أتساءل لو أنّني منذ البداية عرفت أنّ هذا الحب سيلتصق طويلًا بجلدي هل كنت بدأته؟ نعم نعم ألف مرّة نعم قاسم عقد القران
مرّ أسبوع على اتفاقه مع عمّه، أسبوع واحد، سبعة أيام، أحصاها ساعة ساعة. والأمر يستحق الانتظار، فاليوم فرحته هو، عقد قرانه على من تمناها وخفق قلبه لها. والاتفاق كان بدايته خطبة وحفل صغير ببيت الجد، ولكن بعد إلحاح منه وموافقة من حنين تحولت الخطبة لعقد قران، لتكون بشكلٍ رسميّ حرمه مع إيقاف التنفيذ لحين الزفاف بعد الانتهاء من دراستها الثانوية.
اليوم فقط يشعر بالكمال، بأنه نال قطعة من السماء. لم يبالغ بمشاعره. مشاعره مشاعر رجل هزمه الحب مرة على أرضه وانتصر هو بالأخير. يقف أمام المرآة ينظر لانعكاس هيئته بغير رضا ظاهر بشكل جليّ. تجاوره نيرة شقيقته، تعدل من ياقة معطفه. تهديه ابتسامة رائقة فيهديها عبوس ملامحه. هتفت به بنعومة بعد تنهيدة يائسة: "أفرد وشك بقى ياقاسم.. أسود إيه اللي عايز تلبسه في كتب كتابك؟! ورد كان زفرة غاضبة، ونبرته خشنة: "تقومي تلبسيني لبني؟!
رفعت نيرة حاجبيها باعتراض، تصحح: "مسموش لبني يابني آدم... اسمه بيبي بلو." استدار نحوها وعيناه تستنكر ما تقوله، يتهكم: "ياريتك ماقولتيلي... تجيبه باستياء ناعم: "سماوي ياقاسم... وبعدين انت مش شايف الألوان الفاتحة بتخليك قمر إزاي؟! وازى كلامها حركة كفيها وهي تجذبه من معطفه ليقابلها. تمسح بكفيها على ذقنه الحليقة بنعومة. ترمقه بابتسامة معجبة. عيناها تعطيه علامة كاملة، أليست الفتاة بأخيها مغرمة!
هو يعلم بأن اختيارها أفضل من اختياره بمراحل. يلتفت مرة أخرى للمرآة يطالع صورته، يحاول فك عبوس ملامحه وعقدة حاجبيه رغم لمعة عينيه الخفية. هيئته تعجبه. تزيده وسامة، متأكد من أن عروسه ستخطفها طلته، لترتخي ملامحه براحة وانتشاء لمجرد التخيل. كان يرتدي سروال بلون القهوة الفاتحة ومعطف بلون صفاء السماء أسفلهم قميص أبيض وقد تخلى عن ارتداء ربطة عنق لأنه لا يستسيغها. وخلفه أعلى الفراش بدلته السوداء مجعدة، ملقاة بإهمال.
مقارنة سريعة بين ذوقه وذوقها والغلبة ستكون لها. يعقد حاجبيه مرة أخرى، يزفر بملل: "مش كفاية إني تنازلت وجيت ألبس عندك عشان إنتِ مش عايزة تيجي؟! وبالفعل جاء بعد أن طلبت هي منه ذلك، بسبب عدم مقدرتها على الحضور. تبرر بإبتسامة خجلة، وبعض الحرج: "زياد حلف بالطلاق إني مش هخرج غير ع الولادة." وتبريرها أغاظه، سخر منها: "لا والله؟! "آه والله." ردها ببراءة هكذا أشعل حنقه. تحرك من جوارها على مضض. يلتف حول نفسه بعصبية.
يغمغم بحنق: "مش حابب ألبس الجاكيت بتاعه." تقترب منه ببطنها المنتفخ، تهدأ من توتره: "أنا كنت جايبهوله هدية والله." سكت لحظة، ثم اعترض مرة أخرى: "طب والقميص والبنطلون؟! وتلك المرة لم تستطع التحمل، صرخت به بلا احتمال وقد ضاقت ذرعًا من تصرفاته الصبيانية: "يووه بقى ياقاسم.. زهقتني....
وقطع صياحها دخول زياد دون أن يطرق الباب حتى. يضع كفيه بجيبي بنطاله الضيق، يخطو لداخل الغرفة بعنجهية وشبه ابتسامة مترفعة. يدور حول قاسم والنية واضحة. يتفحص هيئته، متوشحًا بعبث منتقم. اتسعت ابتسامته المتغطرسة، ثم قال بنبرة متسلية: "ممممـ مش ده بردو الجاكيت بتاعي؟! انفجرت ملامح قاسم على الفور، يلتفت لشقيقته يسألها غاضبًا من بين أسنانه: "مش بتقولي إنتِ اللي جايباه هدية؟! مط زياد شفتيه متشدقًا:
"وهي هتجيبه هدية بفلوس منين!! ... بفلوسي يابابا." وتركه حانقًا، يشتمه من بين أسنانه بخفوت، يرميه بنظرات مشتعلة استقبلها هو بحاجبين متراقصين متعمدًا إغاظته. وقف أمام المرآة. يرتدي ساعته على مهل ونظرته مصوبة على قاسم، يدندن بصوت مسموع وكلمات الأغنية واضحة، يحاول استفزازه: "بطلو ده.. واسمعوا ده، الغراب ياوقعة سودة جوزوه أحلى يمامة." هتفت نيرة باسمه باستنكار، تحذره بعينيها: "زياد....
وبدا على قاسم عدم الاهتمام، رسم ابتسامة ماكرة. قبل أن يهتف ببرود: "سيبيه براحته يانونا.." يعانده بحاجب مرفوع ونظرة متراقصة: "هو بذات نفسه هيشهد على جوازة الغراب من اليمامة." بنفس التوقيت، بيت الجد
انتهت متخصصة التجميل من تجهيز حنين بعد أن وضعت زينة خفيفة ناسبت رقة قسماتها. ويارا ملتصقة بها. تبتسم بحبور، ملامحها كانت تشي بسعادة حقيقية. وكأنها العروس. واليوم اعتبرت حالها شقيقة العروس، وأخذت كافة الصلاحيات، من حين لآخر تطلق الزغاريد. تطالع انعكاسهما بالمرآة فتبتسم لحنين تطمئنها. وخاصةً وقد بدا على ملامح الأخرى التوتر. تقضم أظافر يدها كعادة ملازمة لها كلما توترت أو انزعجت من شيء.
"مش مطمنة لقاسم، بقالي يومين بتلح عليه عشان أشوف هيلبس إيه وهو مش راضي." تهديها يارا ابتسامة مطمئنة: "متقلقيش.. نيرة معاه، مستحيل تسيبه يلبس ع ذوقه." ورغمًا عنها ضحكت وتلاشى قلقها. أومأت بموافقة تؤكد على كلامها: "عندك حق." مازالت تقف بجوارها، تبتسم لها. فهتفت حنين بنبرة صادقة متأثرة: "عقبالك."
وبدعوة حنين أعادت لها ذكرى أوجعتها. خفقة قلب ذائبة وآخر دهسها بحذاء كبريائه. غامت ملامحها بألم وبهتت ابتسامتها قليلاً. مالت قليلاً على المنضدة الخشبية أمامها الخاصة بالمرآة تنظفها من الفوضى، تغمغم بلا اهتمام تدّعيه: "مش وقته." "ها عروستنا الحلوة خلصت؟!
أجفلت حنين على صوت ريم والتي كانت تقف على باب غرفتها، تنتظر منها إذن الدخول. فارتفعا حاجبي حنين بدهشة حقيقية، ترتفع بنظرتها ليارا لتراها لا تقل عنها دهشة. تلك المرة الأولى التي تتحدث فيها ريم معها. ريم والتي كانت شديدة التحفظ معها. تذكر مرة تقابلا أمام البوابة ولم تلقِ عليها السلام حتى.
تبتسم ريم وهي تستشعر غرابة الوضع. سابقًا كانت تغار منها، بسبب اهتمام قاسم بها. حيث كانت الخفقة الزائدة لقاسم ولن تنكر. ولكنّه تبخر. تبخر كسراب، كلحظة خاطئة. لم تعد ترى سوى كمال. وكأنه الرجل الوحيد الموجود بحياتها، وهو بالفعل كذلك. من قال إننا نزهر مع أشخاص بعينهم كان لديه كل الحق. صدقت أمها حين قالت لها ذات مرة بأن كمال يحبها وهذا يكفي لنجاح العلاقة. وبالفعل كفى.
واليوم ستكسر الحاجز. حاجز وهمي كانت وضعته هي بينها وبين حنين. تبتسم بدلالها الفطري. تقترب بخطوات واثقة تقف ورائها تعدل من وضعية حجابها بحركة خفيفة. "ممممم قمر ١٤ زي ما بيقولوا." وتجاوزت حنين الدهشة. رغم استغراب ملامحها إلا أنها ابتسمت برقة: "merci.. عنيكي جميلة فشايفاني جميلة." ابتسمت ريم لها بحلاوة ملامحها. تهتف بصدق شابّه مرح: "إنتِ جميلة مش محتاجة مجاملة."
كان المنزل بأكمله على قدم وساق استعدادًا لحفل عقد القران. حفل عائلي، ضيق، يُقام بالحديقة الخلفية للبيت. للعائلة فقط لاغير. أضواء براقة متراصة أعلى الأشجار وأخرى خافتة جانبية، وزغاريد عالية صدحت حين بدأ الشيخ بعقد القران.
طاولة مستطيلة بمنتصف الحديقة كان يجلس عليها وأمامه عمه متعانقي الأيدي ويتوسطهما المأذون. تتسع عيناه بغير تصديق رغم مظاهر الاحتفال أمامه، والمدعوين الذين جاؤوا من أجل مباركته، يشعر أنه بحلم جميل وعساه ألا يستفيق منه. ابتسامته الواسعة أشبه بضحكة رائقة. ملامحه بتلك اللحظة كمن توّج بالفوز.
يردد خلف المأذون بنبرة عالية واثقة، وحين جاءته كلمة أبيها "زوجتك ابنتي" عاجله بالقول السريع الواثق "وأنا قبلت". وأصبح حلمه واقع وهو يؤمّن على دعاء الشيخ: "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما بالخير". اتسعت ابتسامته الصافية وخاصةً حين جذبه عمه في عناق أبوي متأثرًا: "مبروك يا قاسم... حطها في عينك." أجابه بتأكيد رجل واثق: "طول عمرها في عيني."
تركه عمه لتتوالى عليه المباركات والتهنئة إلى أن استقر بأحضان أخيه كمال، يحتضنه بقوة هاتفًا بسعادة: "ألف مبروك يا حبيبي." وتأثر بحضن شقيقه الأكبر فاستمر باحتضانه حتى قاطعتهم أمه تدمع بتأثر ونبرة مرتجفة: "أخيرًا شوفتك عريس ياقاسم." والطبع غلّاب، عقد حاجبيه كعادته: "إيه ياما وإنتِ كنتي شايلاني فوق راسك؟! زمت شفتاها الرفيعتان، تهز رأسها بيأس: "والله ما هسيبك تعكنن عليا بحلوفيتك... تعالى ياواد."
لتجذبه بعناقها الدافئ فينحني بطوله لها، تربت أعلى ظهره: "ألف مبروك يا نني عيني." تمتم بخفوت ولا يزال متأثرًا بسحر اللحظة، بل اليوم بأكمله: "ربنا ميحرمنيش منك أبدًا." وتركها وسار بخطى ثابتة نحو جده بمجلسه، ينحني على كفه يقبلها بامتنان: "شكرًا يا جدي." ربت الجد على رأسه بحنو، يبارك له، داعيًا بالخير لهما. ثم هتف بمكر يُشير بنظراته باتجاه ما: "روح بارك لعروستك."
سحب نفسًا عميقًا وهو يرفع رأسه باتجاهها، يسمح لنظراته بحرية التأمل، يشبع عيناه وكل خلية بجسده من طلتها. وخاصةً أنها كانت بالأعلى. وتلك النظرة الأولى بينهما. يسير نحوها كالمغيب، الأصوات من حوله كانت متداخلة مشوشة. فقط هي من نصب عليها تركيزه وسرقت لبه. كانت حولها هالة، أو هكذا هيأ له بفستانها الكريمي الذي ينسدل بنعومة حريرية على جسدها، مغلق لعنقها وله كمي حتى مرفقيها، حجابها بنفس لون الفستان. كانت ناعمة كعادتها، والآن وهي ملكه صارت أكثر نعومة. كانت كالأميرات. وَوَدّ بهذه اللحظة أن تراه أميرها مثلما يراها.
ازدرد لعابه وهو يتوقف عن التنفس مجبرًا، يقترب منها وهو مأخوذًا بنعومتها وبريق ابتسامتها له. "العشق هي.. بكل تفاصيلها." مال بطوله ولثم جبهتها بقبلة عميقة، كانت دافئة وضع فيها كل مشاعره. همس لها بنبرة أبحة وعيناه تفيض بحنان يخصها فقط: "مبروك عليا." ليخفق قلبها بجنون وهي تميز نظرته العاشقة، تُحني رأسها بخجل فطري ووجنتين مشتعلتين. وقطع سحر اللحظة أكرم وهو يجذبه من ياقة معطفه، يميل على أذنه يهمس بمكر: "بتبوسها من راسها...
وأنا اللي قولت هيبقى فيه فعل فاضح في الجنينة النهارده!! يتابع وقد زادت لمعة عيناه شقاوة: "مممـ شكلك مش تمام." مال زياد بعبثية يستند على كتف أكرم، حيث أنه ظهر من العدم: "مش تمام إزاي... أنا كنت شاكك فيه من الأول." يتلاعب بحاجبيه يزيد من إغاظة قاسم، فيهدر قاسم فيهما من بين أسنانه بصوت بالكاد مسموع لهما: "خف أنت وهو.. متخلونيش أتغابى عليكم."
وقبل أن يعود لعروسه، صدحت أنغام أغنية أجنبية بموسيقى هادئة، قد قامت يارا بتشغيلها من أجل الرقصة الأولى للعروسين. ولكنّ أكرم سبقه، يميل بطريقة مسرحية أضحكت حنين: "الحلوة تسمحلي بالرقصة دي." تقترب منه تحت نظرات الآخر المشتعلة، تضع كفها بكفه وهي تضحك: "أكيد." واليوم يومها، غمزت قاسم وهي تسير مع أكرم لمنتصف الحفل، تعلم بأن أكرم يريد إغاظته، فاستمتعت برؤيته هكذا. وداخل أكرم لم تكن نيته إغاظة قاسم -أبدًا
-بل إغاظتها هي وقد نجح بذلك. حيث أنه يرى بوضوح اشتعال غيرتها بمقلتيها. وتبادل ألوان الطيف على وجهها. "العشق كأمواج البحر.. متقلب." وهو رجل لا يُرفض. إذًا فـ ليعاقبها على رفضها له. يمسك بحنين من كفها، بينهما مسافة مقبولة. حيث يعاملها كشقيقته وهي كذلك. يبعدها تارةً ويقربها تارةً أخرى. وأخرى يجعلها تدور حول نفسها. بين كل ثانية وأخرى يرمي بنظراته اللامبالية على نورهان. هو لا يتجاهل وبالوقت ذاته لا يتودد.
كانت تشعر بغيرة حانقة وتعلم بأن قسماتها تفضحها. رؤيته هكذا بكامل وسامته يراقص غيرها أشعلت فتيل غيرتها حتى وإن كانت حنين. وخاصةً أنه مؤخرًا كان يعاملها كامرأته. وهي التي كانت اعتادت النبذ. أحنت رأسها تضغط على جفنيها بقهر، بمحاولة فاشلة منها ألا تراه. ألا تتلاعب بها غيرتها وتهدم ثقتها. يجعلها تدور حول نفسها ثم يعيدها إليه مرة أخرى مع الحفاظ على المساحة الكافية بينهما.
اقترب منهما قاسم يلف ذراعيه حول خصرها بتملك يبعدها عنه، بينما يرمق أكرم بنظرات مشتعلة: "الحلو مش ناوي يخف بقى؟! طريقته ونبرته جعلت أكرم يضحك وهو يرفع كفيه بموازاة كتفيه مستسلمًا، ليتركها له عن طيب خاطر وكفاه شر القتال. وقد وصل لمبتغاه. وحين التقط قاسم كف حنين وتمسك بها بخشونة كفه تبادلا النظرة فيما بينهما. وبتلك اللحظة عادت به ذاكرته لليلة كتبت بها بخط متعثر ومراهقة خجول. "وستدعوني إلى الرقص.... وسأقبل".
انتبهت نورهان لنظرات أكرم لها. كان ينظر لها بعينين سوداوين ثاقبتين. يمشطها بنظرات ثابتة دفعت الحمرة لخديها، لتنتظره بصمت. تراه يسير صوبها، يقترب منها ومن صغيرتها ملك التي كانت تحملها على ذراعها. نظراته هكذا أثارت توترها. وخجلها. اقترب من وقفتها فظنت أنه سيدعوها للرقص، وسيكون من سوء حظها بالطبع لأنها لا تعلم عن الرقص شيئًا سوى مشاهدته فقط. يربكها برائحة عطره، أناقته. وهيئته المميزة. يربكها باقترابه هكذا أمام الجميع.
انحنى بطوله ليكون بموازاة الصغيرة التي تحملها، ينزعها منها برفق دون تلامس وهو يحدثها بلهجة طفولية رغم خشونة نبرته: "حبيبة بابي اللي هترقص معاه." وولاها ظهره والصغيرة على كتفه تضحك له. فركت اناملها بحرج. وتخضبت وجنتاها بحمرة قانية وقد شعرت بأن الجو بات حار رغم برودة ديسمبر. اللعنة كانت تظن أنه سيدعوها هي. ساذجة هي. والساذجات بلا حظ. عديمات الحظ، حتى أنها رأت حظها العاثر يقف بزاوية ويخرج لها لسانه.
"العشق مذاهب.. وهو رجل لا يتبع أي من مذاهبه." هو رجل متزوج لا ناقة له ولا جمل بالرومانسية وأمورها. وهي تقف بجواره بحالمية ووردية وكأنها تكتب رواية رومانسية هابطة عن رجل يعشق امرأة دون منغصات أو دراما. "كمال... يلا نرقص." وانتفض من الحالمية، وثار كرجل أربعيني محترم: "لأ طبعًا.. أنا أتحرج جدًا." وصممت على موقفها. تقنعه بجمال الطلة، ونعومة النبرة: "كمال.. مفيهاش إحراج ولا حاجة، كله بيرقص عادي."
"لأ." و"لا" كانت قاطعة. فرفعت حاجب وأحنت الآخر تعيد رفضه بنبرة ذات مغزى: "لأ!! وانتبه لنبرتها، يرمقها بتوسل، وبعقله هتف "فيها نكد أسبوع دي خلي بالك". "فوق شغلي أغنية حلوة نرقص عليها." "لأ وعلى إيه؟! تزيد والنية واضحة: "اللي بيحرج قدام الناس.. يحرج وهو لوحده." "العشق درجات... وهو بلغ أعلاه." صاحبة الصون والعفاف... أحلى واحدة في البنات.. اللي عمري ما قلبي شاف زيها في المخلوقات.
كانا منسجمان بشكل ملحوظ في رقصتهما الأولى. يتمسك بكفها بكفه برقة أذابت أعصابها رغم خشونة كفه مقارنة بنعومة كفها، والكف الآخر يتوسد خصرها. سألته حنين برقة: "إيه رأيك في فستاني؟! اشتعلت عيناه بنظرته التي يخصها بها، يميل على أذنها: "جميل... زيك." يتملكها بنظراته الرجولية، توردت أكثر لتقول: "الظاهر إن نيرة فشلت إنها تلبسك كرافت! اعترض بشدة: "انسي.... بس معنديش مانع ألبسها لو إنتِ اللي هتربطيهالي."
ضحكت فبادلها الضحك. ومال مرة أخرى وكأنه بعقد قرانه أصبح أكثر وقاحة. وعبث: "هستناكي ع السطح لما الجو يهدأ." "في عشق بيستنانا.. وعشق بنستناه."
عودة ليلية متأخرة بعد يوم طويل شاق قضته ببيت جدها مع حنين وبعدها حفلة عقد القران. تترجل من سيارتها الخاصة تلك التي أحضرها لها زياد بمناسبة نجاحها. سيارة وردية كانت اختارتها من قبل، وقت أن كانت أحلامها وردية مثلها. وقت أن كانت أمنية لا يارا الحالية. العشق ليس وردي، وتلك حقيقة تعلمتها بأسوأ الطرق.
صفعت باب سيارتها بعنف وهي تضغط على نواجزها بضيق. تعلم أنه خلفها كظلها من وقت خروجها من حفل القران. موجود تشعر به، مراقبته، ملاحقته. رسائله التي لا تنتهي. يباغتها بالقول: "عقبالنا." خرجت من جوفه بعاطفية حارة، كان صادقًا في اشتياقه وملامحه كانت تفضحه وبالأساس هو لم يخفيه. رغم الظلام، إلا أن هناك ضوء خافت جعلها تتبين قسماته. عطره الثقيل داهمها قبل صوته. أغمضت عيناها بيأس منه قبل أن تقول بضيق: "أنت مبتزهقش؟!
لثانية أحبطه ردها، لم يكن يعلم أن غفرانها صعب هكذا. ولكنه تجاهل وقرر أن مهما بدر منها لن تطفئ شعلة شوقه. يؤكد بالنبرة: "عمري ما هزهق." يستطرد ومازال تحت تأثير الاشتياق: "أنا بحبك." لم تتأثر برؤيته، ولا نبرته. جابهته وحروفها تقطر قسوة: "وأنا بكرهك... ألحنالك؟! اقترب منها بشيء من غضب، يأكل المسافة الواسعة بينهما فتقلصت. "فاكرة نفسك بتحبيه؟! يُزيد من غضبه أضعاف: "إنتِ روحتيله عشان تنسيه بيا."
غامت عيناها بذكر سيره حتى وإن لم يصرح باسمه. يُشكك بحبها لأحمد، أين هو من مقارنته به. هي لم تحب عاصم أبدًا. أحبت سيارته، أناقته. أحبت كونها سندريلا التي سيتوب من أجلها الماجن. أما عن أحمد فكل شيء يختلف جملة وتفصيلاً. مجرد حروف اسمه تصيب قلبها برجفة لم تشعر بمثلها قط. رجفة موجعة وشهية بذات الوقت. أخفت تأثرها ببراعة تُحسد عليها، ابتسمت بتعبير ساخر: "واخد وضع أكبر من وضعك ياعاصم." تزم شفتيها، قبل أن تتابع بتهكم مرير:
"بس مش هلوم عليك... العيب مني أنا اللي نفختك زيادة." نبرتها تسخر، مسح وجهه بكفه غاضبًا، يبتعد عن نظراتها يحاول تهدأة دواخله. عيناه تلين قبل نبرته: "تعالي ننسى اللي فات ونبدأ من جديد." ثم تابع بانفعال ساخط لم يستطع كبته: "الغلط مش مني لوحدي." يردف وعيناه تغضب: "ليه عايزة تطلعيني شرير الحكاية؟! ولم تهتم بغضبه، فليحترق بالجحيم لن تهتم. اغتصبت ابتسامة باهتة وهي ترد عليه: "أنا هبدأ من جديد بس مش معاك.. ولا معاه."
للحظات قليلة توقف عن النطق. صدمه برودها، كان يتعشم بحب كان بينهما أنها ستتراجع من أجله. انتفض وهاج. هاج من أجل كرامته: "عايزاني أعملك أكتر من كده إيه.. ناقص أبوس رجلك عشان تسامحي؟! يجذبها من معصمها بشبه عنف، يهدر بها: "مش أنا اللي أترفض وأتنسي كأني ماكنش ليا وجود." وكانت الغلبة لها فور أن جذب معصمها، جذبته هي نحوها بشيء من قوة ثم دفعته بعنف أكبر من عنفه فترنح بوقفته، وتلك حركة من ضمن بعض حركات تعلمتها على يد أحمد.
"ايدك لو اتمدت عليا تاني هكسرها." تحذره بسبابتها، تشدد على حروفها: "افهم بقى... لما بنت تقولك لأ... يبقى لأ." بهتت ملامحه بصدمة. خيبة أمل، وهي تصر على إسدال ستار حكايته بتحذير جامد: "مش عايزة أشوفك تاني."
وتركته، توليه ظهرها. وقد خمدت شعلة عشقه واشتياقه، وانطفأت تمامًا بعد أن سكبت عليها مياه قسوتها. لا يدري كم مر عليه من الوقت وهو يقف هكذا متبلدًا وكأنه فقد إحساسه. وهنا انتهت حكايته معها. انتهت أسطورة شهريار تحت قدمها. توقف السرد، وكان نصيبه أن يكون على الهامش وقتما أتى بطلها الحقيقي. "قربلي كمان ياحبيبي، سيبني أعيش.. نفس أعيش ليلة ماكانت على بالي."
على سطح بيت القاسم. كان قاسم مستندًا على السور يراقب السماء المظلمة في هذا الوقت المتأخر من الليل. السماء كانت حالكة عدا عن بضع نجمات متناثرة وقد غاب القمر. ينتظر صعودها دون ملل أو كلل. ابتسامة هادئة زينت جانب ثغره وهو يستمع لصوت صرير باب السطح المزعج والذي وللعجب بهذه اللحظة كان كموسيقى رائعة. ما بال قلبه الأحمق يدق في صدره كالطبل، يرن في أذنيه بلحن الوصول والامتلاك.
تتسع ابتسامته وهو يستشعر وجودها خلف ظهره، وعطرها المسكر يداعب أنفه وكل خلاياه بتلك اللحظة. استدار لها بكل جسده وكانت نظراته سابقة، كانت تقف أمامه تتمسك بشقي سترتها كي تقيها البرد بعد أن استبدلت فستانها الرائع بجينز بسيط وتلك السترة الصوفية وحجاب وضعته على رأسها دون إحكام. "اتأخرتي."
قالها ولا يزال على استرخائه وابتعاده وعيناه تتشربان تفاصيلها الصغيرة؛ خصلاتها البنية والتي ظهرت من حجابها المتطاير، وعيناها اللامعتان رغم الظلام المحيط بهما. تتلاعب بأناملها وحمرة خجل شهية تزين وجنتيها، تجيبه باستياء ناعم وبعض من دلال: "مكنتش هطلع أصلًا." رد بثقة ومازال يبتسم: "كنت هنزلك." "ممممـ كنت عايزني في إيه؟! اعتدل بوقفته واقترب منها، يخرج من جيب سترته الجلدية علبة مخملية صغيرة، يفتحها أمام نظراتها المتسائلة.
"عشان ده." نبرته كانت عاطفية، حارة وخاصة وهو يقترب أكثر: "معمول عشانك مخصوص." يميل قليلاً ليخرج الحلقة الذهبية وضوء خافت من بعيد جعلها ترى بوضوح النقش الموجود بداخل الحلقة. "حنين قاسم." يتهجى حروف الاسم أمامها ببطء لذيذ، رغم ثبات نبرته وكأنه يؤكد ملكيته الحصرية. فغرت شفتيها للحظات وهو يتحدث ويُريها خاتمها، لتهمس بانبهار وقد لمعت عيناها كنجمتين مضيئتين: "حلو أوي."
مدت كفها له، ليمسك بها ويلبسها إياه ببطء ونعومة ناقضت شخصه، وبعدما ألبسها قرب كفها الرقيق من ثغره يلثم باطنه بعمق وشغف. كانت لحظة كالسحر، كروعة الغروب باحتضان البحر. ثم أخرج حلقة أخرى فضية وكانت له، بسيطة، مجرد خاتم خطبة عادي دون نقوش، ليأمرها بلطف أن تضعه ببنصرها، وفعلت. لماذا لم يكن لطيف هكذا من البداية.
وبعد انتهائهما من تبادل الخواتم. وكانت مازالت في محيط أنفاسه. وتلك اللحظة لطالما حلم بها، أن تكون بين ذراعيه كما هي الآن. غمغم بنبرة هائمة: "أهو أنا دلوقتي مش عايز أي حاجة من الدنيا." اعتقدتها مبالغة، ولكن نبرته وعاطفته كانت صادقة، اخترقت قلبها بسهولة. يتابع بنفس النبرة: "لو مين حلف لي إني ممكن أقف كده وأقول كلام حلو ورومانسي، كنت هقول عليه مجنون وأديه بالجزمة." عضت على طرف ثغرها بخجل وبسمة خفيفة مرتبكة،
يجذبها بنظرة ثاقبة: "أنا نسيت أي حاجة... كل حاجة، مش فاكر غير العيلة اللي كانت متعلقة في ديلي وقالت إنها بتحبني." مال بطوله لمستوى طولها، واقترب من شفتيها بقبلة صغيرة ليهمس بنبرة أجشة: "قولي إنك بتحبيني." ليخفق قلبها بجنون وهي تميز نظرته العاشقة. جسدها كله يرتجف بين ذراعيه، واعترافه بهذا الشكل، وذلك الاقتراب، وتلك النبرة سحرتها. همست باستنكار خجول: "قاسم... همست اسمه برقة أذابت رجولته ليزداد من التصاقه حتى عانقها.
كان ذلك أول عناق. كان يحدث بينهما تقارب، تقارب بسيط، لمسة كف، مزاح طفيف بالأيدي. ولكن عناق وبهذا الشكل الحميمي لا. ولذلك طال العناق. عناق متبادل. عناق رجل لامرأته. كان عناقًا حارًا لم يطفئه حتى حبات المطر التي بدأت بالهطول باستحياء على رأسيهما. وكان أول من فصل العناق هو يرفع عيناه لأعلى. يغمغم بضيق: "حبكت تمطر النهارده... ودلوقتي." ضحكت من هيئته الضجرة. كانت تعلم بعدم حبه للشتاء والمطر. تابع مستطردًا: "يللا ننزل."
يدفعها برفق ولكنها تشبثت بقدميها. تعانده بإبتسامة: "ملكش في الرومانسية على فكرة! استنكر كلامها: "إني أقف تحت المطر ده رومانسية.. ده اسمه جنان! ناغشته بضحكتها: "بس جنان حلو." نظراتهما تتعانق ثانيةً، واشتعلت النبرة مرة أخرى: "ممممـ تعالى معايا وأنا هوريكي الجنان على أصوله."
وبعد عدة دقائق كانا كلاهما يقفان أمام موتوره، يُعدل من وضعية حجابها، ويغلق سحاب سترتها. ثم جذب خوذته وألبسها إياها وتلاها بالفعل. ركب أولًا ومن ثم هي تتمسك بسترته الجلدية وعلى ثغرها أجمل وأصدق ابتسامة لها على الإطلاق. وتلك واحدة من مغامراته لم يعلم عنها أحد ولن يعلم عنها أحد. سواها.
كانت نورهان تراقب زخات المطر الغزيرة من خلف زجاج نافذتها الشفاف. الجو كان باردًا، ورغم ذلك كانت ثيابها خفيفة قميص قطني يصل طوله لركبتيها يعلوه مئزر له نفس الطول. نظراتها مصوبة للخارج بتركيز ورغم ضبابية الصورة بفضل المطر إلا أنها كانت تتابع حنين وقاسم من مكانها. تميل على الزجاج تكاد تكون ملتصقة به وكأنها تريد أن تصل لهمسهما. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ناعمة وهي تتابع مغادرتهما. "واقفة كده ليه؟!
التفتت دون مفاجأة لأكرم ومازالت بنفس الابتسامة، وقد أنهى لتوه استحمامه. الماء يقطر من رأسه وخصره ملفوفًا بمنشفة وأخرى صغيرة حول عنقه. عادت بعينيها مرة أخرى للخارج، تخبره: "قاسم وحنين خارجين في الجو ده." لم يخف اندهاشه. تساءل: "دلوقتي!!! ... رايحين فين؟! ارتبكت عيناها وهي تلتفت له مرة أخرى. فتتسارع نبضاتها، هزت كتفيها بعدم معرفة. "معرفش."
سار صوب مرآته، يزيح المنشفة الصغيرة من حول رقبته ثم يقوم بنثر بعضًا من عطره على جزعه تحت نظراتها المراقبة. نظرات مثبتة وكأنها مأسورة. مأسورة بوسامته، لحيته، عضلات صدره وهيبته. مأسورة بكل ما فيه. هو رجل يأسر أي امرأة تقع بمحيطه مهما كانت معتدة بنفسها. فكيف بامرأة كحالها.
ارتجف جسدها رغمًا عنها لتحيد ببصرها عنه محاولة تجنب نظراته وهو ينال منها متلبسة بمراقبته. استدارت تسير لغرفة الملابس التابعة لغرفتهما، غابت بداخلها قليلاً وخرجت تحمل له ملابس بيتيه وضعتها براحة على فراشهما. كان مازال أمام المرآة يمشط شعيراته الفحمية، يبادلها النظر من خلال المرآة، وهاته المرة لم تستطع أبعاد نظراتها الولهة عنه، ولا هو. يرمقها بتفحص متمهل بدأً من خصلاتها العسلية المنسابة على كتفها ملابسها البيتية فازدرد ريقه متذكرًا نعومتها. ينتظر خروجها. بكل مرة يبدل بها ملابسه كانت تخرج من الغرفة. شيء لم يحبه ولكن كان لا يعترض. والآن هو ينتظر خروجها. ولكن من وقفتها هكذا يبدو الأمر غير. يبدو وكأنها لن تتحرك من مكانها.
بحياته معها كان دائمًا هو من يريد، يفعل وينهي. ولا مرة كان لها البدء أو حق الرفض. وعلى ذكر الرفض تذكر آخر مرة تجاهلته بها، فغامت عيناه وحاد بنظراته عنها. وكأنها علمت ما يدور بخاطره، سحبت نفسًا طويلًا لداخل صدرها، تحلت بشجاعة ونحت خجلها جانبًا. تسير نحوه لتقف خلفه مباشرة وأناملها أخذت حريتها بالتجول على كتفه. افترقت شفتاه بمفاجأة وهي يراها من وراءه. وعلى الرغم من لمستها البسيطة إلا أن عيناه اشتعلت برغبة ولكنه انتظر. انتظر كمن يشاهد عرضًا ليس هو بطله. ويبدو أن الأمور ستنقلب، وستكون لها المبادرة.
ظل على وقفته هكذا. خشي أن يصدر أي صوت أو حركة فتتراجع. همست بنعومة وهي تتلمس ظهره: "إيه اللي مزعلك... مني! يلتفت إليها متفاجأ بجرأتها. ونظراتهما تتعانق: "طالما سألتي تبقي عارفة." أحنت رأسها تعض على شفتها، تكتم ضحكة استفزته، رفع حاجب يتابع بتسلية: "عارفة بس بتستهبلي."
ضحكت برقة، ثم رفعت نظراتها إليه. وإن كان هو راغب فكانت هي مثلها. استطالت على أطراف أصابعها وطبعت قبلة خفيفة بجانب ثغره. حسنًا اليوم يوم المفاجآت. والبداية كانت لها. كانت جميلة، وجمالها بتلك اللحظة لم يكن لون عينيها بقدر اللمعة البراقة بداخلهما. مبادرتها. طلبها، همسها الناعم.
تحدق بعينيه وسوادهما، فتنساب نظراته على ملامح وجهها وجيدها الناصع. وكان ذلك آخرها بالجرأة. وعلم ذلك من ابتعادها اللحظي وترقبها المنتظر لردة فعله. جذبها لصدره مرة أخرى ينوي التكملة، رد كرمها بكرم مضاعف منه. ليهجم على شفتيها بسيطرة ليبادلها قبلتها المرتجفة بأخرى أشد، وأكثر شغفًا وتطلبًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!