الفصل 20 | من 34 فصل

رواية بيت القاسم الفصل العشرون 20 - بقلم ريهام محمود

المشاهدات
20
كلمة
3,962
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

فردت كفها أمامه بقلة حيلة. -نفسي أقولك اتفضل، بس زي ما انت شايف المكان ميليقش بيك. كاد أن يجيب ولكن جارها الذي أتى وجاوره بوقفته يتحدث دون أن يكترث لوجوده بصوت مرتفع. -لسه الراجل ده بيضايقك؟ والاستفهام واتساع العينان والذهول كانا من نصيبه. -راجل مين؟ أطبقت عينيها بشدة، تضغط على شفتيها. كانت لا تريد معرفة أكرم أو حتى تدخله.

التفت الجار له برأسه، يدقق النظر به، ولم تسعفه ذاكرته بمعرفته فالتفت لنورهان بنظرات متسائلة عنه. أجابت بهدوء مفتعل. -ده أكرم ياعم حسين. أكرم هكذا، مجرد من كلمة "زوج" حتى! زاد الله من خيرها وأفاض. دون أن تحمل عناء تعريف جارها لزوجها، فمد الرجل يده بحرج يعدل من نظارته ذات الإطار السميك أعلى أنفه. -آسف يابني. العتب ع النظر، ما أخدتش بالي منك.

إيماءة بسيطة حياه بها تنم عن قلة ذوقه، فازداد الرجل إحراجاً ولكن أكرم لم يهتم، استدار للآخرى مستفهماً. -راجل مين اللي بيضايقك؟ سألها بنبرة غاضبة فازدردت لعابها بتوتر، تمتمت بخفوت وهي تشير بوجهها لدكان قريب منها بالجهة المقابلة. -صاحب المحل ده. نظر للمحل كانت وجهته من زجاج يحتل مكاناً كبيراً من الشارع، وللأسف كان مغلقاً. هتف بانفعال قوي. -بيضايقك إزاي يعني؟

طأطأت رأسها أرضاً، والتوتر احتل جسدها كله فارتجفت وارتجفت الصغيرة بين ذراعيها. غامت عيناه بقتامة، واكفهرت ملامح وجهه. سأل. -وما قولتيليش ليه؟ ووجود الجار أصبح محرجاً فانسحب والعرق يتصبب منه. -طب عن إذنكم أنا. وابتعد عنهما، تجاهله ونظر باتجاهها هادراً، يضرب بكفه الفاصل الخشبي بينهما. -ما قولتيلييييش ليه! انتفضت من زعقته. -مش عايزة أكبر الموضوع. انتفخت أوداجه غضباً، ونيران سوداء اشتعلت بحدقتيه، يهدر بها.

-جارك يبقى عارف ومهتم وجاي يسأل.. وأنا جوزك واقف زي الأطرش في الزفة! ثم ارتفع صوته يصيح بها. -هاتي ملك. همست بخفوت متوترة، ترجوه. -ياأكرم سيبها. قاطعها بانفعال، يلهث بعنف، كان قاب قوسين أو أدنى من تكسير الفاصل الخشبي بينهما كي يصل إليها ويكسر عظامها من فرط غيظه. -هاتي البنت. ناولته الصغيرة بتردد، جذبها منها بعنف قوي فبكت الصغيرة وارتعبت هي.

رمقها بنظرات حارقة وولاها ظهره، يرمق الجهة الأخرى بغضب مستعر قبل أن يغادر الشارع بسيارته. *** في غرفة كمال.

كان يجلس على طرف فراشه رافعاً ساقيه، يرتدي بنطال بيتي مريح يعلوه قميص رمادي قطني، يراقب تحركاتها بعين متفحصة مهتمة، تجلس أمامه على الكرسي الصغير أمام المرآة تمسح كفيها وذراعيها بكريم مرطب. تتجاهله، ترفض النظر إليه، وإن صادف وتقابلت نظراتهما تشيحها سريعاً عنه، منذ الأمس لم تتحدث معه بكلمة واحدة بعد أن ضايقها بكلامه على حسب روايتها هي. تتجاهله أو كما يُقال في عُرف النساء "مقموصة".

حامت عيناه عليها كلها، جسدها ملتف بقميص نبيتي خفيف بالكاد يتجاوز ركبتيها، خصلاتها ذات الأطراف العسلية استطالت وكأنها تستفزه ليتلمسها وهنا تنهد بداخله واستغفر ودعا بالتماسك. ماله ينظر إليها ويراقب ماتفعله وكأنه مراهق أو شاب ببداية العشرينات! قرر قطع الصمت الثقيل بينهما يتمتم بنبرة حانية وهو يرمق انعكاسها في المرآة. -تعالي.

تطلعت إليه خلال المرآة بعبوس لطيف وحاجبين منعقدين، زفرت وهي تلقي بالمرطب أمامها بنزق فارتطم بالمرآة، وتحركت من مكانها على مضض، جلست على الطرف الآخر من الفراش مما أثار ضحكته ليقول. -تعالي اقعدي أودامي. متخافيش مش هاكلك.

يتكلم بمرح ويده تشير أمامه يمسح بكفه على الفراش قبل أن تأتي. كانت نبرته هادئة مما جعل حدة ملامحها تهدأ قليلاً. بالأساس حين يحدثها بتلك النبرة وينظر لها بنظرته تلك تحدث بداخلها أشياء غريبة، كدقة قلب زائدة، وقشعريرة لذيذة تسير على طول عمودها الفقري واحمرار بشرة وجهها. استدارت بلا مبالاة زائفة تجلس أمامه، ومازالت تتحاشي النظرات بينهما. سأل بصوت أجش. -ممكن أعرف انتِ زعلانة ليه مني؟

رفعت حاجبيها ترمقه باستنكار يدعي البلاهة أمامها وكأنه لا يعرف السبب، فضحك بخفة من نظرتها له فاكمل بملامح رائقة. -مش هضحك عليكي وأقول إني متشدد، ممكن أقولك إني بغير. ثم تابع وقد أسرها بنظرته. -وده شيء ميقللش مني إني أعترفلك إني بغير عليكي. احتقنت وجنتاها وخجلت، ورغم خجلها إلا أنها بدون تفكير ألقت سؤالها الذي استغربه لسانها قبل عقلها الغائب. -وكنت بتغير كده على خديجة الله يرحمها؟ قطب حاجبيه، وتمتم بضيق.

-بلاش نتكلم في حاجات قديمة، بس اللي متأكد منه إن مشاعري ناحيتك مختلفة. أنا.. أنا حاسس إني بحب! وضحك باتساع فاه، وجو الغرفة بات أكثر حرارة، يهز رأسه باستنكار متعجباً. -أنا راجل معدي الأربعين ولسه عارف يعني إيه حب!

وانتقلت ضحكاته إليها، تضحك بخجل، تزيغ بنظراتها بعيداً عن عينيه. والجلسة بينهما صارت مريحة أكثر وأكثر. اقترب منها فلامست ركبته ركبتها، لم تبتعد ولا هو، ولكنه شعر برعشة سارت بينهما. لمعت عيناه وقد شجعه هدوؤها وخجلها وتورد خديها لأن يسأل. -أحنا هنفضل كدة لحد إمتى؟ لم تجيب، تفرك بكفيها بخجل وتوتر، رأسها محني لأسفل وخصلاتها معه. همس بنبرة أبحة. -طب انتي حاسة بنفور مني؟ فوراً رفعت رأسها باندفاع صادق تنفي ادعاءه. -لأ.

تنهد بهدوء، كان يعلم الإجابة مسبقاً، فهي تتعامل معه بأريحية. زفر هواء صدره كله قبل أن يسأل بضيق ظاهر بنبرته. -قلبك مشغول بحد؟ سكتت. وكان سكوتها ثقيلاً يزيد من ضيقه، وخوفه. غمغمت بخفوت بعد وقت ليس بطويل. -لأ. ابتسم براحة ظهرت على ملامحه، تابع بنبرة حانية. -أومال منعاني عنك ليه؟ حنان نبرته جعلها ترفع رأسها إليه، تبتسم بدلال عفوي لنظرة الحنان التي تفيض من عينيه ويختصها بها. همست بتلعثم خافت، ناعم. -مش منعـاك!

وبجوابها أعطته زر القبول، لمعت عيناه وابتسم وهو يقترب من جلستها، يزيح خصلاتها عن وجهها بأنامل مرتجفة من فرط اللهفة، زفر نفساً حارقاً قبل أن يميل برأسه مقبلاً شفتيها فشهقت من مفاجأته، ولكنه كتم شهقتها ورفضها الواهن بإطالة قبلته، قبلة بدأتها كانت ناعمة رقيقة كرفرفة الفراشات ومع الوقت صارت أكثر تطلباً وعنفاً. يداه تتحركان على كتفيها يجذبها إليه، ليبدأ جسدها بالتراخي شيئاً فشيئاً بين يديه. لا يترك لها فرصة للتنفس كي لا تتهرب كعادتها، حتى استسلمت، مغمضة العينين لا تنوي الإفاقة. ولا هو!

*** "بـ شارع نورهان". كانت تقف أمام المكتبة على إحدى درجات السلم يجاورها العم حسين جارها. ينظران أمامهما للمحل الذي عُلق على بابه للتو بأنه معروض للبيع، بالأمس كان مغلقاً وأول أمس أيضاً. الأمر غريب، حتى الأحمق سيشك بالموضوع. قال الجار بنبرة طيبة مؤمنة. -مش قولتلك يانور يابنتي سيبيها ع ربنا. أهي اتحلت من عنده أهو.

كانت تنظر للمحل نظرات غريبة. على عكس جارها، نظرات ملؤها الشك. شك تحول ليقين وهي ترى سيارة أكرم تركن جانباً ويترجل منها بثبات وجسد مشدود، يقترب نحوهما بعد أن ألقى نظرة ذات مغزى على المحل الواقفان أمامه ثم أعادها لوجه نورهان وثبتها بنظراتها المتسائلة. ابتسم الجار له فرد ابتسامته بأخرى مجاملة، ثم اقترب منها يحدثها دون الآخر آمراً بصرامة. -اقفلي المكتبة دي. وتعالى نتكلم فوق.

ترددت بوقفتها تنظر له باستغراب، فحمحم الجار بحرج يدفعها نحو زوجها. -اطلعي انتي يانور يابنتي. وأنا هخلي بالي من المكتبة. أومأت للجار، وسارت باتجاه منزلها بخطى سريعة مرتبكة وكان خلفها مباشرة يتبعها كظلها. قلبها يدق كطبول من قربه هكذا فأسرعت الخطى حتى كادت أن تتعثر فيمسك بخصرها يساعدها بخشونة. فتحت باب منزلها، تحمد الله بسرها أنها وأخيراً وصلت إليه. وقفت بجانب الباب تمد ذراعها له تدعوه للدخول. -اتفضل.

دخل بتأنٍ، ببطء، بروية متعمداً إثارة أعصابها يرمقها من علو. ثم تجاوزها ودخل لمنتصف صالة منزلهم. يقف ويأبى الجلوس.

خلعت عن رأسها حجابها بعد أن زفرت براحة وقفت وراءه كان يوليها ظهره يوزع نظراته على جدران المنزل وأثاثه، وشعر هو بوقوفها وراءه فاستدار. ازدرد ريقه ببطء شديد وهو يراها أمامه هكذا، فستان أسود واسع يحتوي جسدها الصغير الناعم، جميلة وفاتنة بعينيها الزيتونة الذائبة ببحر من العسل، وخصلاتها البنية والتي جمعتها بربطة خلف رأسها. تمنى لو مال واستنشق من عطر رحيقها. تذكر أنه كان يحب التلاعب به.

سحب هواء المنزل كله أصدره ثم زفره مرة واحدة. تحدث بحدة. -أنا مش حابب شغلك في المكتبة واللي رايح واللي جاي يشوفك ويبقى له كلام معاكي. هكذا دون مقدمات. يصلها من وقفته شحنات غضبه وضيقه. رفرفت بأهدابها وسألته. -أومال هصرف أنا ومجد منين؟ هدر بها بنفاذ صبر. -قولتلك انتِ واخوكي مسؤولين مني، وده مش شيء جديد يعني! ردت تعانده. -وأنا قولتلك شكراً وكتر خيرك لحد هنا.

وانخفضت رأسها، تحبس دموعها في حضوره. تنهد بعمق محاولاً بعد الغضب والتوتر عن محيطه، اقترب منها، يشرف عليها بطوله، يقول بصوت أجش. -لو سبتها هترجعيلي. رفعت رأسها بغتةً كطلقة رصاص، اتسعت عيناها غير مصدقة ماسمعته للتو. ملامحها قبل لسانها تهمس بسؤال خافت وملامح ذاهلة. -انت قولت إيه؟

أن كانت اندهشت مما قاله قيراط، فاندهش هو أربع وعشرين قيراط، لسانه وعقله يأبيان التصديق بما تفوه به، وكانت الغلبة لقلبه. زفر نفساً حارقاً أتبعه بآخر. ورؤيتها هكذا تقف بين ذراعيه وفي محيطه أعادت له الحياة من جديد. أعاد كلامه وكأنه يوصله لعقله ولسانه من قبلها. -بقولك لو سيبتها... هترجعيلي! ***

جلسة عائلية بامتياز. ملتفون حول المائدة والعزيمة اليوم على شرف يارا ونجاحها بمجموع كبير، وأعدت لها فاطمة أصناف الطعام التي تحبها. فاطمة تجلس بمقدمة المائدة بمقابلها أكرم وجوارها نيرة ويارا وقاسم. قاسم الصامت غالب الوقت حتى وقت أن هنأ يارا اكتفى بإيماءة وابتسامة جانبية. احتضنت نيرة كتفها بحبور تبارك لها بسعادة حقيقية. -مبروك يايارو.. مبروك ياحبيبتي. ردت يارا بفرحة. -الله يبارك فيكي يانونا. هتف أكرم يشاكسها.

-آآه منك يا أروبة ميبانش عليكي أبداً إنك دحيحة. أجابت أمه تدافع. -يارا طول عمرها شاطرة وذكية طالعة لمامتها. تضحك وتناولها قطعة من اللحم المطهي وبعض أصابع من ورق العنب بطبقها. سألتها نيرة بنبرة بدت غير مهتمة. -ها.. زياد هيجيبلك هدية إيه؟ تذمرت يارا وعبست بطفولية. تغمغم بحنق. -لا زياد غضبان عليا مش هيجيبلي هدايا. سألت نيرة بجدية. -ليه؟ تخبرها وقد تحولت ملامحها من عبوس لعبث.

-عشان كان اتفق معايا إني لو أقنعتك أنك ترجعيله هيجيبلي عربية ع بداية دخولي للجامعة. انطلقت ضحكة أكرم مجلجلة، تحدث من بين ضحكاته. -يخربيت سنينه فاضحني في كل حتة. نظرت له نيرة بامتعاض. ثم قالت بنزق. -مبسوط أوي طبعاً ماهو حبيب قلبك. هتف ضاحكاً. -أصل بيصعب عليا.. كل ما أشوف حالته بضحك. رفعت ذقنها. تسأله بحزن مفتعل. -وأنا مبصعبش عليك يا أكرم؟ قال بشقاوة يختصها هي بها، يغمز بعينه.

-دانا محدش واخد قلبي وقافل عليه غيرك يانونتي. توردت وجنتاها من تعمد مغازلته، ضحكت وقد لانت ملامحها. -هقوم عشان آكل ملك. قالتها وهي تنهض من مكانها ليستكملوا طعامهم. وحديث مرح بينهما لم ينقطع سوى بسؤال عفوي ألقته فاطمة ليارا. -وحنين عملت إيه؟ توقفت يد قاسم عن الطعام. وسكن جسده عن الحركة وكأنه كان ينتظر، لم يلتفت أو يحرك رأسه ولكنه انتظر بصمت. صمت فسره أكرم بشكل خاطئ. فزجر أمه بحدة محذراً بعينيه. -ماما!

يشير نحو شقيقه. فارتبكت الأم وتلعثمت. -أنا هقوم أشوف الكيكة لا شكلها اتحرقت. وتحركت مسرعة وتبعها أكرم متعللاً بالجلوس مع صغيرته قليلاً قبل أن يخرج. ظلت يارا بجوار قاسم الصامت. كلاهما يتلاعبان بطعامهما دون نية لتناوله. قطعت الصمت يارا وهي تلتفت لقاسم. تهمس بحزن ارتسم على ملامحها. -حنين هتعيد السنة.

كانت تريد أي ردة فعل منه. ولكن عبس. وضع شوكته جانباً. ووقف متجاهلاً حديثها. مال بطوله قليلاً. يربت على كتفها بملامسة طفيفة وشبح ابتسامة باردة لم تصل لعينيه. -مبروك ع النجاح. قالها وولاها ظهره يغادر الغرفة بل البيت كله. تتطلع لمغادرته بصمت ثقيل وألم، وبعدها عادت لشرودها وحزنها مرة أخرى. ***

مستلقي على فراشه ممسكاً بهاتفه، والوقت تخطى منتصف الليل بساعة. أمامه تطبيق الواتساب مفتوح. وهي أيضاً مكتوب أنها نشطة. لم يستطع تمالك نفسه وأرسل رسالة. -أونلاين مع مين!؟ قرأت أمامه رسالة من زياد. كانت تشاهد حالات الواتساب التابعة لأصدقائها بملل. فتحت رسالته. أرادت استفزازه فشاهدت الرسالة ولم تجب. وتجاهلها أغضبه أرسل أخرى بنفاذ صبر. -مبترديش ليه. مرفقة بوجه غاضب. ببرود كتبت. -وانت مالك! بعث رسالة أخرى.

-ماتتعدلي يانيرة. ثم ذيلها بأخرى. -بتكلمي مين؟ أعادت سؤاله إليه. -وانت أونلاين بتكلم مين؟ ببساطة كتب. -لأ أنا براقبك. مرفقة بوجه يغمز. أرسلت وجوه تضحك، فكتب على الفور. -دانا أمي دعيالي النهارده. أيوه كده ياشيخة اضحكي وطريها. ثم أكمل كتابة. -عموماً أنا هعمل حفلة صغيرة ليارا ع قد عيلتنا. هتيجي؟ -لأ. دون سؤال أو مناقشة حتى. فجابهها بالرفض. -لأ هتيجي. اعتدلت بجلستها تسأله. -حفلة إيه؟ لما سألت يارا مجابتش سيرة حفلة!

وأخذ مجرى الحديث لصالحه يكتب بشقاوة تقطر من بين حروفه. -انت بتسأل عليا ياجميل؟ وارفقها بوجه به قلبين. -طب مش تقول! هزت رأسها يائسة وضحكت. أرسلت. -أنا هنام. وكادت أن تغلق ولكنه أرسل بوجه يتوسل بكفيه. -لأ استنى شوية والنبي انتِ وحشتيني. وتجاهلت. -لأ هناااام خلاص. -طب هتيجي الحفلة صح؟ -هشوف. ***

دلف غرفته بهدوء مرتدياً سروال جينز يعلوه قميص سماوي وقد عاد لتوّه من الخارج، يحمل بين يديه صينية مستطيلة بها ما لذ وطاب من الطعام، والذي طلب من والدته إعداده اليوم بحجة أن ريم اليوم متعبة، وأخذ أولاده الثلاثة بعد أن ساعدهم بارتداء ملابسهم وتجهيز حقيبة متوسطة بها أشياء خاصة بهم وأوصلهم لجدتهم أم ريم، يخبرها بأن أولاده اشتاقوا لرؤيتها وطلبوا زيارتها وهو لبى طلبهم وسيبيتون الليلة لديها أيضاً. وضع الصينية على طاولة

جانبية دون أن يصدر أي صوت كي لا يقلقها، واستدار بجسده يتجه صوب الفراش، يراها تنام ببراءة وخصلاتها المشعثة الناعمة متناثرة حول وجهها الناعم. ازدرد ريقه وهو يقترب منها يزيح خصلة أعلى عينيها برفق، لمسته تلك جعلتها تتململ بدلال كقطة صغيرة، فاقترب بثغره يطبع قبلة على وجنتها فاستيقظت. ترفع رأسها قليلاً وقد شعرت بقبلته فتخضبت وجنتاها بحمرة لذيذة. ابتسمت تتمتم بصوت متحشرج إثر نومها.

-صباح الخير. ضحك باتساع ولمعة عيناه تخبرها وتفضح كم هو سعيد. -قصدك عصر الخير. العصر أذّن من شوية. شهقت منتفضة وتحركت من مكانها جالسة ومازالت متمسكة بالغطاء حول جذعها. تغمغم بعتاب. -بتهزر يا كمال. وسايبني نايمة كل ده! -أنا عارف إنك تعبانة. مرضيتش اصحيكي.

الوقح يلمح بكلامه ابتسامة ناعمة ارتسمت على ثغرها وهي تتذكر كيف كان لطيفاً معها، رقته وهدوئه، نظراته الولهة وكأنه لأول مرة يرى امرأة. بقيا معاً حتى الفجر لتتوسد صدره وتنام بأحضانه. اشتعل وجهها بحمرة قانية تحت نظراته العابثة المراقبة. تهمهم بخجل. -احم.. زمان الولاد دلوقتي... قاطعها وهو يقترب بشفتيه من رقبتها يطبع قبلة رقيقة تلتها أخرى أرق وأطول. حاولت أن تبتعد قليلاً ولكنه تشبث بذراعها بتملك. يهمس من بين قبلاته.

-الولاد لبستهم ووديتهم عند جدتهم عشان وحشاهم. وتابع غامزاً بعبث. -عشان تفضيلي أنا وبس. اعتراض واهن وهي تهمس باسمه. -كمال... زفر وهو على وضعه. -عيونه. والهاء تعود عليه والدلال لها، تقاوم، تحاول أن تتحرك من أسر ذراعيه لها ولن يعطيها الفرصة. دون كلمة مال يقبلها، يكمل ما ينوي بشغف واشتياق لها، تبادله مشاعره وقبلاته، فيزيد ويزيد وكأنه يعوض حرمان سنواته الماضية. ***

جلست فاطمة بمقدمة المائدة بمقابلها أكرم وجوارها نيرة ويارا وقاسم. قاسم الصامت غالب الوقت حتى وقت أن هنأ يارا اكتفى بإيماءة وابتسامة جانبية. احتضنت نيرة كتفها بحبور تبارك لها بسعادة حقيقية. -مبروك يايارو.. مبروك ياحبيبتي. ردت يارا بفرحة. -الله يبارك فيكي يانونا. هتف أكرم يشاكسها. -آآه منك يا أروبة ميبانش عليكي أبداً إنك دحيحة. أجابت أمه تدافع. -يارا طول عمرها شاطرة وذكية طالعة لمامتها.

تضحك وتناولها قطعة من اللحم المطهي وبعض أصابع من ورق العنب بطبقها. سألتها نيرة بنبرة بدت غير مهتمة. -ها.. زياد هيجيبلك هدية إيه؟ تذمرت يارا وعبست بطفولية. تغمغم بحنق. -لا زياد غضبان عليا مش هيجيبلي هدايا. سألت نيرة بجدية. -ليه؟ تخبرها وقد تحولت ملامحها من عبوس لعبث. -عشان كان اتفق معايا إني لو أقنعتك أنك ترجعيله هيجيبلي عربية ع بداية دخولي للجامعة. انطلقت ضحكة أكرم مجلجلة، تحدث من بين ضحكاته.

-يخربيت سنينه فاضحني في كل حتة. نظرت له نيرة بامتعاض. ثم قالت بنزق. -مبسوط أوي طبعاً ماهو حبيب قلبك. هتف ضاحكاً. -أصل بيصعب عليا.. كل ما أشوف حالته بضحك. رفعت ذقنها. تسأله بحزن مفتعل. -وأنا مبصعبش عليك يا أكرم؟ قال بشقاوة يختصها هي بها، يغمز بعينه. -دانا محدش واخد قلبي وقافل عليه غيرك يانونتي. توردت وجنتاها من تعمد مغازلته، ضحكت وقد لانت ملامحها. -هقوم عشان آكل ملك.

قالتها وهي تنهض من مكانها ليستكملوا طعامهم. وحديث مرح بينهما لم ينقطع سوى بسؤال عفوي ألقته فاطمة ليارا. -وحنين عملت إيه؟ توقفت يد قاسم عن الطعام. وسكن جسده عن الحركة وكأنه كان ينتظر، لم يلتفت أو يحرك رأسه ولكنه انتظر بصمت. صمت فسره أكرم بشكل خاطئ. فزجر أمه بحدة محذراً بعينيه. -ماما! يشير نحو شقيقه. فارتبكت الأم وتلعثمت. -أنا هقوم أشوف الكيكة لا شكلها اتحرقت.

وتحركت مسرعة وتبعها أكرم متعللاً بالجلوس مع صغيرته قليلاً قبل أن يخرج. ظلت يارا بجوار قاسم الصامت. كلاهما يتلاعبان بطعامهما دون نية لتناوله. قطعت الصمت يارا وهي تلتفت لقاسم. تهمس بحزن ارتسم على ملامحها. -حنين هتعيد السنة. كانت تريد أي ردة فعل منه. ولكن عبس. وضع شوكته جانباً. ووقف متجاهلاً حديثها. مال بطوله قليلاً. يربت على كتفها بملامسة طفيفة وشبح ابتسامة باردة لم تصل لعينيه. -مبروك ع النجاح.

قالها وولاها ظهره يغادر الغرفة بل البيت كله. تتطلع لمغادرته بصمت ثقيل وألم، وبعدها عادت لشرودها وحزنها مرة أخرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...