كانت تجلس أمامه، تضع ساقًا على ساق، ويبدو أنها بانتظاره. من احمرار عينيها، يتضح أنها لم تنم. ونظراتها المشتعلة توحي بأن جرعة النكد اليومية ستبدأ ما إن يقول "صباح الخير". اقترب منها وأهداها قبلة خفيفة على كتفها العاري. "صباح الخير يا حبيبتي." واحد.. اثنان.. ثلاثة.. وها قد بدأت وصلة "العكننة" كما يدعي. "كنت فين؟ "آه وصلة النكد بتاعته كل يوم أهي." هز كتفيه بلا معنى. تأفف بنزق. "كون فين يعني؟
كان عندي شغل وسهران عليه." ثم تابع للتأكيد والمزيد من "البجاحة". "ولو مش مصدقاني ابقى تعالي اسهري معايا في المكتب." قالت نيرة بعتاب خفيف ونبرتها قد شابها حزن طفيف: "هو أنا لما بكون قلقانة عليك واسئلك عشان أطمن، يبقى كده بنكد عليك؟ والمثل يقول: 'خدوهم بالصوت'." علت نبرة صوته وتحدث من بين أسنانه بعصبية: "لأ مش قلق.. ده شك.. وبصراحة ابتديت أتخنق. وبعدين انتي عاوزة إيه أكتر من كده؟
سبت كل حاجة وأول ما جدي قال إننا نتجوز، معترضتش. واللي أنا أعرفه إنك كنتي بتحبيني.. متهيأ لي المفروض تكوني مبسوطة وراضية بأي حاجة." قالت وقد تحشرج صوتها: "اتجوزتني عشان جدي بس؟! أغمض عينيه وزفر أنفاسه ببطء، محاولاً تهدئة نفسه. وقد كساه الندم من انفعاله غير المبرر. "لأ أنا بحبك." ثم تابع بتحايل ونبرة متعبة: "بلاش نقلبها نكد يا نيرة، الله يخليكي. أنا تعبان ومصدع وعايز أنام."
ثم دون مقدمات، انحنى برأسه إليها وطبع قبلة على وجنتها. وتركها واتجه صوب غرفة نومهم، وقد قام أثناء سيره بخلع قميصه ورميه أرضًا. "حضريلي هدوم عشان آخد دش على السريع قبل ما أنام." وإن كنت تريد معرفة الحقيقة، فاستمع للمزاح والانفعال. وإن كان نظر خلفه ليرى انكسار نظرتها. ***
كان قاسم يجلس أمام جده الذي كسى الشيب رأسه، في شرفة منزله. يفصلهما طاولة خشبية مستطيلة، عليها كوبان من الشاي، والذي قد قام قاسم بإعداده بنفسه ثم سكبه في كوبين من الزجاج، ووضع ورقتين من النعناع الأخضر في كل كوب.
كانا يتحدثان بشأن العمل. فبالرغم من أن قاسم لم يتجاوز الثلاثين بعد، إلا أنه منذ أن شب وصلب عوده، وهو المسؤول عن ورش النجارة وتصنيع الأثاث الخاصة بجده القاسم. جده الذي وثق به ثقة عمياء، وكيف لا يثق به وهو يرى حفيده قاسم شبيهًا له في كل شيء: شكلاً، طباعًا، واسمًا. وبما أن حفيده المميز والمحبب إلى قلبه أعد له الشاي، فحتماً يريد شيئًا. والجد الماكر يفهم ويعرف ما يجول بخاطر الحفيد الغاضب. ارتشف رشفة فأخرى من كوب شايه،
ثم قال لقاسم بتلذذ: "تسلم إيدك.. بتعمل شاي بيمزجني بجد." ليهتف قاسم بصدق: "أي خدمة يا جدي.. أنت تأمر بس." ثم فتح فمه وأغلقه، وفتحه مرة أخرى في محاولة منه للكلام، ولكنه صمت. وقد انتبه عليه جده، فسأله: "ها.. عايز تقول إيه؟ وكأنه ضغط على زر، فبمجرد أن نطق الجد سؤاله، أجابه قاسم وعيناه مفضوحتان من اللهفة: "بصراحة يا جدي.. أنا عايز أعرف انت هتكلم عمي عماد إمتى في موضوع جوازي أنا وحنين. أنا زهقت وكل ما أكلمك تأجل الموضوع."
قال الجد بهدوء وتفهم: "قولتلك استنى أما حنين تخلص تالتة ثانوي، وساعتها هكلم عماد وأخليه ينزل عشان يبقى الموضوع رسمي." زفر أنفاسه بضيق، ثم هتف بانفعال لم يستطع كبحه: "وأنا لسه هستنى أما عمي ينزل من الكويت.. من يوم ما هو سابها وسافر وأمها رمتها واتجوزت، وانت المسؤول عنها." ثم لانت نبرته قليلًا وتابع بابتسامة جانبية شقية: "وبما إنك المسؤول عنها، جوزها لي..! وكانت إجابة الجد ضحكة ولهجته شديدة الدهشة:
"أجوزها لك مرة واحدة.. طب قول حتى خطوبة." "خطوبة إيه يا جدي.. ما إحنا يعتبر مخطوبين فعلاً." "قولتلك استنى يا قاسم أما السنة دي تخلص، وساعتها نبقى نتكلم وأشوف رأيها.. يمكن مش عاوزاك." قطب حاجبيه بغضب، وقد احتدمت نبرته: "إيه اللي مش عاوزاك دي يا جدي.. أنت عايز تنرفزني وخلاص؟ من إمتى وكان رأي البنات مهم في حاجة زي دي؟ قال الجد بلهجة غير قابلة للنقاش: "أنا مش هغصب عليها يا قاسم، ولو هي مش عاوزاك.. أنا مش هضغط عليها."
مسح قاسم صفحة وجهه بحدة، ثم اقترب برأسه من جده: "بس ده ما كانش كلامك ليا يا جدي.. من يوم يومها وانت وعدتني إنها لما تكبر هتبقى لي." هتف القاسم الكبير بصدق: "وأنا عند وعدي ليك يا قاسم.. بس أهم حاجة عاملها كويس وحاول تحتويها. حنين كبرت وعايزة حد يفهمها مش يشد عليها." التقط قاسم أنفاسه براحة، ثم أمسك بكوبه وارتشف ما تبقى به من شاي. وتحرك مغادرًا بعد أن قبل يد جده. ليستوقفه جده قائلًا بنبرة ذات مغزى:
"قاسم.. العصفور لما بيتخنق من صاحبه بيطير يا قاسم." ليرد الآخر مطمئنًا بعد أن استدار بجسده وغمزة شقية من عينيه: "متخافش يا جدي.. كله تحت السيطرة." وبإشارة عسكرية، ضرب بأصابعه على جانب رأسه وهو يقول "سلام". ثم استدار وأغلق الباب خلفه. ***
في تمام الثانية ظهرًا، كان قاسم يقف أمام مدرسة حنين الثانوية. يميل بجزعه على دراجته النارية، مرتدياً قميص كاروهات أحمر اللون، يثني أكمامه حتى مرفقيه، وبنطال جينز أزرق. ويضع نظارته الشمسية السوداء فوق شعره. نفث دخان سيجارته بملل، وكلام جده يتردد بذهنه بأنه سيضع بيدها الاختيار. ألا يفهم بأنها ملكه هي له فقط؟
رآها تخرج من البوابة الحديدية للمدرسة برفقة صديقاتها. لم تنتبه عليه إلى أن ناداها بصوت مرتفع. انتفضت على صوته، تلفتت حولها بحرج، وأعين البنات مصوبة عليه وعليها، وبعضهن تغامزن فيما بينهن. تقدمت نحوه بخطى سريعة، وما أن وصلت إليه، سألته بغيظ وحرج: "بتعمل إيه هنا يا قاسم؟ رد بهدوء غير معتاد عليه، وهي أيضًا، بينما تزين شفتاه ابتسامة عذبة: "مفيش.. كنت بقضي مصلحة قريبة من هنا.. وقولت أعدي عليكي أروحك في طريقي."
توجست من لطفه غير المعهود. قطبت حاجبيها وقالت: "أنا عليا درس دلوقتي.. هروح مع أصحابي." وهدوءه ولطفه لم يدم سوى دقيقة ونصف، بعد أن عادت عقدة حاجبيه مرة أخرى لتكتمل ملامحه المعتادة بها. سألها بضيق وغيظ ظاهرين في نبرته: "والدرس ده من إمتى؟ مقولتليش عليه يعني؟ والصغيرة ذات الثمانية عشر تتمرد. قطبت حاجبيها بعناد وقالت: "المستر غير المواعيد.. ونسيت أقولك."
مسح على لحيته بكفه. أمسكها من معصمها ليسحبها إليه، وفي قانون قاسم أن يمسك بكفها فهذا يكون قمة الرومانسية. "ممم.. هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين.. تعالي اركبي ورايا هوصلك." تأوهت بصمت من إمساكه بمعصمها. سحبت يدها من قبضته بضيق: "لأ.. مش هاجي معاك.. أنا هروح مع أصحابي." وأشارت عليهم، وهم كانوا بالفعل يتأففون من انتظارها. وعيناه التقطتها على الفور تلك التي نبه وحذر من السير معها، فأشار بنظراته صوبها.
"مش قولتلك البت دي ما تمشيش معاها تاني؟ أجابته بنزق: "أنا مش ماشية معاها.. إحنا كلنا مع بعض." ألقت جملتها ولوحت له منصرفة، تاركة إياه يرمق الأخرى بغضب. بينما الأخرى كانت تضع هاتفها على أذنها تتمتم بصوت غير مسموع سوى للمتصل بها: "لأ.. متجيش دلوقتي خلاص.. ابن عمها موجود!!
وتظل الأنثى أنثى.. تريد الاهتمام، والتدليل، وكلمة "أحبكِ". وهو كان يجيد الاهتمام حد الاختناق والتدليل حد الإفراط.. دون أن ينطق بكلمة "أحبكِ". أليست أفعاله تغني عن نطقها؟ أو كما يقولون: الحب أفعال. وهو رجل أفعال. *** "قصص الهوى قد جننتكِ.. فكلها غيبوبة وخرافة وخيال. الحب ليس رواية يا صغيرتي بختامها يتزوج الأبطال."
في عالم الروايات الوردي، دائماً يكون فارس الأحلام وسيم كالامراء.. طويل كالحائط.. من عائلة أرستقراطية.. والعديد من مميزات لا تمت للواقع بصلة. ولكن الوردية وجدته، بالضبط كما يقول الكتاب. والمميزات التي لا تمت للواقع تجمعت كلها فيه: وسامة.. طول.. وهيبة.. وألف فتاة تتمنى منه نظرة.
كانت تراقبه بخجل مراهقة على أعتاب الصبا. يجلس في أحد أركان النادي على طاولة دائرية موضوع عليها مفرش أبيض به نقط صغيرة حمراء. شعره بني فاتح مصفف جيداً، ذو بشرة حنطية وأنف أرستقراطي. أمامه قدح من قهوته المرة وسلسلة مفاتيحه، وبيده هاتفه. يرتشف رشفة صغيرة من فنجانه، ثم يعيده بهدوء على الطاولة. وكان كل تركيزه منصب على الهاتف، وبأصبعه يمرر ويكتب، ويبدو أنه يتابع عمل مهم.
عينيها كانت شارده تتأمل تفاصيله، وقلبها يتغنى برؤيته، ويردد لسانها بهمس خافت اسمه: "عاصم". "عاصم النجار".. شاب في مقتبل الثلاثين. رجل أعمال ناجح قد استطاع بذكائه ومهاراته أن ينهض بشركة والده المتوفي وأنقاذها من إفلاس مؤكد. ومنذ أن عرفته، ووقعت بحبه. وهي لا تكف عن زيارة حسابه الشخصي على الفيس بوك، وعرفت مواعيد ذهابه للنادي، ونوعه المفضل من القهوة، وبعض تفاصيل أخرى.
واليوم اكتفت من مراقبته وقررت مقابلته. وبمعظم رواياتها الرومانسية، في أول تعارف للبطل والبطله: اصطدام، ثم اعتذار، ثم نظرة، ثم حب.. والخ.. والخ.. ومجرد تخيلها وهي تستند بكفيها على صدره وذراعيه القويتان تحاوطان خصرها، أنعش قلبها واحمرت وجنتاها خجلاً.
وأخيراً انتهى من قهوته. نهض مغادراً، بعد أن سحب مفاتيحه ولا يزال هاتفه بيده يتفحصه غير منتبه لما حوله. والوردية يفصلها عنه خطوات. وكلما اقتربا، كلما زادت خفقاتها، وزاد ارتباكها. ومخططها للاصطدام به برقة لم يفلح، لأنها بالفعل تعثرت خطواتها.. وخطوة فأخرى ارتطمت بصدره بقوة. أسندها بإحدى ذراعيه، وصوت ارتطام هاتفه بالأرضية أفسد اللحظة المنتظرة. ونظرة الحب استبدلت بأخرى غاضبة. والاعتذار وجملة "أنتِ كويسة؟
" استبدلت بنبرة مشتعلة غيظاً وصوتاً مرتفع: "مش تفتحي يا عا**! *** قرابة الساعة يجلس على إحدى ركبتيه أمام الفتاة التي اصطدم بها، يحاول تهدئتها. فبعد أن اصطدم بها.. وهي تبكي. ساعة كاملة تبكي، ولسان حاله يقول: من أين تأتي بهذا الكم من الدموع؟ والعديد من الأشخاص ملتفين حولها. سيدة بعمر والدته تربت على كتفها بحنو: "اهدي يا حبيبتي.. متعمليش ف نفسك كده." وصوت خشن من رجل يقف خلفها يتساءل بحمائية: "هو لمسك ولا ضايقك في حاجة؟
ليهتف عاصم بدفاع عن نفسه: "ما تحترم نفسك.. انت بتقول إيه؟ دي هي اللي خبطت فيا وكسرت موبايلي." تبكي بنحيب عالٍ، وكان بكاؤها الحل الأمثل للهروب من غضبه وحنقه. يداها معقودتان، وخصلاتها المبعثرة من ارتطامهما تغطي وجنتيها. زفر بضيق بعد أن مسح وجهه بحدة وغيظ، ليردف بسخرية محاولاً إنهاء الموقف: "خلاص يا آنسة.. أنا آسف إن انتِ خبطتيني وكسرتيلي فوني اللي كان عليه كل الـ projects وworks files." ومثلما بكت، فجأة هدأت فجأة.
وبلهفة مفضوحة بنبرتها: "بجد يعني.. انت مش زعلان؟ ليجيب بدهشة ممزوجة بسخرية من تبدلها السريع: "لأ خالص." كفكفت دمعاتها، والتفت برأسها لمن حولها، وقالت: "خلاص يا جماعة.. حصل خير.. كان سوء تفاهم واتحل." وكأنهم كانوا ينتظرون ردها، فبمجرد أن قالت جملتها، انفض الجمع من حولها. لتبقى هي مقابلة.. وعيناها الخضراء أسيرة عيناه. "أنا آسفة بجد." وأشارت بعينيها على هاتفه الملقى أرضاً. "مكنش قصدي والله."
ونبرتها كانت مليئة بالاعتذار والخجل. وعاصم "جينتل مان".. ومن المستحيل أن يحرج فتاة كالقمر مثلها، تمتلك شفتان كرزيتان وخصلات عسلية وعيناها خضراء كالعشب. واللمعت عيناه واستيقظت روحه الماجنة والعبث احتل ملامحه ونظراته وصوته، ليقول: "مش نتعرف برضه." والوردية بريئة، ولم تفهم عبثه ومكر سؤاله. ودقات قلبها زادت خفقان. وأحمرت وأصفرت وارتبكت وفركت كفيها بعضهما البعض بشدة. إجابتها جاءت متلعثمة مترددة: "أمنية.. اسمي أمنية."
واستغرب من ترددها وتوترها الباديان. كان مجرد سؤال لم يستدعي كل هذا الارتباك. ولكنه نفض استغرابه وأكمل تعارفه وعيناه تدقق النظر بها وبشفتيها: "وأنا عاصم.. عاصم النجار."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!