دلع. سحب رأسه من بين يدها منزعجًا ورد عليها: _وهتفضى إمتى بقى إن شاء الله؟ دا إحنا ليل نهار نايمين في حضن الورق. ابتسمت له ابتسامة واسعة، يبدو أن خلفها طلب، أشار برأسه كي تلقي ما برأسها وفعلت: _ما أنا مستنياك تلخصلي المنهج عشان أنجز.
أومأ وهو يصيح: _عشان كدا بتقوليلي يا اسبيدرمان؟ صحيحت كلماته: _لاء سوبرمان. أجاب بغير اهتمام: _سوبرمان، سبايدرمان، أي حاجة فيها مان أنا ماليش فيه. رمقته بغضب طفولي لعل يستجيب، فما كان منه إلا أن نادى المساعدة الخاصة بالمنزل والتي لبت النداء سريعًا وطرقت الباب فورًا، فتح الباب وهتف وهو يناولها "سيف": _إدي سيف لماما. لوح لها وهو يغلق الباب، فسارعت "منار" تقف من خلفه وهي تسأله بدهشة: _إنت هتبعت سيف لماما ليه؟
أنا بحبه يذاكر معايا. أغلق الباب والتفت لها وقال بخبث: _أنا اللي هذاكرلك يبقى لازم تقبلي بشروطي. تراجعت وهي تسأله بشك: _إيه شروطك؟ هتف مبتسمًا وهو يتقدم نحوها: _أجيب بنت تنصفني، لأحسن الولد اللي جبته مايل ليكي والموضوع دا مضايقني حبتين. قصد الإطالة في الحديث حتى ينتهي تراجعها عند نقطة معينة فلا تستطيع الاعتراض. بالفعل سقطت على الفراش وسط الأوراق التي تملئه، ضحكت على غيرته وقالت: _هتبقى بتحبني برضه.
مال إليها وهتف بعشق: _ما حدش يقدر يحبك قدي. تبعثرت الأوراق من ضحكاتهم وتساقطت أرضًا تباعًا، الدراسة شيء مهم لكن للحب دائمًا الأحقية، وهذا ليس حبًا عاديًا هذا حب خرافي. "في فيلا رأفت"
ما زال مستلقيًا بفراشه يحرك رأسه يمينًا ويسارًا في محاولة منه للإفاقة، عينه اللبنية يخالطها احمرار يوحي بالإرهاق جعله يميل برأسه من جديد للاستعداد للنوم، ما منعه صوتها العذب الذي ناداه من بعيد، جعله ينسى النوم تمامًا، اعتدل سريعًا عندما اقترب صوتها الذي في الممر البعيد، ثوان وفتحت الباب ورأته بهذا الشكل فجعدت جبهتها وهي تسأل: _إنت لسه نايم؟ اقتربت منه وثنت ركبتها على الفراش وهي تدفعه بيدها مسترسلة:
_قوم بقى يا كسلان، أنا نزلت الجيم وإنت لسه مكانك. أمسك يدها وجذبها إلى فمه وطبع قبلة عميقة في وسط كفيها وأجاب: _أقوم عشان خاطرك، مش عارف همدان ليه النهاردة. سألته مازحة: _كبرت ولا إيه؟ أردف وهو يلتفت لها مبتسمًا: _تعرفي أنا حتى لو مت بعد يومين، اللي عشتهم معاكي اليوم اللي كنتي فيه في حياتي بحياتي كلها يا إلهام. لمعت عيناها بفرح، كلماته ليست ككلمات، إنها تشعرها أنه يهبها حياة بكل حرف، رغم سعادتها هتفت بحزم:
_بعد الشر عليك، ما تقولش كدا. جلست بكامل جسدها إلى جواره وأردفت وعينها تنظر في عينه: _أنا ما حستش بالسعادة عمري غير لما قابلتك، إنت كنتي عوضي اللي بستناه من الدنيا، الضحكة الحلوة اللي ضحكتهالي الدنيا مرة واحدة وكانت المرة دي إنت. احتضن يدها أكثر وقلبه ينبض فرحًا، فهي تحكي عن سعادتها معه وهو يسعد أكثر أنه نجح في إسعادها، تحدث بنبرة مفعمة بالجنون والحماس:
_إنتي كل ما بتقوليلي كدا بحتار أسعدك إزاي، وعشان كدا حجزت تذكرتين سينما النهاردة، والأسبوع الجاي هنسافر الجونة. شهقت وهي تنتفض من مكانها بعدما تذكرت شيء هام، هتفت به على الفور: _دا النهاردة ميعاد ولادة مكة وإلياس متوتر جدًااا، كلمني أكتر من عشر مرات يسأل على حاجات هايفة بخصوص الموضوع دا، وأنا لازم أروح وأقف جانبه. اعتدل في جلسته وسأل بإحباط: _يعني ما ينفعش نروح آخر النهار؟ لازم يعني نروح كلنا نتذنب هناك؟ تحركت
صوب الحمام وهي تهتف بتعجل: _لاء خالص، وبعدين دي مكة حبيبتي، لازم أكون معاها في يوم زي دا، لو عايز ما تجيش براحتك. أجاب بحنق: _أروح لإلياس برجليا؟ هو أنا عبيط؟ دفع الغطاء عنه بعدما شعر بالضيق، فقد أصبح طفلًا صغيرًا متعلقًا بها لدرجة تجعله يكره الابتعاد عنها حتى دقائق بعد أن حصل بنهاية عمره على حب خرافي. "لدى ريان"
دخل إلى شقته وتحرك بخطوات عشوائية دون نداء خشية من استيقاظ أبنائه إن كانوا في غفوة، بحث عن تمار وأخيرًا دخل إلى غرفة أولاده، وجدها تتمدد بينهم بإنهاك تضمهم إلى صدرها بعدما فشلت أن تجعلهم يخلدوا إلى النوم، سقطت هي فريسة للنوم من فرط الإرهاق. مرر عينه عليها بحزن لا يعرف كيف يخفف عنها الحمل، بالليل يتولى "آيسل" وهي تتولى أمر "آدم" حتى تسقط من التعب ويتوالهم الاثنان معًا. يحزن كلما وجدها في هذه الحالة ويشعر أنها محتاجة
الرعاية أكثر منهم، في وقت قصير أصبح لديها توأم أنساها كيف تهتم حتى بنفسها كما كانت تفعل في الماضي. تحرك على أطراف أصابعه ليلتقط أبناءه قبل أن تستيقظ هي، مد يده ليضم صغيره الذي يفتح عينيه ويصدر أصواتًا منخفضة كمواء، ومن الجانب الآخر أخته كأنها ترد عليه النداء،
ضحك بوجهم يهمس في نفسه: _هديتوها يا ولا ال.. ولا بلاش، دا أنا أبوكم برضه. مال بطريقته، يضع قبلة عميقة على جبين "تمار" الغافية، على إثرها انتفضت واستيقظت من النوم. قال مسرعًا وهو حائر بأي يد يربت عليها كما يفعل مع أطفاله عندما يستيقظون: _والله ما أقصد، نامي يا حبيبتي ارتاحي. مسحت عينيها وهي تقول بنبرة ناعسة: _لاء لاء، أنا صحيت أهو، تعال أنت ارتاح عشان أنت سهران طول اليوم. نظر إلى طفليه على كلا الذراعين وقال:
_مش مهم يا حبيبتي، نامي أنتِ. أنا جيت هاخد بالي منهم. شعرت بألم في عنقها فحكت خلف عنقها بتعب لم يخفِ آثاره عن وجهها. كان متأثرًا بحالتها، فهتف لائمًا: _قلت لك أجيب مربية، أنتِ كدا هتهلكي في النص. أصريتِ إنك أنتِ اللي تراعيهم بنفسك يا حبيبتي، دول اتنين والموضوع ما طلعش بالسهولة اللي أنتِ متخيلها. ردت على حديثه وهي تحاول النهوض بعدما أصابها ألم بكافة عظامها:
_آه عرفت، واتصلت على بابي النهارده كتير عشان أقوله يبعت لي حد، وهو ما ردش. تقدمت إليه لتحمل منه ابنها، هكذا علم ما كانت تحتاجه من والدها. حرك رأسه مؤيدًا قرارها فأردفت بتأثر: _كمان أنا عايزة أعمل لك حفلة صغيرة بمناسبة عيد ميلادك اللي فات دا، وأنا وسط الزحمة اللي فيه اتلخمت. ابتسم لها ومال برأسه ليكمل قبلته المنقطعة على جبينها ليقول بعدها: _أنتِ عيد ميلادي وكل أعيادي. انفرج فاها بابتسامة رغم إرهاقها كانت ساحرة، هتفت:
_حبيبي أنت كمان عيدي وأفراحي، بس كان لازم أحتفل بيك، وبرضه من حقك شوية دلع. بادلها الابتسام واقترب منها ليقول بدهاء يجيده: _إذا كان كده أنا موافق، لأحسن القلب اشتكى من قلة الهشتكة أقسم بالله. ردت على حديثه بدلال: _بكرة نجيب المربية. قال في تعجل: _وليه مش النهارده؟ أجابت بتوضيح: _عشان بابا ما ردش. هتف بسرعة: _يلا بينا نكلمه حالًا. صوت بكاء الأطفال ارتفع معًا بشكل فجائي ليربك خطتهم ويربكهم معًا. حرك يده
ليهدهدها وهو يهتف بارتباك: _اديتيهم دواء المغص؟ كانت مثله تمامًا تحاول إسكاته: _أيوه. سأل من جديد وهو يتحرك بضع خطوات ذاهبًا وعائدًا: _طيب تعالي نغير لهم.
تحركت وهي تحمل "آدم" نحو الخزانة، وهو إلى جانبها. كلا منهم يخرج ما يحتاجونه، لكن بكاء الأطفال لم يهدأ. ناولته وناولها ما يخصها، وناولته ما يخصه. السرعة جعلت كل شيء غير منتظم، والترتيب أفسده عجلتهم. توقفت لوهلة عندما لامست يده يدها. شعرت بالدفء رغم سرعة الأداء. ظلت تنظر إليه بعمق لتحسد نفسها عليه، كم عانى معها وفعل أشياء ليست من شيم بعض الرجال، يساعدها ويتحمل معها المسؤولية ويشجعها. توقف عندما لاحظ
شرودها وسألها بقلق وتلهف: _مالك يا تمار؟ أنتِ تعبانة؟ سيبيهم وأنا أغير لهم طيب. نفضت رأسها وهي تخبره: _لاء، مبسوطة إنك بتساعدني. رفع حاجبيه وقال مستنكرًا: _أنتِ بتقولي إيه؟ أساعدك؟ دول ولادي زي ما هما ولادك، دول ثمرة حبنا. مراعتهم لذة لازم نشاركها سوا، مهما حصل مش هسيبك. وقفت قباله مكتوفة الأيدي تريد احتضانه ولا تملك، هتفت بسعادة بعدما هدء صوت أطفالهم من جديد:
_ما تعرفش كلامك دا قد إيه فرحني وقد إيه بيرفع معنوياتي، خصوصًا لما هرموناتي اتلخبطت وبقيت بتخانق معاك من غير سبب لحد إمبارح بالليل وأنت مستحمل عصبيتي ونرفزتي وما رضيتش تنام تسيبني. استطاع أن يحمل ابنته بيد واحدة، وبيده الأخرى مسح على رأسها بنعومة متأملًا إياها. حرك يده لتحتضن وجنتها بطرف إصبعه يمسح أسفل عينيها: _معقول أسيبك؟
أنا ما صدقت أخدتك، أنا كنت بتنطط زي المجنون لما عرفت إنك حامل. أسيبك إزاي بعد كل الحرب اللي عملتها عشانك؟ لم تستطع الإمساك بيده لكنها مالت بعنقها لتنعم بلمساته الحانية وهي تهتف باستمتاع: _الله يا ريان، كلامك دا عايز حضن. رفعت وجهها واسترسلت: _وحيث إنه مش نافع، فهات بوسة ع الهوا. ضمت فاها لتقذف إليه قبلة جعلته يبتسم ويعلق ساخرًا: _هي بقت كده؟ لأ لأ، أنا لازم أشوف موضوع المربية دا بسرعة.
تعالت ضحكاتها فجذبها بيده ليحتضنها حضن دافئ يمتلئ بالحنان مع أطفالهم، ازداد جمالًا وروعة. مشاركة، اهتمام، تقدير، دعم، أربع قوائم للبيت السعيد لا تنتج إلا من حب خرافي. في المستشفى قلق إلياس يصل إلى حد غير طبيعي من قبل تجهيزات العملية. لم يترك هاتفه الذي استخدم به محرك البحث يسأل عن مضاعفات العملية القيصرية. وتحت تأثير القلق، كل شيء مخيف يعود من جديد. ويغلق هاتفه ويمسك بيده "مكة" التي ترتدي قميصًا شفافًا من اللون
الأزرق الخاص بالعمليات: _ما كانش ضروري نخلف يا مكة، أنا ما كنتش عايز أكتر منك في الحياة. ابتسمت له بوهن ونفضت رأسها بيأس، فمؤخرًا وعندما وصلت إلى هنا شعر بالندم أنها جعلته يأتي معها، تحدثت لتطمئنه: _وابننا اللي بنحلم بيه... ما تقلقش يا إلياس، كل حاجة هتبقى تمام. نفخ بملل، فكلماتها لم تهدئه، مجرد تفكيره أنها ستجرح يجعل قلبه يتشنج. راحت تذكره بذكرى لعله يهدأ أو ينسى توتره: -فاكر لما غطيتني لما كنت لابسة نفس البتاع دا؟
حك خلف عنقه لأنه لم ينسَ، لم ينسَ أبدًا أي ذكرى معها ولا حكاياتها الخرافية. هي بصمة وضعت على قلبه وأصبح يستحيل إزالتها، لكنه أحبطها لم يبتسم. قطرت عيناه حزن وهو ينظر إليها، كل الحديث عن الماضي الآن يؤرقه. يخشى أن يفقدها وهذا ليس وقتًا مناسبًا لطرح ذكريات، تشبث بيدها بقوة وهتف بنبرة متأثرة: -مش ناسي أي حاجة، أنا حتى في أحلامي فاكرك، إنتي الحاجة الوحيدة اللي بخاف أخسرها. هموت من غيرك يا مكة.
رفعت أصابعها على فمه لتغلق فمه رغماً عنها قائلة: -ما تقولش كدا يا إلياس، أنا هقوم وأبقى كويسة وهنعيش مع ابننا ونعمل ذكريات أكتر ونكمل حياتنا مع بعض للأبد. قبل يدها عدة مرات ثم هتف: -إن شاء الله، إن شاء الله. أنا مش مستحمل فكرة أنهم هيفتحوا بطنك دي، إزاي يقدروا؟ أنا هاين عليا أقوم أدوّق المستشفى دي على اللي فيها. ابتسمت من جديد على عصبيته وردت عليه ساخرة:
-أهو فرجتك على الفيديوهات دي هي اللي بتعصبك، قولتلك تعالى ادخل معايا ما وافقتش. حرك رأسه مجيبًا: -أنا ما قدرتش أتفرج أصلًا، وبعدين أدخل معاكي فين؟ إنتي متخيلة إني هشوف الدكتورة بتفتح بطنك وأقف أتفرج؟ جز على أسنانه وهو يسحق الكلمات بين فكيه: -دا أنا كنت أقطعها بسناني هي والاصطف كلهم. سحبت إحدى يديها من بين يده ووضعت يدها على وجنته وقالت ضاحكة: -حبيبي، المهم إني النهاردة عرفت غلاوتي وسمعتني شوية كلام حلوين.
أمسك يدها الممتدة على وجنته وتحدث بحنان: -وإنتي قيمتك كلام يا هبلة؟ إنتي مدينتي وقبلتي واتجاهي. أغمضت عينها باستمتاع لما قال وردت عليه بسرعة: -الله يا رب أولد كل يوم. دخلت الممرضة عليهم لتنادي بلطف: -مدام مكة البسي الروب عشان نروح أوضة العمليات. تسارعت نبضاته فور سماعه جملتها، ستغيب عن عينه ويعرف ماذا سيفعل بها. ستُنحر وهو عاجز تمامًا عن حمايتها، تجمد في مكانه والممرضة تولت مساعدتها.
لم يفق إلا عندما رأى وجهها الأصفر يناشده بالمساعدة وكأنها هي الأخرى تخشى فراقه. اقترب منها ليساندها وخرجا معًا نحو الممر، كلما اقترب من الغرفة ازداد ضيقًا وقلقًا لم يتوقف حتى قال بجد لا يشوبه هزل: -تيجي نروح وبلاش؟ زفرت والتفتت للممرضة لتحدثها بصوت مسموع: -بالله عليكي خديه من جانبي عشان فعلًا ابتدى يوترني. تمسك بها وهتف على وجه السرعة: -خلاص يا مكة مش هتكلم، هقول بس هتوحشيني وربنا يحفظك ويرجعك لي بالسلامة.
كانت النهاية. وقف على أعتاب الغرفة ومنع من الدخول، سحبتها الممرضة لتكمل السير عبر ممر آخر للغرفة الرئيسية للعمليات، عينه كانت معلقة بها وكل ذكرى لها من يوم وجودها في حياته تتساقطت منها وتدور حوله. -خدوها من قدامي. هذه قالها عندما وقفت أمامه وهو أسفل البناية أول مرة. -دي لو فضلت حية هقتلها أنا. وهذه عندما رآها بيد الإرهابي. -هحبسك أقسم بالله لأحبسك. وتلك عندما كانت بالمشفى. -بقيتي مراتي يا هبلة. ليلة زفافهم.
-أرضي إنتي أرضي وموطني، حاسس إن ربنا إداني مكة لوحدي أنا. وغيرها وغيرها، عقله بات مشوشًا وقلبه يركض من ورائها كطفل صغير. وقبل أن تدلف في نهاية الممر ألقت نظرة سريعة وياليتها ما ألقت، وجهه القاتم الخالي من الدماء وعيناه المتسعة والممتلئة بالدموع جعلت قلبها ينخلع على حالته.
وبرغم ما هي مقبلة عليه زادها قلق رؤيته بهذه الحالة، حثتها الممرضة على التحرك وانصاعت رغماً عنها، تعرف إن ذهبت لتعانقه آخر مرة فلن يفلتها، تركت على أعتاب الباب قلبها وحبيبها وفارس أحلامها. لم تمر دقائق حتى عادت الممرضة بالروب الذي كانت ترتديه وأعطته إليه، كان كالمجنون وهو يلتقطه منها، احتضنه بقوة وتمسك به ولم ينسَ أن يسألها: -هي عاملة إيه؟ كويسة؟ قيسوا لها الضغط وضربات القلب كويسة؟ خلي بالك عليها.
أخرج من جيبه وريقات عديدة وأمسك يدها ليضعهم بيدها مؤكدًا: -خلي بالك عليها. نفضت الممرضة يدها من يده وردت إليه النقود وهي تهتف بانزعاج: -إيه اللي بتعمله دا يا أستاذ؟ إحنا ما بناخدش فلوس، دا واجبنا. تركته وهمت بالانصراف فوقف وجهها ليهددها بكل عداء: -طيب عارفة الأستاذ دا هيعمل فيكي إيه لو حصلها حاجة؟ ومش إنتي بس المستشفى باللي فيها.
لم ترد عليه الممرضة التي تعجبت من جنونه، اعتادت مرور بعض الحمقى في المستشفى لكن هذا المجنون لم يمر مثله، كان الفريد والأول. تركها تمر عندما رأى الطبيبة آتية وهرول تجاهها ليتوسلها قائلًا: -أرجوكي لو في أي حاجة إعملي اللي تقدري عليه، مش مهم أي حاجة المهم هي. لو المفروض تضحوا بحد بلاش تكون مكة. ارتعبت الطبيبة من طريقته وراحت تهدئه بلطف: -على مهلك، إيه كل دا؟
دي عملية قيصرية بسيطة والحمد لله حالتها كويسة جدًا، نسبة الدم ممتازة والبيبي في وضعية سليمة ووزنه كويس وما فيش ضغط ولا سكر، ما فيش داعي للتوتر. وقت قصير وابنك هيبقى معاك ما تقلقش. نظم أنفاسه محاولًا الهدوء ولكن كيف يهدأ وهي ليست أمامه ويدري ما سيفعل بها؟ لم يفهم أي مما قالت، كل همه كان الاطمئنان فقال: -أنا محتاجها هي. نفضت الطبيبة رأسها، لقد تابعت معه لأشهر وتعرف مدى قلقه عليها الذي لا داعي له من الأساس.
-طيب اسمحي لي بقى عشان أخرجهالك بالسلامة إن شاء الله. تركها تغادر وبدأ يلتف حول نفسه من جديد، بيده ملابسها يأبى تركها ويضغط على رأسه كي يخفف من حدة الذكريات والأمور السيئة التي تهاجمه دون رحمة، أخذ يتلو ما يحفظ من القرآن ويدعو لها، لسانه لم يسكت عن الدعاء والتسبيح، رغم كل هذا لم يقف توتره. جاء إليه "إبراهيم" ومعه "خديجة" وهما يلهثان، اعتذر "إبراهيم" قائلًا: -معلش اتأخرنا في المواصلات. وسألت "خديجة" بقلق:
-إيه يا ابني دخلت العمليات؟ أجابهم بعدما أتم ما يقوله سرًا: -أيوا أنا واقف على باب الأوضة مستنيهم، ما حدش دخل ولا خرج. مسح "إبراهيم" على كتفه بعدما عاين حالته الغريبة: -ما تقلقش زمانها خارجة، تعالى ارتاح. حرك رأسه وهو يرد عليه مؤكدًا أنه لن يتزحزح: -لاء أنا هستناها. -لا إله إلا الله. قالها إبراهيم مستسلمًا. ضغط "إلياس" على رأسه من جديد لكن سرعان ما رفعه عندما رأى إحدى الممرضات تخرج من الباب، أسرع باللحاق بها ليسألها:
-عاملة إيه؟ وغبتوا ليه؟ في حاجة؟ طمنيني. رمقته الممرضة بضيق وهتفت بحدة: -يا أستاذ ما فيش حاجة، أنا خارجة أجيب لبس البيبي، أرجوك ما تعطلنيش. تركها تمر وعاد يغدو الطرقة ذهابًا وإيابًا و"إبراهيم" و"خديجة" يتابعان بتعجب. جاءت إليه والدته وفور وصولها سألت بتلهف: -خرجت بالسلامة؟ أجابها بيأس: -لاء لسه، داخلة من خمس دقايق كدا، اتأخرت. نفضت رأسها وهي تخبره وتحاول طمأنته: -لاء عادي، شوية وتخرج ما تقلقش إنت.
لم ينصاع لكلماتها وسألها: -كنتي حاسة بحاجة في العملية؟ أقصد يعني هي هتحس؟ أرخت أكتافها وهي تنظر إليه بملل، لقد سألها أسئلة كثيرة عن هذا الأمر ولم يكف أو لم يقتنع حتى الآن، كانت مضطرة لإجابته: -لاء يا حبيبي بيدوها بنج مش هتحس. أدارت وجهها وهي تنفخ بضيق من فرط قلقه الذي بات يقلق الجميع ثم تمتمت بوضوح: -الحمد لله إنها ما ولدتش طبيعي كان أغمي عليك.
تحرك من أمامها نحو باب غرفة العمليات غير مهتم بما تقول، ذهبت من ورائه وقد خرج صوت صراخ طفل متواصل جعل "إلهام" تفتح فمها بفرحة وهي تقول: -أها ولدت. حركته عندما لاحظت جموده وكأنه صنم: -دا صوت ابنك. كان غير مهتم رغم أن صوته جعله يهتز من الداخل وخلق بداخله أحاسيس مختلطة، مشاعر متخبطة بين الضحك الهستيري والعويل الحزين، مشاعر لن تهدأ إلا برؤيتها من جديد، وها هي قد اقتربت رغم أنه وقت قصير لكنه مر عليه أطول من عام.
خرجت على السرير المتنقل وعندها فقد تحرك ليقابلها في منتصف الطريق، أقدامه تطير لا تخطو وقلبه يقفز لا ينبض، لقد عادت محبوبته عادت إليه زوجته ومكة خاصته. أمسك بيدها وهو يسألها لاهثًا من فرط القلق: -إنتي كويسة؟ أجابته بصوت واضح: -أه ما تقلقش أنا بخير. أخيرًا زفر أنفاسه وحمد الله كثيرًا متمتمًا: -الحمد لله والشكر لله. في غرفتها. أبى التحرك من أمام فراشها، هنأها الجميع وأمسكت "إلهام" بالصغير بين يديها وهي تقول بانبهار:
-الله أمور أوي. شاركت "خديجة" "إلهام" الانبهار وهتفت هي الأخرى: -ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله. سألتها "مكة" بتحفز: -شبه إلياس مش كدا؟ أجابتها وهي تنظر لابنها باستياء: -لاء طبعًا دا أحلى. شعرت "مكة" بالخيبة والتفتت له وقالت: -يا خسارة التسع أشهر اللي كنت بتأملك فيهم. شاكست "مكة" "إلياس" وهي تلوح له بإصرار: -اعمل حسابك لو دا مش شبهك هجيب غيره. رمقها محذرًا من الخوض في هذا الأمر مجددًا وقال:
-إوعي يا مكة، إوعي الموضوع دا انتهى، احمدي ربنا على دا. تعرف كم عانى ووصلتها شكوى الممرضة منه في غرفة العمليات لأنها لم تأخذ بنج كلي، واكتفت الطبيبة معها بالبنج النصفي حتى لا يفزع إلياس فور خروجها من الغرفة. لكن هذا لم يمنعها من التحايل: -طيب بنت شبهي. ضم يدها إلى قلبه وحدق بعينيها التي سجنته عوضًا من سجنها هي، هتف بنبرة مغرمة لا تعرف المزاح: -هو دا ينفع برضه؟ دا إنتي بصمة عشق مستحيل تتكرري.
بادلته النظرات وعينها التي يعشقها نابت عنها بالحديث، كان حلمًا أهوج وجدته حقيقة، حقيقة أحلى من كل الخيال وأروع من أي خرافة. ما بينهم حكاية حب جديدة ولا قصيدة ولا رواية، ما بينهم سر حياة، بينهم شيء خرافي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!