للحظات ارتجف جسدها كله رغمًا عنها، عيناها كانت ثابتة على المقبض، تحدق به بعينين متسعتين والخوف يملؤهما. بالرغم من أنها أغلقت الباب من الداخل وقت دلوفها إلا أنها ارتعدت رعبًا. تقف مكانها بحوض الاستحمام والماء ينهمر على جسدها بدون تركيز منها. وبعد عدة محاولات فاشلة من الآخر بفتح باب المرحاض استسلم وغادر. تكاد تسمع خطوات قدميه المبتعدة رغم صوت المياه المتساقط.
وقفت مكانها بعد أن أغلقت صنبور المياه، تنظر للباب وكأنها تتأكد أنها أصبحت بأمان. تناولت ملابسها المعلقة ترتديها مسرعة، خائفة، كل ما بها يرتجف من أعلى رأسها لأخمص قدميها. وبعد انتهائها من ارتداء ملابسها كاملة، استندت برأسها على الباب تسترق السمع، تحاول سماع أي شيء بالخارج. ولكن الهدوء كان المسيطر باستثناء لهاثها المرتعب وخفقاتها السريعة.
خرجت لغرفتها بعد أن فتحت باب دورة المياه بهدوء، تتلفت يمنة ويسرة. تدور بنظراتها هنا وهناك، الغرفة خالية، والباب موصد كما تركته. أيمكن أن تكون تهيؤات أصابتها؟ لا، الرعب الذي عايشته بالداخل لم يكن تهيؤات من نسج خيالها الواسع، بل واقع هي تعيشه في هذا المنزل كل ليلة تقريبًا. تقف بمنتصف الغرفة بخصلات مبتلة تحاول التقاط أنفاسها الهادرة، تهدأ من حالها. انتفضت قافزة حين أتاها صوت رنين هاتفها، فمالت بجزعها تمسك به تكتم صوته.
حدقت بالرقم أمامها وكانت نيرة، ردت مسرعة باهتزاز صوتها، نبرتها مرتجفة، متلعثمة، حروفها تخرج بشتات وخوف. وقد لاحظت الأخرى، تسألها تحاول الاطمئنان عليها، وحنين تجيب بأنها خائفة وفقط. تزيد من حيرة نيرة وقلقها. وفجأة فُتح باب الغرفة، فألقت حنين بالهاتف على فراشها، تقف مرتجفة في حين دخل زوج أمها الغرفة بتبجح. يقترب منها دون تراجع، وكأنه قرر أن يكشف عن وجهه الحقيقي القذر.
تسمرت مقلتاها برعب حقيقي عندما تلاقت مع نظراته الماجنة، فاذدردت ريقها بصعوبة بالغة. انحنى بطوله قليلًا يمسك خصلة مبتلة بأنامله، يهمس بخفوت ماكر: -كنتِ بتكلمي مين؟ حاولت الإبتعاد ولكن خلفها حائط وهو أمامها، حتى الصراخ لن يسعفها. أجابت بتلعثم: -كنت بكلم صاحبتي.
كانت صغيرة، جسدها صغير، وعمرها أيضًا وهذا ما يفضله. الرعب الساكن بحدقتيها يعزز ذكوريته الشبه معدومة. يعلم جيدًا بأن زوجته على علم بما يفعل وسيفعل بابنتها ولكنها تغمض عيناها. حقيرة بالتأكيد لن تتنازل عن ما وصلت إليه بفضله. غمغم بفحيح: -مممممـ وصاحبتك دي حلوة زيك؟ نظراته كانت صريحة، فجة، اندفع الرعب ساريًا بأوردتها فاختض جسدها بخفقات سريعة. كانت كفه على كتفها والأخرى يحاول تثبيتها بها. -ابعد عني.
صرخت بألم وهو يجذبها اليه، تحاول أن تهرب منه، تستغيث بأي شيء قريب، ولكن لم تجد. دفعها للجدار خلفها بقوة الصقها به، كانت تبكي بانهيار، تصرخ دون جدوى وكأنها تصرخ بقرية جميع سكانها أصماء. أمسك مرفقها بقبضته، والآخر أيضًا يرفعهما فوق رأسها، وتبدو أن تلك لحظة النهاية.
كان الهاتف لم يغلق، ظلت نيرة على الخط تستمع لما يحدث. انهارت أعصابها، ووجع ببطنها زاد. تركت تركض بأنحاء المنزل ولا يزال الهاتف على أذنها. تود الصراخ، تبحث عن أكرم أو قاسم تستنجد بهما. لم يكونا بغرفتهما، ألتفتت فجأة على صوت مفاتيح للباب، فوجدت قاسم يقف على الباب يرمقهما باستغراب وذهول. وقبل أن يسأل ما أصابها: -الحق حنين ياقاسم.
اندفع قاسم بدراجته النارية في سرعة جنونية، يضرب الهواء وجهه بقوة فيزيد من ناره المشتعلة وقلقه المتفاقم، يدعو الله أن تأتي الأمور بستره، أن يلحق بها قبل فوات الأوان. سيندم كل الندم إن لم يلحق بها. ليته ما تركها، ليته ما ضغط عليها وفرض حبه. ليته ظلت بالبيت في رعايتهم وتحت حمايته. يحبس دموعه بصعوبة، ودموع رجل كقاسم عزيزة لن يذرفها إلا على العزيز الغالي.
منزل زوج والدتها للأسف على أطراف المدينة. سيستغرق وقتًا طويلًا إلى أن يصل. زاد من سرعته فأصبح كالسهم المنطلق المحدد لهدفه. وبعد وقت غير محدد بالنسبة له وصل للحي الراقي. هدأ من قيادته يحدق بالفلل أمامه لا يعرف أيهما تابعة لزوج أمها. إلى أن وجد لوحة رخامية مكتوب عليها بخط عريض: "فيلا زكريا مجاهد".
هبط من على دراجته فمالت أرضًا، مندفعًا لداخل الفيلا بعد أن تجاوز البوابة الحديدية وكانت خالية من وجود حارس. وقف على الباب الكبير يطرق بعنف ضربات قوية شديدة، ينادي باسمها تارة وباسم زكريا تارة أخرى. وبعد مدة قصيرة كان الباب يفتح من قبل الخادمة، فاندفع من خلاله يتجاوز صالته. وقف أسفل الدرج الداخلي للفيلا وبأعلى نبرة يمتلكها: -انزلي هنا يازكريا لو راجل.
وجاء زكريا، رجل عجوز ذو بطن عالية شكله مقزز. يرمقه قاسم باشمئزاز وغضب. صعد إليه يأكل الدرجات مسرعًا لاهثًا ليمسك بتلابيبه فيصرخ الرجل به: -لو مبعدتش ومشيت هندهلك الأمن. وقبل أن ينهي كلامه كان قاسم يناوله لكمة بمنتصف وجهه، يجره من ثيابه الخفيفة المتمثلة في مئزر من الساتان المقلم وسروال خفيف يماثله، يتعثر زكريا فيزيد قاسم من جره إلى أن وصلا للأسفل. انحنى قاسم يوجه اللكمات لوجهه: -عملت فيها إيه... انطق.
ممدد على الأرض يُخبأ وجهه بكفيه، يصيح بخوف: -معملتلهاش حاجة. قام قاسم من فوقه، يقف بأسفل الدرج، يزأر كأسد جريح: -حنييييين.
ولم تُخيب رجاؤه، كانت أمامه، تركض نحوه، بلوزتها العلوية ممزقة وخصلاتها مشعثة مبعثرة، تبكي بصوت مسموع والرعب بادي على وجهها. ما أن وصلت إليه حتى ارتمت بأحضانه واستقبلها هو بكل ترحاب يضمها بشدة إليه، وكأنه يتأكد من سلامتها. كان حضنه أشبه بحضن الأب، وأمان الجد، واهتمام حُرمت منه. تنتحب بشدة فيبعد وجهها عنه، يحتضن وجنتيها بكفيه: -أنا لحقتك صح.
كانت مقلتاه غارقة بدموع أبت السقوط، ينتظر إجابتها فاومأت برأسها، فتنهد براحة حامدًا. رغم ارتجاف جسدها كله بين ذراعيه. -الواد ده بيعمل إيه هنا. ذاك كان صوت والدتها، سؤال مستفز كوقفتها أعلى الدرج، ترمق قاسم بكره شديد. تهكم قاسم بحدة، صوته خشن وجسده يأخذ وضعية العراك: -ااوه ناهد هانم. ياريت بس منكنش قلقنا منام سيادتك. نهض زكريا من مكانه، وجهه ملكوم، والدم يتساقط من جبهته. يقف بترنح والصوت يخرج من حنجرته بأعجوبة:
-خدها وأمشي من هناا. يللا. هتفت به ناهد صارخة، يتلبسها العناد والبغض، كانت لا ترى غير قاسم لا رعب حنين ولا مهانة زكريا: -ياخد مين يازكريا. هي سايبة ولا إيه. اطلبله البوليس. التفت قاسم لزكريا باستهجان، يسأله بنبرة ذات مغزى: -إيه يازكريا. هتطلبلي البوليس. لو راجل وإبن راجل بجد اطلبه. إلا أن زكريا هدر به بوهن، رجل مثله بالتأكيد يخشى الفضيحة: -بقولك خدها وامشي من هناا.
سحبها معه يحتضنها من كتفيها يسير بها وكانت لا تقوي على فعل شيء. وقبل مغادرته وقف أمام زكريا بنظرات غاضبة، يود تكسير عظامه كلها بقبضته ولكن سلامتها أهم. اكتفى بأن بصق بوجهه ورحل. وقبل أن ترحل حنين معه، التفتت برأسها لأعلى رغم خوفها وارتعاد دواخلها، إلا أنها التفتت. ترمق أمها بنظرة غريبة سريعة، نظرة واحدة، نظرة فقط كانت كفيلة بإحراقها حية.
على الطريق السريع الخالي كانت تركب خلفه تتشبث به بكل قوتها، وقد أعطاها خوذته، يقود بسرعة والهواء يضرب وجنتيها الظاهرة من الخوذة. ارتجف بدنها وهي تشعر بالبرد ينخر عظامها، فمالت برأسها تستند على ظهره تجلب الدفء والأمان لجسدها. وذاكرتها تعيدها لقبل سويعات حين احتحزها بقبضتيه. يميل عليها برأسه الضخم يقبلها رغمًا عنها بخشونة ورغبة يحاول السيطرة عليها بجسده المقرف. حاولت التملص منه دون فائدة.
فجأة دون سابق إنذار رفعت ساقها وبكل قوة وغل ضربته تحت الحزام، تكون على بعضه أرضًا، يصرخ متوجعًا. ركضت مسرعة لدورة المياه وأغلقت عليها الباب من الداخل. تستند عليه تبكي بصوت عالٍ. وبعد أن هدأ ألمه قليلاً وقف وتوجه لباب دورة المياه يطرقه بعنف، يتوعّد بها بخفوت هادر: -لو مطلعتيش هكسر باب الحمام ده ع دماغك. صرخت به من الداخل بقهر ونحيب: -لو ممشيتش من هنا هفتح شباك الحمام وأصرخ وألم عليك الجيران.
زاد نحيبها واهتزاز جسدها الملتصق بظهره، فأوقف الموتور جانبًا. يهبط من عليه ويقف أمامها. بكل قلق العالم يسألها بعينين صادقتين: -إنتِ كويسة.. بجد! تهز رأسها، ترمقه بعينين دامعتين: -أنا.. أنا كنت خايفة أوي. لو مكنتش جيت كنت هعمل إيه. يغمض عيناه عن تخيل أسوأ الأمور، يقترب منها، فتتشارك الأنفاس وتتعانق النظرات وربما تلك المرة الأولى لهما هكذا. وتكاد أن تكون الأخيرة أيضًا.
-الحمد لله إنك كويسة.. ده أهم شيء. لما نوصل هتطلعي تنامي فوق مع نيرة ف بيتنا. لو خبطت ع جدك وشاف منظرك كدة دلوقتي ممكن يروح فيها. وأنا هطلع أبات مع أكرم. قوست شفتيها تهمس بحزن: -جدي مش هيسامحني. يجيبها مبتسمًا برفق: -جدي طيب.. اعتذريله وبوسي إيده هيسامحك علطول. اليوم التالي صباحًا. "منزل الجد"
بعد أن أنهى ورده اليومي، طُرق بابه وظن أنها فاطمة أحضرت فطوره، ولكن الطارق كان قاسم. تساءل الجد عن سبب مجيئه بالصباح الباكر هكذا. فقص عليه قاسم ما حدث بالأمس، وقد استثنى تهجم زوج والدتها واكتفى بأن والدتها قامت بطردها بعد مشاحنات بينهما والآن هي بالجوار بشقتهم، بعد أن باتت ليلتها مع نيرة. وقد شعر الجد بالمزيد وأن قاسم يُخفي عنه شيء جلل ولكنه لم يلح في السؤال، شاكرًا لله أن حفيدته عادت له ولبيتها سالمة.
وبعدها بساعات قليلة كانت حنين تجلس بجانبه على الأريكة، تميل برأسها على كتفه، تمسك بكفه المجعدة تقبلها من حين لآخر. وقاسم يجلس بالمقابل على ذراع الأريكة يشاهد بصمت، هيئته كانت حيوية بقميصه الرمادي الذي شمر كميه لأول مرفقيه. يشاكسها الجد بعد عتاب: -عارفة لو مشيتي تاني من هنا هكسر رجلك. تزيد من احتضان كفه بين راحتها: -آخر مرة والله ياجدو.
وكانت صادقة للحد الذي لا حد له. تختلس النظر لقاسم الصامت بغموض، تتمنى أن يتحدث أو يعاتب كجدها، ولكنه اكتفى بجلسته الصامته ونظراته المبهمة. حتى أنه صباحًا وقت أن استدعاها لجدها لم يحدثها بل طلب من أمه أن تخبرها بأن تلحق به لشقة جدها. -روحي إنتِ ياحنين لنيرة.. لأني عايز قاسم في كلمتين.
ابتسم قاسم، إن كان التواء ثغره هكذا يسمى ابتسامة من الأساس، ولكنه يعلم فيما سيحدثه الجد. عقدت حنين حاجبيها تستفهم ولكنه أشار لها بالصعود، فنهضت من جواره على مضض، تتهادى بخطواتها كي تعرف ماذا يريد منه. ووقت أن سمع صوت غلق الباب ورائها لم يمهل حاله لحظة يقول لقاسم بنبرة محذرة: -من هنا ورايح ملكش دعوة بحنين ياقاسم.
وكأن هدوء الكوكب تجمع بنبرة قاسم، جلسته مسترخية وملامحه جامدة عدا عن ابتسامة تشق ثغره بغرابة شديدة. لم يبدِ استغرابه حتى: -متخافش ياجدي.. حنين بالنسبالي بنت عمي وبس.. وحط تحت بنت عمي دي ١٠٠ خط. ثم استقام بوقفته يرمق جده بجمود وملامح نُحتت من رخام: -حمدالله ع سلامة حفيدتك.
نظر إلى ساعة معصمه وهو يستند بتعب على حافة الباب، زفر بضيق وهو يمد يده إلى جرس الباب يضغط عليه، اليوم كان مضغوطًا بالعمل وبالأمس لم يغفو سوى ساعة تقريبًا، لذا استأذن اليوم قبل موعد خروجه بساعة لأنه لا يستطيع التركيز أكثر من ذلك. بتلك الفترة هو مقصر بحق نفسه وجسده وصغيرته أيضًا.
لحظات قصيرة وفتح الباب تستقبله نيرة ببطنها المنتفخة ومنامتها القطنية، تبتسم بوجهه بتردد، ولم يلحظ ف اكتفى بايماءة من رأسه. تحرك للداخل يتخطاها متنهدًا بارهاق، يرخي ربطة عنقه قليلًا ويفتح أول زرين من قميصه الأزرق.
خطوات وكان بصالة منزل والدته، يرفع حاجبيه باستغراب سرعان ما تحول لتجهم وهو يرى نورهان أمامه. تجلس على الأريكة المقابلة لنظراته برتابة، ملابسها منظمة وقد تركت العباءة السوداء الواسعة للحارة هناك. كتم زفرة غاضبة وعيناه تحوم عليها، فستان أسود ضيق من الأعلى يتوسطه حزام عريض بنفس اللون، وحجاب رمادي رقيق يحدد وجهها بدقة ويعكس نقاء بشرتها. -السلام عليكم.
قالها بخشونة نبرته، فأجابت أمه السلام وهي معها بخفوت، تحني رأسها لأسفل وابتسامة خفيفة متوترة ترتسم على ثغرها، تحتضن ملك الصغيرة وتتلاعب بخصلاتها. ملامحه صارت أكثر تجهمًا وصلابة وهو يجلس بالاريكة المجاورة لها، يتذكر آخر لقاء بينهما وقت أن وعدها بأنها ستكون الخاسرة وليس هو. والآن لا يوجد خاسر سواه، يشعر بأن كلمة خسارة تزين جبهته بالخط العريض. جلست نيرة بجواره تسأله: -جيت بدري ليه.
يبدو أن وجوده غير مرغوب، ولولا أنه أتى قبل ميعاده لم يكن ليراها. تجاهل توتر جلستهم، وأجاب بارهاق بادي على قسماته: -تعبان. رفعت نورهان رأسها بغتة تراه أمامها تتأكد من صدق نبرته فقابلها هو بنظرة مغلقة وحاجب مرفوع ولا يزال على تجهمه. فطأطأت رأسها ثانية وعادت لابتسامتها البسيطة، تزدرد ريقها ببطء بالتأكيد لن تطيل النظر لوجهه، وخاصة عيناه. بداخلها شيء يهمس لها بتحذير: "لاتنظري لعينيه... ستغرقين أكثر".
وأصبحت الجلسة متوترة بوجوده، فأردفت نيرة تقطع التوتر بينهما: -ده نور كانت في مشوار قريب من هناا. وعدت تشوف ملك. عقد حاجبيه متسائلًا، يوجه نظراته لنورهان: -كنتِ فين؟ رفعت رأسها متعجبة فردت نيرة ترفع عن نورهان الحرج: -مشوار قريب. فيعيد السؤال على نورهان: -مشوار إيه؟ فأردفت نيرة من بين أسنانها بغيظ: -ركز معايا هنا أنا اللي بكلمك.
فالتفت لها برأسه، تبعث له نظرة ذات مغزى فهمها وصمت. نهضت نورهان باستحياء، والصغيرة معها ترفع يدها تلامس حجابها بتوتر: -طب أنا همشي عشان متأخرش. ثم وجهت باقي كلماتها لأكرم تستأذنه: -ممكن اخد ملك معايا انهارده. واجيبها بكرة. كانت نبرتها وهي تحدثه منخفضة ناعمة، تنظر له بزيغ وكأنها متأكدة من رفضه. أطال النظر بعينيها، وقد زاد الوهج العسلي بزيتونيتيهما، فارتبك وضاقت أنفاسه، وكأنه يأبى أن تكون رائعة هكذا ببعدها عنه. -ماشي.
فاجأها بموافقته. وزادت لمعة عيناها فزم شفتيه محبطًا. أومأت برأسها تشكره بإبتسامة صافية حلوة كحلاوتها اليوم. ينظر لها وبالأخص لعينيها بثبات يبعث القشعريرة والتوتر لجسدها، فتشد من حجابها تُخفي به خجلها واحمرار وجنتيها. تجاوزته والصغيرة معها وحقيبة صغيرة على كتفها، فسار ورائها: -هوصلك. لحقت به أمه: -لأ هي هتاخد تاكسي. خليك انت أنا عيزاك. رمق والدته بتعجب وأردف: -هوصلها وأجيلك. إلا أنها تمسكت بكلامها
تجذبه بنظرة أمومية محذرة: -قولتلك عيزاك. وبالأساس هي لم تنتظر كانت عند الباب تتحدث مع نيرة بحديث لم يسمعه، لتهرب عيناها له دون إرادة منها، تنظر بعمق عينيه ثم تعاود النظر لنيرة. أقل من دقيقة وكانت تودعها مغادرة ومعها ملك.
بعد أن غادرت نورهان ذهب للشرفة مسرعًا، يستند بساعديه على حافة السور، ينتظر خروجها من البوابة. وحين خرجت اعتدل بوقفته يراقبها بنظراته دون رقيب. تتهادى بحذاء صيفي ذو كعب عالٍ. ابتسم بداخله، فهي بدونه بالكاد تصل لصدره، يذكر أنها كانت ترتدي الكعب خصيصًا كي تطال ذقنه. يراها تسير أمامه بالشارع الخاص ببيتهم قبل أن تصل للشارع الرئيسي، توليه ظهرها، تكمل طريقها بثبات. وقبل أن تختفي عن عينيه، طرق بكفيه على السور يهمس بصوت ضعيف:
-لفي.. لفي.... لفي. يطلب استدارتها بلهفة. إن استدارت سـ... ولم يكمل أفكاره. فلبّت ندائه واستدارت، كانت لفتة سريعة منها قبل أن تختفي عن ناظريه. فمال فمه بإبتسامة منتصرة أطفأتها والدته وهي تقف خلف ظهره. تحدثه بحدة: -هتفضل معلق بنت الناس معاك لحد امته. واستغرب من هجوم والدته الحنون عليه، سألها مباشرة: -هي اشتكتلك. -أيوة اشتكتلي. وعايزة تنفصل بهدوء ومن غير مشاكل. زفرة قوية كتمها بداخلها قبل أن يسأل بضيق:
-ممممـ وإنتِ رأيك إيه. ردت عليه بغضب خافت: -حقها. ولا إحنا مش هنرضاها على نيرة. وع البنت الغلبان دي تيجي عليها. استنكر واكفهرت ملامحه: -إنتِ بتقولي إيه ياماما. إيه اللي جاب نيرة لنورهان. وإيه اللي جابني لزياد. قالت أمه بلامبالاة توبخه: -والله انتو الاتنين نفس العجينة. زاد استنكاره أضعافًا: -ماما إنتِ هتساوي الحرام بشرع ربنا. لوت فاطمة شفتيها بحنق تشيح بيدها:
-شرع إيه. اتلهي ع خيبتك. ده الست عندها جوزها يخونها مع ١٠٠ ولا أنه يتجوز عليها. عقدة حاجبيه فُرجت وتبسم بتعجب وهي يستمع لمبدأ والدته الغريب. ولاها ظهره واستند على السور ثانية يتنهد بـ هم: -عمومًا أنا خلاص... سيبت جيلان. تتراقص نبرتها بسعادة، وهي تسأله أن يعيد ما قاله غير مصدقة: -انت بتهزر. ده انهاردة يوم عيد. طب ورحمة الغالي لاعمل رز بلبن واوزعه على الجيران. اندهش من فرحتها، ولكنه قال متذمرًا:
-ماما بلاش الحركات البيئة دي. إنك توزعي ع الجيران والجيران تبعتلك. جزت فاطمة على أسنانها وقالت متغاضية عن تكبره: -لأ مش هسيبك تعكنن عليا دلوقتي. والنبي لاعمل وتوزع عندًا فيك. وتركته وقد تبدل مزاجها بلحظة. تُطلق زغرودة عالية وقت دلوف قاسم للشرفة. يسأل أكرم بمرح: -أمك بتزغرط ليه. جالها عريس. لم يستطع أكرم أن يمسك حاله من الضحك. مال بوجهه يقهقه عاليًا. ثم هدأ بعد مدة، يجيبه ببساطة: -بتزغرط عشان قولتلها إني سيبت جيلان.
تفاجأ الآخر. ربت على كتف أكرم يهنئه: -لا يا أخي. ألف بركة والله. رمقه أكرم بحاجب مرفوع، وفرحته هو الآخر بعد أمه أثارت غيظه: -ف إيه ياجماعة. انتو مش ملاحظين زعلي. شاكسه قاسم على غير العادة: -زعلك إيه بس. دانتا وشك نوّر. بادله المشاكسة غامزًا: -بجد. أكد بتشديد: -جد الجد كمان.
وانطلقت ضحكاتهما العابثة. كلاً منهما ينظر للشارع أمامه. إلا أن قاسم التفت برأسه للشرفة المجاورة. ثم أطلق تنهيدة طويلة. وعاد بنظره لأكرم يقول مغيرًا للحديث: -إنت مش ملاحظ إننا كلنا قاعدين بخيبتنا جمب أمك ماعدا كمال المحظوظ. ضيق أكرم عيناه يفكر، سرعان ما هتف بتأكيد: -أيوة هو الوحيد اللي فلح فينا. ابن المحظوظة.
استدارا على صوت رنين جرس الباب المرتفع فخرجا من الشرفة متتابعين، ليروا من أتى. كان كمال هو الطارق. يقف على مدخل الباب ومعه أبناؤه الثلاث. مراد وحاتم أمامه وزين يحمله بذراعيه. يوجه حديثه لأمه دونهما: -خلي الولاد عندك ياأمي. ثم أخفض نبرته وقد كساها حزن غريب وتوتر: -ريم هترجع بيت أهلها. نظر أكرم لقاسم بذهول بادله الآخر بنفس ذات النظرة. أيميل قاسم على أذن أكرم هامسًا: -منوره. أكرم رأسه ينفي عنه التهمة:
-ده نورك إنت والله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!